بواسطة الفيصل | مارس 7, 2019 | الملف
ليست الجامعة، أي جامعة، مجرد مرحلة في سياق التعليم النظامي، ولا هي أيضًا محض طور من أطوار الإنسان. لعل أكثر أطوار الإنسان حساسية وعمقًا، هو ذلك الذي يقضيه بين أسوار الجامعة، كما أن المرحلة الجامعية هي أهم المراحل التعليمية قاطبة التي تحدد التكوين العلمي والثقافي لما بعدها، ويصبح تأثيرها شاملًا في المجتمع. إذًا، مرحلة التعليم الجامعي، هي فاعل أساس للنهوض والارتقاء بالفرد والمجتمع وإحداث التحولات الكبرى في حياة الشعوب. يعيش الفرد في الجامعة صخب الأيديولوجيات، ويتعرَّف إلى التيارات الفكرية والفلسفية، وتتحدد خياراته ورهاناته السياسية والمذهبية.
موقع «المؤسسة الجامعية» جوهريٌّ في تاريخ المجتمعات الحديثة؛ فهي تمثِّل مركز إشعاع حضاري وتنويري، وانطلاقًا منها يُحسَم الكثير من رؤى التنمية وكيفية تطويرها. والجامعة بوصفها جزءًا من مؤسسات المجتمع المدني، توفر المناخ لصناعة الأحلام الطموحة، «التي تتحدد بوصلةُ الاتجاه على إيقاع تطلُّعاتها الجامحة، ومن ثَم تتحدد معالم المستقبل؛ القريب والبعيد». لكن حال الجامعة تغير اليوم، وتبدَّل معه الوضع العلمي للطالب، وبالتالي انعكس ذلك على المجتمع عامة والتعليم خاصة.
يتحدث اليوم كثير من الخبراء في مجالات شتى، عن أهمية التعليم وعن دوره في النهوض أو الانتكاسة التي تمر بها البلدان العربية، ولعل أكثر ما يعنونه هنا هو التعليم الجامعي. كانت الجامعة بوتقة لأفكار شتى تتلاقح داخل الحرم الجامعي، وليست بالضرورة أن تكون سياسية، بل كانت تشمل التيارات الفكرية والفلسفية والأدبية. وعوامل كثيرة لعبت دورًا في تدهور الجامعة، وتأخُّر الأستاذ الجامعي، وتخلُّف البحث العلمي.
تحولت الجامعة، في آراء مفكرين وباحثين، إلى مجرد مركز أو مؤسسة تخرج موظفين يشغلون وظائف هنا أو هناك، كأنما لم يَعُدِ اليوم من أهمية للتعليم الجامعي سوى أنه يوفِّر للطالب شهادة جامعية تؤهله لنيل وظيفة، وفي المقابل سيتخرج هذا الطالب صِفْرَ اليدينِ من المخزون الفكري والتحصيل الثقافي اللذين يجعلانه فردًا فاعلًا في مجتمعه ويسهمان في تطويره والارتقاء به، لا أن يصبح فقط مجرد موظف.
وفي ضوء ما تشهده الجامعات في العالم من تنافس في الإسهام في إنتاج معرفة كونية، تبدو محاولات الجامعات العربية في هذا الشأن ضئيلة. فباعتراف أكاديميين ومفكرين وباحثين تعيش الجامعة في الوطن العربي في أزمة، تلقي بظلالها على المجتمع كله. فعندما يغيب الدور الطليعي والتنويري للجامعة، تدخل الجامعة في عزلة عن المجتمع.
في هذا الملف الذي تتبناه «الفيصل»، يناقش مفكرون وباحثون وأكاديميون وأدباء الأدوارَ التي لعبتها الجامعة فيما مضى، والحال التي عليها الجامعة هذه الأيام. يتذكرون كيف كانت تصنع الجامعةُ التنويرَ وتربي الأحلام، ويتطرقون إلى ما آلت إليه الجامعة، وكيف ينظر إليها المجتمع والفرد معًا.
بواسطة الفيصل | مارس 3, 2019 | كتب
آمن ليف تولستوي بأن العلم والدين في كل الشعوب والأزمان انطويا على تناقض كبير، هذا التناقض الذي يكمن في رغبة الحب ومقاومة الشر، وهو ما جعلهما سببًا في تصاعد الكراهية ونزيف الدماء. في المقابل، كانت فلسفة غاندي عملية، ويجري تطبيقها على الأرض، وتقوم على مبدأ اللاعنف، حتى إن ضربه عدوه على خده الأيمن كما قال المسيح، أو جرده من ملابسه ودفعه إلى ظلمات الزنازين أو صلبه على صخور الجبال، فلا عنف، هذا المبدأ الذي طالب به أنصاره في جنوب إفريقيا وفي الهند، كل ما هنالك هو الامتناع عن الانصياع للمشاركة في الشر، عبر الرفض السلمي، هذا المبدأ الذي أصبح أكبر حركة سلمية على الأرض لإسقاط الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس في أكبر وأقدم مستعمرة لها وهي الهند.
في كتاب «دولة الحب- مراسلات تولستوي وغاندي» الصادر حديثًا عن دار الرافدين؛ يقدم كل من غاندي وتولستوي، ما سمَّاه مُعِدُّ الكتاب المترجم المصري أحمد صلاح الدين دولة الحب، وهو محور المراسلات التي دارت بين الرجلين في العام الأخير من حياة تولستوي.
في المراسلات يؤكد تولستوي أن الحل ليس في الحب فقط، ولكن في عدم مقاومة الشر، وهو ما يفسد عليه دوافعه لقتل الآخرين… ولم تبتعد دعوة غاندي إلى المقاومة السلمية مما ذهب إليه تولستوي في «رسالة إلى هندوسي»، المكونة من سبعة أجزاء، كل جزء يتصدره مقطع من كتاب الهندوس المقدس «كريشنا»، وقد كتبها تولستوي عام 1908م تعضيدًا للهنود في مواجهتهم لاحتلال الإنجليز لبلادهم.
لا يمكن اعتبار كتاب أحمد صلاح الدين عملًا مترجمًا خالصًا، لكنه أقرب إلى فكرة التحقيق العلمي للرسائل، والتحليل النقدي لما جاء بها، فقد اشتمل على مقدمة طويلة عن العلاقة بين تولستوي وغاندي، وكيف تعرف الأخير إليه عام 1894م من خلال كتابه «مملكة الله بداخلنا»، فحَفَزَه الكتاب إلى المضي قدمًا في فكرته عن اللاعنف أو المقاومة السلمية التي سمَّاها: «ساتياجراها»، كما اشتمل على مقالة عن المزرعة التي أنشأها عام 1910م مهندس معماري يُدعَى هيرمان كالينباخ على مقربةٍ من جوهانسبرغ، ووضعها تحت تصرف أتباع الساتياجراها، ليعلمهم غاندي التطهير الروحي والتكفير عن الذنوب، فضلًا عن إعالته من خلالها أبناء المشاركين في حركته السلمية، هؤلاء الذين يتعرضون للسجن أو الطرد من أعمالهم، وقد رأى كالينباخ أهمية تسميتها باسم «مزرعة تولستوي» تقديرًا لأفكاره عن الحب وعدم مقاومة الشر.
اشتمل الكتاب أيضًا على مقتطفات من سيرة غاندي وأقواله التي نفى فيها كونه نبيًّا أو قديسًا، وأنه صاحب معرفة محدودة، وطوال حياته كانت محبة خدمة الفقراء في قلبه، وأنه اعتاد على التشويه من جانب خصومه، فلم يشغل نفسه بالرد عليهم، إلا إذا تعلق الأمر بأهمية توضيح شيء ما، وأنه ليس معصومًا من الخطأ، لكنه حالم يسعى إلى تحقيق أحلامه.

غاندي
كما تضمن الكتاب مقالًا طويلًا عن تولستوي بعنوان: «الاشتراكي الشعبوي اليوتيوبي»، يذهب فيه الكاتب إلى أن «ليف تولستوي» لم يكن سياسيًّا لكنه كان مهتمًّا بما يجري في عصره، فكان مصلحًا ومفكرًّا أخلاقيًّا مهمومًا بالعدالة في كل تجلياتها، وأنه اهتم بالفكر الاشتراكي لكنه لم يتقبل الاشتراكية العلمية التي اقترحها كارل ماركس وإنجلز لماديتها وتأييدها للعنف الثوري والصراع الطبقي.
في الأول من أكتوبر 1909م كانت أولى رسائل غاندي من فندق ويستمنستر بلس في 4 شارع فكتوريا بلندن إلى تولستوي، تحدث فيها عما يعانيه الهنود من عنصرية بسبب اللون، وعن القانون الذي صدر لتعويق حركتهم ونضالهم من أجل مساواتهم بالآخرين، وأنه الآن في لندن لملاقاة السلطات البريطانية؛ كي تعيد النظر في القانون. تحدث أيضًا عن «رسالة إلى هندوسي» التي وصلته بخط اليد عن طريق صديق له، معلنًا رغبته في طباعتها في عشرين ألف نسخة وتوزيعها، لكنه طلب من تولستوي أن يعيد النظر في رفضه لفكرة إعادة التجسد، حيث إنها من الأفكار الأساسية التي يؤمن بها الهنود.
في السابع من أكتوبر من العام نفسه جاءت الرسالة الأولى من تولستوي إلى غاندي، معلنًا فيها سعادته برسالة غاندي واتفاقهما في الأفكار والأسلوب، لكنه رفض أن يحذف الفقرة الخاصة بإعادة التجسد.
يُحسَب لأحمد صلاح الدين تتبُّعُه لكل الرسائل سواء الإنجليزية أو الروسية، وما كتب عنها في مذكرات كل من غاندي وتولستوي، حتى رسائل الأخير لمساعده تشرتاكوف كي يصحِّح أو يعيد ضبط بعض الكلمات، ورسالة تشرتاكوف إلى غاندي كي يتواصل مع كاتبة بريطانية صديقة له هو وتولستوي كي تكتب عن قضية الهنود ونضالهم السلمي، وكذلك إثباته رسالةَ كالينباخ، صديقَ غاندي، إلى تولستوي، فضلًا عن تعليقه على الرسائل وتقديمه لها، وإثباته مقالَ تروتسكي الموضِّح لفلسفة تولستوي وأهميته الفكرية، وهو ما يجعل الكتاب في مجال التحقيق العلمي للكتب والرسائل.
مقتطفات من الرسائل
قانون الحب
من رسالة لتولستوي
نعم، بإمكاننا أن نناقش في جرائدنا التقدم في مجال الطيران، والاكتشافات الأخرى، والعلاقات الدبلوماسية المعقدة، والروابط والتحالفات المختلفة، وما يسمى الإبداعات الفنية… إلخ، لكننا نمرُّ مرور الكرام على ما جاءت به الفتاة الصغيرة. الصمت هنا جريمة في مثل تلك الحالات؛ لأن الجميع في العالم المسيحي لديه الإحساس نفسه، بدرجة أو بأخرى، على نحو ما، مثل تلك الفتاة. إن الاشتراكية، والشيوعية، والأناركية، وجيش الخلاص، والإجرام المتزايد، والبطالة، ورفاهية الأثرياء العبئية، التي تتزايد بلا حدود، والبؤس المرعب للفقراء، والتصاعد المفزع لعدد حالات الانتحار؛ كل هذا ما هو إلا علامات تعكس ذلك التناقض الداخلي الذي تحتَّم أن يكون حاضرًا، ولا يمكن الخلاص منه؛ وما من شك في أن هذا التناقض الداخلي لن يزول إلا بقبول قانون الحب، ورفض كل أنواع العنف.
النضال الأعظم
من رسالة لغاندي
في رأيي، يعدّ هذا النضال من جانب الهنود في الترانسفال الأعظم في العصور الحديثة، بقدر ما وُضِعَ في صورة مثالية، سواء بالنسبة للهدف المأمول، أو ما يخص الطرق المتبعة للوصول إليه. لست على علم بصراع لا يحاول فيه المشاركون تحقيق أي منفعة شخصية في نهاية الأمر، ولم يعانِ فيه 50 % من الأفراد العناء الشديد، والوضع تحت طائلة القضاء والمحاكمة من أجل المبدأ.
أعلى درجات الشعور الأخلاقي
من «رسالة إلى هندوسي»
إن التسليم بحقيقة أن الحب يمثل أعلى درجة من درجات الشعور الأخلاقي، أمر لم ينكره أو يعارضه أحد، ولكن هذه الحقيقة تشابكت بدهاء في كل مكان مع كل أنواع الأكاذيب التي شوهتها، حتى إنه لم يبقَ منها شيء سوى كلمات. وقد شاع أن تعاليم هذه المشاعر الأخلاقية السامية صالحة للتطبيق فقط في الحياة الخاصة، أو بالأحرى، للاستخدام المنزلي، أما في الحياة العامة فإن جميع أصناف العنف، والسجن، والإعدام، والحروب، والسلوكيات، التي تتعارض تمامًا مع أخف مشاعر الحب. ورغم أن الفطرة السليمة تقول: إنه إذا ما كان بمقدور بعض الناس أن يقرروا من سيخضع من الناس لجميع أنواع العنف لمصلحة الأغلبية، فإن لهؤلاء بالتبعية الحق في اتخاذ القرار ذاته ضد من أساء لهم.
الحب الصافي
من رسالة لتولستوي
كلما منحتني الحياة عمرًا أطول؛ خصوصًا الآن وقد شارفت على الموت، تولَّدت لديَّ رغبةٌ أكبر في التعبير عن المشاعر التي تحرِّك كياني بقوة، للآخرين، تلك التي أعدُّها، وفقًا لرؤيتي الخاصة، ذاتَ أهمية عظيمة. وهو ما يعني أن ما يمكن أن نطلق عليه المقاومة السِّلمية، ليس في الواقع سوى مبدأ الحب الصافي الذي لا يشوِّهه تفسير مزيف. فالحب هو التطلع إلى التوحد والتضامن مع أرواح أخرى. هذا السعي بمنزلة إطلاق العنان لأفعال نبيلة. إن هذا الحب هو القانون الأسمى الفريد للحياة الإنسانية، يشعر به كل إنسان في أعمق أعماق رُوحه. نجده يتجلى بأوضح صوره في نفوس الأطفال. يشعر به الإنسان طالما لم تُعْمِهِ عقائد العالم الباطلة.
ما نحتاجه
من مقالة لتولستوي
ما يحتاجه الهندي الإنجليزي، الفرنسي؛ الألماني، الروسي، ليس الدساتير، ولا الثورات، أو أي نوع من المؤتمرات أو الاجتماعات، ولا الاختراعات الماكرة للملاحة تحت الماء، أو الأشكال المتنوعة من الرفاهية، التي ينعم بها الأغنياء، والطبقات الحاكمة؛ ولا المدارس والجامعات الجديدة، التي تدرس بها علوم لا حصر لها، أو زيادة أعداد الكتب، أو الجرائد، أو الغرامافون، ولا تلك الأشياء الصبيانية، الحمقاء الفاسدة في مجملها، المسماة بالفنون؛ إنما إلى شيء واحد فقط، لا غنى عنه؛ معرفة الحقيقة، الصافية، البسيطة، الكامنة في رُوح كل إنسان، أن قانون الحياة الإنسانية هو قانون الحب، الذي يجلب خيرًا عظيمًا للفرد وللإنسانية جمعاء. فقط، إذا ما حرَّر الناس أنفسهم بوعي بتلك الجبال الشاهقة من التفاهات، التي تحجب الحقيقة عنهم اليوم.

تولستوي
تحيات قلبية
من رسالة مساعد تولستوي إلى غاندي
يرسل تولستوي لك ولرفاقك تحياته القلبية وتمنياتي الدافئة على نجاح عملكم، تقديره الذي ستلمسه من ترجمة خطابه لك. تقبل اعتذاري عن أخطائي في الترجمة باللغة الإنجليزية، لكني هنا في روسيا، البلد الذي أعيش فيه، لا أجد عونًا من رجل إنجليزي يصحح لي أخطائي. وبتصريح من تولستوي، فإن خطابه لك سيُنشَر في دورية صغيرة يَنشُرها بعض الأصدقاء في لندن. سأرسل لك نسخة من المجلة مرفقة بها الرسالة، إضافة إلى بعض المطبوعات الإنجليزية لكتابات تولستوي، تصدرها «فري إيدج بريس».
يبدو لي أنه من المُلحّ أن يعرف الناس المزيد عن حركتك في إنجلترا. أكتب لصديقة رائعة لي ولتولستوي –السيدة فيفي مايو من غلاسغو- لأقترح عليها أن تتواصل معك. إنها تملك موهبة أدبية كبيرة وهي مشهورة في إنجلترا ككاتبة. سيكون من الجيد أن تزودها بجميع منشوراتك التي ستكون بمنزلة مادة لمقال عن حركتك، إذا ما نُشِرتْ في إنجلترا، ستجذب الانتباه لعملك ومكانتك. وربما ستكتب لك السيدة ماي بنفسها.
تولستوي لم يندم على العبودية
من مقال ليف تروتسكي عن تولستوي

ليون تروتسكي
في بداية الستينيات، عندما اجتاحت موجة من الأفكار الأوربية الجديدة المشهد، والأهم من ذلك، علاقات اجتماعية جديدة انتشرت في كل مكان في روسيا، كان تولستوي، قد ترك وراءه بالفعل ثلث قرن: كان في هذا الوقت قد تشكل نفسيًّا تمامًا. ومن الواجب، رغم صعوبة ذلك، التذكير، أن تولستوي لم يندم أو يعتذر عن العبودية، كما فعل صديقه الحميم فيت (شينشين)، مالك الأرض والشاعر الغنائي الغامض، الذي امتلأ قلبه بتفاعل متناغم مع الطبيعة، والحب، مقترنًا في قلبه بسجود العاشق أمام سوط الإقطاع. رسخ في أعماق قلب تولستوي كراهية عميقة للعلاقات الاجتماعية الجديدة، التي حلت محل القديمة. على المستوى الشخصي، كتب تولستوي عام 1861م: «أنا شخصيًّا لا أرى أي تحسّن للأخلاق، ولا نية لديّ في قبول تلك الكلمات. على سبيل المثال، أن العلاقة بين صاحب المصنع والعامل أكثر إنسانية من العلاقة بين المالك والعبد». إن اللغط الذي انتشر في كل مكان وفي كل شيء؛ تحلل طبقية النبلاء القديمة، وتفكك طبقة الفلاحين، والفوضى الشاملة، والحثالة، وبقايا الحطام، والضجيج، وصخب حياة المدينة، والحانة والسيجارة في القرية، وقصيدة المصنع الفكاهية (تشاستوشكا) بدلًا من الأغنية الشعبية؛ كل هذا كان بغيضًا بالنسبة لتولستوي، سواء كأرستقراطيٍّ، أو كفنانٍ. من الناحية النفسية، أدار تولستوي ظهره لهذه العملية الجبارة، ورفض إلى الأبد أن يعترف بها فنيًّا. لم يشعر بأي رغبة داخلية في الدفاع عن العبودية الإقطاعية، ليبقى بكل كيانه منحازًا إلى جانب تلك الروابط التي رأى فيها بساطة حكيمة، والتي كان بمقدوره أن يتوصل بها إلى أشكال فنية كاملة. هناك يعاد خلق الحياة من جيل إلى جيل، ومن قرن إلى قرن، لا تتبدل. كما أنه هناك ضرورة مقدسة في كل شيء. ما من خطوة إلا ولها علاقة بالشمس، والمطر، والرياح، والعشب الأخضر النامي. لا شيء يأتي من عقل المرء، أو من إرادته المتمردة. وبالتالي، ليس هناك ما يسمى بالمسؤولية الشخصية. كل شيء محدَّد سلفًا، مبرَّر مقدمًا، كل شيء مقدَّس. وبما أنه غير مسؤول عن شيء، فلا يمكن للإنسان أن يتخيل شيئًا بنفسه، إنه فقط يستمع ويطيع، كما يقول أوسبنسكي، الشاعر الرائع، الذي أبدع «سلطان الأرض». إن هذه الطاعة الأبدية، تحولت إلى حالة كدح دائم، وهذا بالضبط ما يشكل الحياة التي لا تؤدي ظاهريًّا إلى أية نتائج، من أي نوع، لكن تملك نتيجة في ذاتها… ثم فجأة، معجزة! هذه التبعية الشاقة -دون انعكاس أو اختيار، بلا أخطاء، أو غصة توبة- هذا ما يفتح الباب أمام «السكينة» الأخلاقية العظيمة للوجود تحت وصاية صارمة لـ«آذان الجاودار». يقول ميكولا سيليانينوفيتش، البطل الفلاح في الملحمة الشعبية، عن نفسه: «الأرض الأم تحبني».
بواسطة الفيصل | مارس 3, 2019 | إصدارات

الكتاب: حراس العقيدة: العلماء في العصر الحديث
المؤلف: مجموعة باحثين المترجم: محمود عبدالحليم
الناشر: مدارات للأبحاث والنشر – القاهرة
الموضوع الرئيس لهذا الكتاب هو علماء السُّنة (رجال العلم) في الشرق الأوسط في العصور الحديثة، أولئك الذين تلقَّوا تعليمهم الديني الرسمي، ونالوا درجاتهم العلمية من مدارس وكليات دينية معروفة، وهم أيضًا أولئك الذين عُرِفوا بارتدائهم العباءة والعمامة. ومن الناحية الفكرية لم يكن هؤلاء العلماء يشكلون جماعة فكرية راسخة، بل كانوا يعتنقون اتجاهاتٍ فكريةً متباينةً تُراوِح بين الاتجاه شديد المحافظة وشيء من الليبرالية. ولقد كان معظم أولئك العلماء مرتبطين ارتباطًا وثيقًا بالدولة من ناحية الرواتب، والمؤسسات العلمية، في وظائف المدرسين، والدعاة، والقضاة، والإداريين، ضمن المؤسسة الدينية الرسمية.

الكتاب: قانون أساس إسرائيل – الدولة القومية للشعب اليهودي
المؤلف: مجموعة مؤلفين تحرير وتقديم : هنيدة غانم
الناشر: المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية – مدار
مجموعة من المقالات تلقي الضوء على الأبعاد القانونية والسياسية للقانون، ومتابعة آثاره المختلفة على الفلسطينيين في الداخل من جهة وعلى القضية الفلسطينية وفرص إنهاء الاحتلال من جهة أخرى، ويبحث في خلفية القانون، وعلاقته بالتغيرات التي تمر بها إسرائيل عطفًا على النقاشات الداخلية التي رافقتْ سَنَّهُ.

الكتاب: الأدب والشر
المؤلف: جورج باتاي ترجمة: رانية خلاف
الناشر: دار أزمنة
حظي هذا الكتاب باهتمام لافت. هنا بعض ما كتب عنه: «الأدب ليس بريئًا»، يُعلن باتاي فـي مقدمة هذه المجموعة الفريدة من البورتريهات الأدبية، أنه مذنب وينبغي له أن يعترف بذلك. فقط من خلال الاعتراف بتورطه بمعرفة الشر، يمكن للأدب أن يتواصل بشكل كامل. يستكشف باتاي هذه الفكرة من خلال سلسلة من الدراسات اللافتة لأعمال ثمانية كُتّاب بارزين؛ هم: إيميلي برونتي، وبودلير، وبليك، وميشليه، وكافكا، وبروست، وماركيز دو ساد، وأخيرًا جينيه. تتناول أعمال باتاي موضوعًا واحدًا فقط: تجربة الحافة، بمعنى أن تعيش بكلّ طاقة الحياة، بحدها الأقصى، عند حدود الممكنات. (The Mloomsmury Review). يمنح باتاي بُعدًا ثقافيًّا للإيروتيكي، كما يُضفي على الثقافة بُعدًا إيروتيكيًّا.. قد تكون قراءته لعبة مثيرة للإزعاج. (The New York Times) أحد أكثر الكُتّاب المتسمين بالجرأة والأصالة فـي القرن العشرين (Leo Bersani).

الكتاب: صورة الإسلام في إعلام المحافظين الجدد في الولايات المتحدة الأميركية
المؤلف: عائشة ماجد وزوز
الناشر: مركز الفكر الغربي
يُشكّل الإعلام المرئي والمقروء أهم وسائل نحت ملامح المخالفين في الولايات المتحدة الأميركية لتسويغ المواقف السياسية، التي تريد اللوبيّات فرضها على الإدارة السياسية النمطية للإسلام والمسلمين في إعلام المحافظين. أصحاب النفوذ السياسي الواسع في الإدارات الأميركية المتعاقبة، مع بيان طرائق صناعتها والترويج لها بوصفها من كشوف السبر الموضوعي لحقيقة الشعوب الإسلامية والنصوص المؤسسة لسلوكها.

الكتاب: آفاق إنسانية لا متناهية.. حوارات ومناظرات
المؤلف: سعيد بوخليط
الناشر والمترجم: دار عالم الكتب – الأردن
تسعى هذه الترجمة إلى العربية، عبر ضمها لمتواليات هذه الفسيفساء الحوارية والتناظرية، عرض وتجميع وتأريخ وتوثيق أفكار وتصورات بعض الشخصيات المهمة لمسار الثقافة الإنسانية، حاضرًا وعلى امتداد المستقبل البعيد. حوارات وسجالات ونقاشات، تنوعت روافدها بين أصول الفلسفة والتاريخ والاقتصاد والموسيقا والطب والصحافة والتشكيل والرواية والأدب والتقنية وعلم الاجتماع… إلخ. بقدر انحدار أصحابها وانتمائهم إلى جغرافيات سوسيو- ثقافية مختلفة؛ عربية وأوربية وأميركية وإفريقية وآسيوية.

الكتاب: عشب مكسور من وسطه
المؤلف: عارف حمزة
الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب
يقع الديوان في 85 صفحة ويضم 28 قصيدة قصيرة، تدور في فلك «قصيدة النثر»، تخيم على مناخاتها نظرة وجودية للحياة، تعتمد على بنية السؤال المفتوح المثير للتأمل والدهشة.
عارف حمزة، حسب الناقد صبحي حديدي، «صوت لافت، ومميز تمامًا، بالقياس إلى مجايليه من الشعراء الشباب الذين ظهروا مع مطلع القرن الجديد، وتوجب أن يواجهوا مشقتَين في آن معًا: الانشقاق، ولكن بقوّة وجلاء وبَصَمَات فارقة، عن شجرة نسب قصيدة النثر السورية الثمانينية والتسعينية، متشابكة الجذوع والأغصان، من جهة أولى؛ ومشقة ثانية، تخصّ الشعراء الشباب الكُرد الذين يكتبون بالعربية، هي تفادي قصيدة سليم بركات، وظلّه العالي، وسطوته المباشرة وغير المباشرة في قلب المشهد الكردي على وجه التحديد.
بواسطة الفيصل | مارس 3, 2019 | تحقيقات
كانت العلاقة بين الأدب والسينما أشبه بتوأمة بين الفنين، فالروائيون يقدمون رؤيتهم للعالم في أعمالهم، وكتاب السيناريو يضيفون رؤاهم إلى هذه الأعمال ويحولونها إلى واقع يتحرك على الشاشة الفضية. ومن يطالع قائمة أفضل مئة عمل في تاريخ السينما المصرية يجد أن ثلثها مأخوذ عن أعمال أدبية لكُتّاب كبار، في مقدمتهم نجيب محفوظ ويحيى حقي وتوفيق الحكيم ويوسف السباعي ويوسف إدريس وإحسان عبدالقدوس وطه حسين وعلي أحمد باكثير وغيرهم. لكن هذه العلاقة تغيرت، ولم تعد السينما بوابة تتويج الأدب ولا مصدر تعميمه على الجمهور، فقد انحصرت العلاقة في حدود إنتاج عملين أو ثلاثة خلال عقد من الزمن، ولا بد من توافر شروط بعينها في العمل الروائي كي تلتفت إليه السينما، حتى الأدباء الذين عملوا في مجال كتابة السيناريو، وذاعت شهرتهم من خلاله، لم يفكروا في تحويل أعمالهم الروائية، ولا أعمال غيرهم إلى السينما، كما لو أن السينما والأدب أصبحا على خصام، ولم يعد متاحًا تلاقيهم من جديد، فما الذي حدث؟ وكيف يمكن أن تعود العلاقة لسابق عهدها، وما الشروط التي تحددها السينما لاختيار عمل أدبي؟
في البداية نفى السيناريست عبدالرحيم كمال الذي قدَّم للدراما المصرية العديد من الأعمال الشهيرة والمهمة -من بينها «الخواجة عبدالقادر- دهشة- الرحايا- شيخ العرب هَمَّام- يونس ولد فضة- الكنز»- أن تكون الدراما استبعدت الأدب من خريطتها، موضحًا أن الدراما «قدمت العديد من الأعمال الروائية مثل «ذات» لصنع الله إبراهيم، و«واحة الغروب»، و«خالتي صفية والدير» لبهاء طاهر، و«لا تطفئ الشمس» لإحسان عبدالقدوس، ومسلسل «دهشة» المأخوذ عن «الملك لير» لشكسبير. ويذهب إلى أن السينما قدمت أعمالًا لعلاء الأسواني وأحمد مراد وإبراهيم عيسى وسواهم، ثم يستدرك قائلًا: «لكن الروايات الجديدة من بعد جيل الكبار ليس في غالبيتها دراما حقيقية». ويضيف بما يشبه الاتهام أن الأعمال الروائية للشباب، «عادة ما تكون أعمالًا غربية أو أجنبية يتم تمصيرها، ومن الصعب أن نجد بينها أعمالًا تصلح للدراما أو السينما، فالرواية في مجملها الآن أعمال مفتعلة أو مستوردة».
وأكد عبدالرحيم على أن هذه قناعته الشخصية التي استقاها من قراءاته، ومتابعته لما يصدر من أعمال، «أنا في الأساس كاتب روائي، ومتابع جيد للوسط الثقافي، وأؤكد لك أنه من الصعب مقارنة الأجيال الحالية رغم ما قيل عن انفجار الرواية وانتشارها، بالأجيال السابقة، سواء من حيث النضج الفني أو الرؤية الدرامية، فلا يوجد عمل بقوة «مالك الحزين» لإبراهيم أصلان كي تستفيد منه السينما في تقديم عمل مثل فِلم «الكيت كات»، نافيًا أن يكون للإنتاج أي تدخل في قلة الأفلام المعتمدة على أعمال روائية، «الإنتاج لا يعنيه إن كان العمل سيناريو من الأساس أم معتمدًا على عمل روائي، ولن تفرق معه في ميزانيته تخصيص مكافأة للكاتب عن روايته».
ذوق الجمهور والعمل المليء بالدلالات
في حين يذهب الناقد السينمائي كمال القاضي إلى نقيض ذلك، مؤكدًا أن «أي عمل سينمائي يستلزم التعاقد مع الكاتب، وهو ما يعني ميزانية إضافية على المنتج». ويلفت إلى أن الجانب الثاني من المعادلة يكمن «في ذوق الجمهور ذاته، الذي لم يعد متوافقًا مع العمل الأدبي المليء بالدلالات، ومن ثم فالمخرجون ما عادوا يفضلون التعامل مع السيناريو المأخوذ عن أعمال روائية». ويتطرق القاضي إلى أن داود عبد السيد وكاملة أبو ذكري ويسري نصر الله، كانوا يفضلون الأخذ عن أعمال أدبية، ويرى أن تجربة مخرج كداود عبد السيد في فلم «الكيت كات» كانت تجربة ناجحة جدًّا، جمعت بين الإقبال الجماهيري والعمق الفني». غير أنه يعود ليقول: إن داود عبد السيد «يشكو الآن من المسافة التي أصبحت بينه وبين المنتجين، لتمسكه بالقيمة وتمسكهم بالربحية، أما كامل أبو علي فقد انسحب من سوق الإنتاج؛ لأن منافسيه يقدمون أعمالًا غثة لكنها تربح، وهو لا يستطيع أن يجاريهم»، مؤكدًا أن كُتّاب السيناريو الذين يتناولون الأدب كفنٍّ أصبحوا قليلين، «ومن ثَم قلَّت فاعلية وحضور الأدب في السينما، ولم تبقَ سوى بعض أسماء قليلة مثل وحيد حامد الذي يفتش عن أعمال أدبية تصلح للسينما، ويسري الجندي دائم التنقيب في حقب التاريخ وكتبه، ومن قبل كان أسامة أنور عكاشة، الذي برحيله تقلص عدد المؤمنين بالأدب ودورهم في الخيال السينمائي». وتوقف عند تجربة تحويل أعمال بهاء طاهر «خالتي صفية والدير»، و«واحة الغروب» إلى الدراما، قائلًا: «هي تجربة لا يمكن التشكيك في جودتها، وبخاصة أن بهاء اعتمد التوازن الفني والفكري في أعماله، وخروجاته كانت حسب مقتضيات الضرورة الفنية، وبالتالي كان المخرج والمنتج سعداء بالتجربة ككل». وعلى النقيض جاء رأيه في تجربة «الفيل الأزرق» لأحمد مراد، فقد ذهب إلى أنها «من التجارب الجميلة، لكنها لم تلقَ نجاحًا لدى الجمهور لغرائبيتها وعدم وضوحها». ويعتقد كمال القاضي أن الأفلام المأخوذة عن أعمال روائية، «لا تراهن على الإقبال الجماهيري، بقدر ما تراهن على حصد الجوائز والخروج من المحيط الإقليمي المحدود».
مشكلة كُتّاب السيناريو الجُدد
أما أستاذ النقد في المعهد العالي للسينما الدكتور ناجي فوزي فاختصر القضية في كُتّاب السيناريو الشباب، قائلًا: «لدينا كتاب سيناريو بارعون في كل شيء ما عدا النقل عن الأدب، فغالبيتهم ليست لديهم إمكانيات تكثيف عمل روائي في فِلم مُدَّته ساعة ونصف، ولا تطوير أُقصُوصة من صفحات عدة إلى عمل سينمائي كبير، وهذه مشكلة لدى كتاب السيناريو الشباب أو الجدد». ويرى الدكتور ناجي أنه لا يوجد توقف في السينما حتى الآن عن التعامل مع الأعمال الأدبية، «ولكن كل ما هنالك هو تراجع لهذا التعامل». ويشير إلى أن السينما تقوم على فكرة الموجات المتلاحقة، وأن أدب نجيب محفوظ نفسه، لم يعد يشهد الإقبال عليه من قبل السينمائيين الآن، «السينما موجات. وقد انحسرت في السنوات الأخيرة موجة الاعتماد على الأسماء الكبيرة في الأدب، فلا أحد يقلب في كنز نجيب محفوظ، رغم أن ما قدمه نجيب لا يختلف كثيرًا عما نعيشه الآن، فالأحياء التي كتب عنها والمعروفة بالأحياء الشعبية الفقيرة هي نفسها المناطق العشوائية لدينا، ولكن بتخطيط القرون الوسطى».
ويدين الدكتور ناجي صناعة السينما الراهنة، متهمًا إياها بأنها «تقود المصريين إلى التدني، رغم اعتمادها في بعض الأفلام على أعمال أدبية مثل «يعقوبيان» التي تعاني مشكلةً في البناء الفني، إلا أن السينما قدمتها بشكل جيد». ويقول: ليست لدينا الرغبة في التعلم، فتعلم الأدب لا يتوافق مع التدني الذي يسعى إليه الناس، والميديا في عمومها تقود المصريين الآن إلى التدني في الثقافة والعلاقات الاجتماعية، ومن ثم فنحن في طور التدني الذي يتفق مع الابتعاد من الأدب كمصدر للعمل السينمائي، وعندما كانت الدولة شريكًا في عملية الإنتاج في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات كانت قادرة على ضبط المنظومة، وكانت السينما تبحث عن الأعمال الأدبية لأهميتها، وليس لشهرتها كما في «يعقوبيان» أو «الفيل الأزرق».
أدوات الرواية والسينما
يرفض الكاتب إبراهيم عبدالمجيد التحدث بشكل مباشر عن تجربته مع الدراما، على الرغم من أنها قدمت له رواية «لا أحد ينام في الإسكندرية» التي حققت إقبالًا جماهيريًّا كبيرًا حين عرضها، وأصرَّ على الحديث بشكل عام حول العلاقة بين الأدب والسينما؛ إذ يقول: «الرواية لها أدوات لتنفيذها وهي اللغة، والسينما لها أدوات وهي الصورة، وليس بالضرورة أن تعبر الصورة عما تعبر عنه اللغة، ففي الرواية من الممكن أن أكتب عشر صفحات لوصف المكان، وفي السيناريو من الممكن أن يتم التعبير عن هذا المكان في مشهد واحد».
ويذهب عبدالمجيد إلى أن السينما رغم أنها أكثر إيجازًا من الأدب، «إلا أنها تشتمل على كل الفنون، فيها السرد من الرواية والقصة، والحوار من المسرح، والتشكيل البصري واللوني من الفن التشكيلي، والشعر في شعرية الصورة، وغيرها». ويرى أن السينما تخون العمل الأدبي، مؤكدًا على عدم التطابق بين السينما والعمل الأدبي، «ليس شرطًا أن تكون السينما مطابقة للعمل الروائي، ولا أن تكون في مستواه، فأغلب الأفلام المأخوذة عن روايات لنجيب محفوظ لم تقدم كل معاني الرواية وأفكارها، وهذا لا يعني أنها سيئة أو ضعيفة، ولكنها لن تكون مطابقة للعمل الروائي». ويوضح عبدالمجيد أن السينما أثرت في لغته ورؤيته في الكتابة، «صرت أهتم بصناعة الصورة أكثر من اللغة». ويضيف أنه ليس وحده الذي تأثر بالسينما، «هناك كتاب أدخلوا لغة السيناريو في كتابتهم الروائية، بداية من مجيد طوبيا وصولًا إلى محمود الغيطاني». ويذكر أن الأسباب التي لا تجعل السينما تقبل على الأخذ عن أعمال روائية، هو سرقة الأفلام وبثها على اليوتيوب، وأن مسلسلات الدراما أصبحت أكثر ربحية ومن الصعوبة سرقتها. ويقول: «بعد انهيار مؤسسة السينما لم يعد لدينا منتجون مغامرون مثل رمسيس نجيب، ولكن الكل يهتم الآن بالمسلسلات، وفي الأخير لم تعد لدينا قاعات عرض، فالمتاح الآن أقل من ربع ما كان موجودًا في الستينيات».
اجتهاد ضد الضمير
الكاتبة الروائية هناء عطية -صاحبة سيناريو فلم «يوم للستات» الذي شارك في عدد من المهرجانات وحاز جائزة السينما الإفريقية بإيطاليا- تقول: إن «90 في المئة من أفلام السينما الآن مسروقة من أفلام أميركية، ولا يوجد اجتهاد أو قراءة لدى كتاب السيناريو، فالسينما الآن استهلاكية ولا اجتهاد فيها». وتضيف: «أن الجزء المتبقي من كتاب السيناريو يجتهدون ويقرؤون الأعمال الأدبية، «لكن اجتهادهم في الغالب يكون ضد الضمير والأعراف الإنسانية»، وهؤلاء غالبيتهم يسطون على العمل الأدبي، وبدلًا من أن يقول هذا عَمَلُ مَنْ، أو نقلًا عن رواية أو قصة مَنْ، فإنه ينسب الفكرة والموضوع لنفسه، وهؤلاء ليسوا نسبة قليلة، فالنسبة القليلة هي التي تقوم بتأليف السيناريو من دون سرقة لا من أفلام أجنبية ولا من أعمال روائية لكتاب غير معروفين».

هناء عطية
وعلى الرغم من أن هناء عطية كاتبة روائية، فإنها لم تفكر في تحويل أي من أعمالها، ولا أعمال أصدقائها إلى عمل روائي، عن ذلك تقول: «أنا درست سيناريو في معهد السينما، وأؤلف مباشرة للسينما، وأنا أيضًا كاتبة روائية، لي أعمال معروفة، من بينها عملي الآخير «رمادي» الصادر عن دار بيت الياسمين، لكن لم أفكر في تحويل أعمال روائية سواء لي أو لغيري، ولا أعرف السبب، لكن في شكل عام أنا عندي أفكاري الخاصة التي أكتبها للسينما مباشرة». وتذهب هناء إلى أنه ليست كل الأعمال الروائية قابلة لتحويلها إلى السينما؛ لأنه «كلما ازدادت القيمة الأدبية للعمل صعب تحويله للسينما»، وحددت مواصفات الرواية التي تحول إلى السينما بأنها «البيست سيلر، أو المكتوبة للقارئ الجديد الذي يقرأ على «البلاج»، وليس لديه ميراث أدبي، أو أعمال انتشرت وأصبحت موضة»، وتؤكد أن «العمل الأدبي كلما ارتفعت قيمته الأدبية قل عدد قُرّائه، وتحويله للسينما يصبح صعبًا».
جمهور السينما المثقف أصبح يشاهد أعمالًا فارغة المحتوى
أكد المخرج السوري أنور القوادري حدوث القطيعة بين السينما والأدب، قائلًا: «للأسف لم يعد هناك اهتمام بتحويل أو اقتباس الأعمال الأدبية إلى أفلام سينمائية؛ لأن المنتجين السينمائيين أصبحوا يبحثون عن أفلام تجارية بحتة، معظمها من دون أي مضمون، وتثير الغرائز، وبلا أي رسائل تفيد أو تصلح المجتمع.. كما أن جمهور السينما المثقف الذي كان يقرأ ويطالع في القرن الماضي لم يعد يقرأ، وأصبح مشاهدًا ومتابعًا لمسلسلات تركية ومكسيكية وهندية تمتد حلقاتها الفارغة المحتوى إلى ١٥٠ حلقة، بوقت مهدور وضائع بعيدًا من الثقافة والفن».

أنور القوادري
ويذهب القوادري في حديث لـ«الفيصل» إلى ضرورة عودة الإنتاج الحكومي كحلّ لضبط الإيقاع السينمائي، «لا شك أن الدعم الحكومي لإنتاج أفلام سينمائية فنية مهم جدًّا لنقدم أفلامًا ممكن أن تبقى خالدة وتصبح من كلاسيكيات السينما بالتوازي مع أفلام القطاع الخاص»، مشيرًا إلى أنه في الدول المتقدمة مثل فرنسا وإيطاليا وألمانيا، «يدعمون أفلامًا ذات مستوى فني وثقافي من دون النظر إلى شباك التذاكر.. ولولا هذا الدعم في السابق لَمَا أُنتِجتْ أفلام رائعة مثل: «المومياء» و«الزوجة الثانية» و«شيء من الخوف» على سبيل المثال».
بواسطة الفيصل | مارس 3, 2019 | مقدمة الملف
ليست الجامعة، أي جامعة، مجرد مرحلة في سياق التعليم النظامي، ولا هي أيضًا محض طور من أطوار الإنسان. لعل أكثر أطوار الإنسان حساسية وعمقًا، هو ذلك الذي يقضيه بين أسوار الجامعة، كما أن المرحلة الجامعية هي أهم المراحل التعليمية قاطبة التي تحدد التكوين العلمي والثقافي لما بعدها، ويصبح تأثيرها شاملًا في المجتمع. إذًا، مرحلة التعليم الجامعي، هي فاعل أساس للنهوض والارتقاء بالفرد والمجتمع وإحداث التحولات الكبرى في حياة الشعوب. يعيش الفرد في الجامعة صخب الأيديولوجيات، ويتعرَّف إلى التيارات الفكرية والفلسفية، وتتحدد خياراته ورهاناته السياسية والمذهبية.
موقع «المؤسسة الجامعية» جوهريٌّ في تاريخ المجتمعات الحديثة؛ فهي تمثِّل مركز إشعاع حضاري وتنويري، وانطلاقًا منها يُحسَم الكثير من رؤى التنمية وكيفية تطويرها. والجامعة بوصفها جزءًا من مؤسسات المجتمع المدني، توفر المناخ لصناعة الأحلام الطموحة، «التي تتحدد بوصلةُ الاتجاه على إيقاع تطلُّعاتها الجامحة، ومن ثَم تتحدد معالم المستقبل؛ القريب والبعيد». لكن حال الجامعة تغير اليوم، وتبدَّل معه الوضع العلمي للطالب، وبالتالي انعكس ذلك على المجتمع عامة والتعليم خاصة.
يتحدث اليوم كثير من الخبراء في مجالات شتى، عن أهمية التعليم وعن دوره في النهوض أو الانتكاسة التي تمر بها البلدان العربية، ولعل أكثر ما يعنونه هنا هو التعليم الجامعي. كانت الجامعة بوتقة لأفكار شتى تتلاقح داخل الحرم الجامعي، وليست بالضرورة أن تكون سياسية، بل كانت تشمل التيارات الفكرية والفلسفية والأدبية. وعوامل كثيرة لعبت دورًا في تدهور الجامعة، وتأخُّر الأستاذ الجامعي، وتخلُّف البحث العلمي.
تحولت الجامعة، في آراء مفكرين وباحثين، إلى مجرد مركز أو مؤسسة تخرج موظفين يشغلون وظائف هنا أو هناك، كأنما لم يَعُدِ اليوم من أهمية للتعليم الجامعي سوى أنه يوفِّر للطالب شهادة جامعية تؤهله لنيل وظيفة، وفي المقابل سيتخرج هذا الطالب صِفْرَ اليدينِ من المخزون الفكري والتحصيل الثقافي اللذين يجعلانه فردًا فاعلًا في مجتمعه ويسهمان في تطويره والارتقاء به، لا أن يصبح فقط مجرد موظف.
وفي ضوء ما تشهده الجامعات في العالم من تنافس في الإسهام في إنتاج معرفة كونية، تبدو محاولات الجامعات العربية في هذا الشأن ضئيلة. فباعتراف أكاديميين ومفكرين وباحثين تعيش الجامعة في الوطن العربي في أزمة، تلقي بظلالها على المجتمع كله. فعندما يغيب الدور الطليعي والتنويري للجامعة، تدخل الجامعة في عزلة عن المجتمع.
في هذا الملف الذي تتبناه «الفيصل»، يناقش مفكرون وباحثون وأكاديميون وأدباء الأدوارَ التي لعبتها الجامعة فيما مضى، والحال التي عليها الجامعة هذه الأيام. يتذكرون كيف كانت تصنع الجامعةُ التنويرَ وتربي الأحلام، ويتطرقون إلى ما آلت إليه الجامعة، وكيف ينظر إليها المجتمع والفرد معًا.