إقرار تدريس الفلسفة في المناهج السعودية لمواكبة التطورات الفكرية

إقرار تدريس الفلسفة في المناهج السعودية لمواكبة التطورات الفكرية

أتاح القرار السعودي الذي ينص على تدريس الفلسفة ضمن المناهج الدراسية لطلبة الثانوية، مناسبة لإعادة تأمل أهمية الفلسفة في المجتمع، وبالنسبة للطالبات والطلاب ومدى انعكاس ذلك إيجابًا في المستقبل، فالفلسفة تعني السؤال وطرح مزيد من الأسئلة، وهو ما كانت تتحاشاه فئات اجتماعية، تريد فرض إجابات جاهزة، وبالتالي جعلت من المجتمع مجرد متلقٍّ سلبيٍّ في المجالات كلها. مع دخول الفلسفة سيتغير الأمر، كما يرى عدد من المهتمين، وسيعمل المجتمع عقله وفكره في كثير من القضايا والموضوعات ولن يكون رهينًا لفئة اجتماعية أو دينية بعينها.

من ناحية، تواجه منتديات الفلسفة، التي تشكلت منذ سنوات وضمت مهتمين بالفلسفة والفكر الفلسفي، ووجدت حواضن لها في الأندية الأدبية، تحديات عدة، منها‏‏: ضبابية مفهوم ‏الفلسفة في المجتمع، ونخبوية الطرح، وضرورة ربطها في حياتنا ‏المعاصرة والاستفادة ‏منها، وصعوبة الخروج بها الى الجمهور. لكن تلك التحديات آخذة في التلاشي شيئًا فشيئًا وهذا ما يجعل الإقبال الاجتماعي على المنتديات الفلسفية يتجلى في التداول الفكري، الذي تشهده وسائل التواصل ‏الاجتماعي، وهو ما يجعل المنتديات الفلسفية تصبح معبرًا عن حراك إيجابي فعال. ومع إقرار تدريس الفلسفة في مناهج التعليم العام، برزت أسئلة منها: هل اكتُشِفَ أنْ لا خطورة من الفلسفة؟ الحلقات الفلسفية هل هيأت المناخ لمثل هذا القرار؟ هل عملت على إنشاء جيل أو مهتمين بالفلسفة؟ ما أبرز التحديات التي واجهتها؟

«الفيصل» تنشر هنا مشاركات لعدد من الكتاب السعوديين حول الفلسفة وأهميتها في المجتمع السعودي:

عبدالله الهميلي: اكتشاف‎ ‎الفلسفة

أبسط‎ ‎المقولات‎ ‎الفلسفية‎ ‎هي‎ ‎التي‎ ‎تقول:‎ إن‎ ‎كل‎ ‎الناس‎ ‎فلاسفة‎ ‎ولديهم‎ ‎القدرة‎ ‎على‎ ‎التفلسف، ‎وهي‎ ‎موجودة‎ ‎في‎ ‎معظم‎ ‎فسيفساء‎ ‎العلوم‎ ‎الطبيعية‎ ‎والاجتماعية.‎ ‎

ما زالت‎ ‎الفلسفة‎ ‎حية‎ ‎وتطورت‎ ‎موضوعاتها‎ ‎على‎ ‎مر‎ ‎التاريخ‎ ‎وحِقَبِه‎ ،‎هل‎ ‎يمكن‎ ‎الاستغناء‎ ‎عن‎ ‎الفلسفة‎ ‎في‎ ‎هذا‎ ‎العصر؟! ‎بالتأكيد‎ ‎لا‎‎. قد‎ ‎يكون‎ ‎هيغل‎ ‎هو‎ ‎آخر‎ ‎فيلسوف‎ ‎شمولي‎ ‎من‎ ‎ناحية‎ ‎اهتمامه‎ ‎بالمطلق‎ ‎لكن‎ ‎طالما‎ ‎هناك‎ ‎سؤال‎ ‎سيكون‎ ‎هناك‎ ‎تفلسف. تنتهي‎ ‎حدود‎ ‎الوجود‎ ‎عند‎ ‎نهاية‎ ‎التساؤل‎ ‎ووجود‎ ‎الإجابات‎ ‎واليقينيات‎.

مقولة‎ ‎هايدغر‎ ‎في‎ ‎كتابه‎ «نهاية‎ ‎الفلسفة‎ ‎ومهمة‎ ‎التفكير» ‎كانت‎ ‎داخل‎ ‎الاشتغالات‎ ‎الفلسفية‎‎،‎‎يموت‎ ‎الشيء‎ ‎حينما‎ ‎يتحول‎ ‎إلى‎ ‎دوغما‎ ‎ماتت‎ ‎الأيديولوجيات‎ ‎وبقيت‎ ‎الفلسفة،‎ ‎بالتالي‎ ‎مقولته‎ ‎هذه‎ ‎فلسفية‎ ‎بامتياز‎ ‎ولا‎ ‎نستطيع‎ ‎أن‎ ‎نعترف‎ ‎بمقولة‎ ‎موت‎ ‎الفلسفة‎ ‎ممن‎ ‎هو‎ ‎ليس‎ ‎متفلسفًا‎ ‎كستيفن‎ ‎هوكينغ‎ ‎على‎ ‎سبيل‎ ‎المثال‎ ‎وغيره‎ ‎فهو‎ ‎ليس‎ ‎فيلسوفًا‎،‎ فلاسفة‎ ‎ما بعد‎ ‎الحداثة‎ ‎يرفضون‎ ‎صفة‎ ‎الفيلسوف‎ ،‎وأعتقد‎ ‎أن الفيلسوف ‎ ‎بالمعنى‎ ‎التقليدي ‎هو ‎الذي‎ ‎يمثله‎ ‎هيغل‎ ‎وغيره‎.

من‎ ‎خلال‎ ‎تعريف‎ جيل ‎دولوز‎ ‎للفلسفة‎ ‎بوصفها إبداع‎ ‎المفاهيم‎ ‎في‎ ‎كتابه‎ ‎المشترك‎ ‎مع‎ ‎المحلل‎ ‎النفسي‎ ‎فليكس‎ ‎غوتاري «‎ما هي‎ ‎الفلسفة» ‎أعتقد‎ ‎من‎ ‎يبدع‎ ‎مفاهيميًّا‎ ‎حول‎ ‎الحياة‎ ‎والوجود‎ ‎وقضاياها‎ ‎يستحق‎ ‎لقب‎ ‎فيلسوف‎ ،‎الفلسفة‎ ‎أصبحت‎ ‎معادلًا‎ ‎للحياة. ومن‎ ‎خلال‎ ‎توصيف‎ ‎هوسرل‎ ‎للفيلسوف‎ ‎بأنه‎ ‎موظف‎ ‎البشرية‎ ‎وهو‎ ‎توصيف‎ ‎حقيقي‎ ‎لمهمة‎ ‎الفيلسوف. ‎فيلسوف‎ ‎العلم‎ ‎الصارم‎ ‎كارل‎ ‎بوبر‎ ‎في‎ ‎كتاب «درس‎ ‎القرن‎ ‎العشرين» ‎وهو‎ ‎كتاب‎ ‎حواري‎ ‎مهم‎ ‎يتحدث‎ ‎عن‎ ‎مآلات‎ ‎الإنسان‎ ‎ومآزقه‎ ‎خصوصًا‎ ‎مع‎ ‎انهيار‎ ‎الأيديولوجيات.‎ ‎نحن‎ ‎الآن‎ ‎في‎ ‎عصر‎ ‎العلم‎ ‎وهذا‎ ‎لا شك‎ ‎فيه‎ ‎لكن‎ ‎من‎ ‎الذي‎ ‎يخلق‎ ‎حوارية‎ ‎مع‎ ‎العلوم‎ ‎والتقنية‎ ‎ويحاول‎ ‎أنسنتها‎ ‎ومساءلتها‎ ‎غير‎ ‎الفيلسوف‎ ‎والمفكر.‎ قد‎ ‎تكون‎ ‎لدينا‎ ‎مشكلة‎ ‎في‎ ‎الفلسفة‎ ‎القارية‎ ‎الترنسندنتالية‎ ‎والفلسفات‎ ‎المهووسة‎ ‎بأحاديث‎ ‎النهايات‎ ‎وبلاغتها‎،‎لكن‎ ‎الفلسفات‎ ‎الأخرى‎ ‎من‎ ‎ضمنها‎ ‎الأميركية‎ ‎المعاصرة‎ ‎التي‎ ‎تجاوزت‎ ‎البراغماتية‎ ‎تجاوزت‎ ‎هذه‎ ‎البنية‎ ‎المتعالية‎ ‎للفلسفة‎ ‎لتتوازى‎ ‎مع‎ ‎الحياة.

ما ينوه‎ ‎به‎ ‎الفيلسوف‎ ‎كارل‎ ‎ياسبرز‎ ‎في‎ ‎مخطوطته‎ ‎الأخيرة‎ ‎المعنونة‎ ‎بـ«‎تاريخ‎ ‎الفلسفة‎ ‎بنظرة‎ ‎عالمية‎»، أنه «‎ينبغي‎ ‎أن‎ ‎يكون‎ ‎تاريخ‎ ‎الفلسفة‎ ‎نفسه‎ ‎فلسفة».

ولن‎ ‎يستوعب‎ ‎القضايا‎ ‎الفلسفية‎ ‎إلا‎ ‎المتفلسف‎ ‎فمعرفة‎ ‎اللغة‎ ‎لا تكفي‎ ‎للفهم‎ ‎حيث‎ ‎مهمة‎ ‎التفكير‎ ‎في‎ ‎تاريخ‎ ‎الفلسفة‎ ‎والقضايا‎ ‎الفلسفية‎ ‎بأن‎ ‎نتجه‎ ‎صوب‎ ‎الأفكار‎ ‎الفلسفية‎ ‎عبر‎ ‎حقبها‎ ‎التاريخية‎،‎‎ والاطلاع‎ ‎على‎ ‎تاريخ‎ ‎الفلسفة‎ ‎يعني‎ ‎استيعاب‎ ‎ ‎الوعي‎ ‎الشامل واستحضاره.

وهذا‎ ‎الاستيعاب‎ ‎يقتضي‎ ‎التحرر‎ ‎من‎ ‎كل‎ ‎وجهات‎ ‎النظر‎ ‎المسبقة‎ ‎والأنساق،‎ ‎والمعيار‎ ‎في‎ ‎ذلك‎ ‎هو‎ ‎الواقع‎ ‎ومعطياته‎ ‎ومقدار‎ ‎صمود‎ ‎الأفكار‎ ‎الفلسفية‎ ‎أمامه.‎ ‎ويختم‎ ‎ياسبرز‎ ‎بأن‎ ‎المتتبع‎ ‎لتاريخ‎ ‎الفلسفة‎ ‎قد‎ ‎يجد‎ ‎أسماء‎ ‎مضيئة‎ ‎في‎ ‎ذلك‎ ‎التاريخ‎ ‎بإمكانه‎ ‎أن‎ ‎يتعالق‎ ‎معها‎ ‎ومع‎ ‎أفكارها‎ ‎ضمن‎ ‎المقاربة‎ ‎التي‎ ‎يريد‎ ‎أن‎ ‎يتبناها. تنمو‎ ‎حقول‎ ‎داخل‎ ‎الفلسفة‎ ‎وتضمر‎ ‎حقول‎ ‎أخرى،‎ ‎ولا يوجد‎ ‎شيء‎ ‎غير‎ ‎قابل‎ ‎للتفلسف.

من ناحية، يأتي القرار التاريخي بتدريس الفلسفة في السعودية في مناهج الدراسة الثانوية دليلًا على ‏أهمية وصيرورة الفلسفة في المجتمعات المتطورة، بما فيها دول الخليج وعلى وجه ‏الخصوص وطننا الحبيب‎. ‎ولقد كانت الحلقة الفلسفية التي تأسست في نادي الرياض الأدبي سنة 2008م أولى المخاضات والطموحات ‏التي شكلت فارقًا معرفيًّا ونقديًّا في المملكة؛ إذ إن معظم الاهتمامات كانت منصبّة على الشأن ‏الثقافي العام والأدبي التي استمرت حتى تاريخنا هذا. وتأسيس «الحلقة المعرفية» في ‏المنطقة الشرقية سنة 2017م و«إيوان الفلسفة» في نادي جدة الأدبي سنة 2018م، يأتي كحلقة ‏متصلة من صيرورة الفكر والفلسفة، ومدى حاجة المجتمع وخصوصًا الشباب المتعطش ‏للجديد والفكر النقدي‎.‎

شاعر وباحث في الفلسفة.

حاتم مكرمي: الفلاسفة خصوم أساسيون لرعاة الانغلاق

لطالما كانت ولا تزال الفلسفة هي صداع نصفي يصيب الركود الفكري عبر العصور؛ لذلك نرى الفلاسفة دائمًا ما يكونون خصومًا أساسيين لكل من يرعى الجمود والانغلاق الفكري ليُحكَم على سقراط بالموت بالسم ، وينفى سينيكا إلى جزيرة نائية قبل أن يُعدم من الجيش، ويُغْرَق هيباثوثوس في البحر من جماعة الإخوان الفيثاغورسيين، وتُسحَل هيباتيا في شوارع الإسكندرية قبل أن تُقتل دهسًا بالإقدام. الجرائم ضد الفلسفة هي وليدة جمود وانغلاق فكري، وهذا ما لا ينطبق على المجتمع السعودي على الأقل في الوقت الحالي، الذي يشهد انفتاحًا فكريًّا وتَقبُّلًا للآخر وازدهارًا اقتصاديًّا؛ يجعل من البيئة السعودية ملاذًا آمنًا لصناعة الأفكار الجديدة وممارستها، وهذا بالضبط ما تُعنى به الفلسفة التي يجب أن تتعلمها الأجيال التالية بشغف، فلا حضارة استثنائية إلا بفلسفة استثنائية.

نعم الفلسفة لا خطورة منها بل الخطورة في عدم ممارستها، فمن دون فلسفة عميقة لا يمكن اكتشاف أخطاء مجتمعية وعلاجها. هناك ما يمنع تنقية الهوية من شوائب الممارسات والأفكار السلبية التي تنشأ بفعل الركود الفكري أحيانًا والانفتاح الثقافي حينًا آخر، ثم تتغلغل بحثًا عن حواضن فكرية تنمو منها ممارسات سلبية تتشكل مع الزمن لتُصبِح مُسلَّمات يصعب التخلص منها أو التعاطي معها، وهذا بالضبط ما نريد أن ننبه أبناءنا إليه، وأن يتعلموا كيف ينقذون أنفسهم ويصححون أخطاءهم، ومن ثم ينطلقون لبناء أخلاق نقية تُسهِم في بناء المجتمع المثالي، الذي لطالما حلمت به البشرية عبر العصور لتضمن بقاءها وازدهارها للأبد.

صناعة الفكر والثقافة صناعة ثقيلة جدًّا وطويلة المدى وتحتاج إلى خطة وعمل، يبدأ من رأس الهرم الوطني نزولًا إلى أصغر لَبنات المجتمع السعودي، وهذا الوضع أيضًا ينطبق على ممارسي الفلسفة وروادها بمختلف أنواعها، لتكون أول التحديات وأكبرها هو طبيعة الفكر ومخرجاته الطويلة المدى، وهذا ما يجعل جمهور الفلسفة قليلًا جدًّا عبر الأزمان. ولكن هذا لا يخفي الإقبال الشديد الذي شهدته المنتديات الفكرية في مختلف مناطق المملكة بالرعاية الكريمة التي حظي بها المثقف السعودي، وسيحظى بأكثر من ذلك في السنوات القليلة المقبلة لتقل التحديات التي كانت تشكل عوائق، منها الدعم المالي والتركيز الإعلامي على أبرز مخرجات العمل الفلسفي، ولا سيما التخوف المجتمعي المتوهم من خطورة الفلسفة والموروث الذي صور أن الفلسفة هي حراك فكري خطير يهدد الثوابت بمختلف أنواعها، وهذا ما يشكل أبرز التحديات التي أخذت بالتلاشي شيئًا فشيئًا وهو ما يجعلني أتوقع إقبالًا مجتمعيًّا على المنتديات الفلسفية يتجلى في التداول الفكري الذي تشهده وسائل التواصل الاجتماعي بكل أريحية وموضوعية، والآن تشهد المنتديات الفلسفية حراكًا قويًّا لم يشهده المسرح الفكري السعودي قبل ذلك.

باحث مشارك في الحلقة الفلسفية.

زينب الخضيري: توسيع نطاق التفكير

إقرار تدريس الفلسفة، ربما هو تصحيح لمفهوم كان محظورًا سابقًا، والحياة لا تستقيم على وتيرة واحدة، والتغيرات التي حظيت بها السعودية مؤخرًا جعلت إعادة النظر في كل شيء ضرورة حتى نواكب التطورات العالمية من حولنا. سعدت كثيرًا بهذا الفتح في مدارسنا؛ لأن تدريس الفلسفة هو إقرار بأهمية توسيع نطاق التفكير والبحث والتحليل في كل ما حولنا، فالفلسفة هي طريقة للتفكير المعمق. وكوني من عشاق الفلسفة ومن المهتمين بالقراءات الفلسفية، قرأت في إحدى الصحف السعودية خبرًا عن تدريب المعلِّمين من أجل تدريس الفلسفة، ولكنه استوقفني كثيرًا؛ إذ إن مشكلتنا الدائمة أننا لا ندرس الأفكار والبرامج بشكل جيد. وتخلو الجامعات من التخصصات الفلسفية، التي نحن نحتاجها لتوسيع المدارك والتفكير النقدي، فالعقل المنساق ضمن آليات نظر محدد ينتج فعله في حدود ذلك النظر ولا يستطيع تجاوزها، إلا داخل إرادة وعي تستوعب الثبات وتؤسس للانطلاق.

وتدريس الفلسفة له جذور فقد نادى بها الأميركي ماثيو ليبمان، وشجع على تدريسها منذ الطفولة، ففي سبعينيات هذا القرن وجد ماثيو ضعفًا في التفكير النقدي والمنطق لدى طلبة الجامعة. واقترح أن أفضل ما يمكن أن يقدم للطلبة هو التبكير بالتدريب على هذه المهارات منذ الطفولة. فالإنسان اجتماعي بطبعه وهو كائن مؤثر ويتأثر بواقعه، لذلك يكون الاهتمام بالعقل شيئًا من العمل الشائك نظرًا لحالة التصلب الحضاري الذي نعيشه؛ لماذا لا نشتغل على العقل الذي هيمنَ عليه العقل الغربيُّ؟ لماذا لا نستفيد بدل أن نستسلم؟ لماذا لا ننتج بدلًا من أن نكون متلقين؟ ففي لحظة التفتيش عن العقل العربي نواجه تحدي هيمنة العقل العالمي علينا، فلا نحن صنعنا لنا هوية لنقف بوجه هذا الطوفان ونتفاهم معه بذات حرة مستقلة، ولا نحن انسقنا وتماهينا بسلاسة مع العقل العالمي، نظل واقفين في وسط حلق هذا العالم. إذن ما الذي نستطيع فعله تجاه تدريس الفلسفة؟ هذا هو السؤال الذي يجب أن نطرحه، وكيف ستُدرَّس الفلسفة، ومن سيُدرِّسها؟ هذه الأسئلة الثلاثة الإجابة عنها كفيلة بأن نراهن على نجاحها في مدارسنا. كذلك قرأت في كتاب «تفكر، مدخل أخاذ إلى الفلسفة» للكاتب سايمن بلاكبرن، أن الفيلسوف الفرنسي ديكارت عزل نفسه في حجرة، واختبر رؤية أعقبتها أحلام، بينت له فيما حسب مهمته في الحياة: الكشف عن السبل الوحيدة الصحيحة للعثور على المعرفة، يستدعي الطريق الصحيح تقويض كل ما سبق أن سلّم به، والبدء من الأسس.

أما المجموعات الفلسفية في السعودية، فهي جديدة وأقدمها الحلقة الفلسفية تحت مظلة النادي الأدبي في الرياض، وهي بدأت قبل أكثر من ثماني سنوات، وفي هذه السنة أصبحت هناك حلقة فلسفية في المدينة المنورة، وجدة، وهذا الانتشار والتطور في توسع الحلقات الفلسفية، وإدخال الفلسفة في التعليم، سيجعل هناك تحولًا وتطورًا مع الزمن. والفلسفة تثير التساؤلات والآراء حول كيفية اكتسابنا للمعرفة وتوليد الأفكار وإمكانية التقاء المعرفة والأفكار مع زمن المستقبل في نقطة حاسمة هي الآن. الفلسفة لن أقول: إنها طوق نجاة لنا، ولكنها ستنير طريقنا وتساعدنا في مواجهة العالم. فالحقائق المتغيرة تجبرنا على النزول للواقع، وتكثيف حضور الواقع والعيش بداخله وتحليله ربما ينقذنا من أفكارنا التاريخية، وهو عدم حصر أنفسنا في فكرة واحدة، وعدم الاستسلام لكل شيء. تأتي الحلقات الفلسفية لنشر الوعي ولإيجاد طرق تفكير جديدة تجعلنا مختلفين. وهذا بالطبع يجعل هناك الكثير من التحديات التي تواجه هذه المجموعات الفلسفية؛ أهمها: ضبابية مفهوم الفلسفة في المجتمع، ونخبوية الطرح، وضرورة ربطها في حياتنا المعاصرة والاستفادة منها.

أكاديمية وروائية.

سارة رشيدان: نقلة مهمة في تطوير التعليم

على الرغم من تعالي الأصوات المطالبة بتدريس الفلسفة والتفكير الناقد من مثقفي البلد الواعين بأهميتها؛ فإن هذا القرار عندما صدر من وزارة التعليم كان مفاجأة جميلة جدًّا؛ بل ربما هو برأيي أهم نقلة حدثت في تطوير مناهج التعليم بالمملكة في العقود الأخيرة، وبخاصة مناهج المرحلة الثانوية. جرأة تدريس الفلسفة باسمها مباشرة بعد محاولات سابقة لتقديم التفكير الناقد تكشف أن القائمين على وضع سياسات التعليم أدركوا الضرر المترتب على غياب هذه المادة عن مناهجنا منذ بدء التعليم؛ مع العلم أن الفلسفة وجدت بشكل محدود في بعض أنواع التعليم الجامعي، أو ما فوق جامعي؛ حضرت في فلسفة التربية، وربما حضرت كمخالف يجب الرد عليه في تخصصات جامعية أخرى؛ لكنها غابت تمامًا عما قبله حتى صدور هذا القرار. تدريس الفلسفة اليوم حدث بعد أن اكتشف أنها ضرورة يحتاجها المتعلم أو المتعلمة لوعي قضايا الفكر العامة والخاصة بهما، ستصنع الفلسفة مُحاوِرًا متمكنًا يجيد عرض أفكاره، والتفاعل السويّ مع أفكار الآخرين من دون شعور بالعجز عن محاورة المختلف عنه صديقًا أو عدوًّا، معلمًا أو متعلمًا. سيقودنا هذا إلى التخلص من ثقافة التلقين الهشة والدخول إلى عالم الحوار الرحب.

في السنوات الست الأخيرة كنت قريبة جدًّا مما يطرح في حلقة الرياض الفلسفية (حرف) وهي بلا شك نواة الفلسفة في بلدنا، الحلقة أنشأها قراء باحثون في الفلسفة، واستمرت بنادي الرياض الأدبي حتى اليوم في تقديم طروحاتها الفلسفية والفكرية، وقبل سنتين منها انطلق إيوان الفلسفة في نادي جدة الأدبي، وكان ولا يزال الحوار الفلسفي متصلًا بين المدينتين وبرعاية عقول شابة آمنت بالفلسفة.

قبل أيام قرأت عن حلقة فلسفية جديدة تنشأ شمال المملكة، والحقيقة أن هذا الجهد اللافت أعطى صورة عظيمة عن قدرة ووعي شبابنا انتقلت إلى العالم، الذي يستغرب وجود الفلسفة بهذا العمق في إطار ثقافة طال تجريمها لها. التحديات التي واجهت الشباب في طرحهم الفلسفي كثيرة، سواء ما تعرضوا له من هجوم مخالفيهم، أو تُهَم وُجِّهت لهم؛ لكن اللافت أنهم تجاوزوها ولا يزالون يذللون بحماسهم الصعاب في استقطاب الحضور المهتم، والمحاضر الجيد. أيضًا الفلسفة تُقَدَّم للجنسين، وتُقدَّم لمختلف الأعمار ودرجات الثقافة، فأحدثت تواصلًا للوعي الجمعي المثقف المتابع لها أو لبعض طروحاتها، وبخاصة فلسفة الأخلاق كمثال. أظن التحدي الذي يواجه الفلسفة اليوم هو قلة عدد المشتغلين بها، مع رغبة عارمة في تعلُّمها وتقديمها. والتحدي الأهم أننا يجب أن نفتح أقسامًا في الجامعات لتصبح الفلسفة علمًا قائمًا بذاته، يدعم اجتهادات الشباب أبطال الفلسفة.

عضو الحلقة الفلسفية.

شتيوي‭ ‬الغيثي‭: ‬ الخطورة‭ ‬بدأت‭ ‬في‭ ‬التلاشي

مؤخرًا‭ ‬أعلنت‭ ‬وزارة‭ ‬التعليم‭ ‬السعودية‭ ‬إدراج‭ ‬مادة‭ ‬الفلسفة‭ ‬والتفكير‭ ‬الناقد‭ ‬في‭ ‬مناهج‭ ‬التعليم‭ ‬العام،‭ ‬وهذا‭ ‬الإدراج‭ ‬جاء‭ ‬بعد‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭ ‬جدًّا‭ ‬من‭ ‬غياب‭ ‬الفلسفة‭ ‬في‭ ‬السعودية‭ ‬بشكل‭ ‬رسمي؛‭ ‬لأن‭ ‬الفلسفة‭ ‬كانت‭ ‬موجودةً‭ ‬في‭ ‬كتابات‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الشباب‭ ‬أو‭ ‬المثقفين‭ ‬أو‭ ‬الأدباء،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬وجودها‭ ‬كمنتديات‭ ‬فكرية‭ ‬أو‭ ‬فلسفية‭ ‬في‭ ‬الرياض‭ ‬وغيرها‭. ‬جاء‭ ‬الاعتراف‭ ‬الرسمي‭ ‬متأخرًا‭ ‬قليلًا‭ ‬عن‭ ‬مواكبة‭ ‬التطورات‭ ‬الفكرية‭ ‬في‭ ‬المجتمع،‭ ‬لكنه‭ ‬في‭ ‬الأخير‭ ‬حضر‭ ‬كمنهج‭ ‬معترَف‭ ‬به‭ ‬يُدرَّس‭ ‬للطلاب،‭ ‬ولعل‭ ‬اكتشاف‭ ‬أهمية‭ ‬الفلسفة‭ ‬ليس‭ ‬جديدًا‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬المحظورات‭ ‬كانت‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬وقتها‭ ‬وما‭ ‬زالت‭ ‬عند‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الناس،‭ ‬وبما‭ ‬أن‭ ‬الاعتراف‭ ‬أخذ‭ ‬طابعًا‭ ‬رسميًّا‭ ‬فإن‭ ‬الخطورة‭ ‬بدأت‭ ‬بالتلاشي‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الرسمي،‭ ‬أما‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الشعبي‭ ‬فيحتاج‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬إحصائيات‭ ‬لمعرفة‭ ‬مدى‭ ‬تقبل‭ ‬الناس‭ ‬لها‭.‬

في‭ ‬تصوري‭ ‬أن‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الكتابات‭ ‬والآراء‭ ‬النقدية؛‭ ‬بل‭ ‬حتى‭ ‬التفكير‭ ‬الديني،‭ ‬كانت‭ ‬الفلسفة‭ ‬حاضرة‭ ‬فيه،‭ ‬باعتبار‭ ‬أن‭ ‬أكثر‭ ‬النظريات‭ ‬النقدية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬وأسس‭ ‬الخطابات‭ ‬الفكرية‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬السعودي‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬أرضية‭ ‬فكرية،‭ ‬ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬حضورها‭ ‬كان‭ ‬حضورًا‭ ‬فكريًّا‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬كونها‭ ‬حضورًا‭ ‬رسميًّا‭ ‬يدرس،‭ ‬ولعل‭ ‬هذا‭ ‬الجانب‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬جعل‭ ‬التعليم‭ ‬جاهزًا‭ ‬لإدراج‭ ‬منهج‭ ‬الفلسفة‭ ‬والتفكير‭ ‬الناقد‭ ‬في‭ ‬المدارس‭.‬

الخطورة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬في‭ ‬الفلسفة‭ ‬أو‭ ‬الفكر‭ ‬وإنما‭ ‬تكمن‭ ‬الخطورة‭ ‬في‭ ‬حالة‭ (‬تخطيرها‭) -‬إذا‭ ‬صحت‭ ‬الكلمة–‭ ‬أي‭ ‬من‭ ‬حالة‭ ‬تخويف‭ ‬الناس‭ ‬منها‭ ‬أو‭ ‬الاستهانة‭ ‬بها،‭ ‬وإلا‭ ‬فإن‭ ‬غالبية‭ ‬العلوم‭ ‬الحديثة‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬أطر‭ ‬فكرية‭ ‬حتى‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تقع‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬العلوم‭ ‬التطبيقية،‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬مستقلة‭ ‬حاليًّا‭ ‬عن‭ ‬المجال‭ ‬الفلسفي‭ ‬لكنها‭ ‬كانت‭ ‬مرتبطة‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬جانب‭ ‬من‭ ‬جوانبها،‭ ‬وبخاصة‭ ‬في‭ ‬الدراسات‭ ‬النقدية‭ ‬الحديثة‭ ‬أو‭ ‬الدراسات‭ ‬الاجتماعية‭.‬

في‭ ‬السعودية‭ ‬حضرت‭ ‬الفلسفة‭ ‬في‭ ‬الكتابات‭ ‬الصحافية،‭ ‬وحضرت‭ ‬في‭ ‬الدراسات‭ ‬النقدية،‭ ‬وحضرت‭ ‬عند‭ ‬بعض‭ ‬الأدباء‭ ‬لكن‭ ‬أكثر‭ ‬ما‭ ‬حضرت،‭ ‬من‭ ‬خلالها،‭ ‬هي‭ ‬المنتديات‭ ‬أو‭ ‬اللقاءات‭ ‬الثقافية،‭ ‬ولعل‭ ‬أول‭ ‬منتدى‭ ‬فلسفي‭ ‬في‭ ‬السعودية‭ ‬كان‭ ‬حلقة‭ ‬الرياض‭ ‬الفلسفية‭. ‬وكذلك‭ ‬الحال‭ ‬في‭ ‬جدة‭ ‬في‭ ‬‮«‬رواق‭ ‬الفلسفة‮»‬،‭ ‬كما‭ ‬أُسِّس‭ ‬منتدى‭ ‬فكري‭ ‬في‭ ‬القصيم‭ ‬لكنه‭ ‬توقف‭ ‬أو‭ ‬أُوقِفَ‭ ‬لأسباب‭ ‬ليس‭ ‬هنا‭ ‬مجالها،‭ ‬ثم‭ ‬أُسِّس‭ ‬‮«‬مسار‭ ‬فلسفي‮»‬‭ ‬من‭ ‬ضمن‭ ‬أنشطة‭ ‬نادي‭ ‬حائل‭ ‬الأدبي،‭ ‬أما‭ ‬آخر‭ ‬ما‭ ‬أُسِّسَ‭ ‬فهو‭ ‬‮«‬منتدى‭ ‬الفكر‮»‬‭ ‬في‭ ‬نادي‭ ‬المدينة‭ ‬الأدبي‭ ‬الذي‭ ‬بدأ‭ ‬نشاطه‭ ‬منذ‭ ‬أشهر‭ ‬قليلة‭.‬

لكن‭ ‬هل‭ ‬جرى‭ ‬إنتاج‭ ‬جيل‭ ‬جديد‭ ‬من‭ ‬الشباب‭ ‬المهتمين‭ ‬بالفلسفة‭ ‬أو‭ ‬الفكر؟‭ ‬ربما‭ ‬تكون‭ ‬الإجابة‭ ‬عن‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬واسعة‭ ‬أو‭ ‬ضيقة‭ ‬في‭ ‬الحالتين،‭ ‬والأمر‭ ‬خاضع‭ ‬هنا‭ ‬إلى‭ ‬طبيعة‭ ‬المنتدى‭ ‬وعمره،‭ ‬فحلقة‭ ‬الرياض‭ ‬الفلسفية‭ ‬تتوسع‭ ‬في‭ ‬أنشطتها،‭ ‬ونرى‭ ‬أسماء‭ ‬جديدة‭ ‬تخرج‭ ‬بين‭ ‬حين‭ ‬وآخر،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬نجد‭ ‬في‭ ‬منتديات‭ ‬أخرى‭ ‬مقصورة‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬الشخصيات‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬لها‭ ‬نشاط‭ ‬سابق‭ ‬في‭ ‬الفلسفة،‭ ‬بحكم‭ ‬قصر‭ ‬عمر‭ ‬المنتدى‭. ‬والأمور‭ ‬في‭ ‬حقيقتها‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬في‭ ‬بداياتها‭ ‬بالمقارنة‭ ‬مع‭ ‬علوم‭ ‬أخرى‭ ‬لها‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭ ‬في‭ ‬الوجود‭ ‬الرسمي،‭ ‬ولعل‭ ‬منهج‭ ‬الفلسفة‭ ‬والتفكير‭ ‬الناقد‭ ‬يكون‭ ‬البذرة‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬تقبل‭ ‬بعض‭ ‬الناشئة‭ ‬لأفكار‭ ‬فلسفية‭ ‬ونقدية‭ ‬جديدة،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تؤسسه‭ ‬المنتديات‭ ‬التي‭ ‬أُنشِئت،‭ ‬من‭ ‬حراك‭ ‬فكري‭ ‬وفلسفي‭ ‬مقبل‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬صغيرًا‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬تُوقَفْ‭ ‬هذه‭ ‬المنتديات‭ ‬لأي‭ ‬سبب‭ ‬كان‭.‬

في‭ ‬الأخير‭ ‬يبقى‭ ‬التفكير‭ ‬الفلسفي‭ ‬تفكيرًا‭ ‬يميل‭ ‬إلى‭ ‬النخبة‭ ‬من‭ ‬الناس،‭ ‬أو‭ ‬بالأصح‭ ‬يحظى‭ ‬باهتمام‭ ‬فئة‭ ‬قليلة‭ ‬جدًّا‭ ‬من‭ ‬الشباب‭ ‬المثقف،‭ ‬ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ (‬أجيال‭) ‬تستلزم‭ ‬اتساع‭ ‬أفق‭ ‬الفكر‭ ‬الفلسفي‭ ‬وفتح‭ ‬أطر‭ ‬الحرية‭ ‬الفكرية‭ ‬وعدم‭ ‬الحجر‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬التفكير‭ ‬العام‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬في‭ ‬بداياته،‭ ‬ويمكن‭ ‬أن‭ ‬نقول‭: ‬إن‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬التساؤلات‭ ‬سابقة‭ ‬لأوانها‭ ‬بحكم‭ ‬قصر‭ ‬مدة‭ ‬حضور‭ ‬تلك‭ ‬المنتديات‭. ‬وباستثناء‭ ‬حلقة‭ ‬الرياض‭ ‬الفلسفية‭ ‬فإن‭ ‬عمر‭ ‬غالبية‭ ‬المنتديات‭ ‬أو‭ ‬اللقاءات‭ ‬الفلسفية‭ ‬لا‭ ‬يتجاوز‭ ‬سنة‭ ‬واحدة‭ ‬أو‭ ‬سنتين‭ ‬على‭ ‬الأكثر‭ ‬من‭ ‬التأسيس،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬منهج‭ ‬الفلسفة‭ ‬والتفكير‭ ‬الناقد‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬وقت‭ ‬لِيُستوعَبَ‭ ‬في‭ ‬المدارس‭ ‬أو‭ ‬يُهتَمّ‭ ‬به‭ ‬بشكل‭ ‬جدي‭ ‬حتى‭ ‬يؤتي‭ ‬أكله،‭ ‬فالغالب‭ ‬أن‭ ‬الذين‭ ‬سوف‭ ‬يدرسونه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬لهم‭ ‬اهتمام‭ ‬كبير‭ ‬بالتفكير‭ ‬الفلسفي‭ ‬ولا‭ ‬يوجد‭ ‬متخصصون‭ ‬في‭ ‬الفلسفة‭ ‬في‭ ‬التعليم‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يدرسوا‭ ‬هذا‭ ‬المنهج‭. ‬ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬التساؤل‭ ‬حول‭ ‬أهمية‭ ‬ثمارها‭ ‬أو‭ ‬وجود‭ ‬مجايلة‭ ‬تاريخية‭ ‬للتفكير‭ ‬الفلسفي‭ ‬في‭ ‬السعودية‭ ‬سابق‭ ‬لأوانه؛‭ ‬لأن‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬التساؤل‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭ ‬من‭ ‬العمل‭ ‬والرصد‭.‬

كاتب‭ ‬وأحد‭ ‬المشرفين‭ ‬على‭ ‬منتدى‭ ‬فكر في‭ ‬نادي‭ ‬المدينة‭ ‬المنورة‭ ‬الأدبي‭.‬

الفلسفة… أسئلة غير مشروطة وتفكير بلا قيود

الفلسفة… أسئلة غير مشروطة وتفكير بلا قيود

علاقة الفلسفة بالعقل العربي، راوَحتْ بين الرفض والقبول تارة، والتشكك والحذر، وأحيانًا القطيعة، تارة أخرى. والتاريخ العربي يتضمن صفحات غير ناصعة مع الفلاسفة والفلسفة، بصفتها مدرسة للحرية وفضاءً حرًّا لإطلاق الأسئلة وتمارين على ممارسة الشك.

ذلك أن الفلسفة هي تفكيك مستمر لما تكرس بفعل عادة اجتماعية أو اجتهاد فكري، ولهذا السبب يقدِّم دعاة الجمود وسادة الانغلاق الفلسفةَ على أنها خطيرة، ويتوجب الحذر منها والنأي عنها.

إذًا الذهنية العربية، كما يأتي في الملف، كانت ولم تزل تدور في فلك النص، ومن ثم «غابت السرديات العلمية والفلسفية والجمالية، إلى جانب حضور السرديات المقدَّسة الكبرى، تلك التي أصبحت تقود الحياة اليومية والفكرية والسياسية لدى كل طبقات المجتمع»، وإن هذه الذهنية هي التي أنتجت الفكر المتطرف الذي نجمتْ عنه عقليات إرهابية تسعى لتدمير كل شيء.

يعاني العالم العربي اليوم احتراباتٍ ورِدَّةً فكريةً، وأيضًا هجمات التكفير، ونبذ التنوير، وإقصاء العقل، لذلك تبدو الفلسفة والاهتمام بها ضرورة وحاجة مُلِحّة. فالتراث الفلسفي، كما يذكر نور الدين أفاية في هذا الملف، يزخر بأدوات فكرية من شأنها أن تسعفنا بفهم التحولات الجارية في مجتمعاتنا وفي العالم، ويمدنا هذا التراث بما يلزم من أدوات التفكير الذاتي والحس النقدي ومحاصرة الانغلاق والفكر السِّحْريّ.

من هنا، أن يتبنَّى مجتمع ما الفلسفةَ ويُدخلها في مناهجه، معناه الرغبة في القول: وداعًا لحِقبة هيمنتْ بظلاميَّتها وجمودها على المجتمع، وبالتالي عاقتْ تقدمَه، وفتْح صفحة جديدة تترك مساحة حرة للعقل لممارسة فاعليته من خلال التفكير العقلاني؛ سعيًا إلى رسم ملامح لمستقبل مختلف.

في الواقع اهتم العالم العربي بالفلسفة خصوصًا في المجتمعات التي توافرت لها باكرًا أسباب النهوض الفكريّ والحضاريّ، وكان هناك ممثلون من المفكرين والفلاسفة العرب، لفلاسفة من الغرب، لكن السؤال الذي من المهم طرحه هنا: هل أثر هذا الاهتمام بالفلسفة في الذهنية العربية، ودفعها إلى السؤال والتفكيك؟ أم بقيت الفلسفة أو آلت إلى مجرد درس في الجامعة أو المدرسة، ولم تتحول، كما يقول مراد وهبة، إلى رُؤى فلسفية في إمكانها الإسهام في تطهير المجتمع العربي من جرثومة التخلُّف المتمثلة في المُحرَّمات الثقافية التي يتوارى فيها العقل الناقد الذي هو أساس التفلسف؟

إقرار السعودية تدريس الفلسفة في مناهجها العامة، الإقرار الذي عدَّه المهتمون تاريخيًّا، رأت فيه «الفيصل» مناسبةً مثاليةً لفتح ملف الفلسفة في الوطن العربي، وأهمية أن يتفلسف العرب، إضافة إلى النظر إلى ما يحدث من حروب ورِدَّة في ضوء غياب الفلسفة أو في حضورها، فيما لو حضرت، ملف يشارك فيه فلاسفة ومفكرون وباحثون وأدباء عرب.

الجامعات العربية.. من التحولات الكبرى وتربية الأحلام إلى الاستقالة من وظائفها

الجامعات العربية.. من التحولات الكبرى وتربية الأحلام إلى الاستقالة من وظائفها

ليست الجامعة، أي جامعة، مجرد مرحلة في سياق التعليم النظامي، ولا هي أيضًا محض طور من أطوار الإنسان. لعل أكثر أطوار الإنسان حساسية وعمقًا، هو ذلك الذي يقضيه بين أسوار الجامعة، كما أن المرحلة الجامعية هي أهم المراحل التعليمية قاطبة التي تحدد التكوين العلمي والثقافي لما بعدها، ويصبح تأثيرها شاملًا في المجتمع. إذًا، مرحلة التعليم الجامعي، هي فاعل أساس للنهوض والارتقاء بالفرد والمجتمع وإحداث التحولات الكبرى في حياة الشعوب. يعيش الفرد في الجامعة صخب الأيديولوجيات، ويتعرَّف إلى التيارات الفكرية والفلسفية، وتتحدد خياراته ورهاناته السياسية والمذهبية.

موقع «المؤسسة الجامعية» جوهريٌّ في تاريخ المجتمعات الحديثة؛ فهي تمثِّل مركز إشعاع حضاري وتنويري، وانطلاقًا منها يُحسَم الكثير من رؤى التنمية وكيفية تطويرها. والجامعة بوصفها جزءًا من مؤسسات المجتمع المدني، توفر المناخ لصناعة الأحلام الطموحة، «التي تتحدد بوصلةُ الاتجاه على إيقاع تطلُّعاتها الجامحة، ومن ثَم تتحدد معالم المستقبل؛ القريب والبعيد». لكن حال الجامعة تغير اليوم، وتبدَّل معه الوضع العلمي للطالب، وبالتالي انعكس ذلك على المجتمع عامة والتعليم خاصة.

يتحدث اليوم كثير من الخبراء في مجالات شتى، عن أهمية التعليم وعن دوره في النهوض أو الانتكاسة التي تمر بها البلدان العربية، ولعل أكثر ما يعنونه هنا هو التعليم الجامعي. كانت الجامعة بوتقة لأفكار شتى تتلاقح داخل الحرم الجامعي، وليست بالضرورة أن تكون سياسية، بل كانت تشمل التيارات الفكرية والفلسفية والأدبية. وعوامل كثيرة لعبت دورًا في تدهور الجامعة، وتأخُّر الأستاذ الجامعي، وتخلُّف البحث العلمي.

تحولت الجامعة، في آراء مفكرين وباحثين، إلى مجرد مركز أو مؤسسة تخرج موظفين يشغلون وظائف هنا أو هناك، كأنما لم يَعُدِ اليوم من أهمية للتعليم الجامعي سوى أنه يوفِّر للطالب شهادة جامعية تؤهله لنيل وظيفة، وفي المقابل سيتخرج هذا الطالب صِفْرَ اليدينِ من المخزون الفكري والتحصيل الثقافي اللذين يجعلانه فردًا فاعلًا في مجتمعه ويسهمان في تطويره والارتقاء به، لا أن يصبح فقط مجرد موظف.

وفي ضوء ما تشهده الجامعات في العالم من تنافس في الإسهام في إنتاج معرفة كونية، تبدو محاولات الجامعات العربية في هذا الشأن ضئيلة. فباعتراف أكاديميين ومفكرين وباحثين تعيش الجامعة في الوطن العربي في أزمة، تلقي بظلالها على المجتمع كله. فعندما يغيب الدور الطليعي والتنويري للجامعة، تدخل الجامعة في عزلة عن المجتمع.

في هذا الملف الذي تتبناه «الفيصل»، يناقش مفكرون وباحثون وأكاديميون وأدباء الأدوارَ التي لعبتها الجامعة فيما مضى، والحال التي عليها الجامعة هذه الأيام. يتذكرون كيف كانت تصنع الجامعةُ التنويرَ وتربي الأحلام، ويتطرقون إلى ما آلت إليه الجامعة، وكيف ينظر إليها المجتمع والفرد معًا.

دولة اللاشر لدى غاندي وتولستوي

دولة اللاشر لدى غاندي وتولستوي

آمن ليف تولستوي بأن العلم والدين في كل الشعوب والأزمان انطويا على تناقض كبير، هذا التناقض الذي يكمن في رغبة الحب ومقاومة الشر، وهو ما جعلهما سببًا في تصاعد الكراهية ونزيف الدماء. في المقابل، كانت فلسفة غاندي عملية، ويجري تطبيقها على الأرض، وتقوم على مبدأ اللاعنف، حتى إن ضربه عدوه على خده الأيمن كما قال المسيح، أو جرده من ملابسه ودفعه إلى ظلمات الزنازين أو صلبه على صخور الجبال، فلا عنف، هذا المبدأ الذي طالب به أنصاره في جنوب إفريقيا وفي الهند، كل ما هنالك هو الامتناع عن الانصياع للمشاركة في الشر، عبر الرفض السلمي، هذا المبدأ الذي أصبح أكبر حركة سلمية على الأرض لإسقاط الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس في أكبر وأقدم مستعمرة لها وهي الهند.

في كتاب «دولة الحب- مراسلات تولستوي وغاندي» الصادر حديثًا عن دار الرافدين؛ يقدم كل من غاندي وتولستوي، ما سمَّاه مُعِدُّ الكتاب المترجم المصري أحمد صلاح الدين دولة الحب، وهو محور المراسلات التي دارت بين الرجلين في العام الأخير من حياة تولستوي.

في المراسلات يؤكد تولستوي أن الحل ليس في الحب فقط، ولكن في عدم مقاومة الشر، وهو ما يفسد عليه دوافعه لقتل الآخرين… ولم تبتعد دعوة غاندي إلى المقاومة السلمية مما ذهب إليه تولستوي في «رسالة إلى هندوسي»، المكونة من سبعة أجزاء، كل جزء يتصدره مقطع من كتاب الهندوس المقدس «كريشنا»، وقد كتبها تولستوي عام 1908م تعضيدًا للهنود في مواجهتهم لاحتلال الإنجليز لبلادهم.

لا يمكن اعتبار كتاب أحمد صلاح الدين عملًا مترجمًا خالصًا، لكنه أقرب إلى فكرة التحقيق العلمي للرسائل، والتحليل النقدي لما جاء بها، فقد اشتمل على مقدمة طويلة عن العلاقة بين تولستوي وغاندي، وكيف تعرف الأخير إليه عام 1894م من خلال كتابه «مملكة الله بداخلنا»، فحَفَزَه الكتاب إلى المضي قدمًا في فكرته عن اللاعنف أو المقاومة السلمية التي سمَّاها: «ساتياجراها»، كما اشتمل على مقالة عن المزرعة التي أنشأها عام 1910م مهندس معماري يُدعَى هيرمان كالينباخ على مقربةٍ من جوهانسبرغ، ووضعها تحت تصرف أتباع الساتياجراها، ليعلمهم غاندي التطهير الروحي والتكفير عن الذنوب، فضلًا عن إعالته من خلالها أبناء المشاركين في حركته السلمية، هؤلاء الذين يتعرضون للسجن أو الطرد من أعمالهم، وقد رأى كالينباخ أهمية تسميتها باسم «مزرعة تولستوي» تقديرًا لأفكاره عن الحب وعدم مقاومة الشر.

اشتمل الكتاب أيضًا على مقتطفات من سيرة غاندي وأقواله التي نفى فيها كونه نبيًّا أو قديسًا، وأنه صاحب معرفة محدودة، وطوال حياته كانت محبة خدمة الفقراء في قلبه، وأنه اعتاد على التشويه من جانب خصومه، فلم يشغل نفسه بالرد عليهم، إلا إذا تعلق الأمر بأهمية توضيح شيء ما، وأنه ليس معصومًا من الخطأ، لكنه حالم يسعى إلى تحقيق أحلامه.

غاندي

كما تضمن الكتاب مقالًا طويلًا عن تولستوي بعنوان: «الاشتراكي الشعبوي اليوتيوبي»، يذهب فيه الكاتب إلى أن «ليف تولستوي» لم يكن سياسيًّا لكنه كان مهتمًّا بما يجري في عصره، فكان مصلحًا ومفكرًّا أخلاقيًّا مهمومًا بالعدالة في كل تجلياتها، وأنه اهتم بالفكر الاشتراكي لكنه لم يتقبل الاشتراكية العلمية التي اقترحها كارل ماركس وإنجلز لماديتها وتأييدها للعنف الثوري والصراع الطبقي.

في الأول من أكتوبر 1909م كانت أولى رسائل غاندي من فندق ويستمنستر بلس في 4 شارع فكتوريا بلندن إلى تولستوي، تحدث فيها عما يعانيه الهنود من عنصرية بسبب اللون، وعن القانون الذي صدر لتعويق حركتهم ونضالهم من أجل مساواتهم بالآخرين، وأنه الآن في لندن لملاقاة السلطات البريطانية؛ كي تعيد النظر في القانون. تحدث أيضًا عن «رسالة إلى هندوسي» التي وصلته بخط اليد عن طريق صديق له، معلنًا رغبته في طباعتها في عشرين ألف نسخة وتوزيعها، لكنه طلب من تولستوي أن يعيد النظر في رفضه لفكرة إعادة التجسد، حيث إنها من الأفكار الأساسية التي يؤمن بها الهنود.

في السابع من أكتوبر من العام نفسه جاءت الرسالة الأولى من تولستوي إلى غاندي، معلنًا فيها سعادته برسالة غاندي واتفاقهما في الأفكار والأسلوب، لكنه رفض أن يحذف الفقرة الخاصة بإعادة التجسد.

يُحسَب لأحمد صلاح الدين تتبُّعُه لكل الرسائل سواء الإنجليزية أو الروسية، وما كتب عنها في مذكرات كل من غاندي وتولستوي، حتى رسائل الأخير لمساعده تشرتاكوف كي يصحِّح أو يعيد ضبط بعض الكلمات، ورسالة تشرتاكوف إلى غاندي كي يتواصل مع كاتبة بريطانية صديقة له هو وتولستوي كي تكتب عن قضية الهنود ونضالهم السلمي، وكذلك إثباته رسالةَ كالينباخ، صديقَ غاندي، إلى تولستوي، فضلًا عن تعليقه على الرسائل وتقديمه لها، وإثباته مقالَ تروتسكي الموضِّح لفلسفة تولستوي وأهميته الفكرية، وهو ما يجعل الكتاب في مجال التحقيق العلمي للكتب والرسائل.

مقتطفات من الرسائل

قانون الحب

من رسالة لتولستوي

نعم، بإمكاننا أن نناقش في جرائدنا التقدم في مجال الطيران، والاكتشافات الأخرى، والعلاقات الدبلوماسية المعقدة، والروابط والتحالفات المختلفة، وما يسمى الإبداعات الفنية… إلخ، لكننا نمرُّ مرور الكرام على ما جاءت به الفتاة الصغيرة. الصمت هنا جريمة في مثل تلك الحالات؛ لأن الجميع في العالم المسيحي لديه الإحساس نفسه، بدرجة أو بأخرى، على نحو ما، مثل تلك الفتاة. إن الاشتراكية، والشيوعية، والأناركية، وجيش الخلاص، والإجرام المتزايد، والبطالة، ورفاهية الأثرياء العبئية، التي تتزايد بلا حدود، والبؤس المرعب للفقراء، والتصاعد المفزع لعدد حالات الانتحار؛ كل هذا ما هو إلا علامات تعكس ذلك التناقض الداخلي الذي تحتَّم أن يكون حاضرًا، ولا يمكن الخلاص منه؛ وما من شك في أن هذا التناقض الداخلي لن يزول إلا بقبول قانون الحب، ورفض كل أنواع العنف.

النضال الأعظم

من رسالة لغاندي

في رأيي، يعدّ هذا النضال من جانب الهنود في الترانسفال الأعظم في العصور الحديثة، بقدر ما وُضِعَ في صورة مثالية، سواء بالنسبة للهدف المأمول، أو ما يخص الطرق المتبعة للوصول إليه. لست على علم بصراع لا يحاول فيه المشاركون تحقيق أي منفعة شخصية في نهاية الأمر، ولم يعانِ فيه 50 % من الأفراد العناء الشديد، والوضع تحت طائلة القضاء والمحاكمة من أجل المبدأ.

أعلى درجات الشعور الأخلاقي

من «رسالة إلى هندوسي»

إن التسليم بحقيقة أن الحب يمثل أعلى درجة من درجات الشعور الأخلاقي، أمر لم ينكره أو يعارضه أحد، ولكن هذه الحقيقة تشابكت بدهاء في كل مكان مع كل أنواع الأكاذيب التي شوهتها، حتى إنه لم يبقَ منها شيء سوى كلمات. وقد شاع أن تعاليم هذه المشاعر الأخلاقية السامية صالحة للتطبيق فقط في الحياة الخاصة، أو بالأحرى، للاستخدام المنزلي، أما في الحياة العامة فإن جميع أصناف العنف، والسجن، والإعدام، والحروب، والسلوكيات، التي تتعارض تمامًا مع أخف مشاعر الحب. ورغم أن الفطرة السليمة تقول: إنه إذا ما كان بمقدور بعض الناس أن يقرروا من سيخضع من الناس لجميع أنواع العنف لمصلحة الأغلبية، فإن لهؤلاء بالتبعية الحق في اتخاذ القرار ذاته ضد من أساء لهم.

الحب الصافي

من رسالة لتولستوي

كلما منحتني الحياة عمرًا أطول؛ خصوصًا الآن وقد شارفت على الموت، تولَّدت لديَّ رغبةٌ أكبر في التعبير عن المشاعر التي تحرِّك كياني بقوة، للآخرين، تلك التي أعدُّها، وفقًا لرؤيتي الخاصة، ذاتَ أهمية عظيمة. وهو ما يعني أن ما يمكن أن نطلق عليه المقاومة السِّلمية، ليس في الواقع سوى مبدأ الحب الصافي الذي لا يشوِّهه تفسير مزيف. فالحب هو التطلع إلى التوحد والتضامن مع أرواح أخرى. هذا السعي بمنزلة إطلاق العنان لأفعال نبيلة. إن هذا الحب هو القانون الأسمى الفريد للحياة الإنسانية، يشعر به كل إنسان في أعمق أعماق رُوحه. نجده يتجلى بأوضح صوره في نفوس الأطفال. يشعر به الإنسان طالما لم تُعْمِهِ عقائد العالم الباطلة.

ما نحتاجه

من مقالة لتولستوي

ما يحتاجه الهندي الإنجليزي، الفرنسي؛ الألماني، الروسي، ليس الدساتير، ولا الثورات، أو أي نوع من المؤتمرات أو الاجتماعات، ولا الاختراعات الماكرة للملاحة تحت الماء، أو الأشكال المتنوعة من الرفاهية، التي ينعم بها الأغنياء، والطبقات الحاكمة؛ ولا المدارس والجامعات الجديدة، التي تدرس بها علوم لا حصر لها، أو زيادة أعداد الكتب، أو الجرائد، أو الغرامافون، ولا تلك الأشياء الصبيانية، الحمقاء الفاسدة في مجملها، المسماة بالفنون؛ إنما إلى شيء واحد فقط، لا غنى عنه؛ معرفة الحقيقة، الصافية، البسيطة، الكامنة في رُوح كل إنسان، أن قانون الحياة الإنسانية هو قانون الحب، الذي يجلب خيرًا عظيمًا للفرد وللإنسانية جمعاء. فقط، إذا ما حرَّر الناس أنفسهم بوعي بتلك الجبال الشاهقة من التفاهات، التي تحجب الحقيقة عنهم اليوم.

تولستوي

تحيات قلبية

من رسالة مساعد تولستوي إلى غاندي

يرسل تولستوي لك ولرفاقك تحياته القلبية وتمنياتي الدافئة على نجاح عملكم، تقديره الذي ستلمسه من ترجمة خطابه لك. تقبل اعتذاري عن أخطائي في الترجمة باللغة الإنجليزية، لكني هنا في روسيا، البلد الذي أعيش فيه، لا أجد عونًا من رجل إنجليزي يصحح لي أخطائي. وبتصريح من تولستوي، فإن خطابه لك سيُنشَر في دورية صغيرة يَنشُرها بعض الأصدقاء في لندن. سأرسل لك نسخة من المجلة مرفقة بها الرسالة، إضافة إلى بعض المطبوعات الإنجليزية لكتابات تولستوي، تصدرها «فري إيدج بريس».

يبدو لي أنه من المُلحّ أن يعرف الناس المزيد عن حركتك في إنجلترا. أكتب لصديقة رائعة لي ولتولستوي –السيدة فيفي مايو من غلاسغو- لأقترح عليها أن تتواصل معك. إنها تملك موهبة أدبية كبيرة وهي مشهورة في إنجلترا ككاتبة. سيكون من الجيد أن تزودها بجميع منشوراتك التي ستكون بمنزلة مادة لمقال عن حركتك، إذا ما نُشِرتْ في إنجلترا، ستجذب الانتباه لعملك ومكانتك. وربما ستكتب لك السيدة ماي بنفسها.

تولستوي لم يندم على العبودية

من مقال ليف تروتسكي عن تولستوي

ليون تروتسكي

في بداية الستينيات، عندما اجتاحت موجة من الأفكار الأوربية الجديدة المشهد، والأهم من ذلك، علاقات اجتماعية جديدة انتشرت في كل مكان في روسيا، كان تولستوي، قد ترك وراءه بالفعل ثلث قرن: كان في هذا الوقت قد تشكل نفسيًّا تمامًا. ومن الواجب، رغم صعوبة ذلك، التذكير، أن تولستوي لم يندم أو يعتذر عن العبودية، كما فعل صديقه الحميم فيت (شينشين)، مالك الأرض والشاعر الغنائي الغامض، الذي امتلأ قلبه بتفاعل متناغم مع الطبيعة، والحب، مقترنًا في قلبه بسجود العاشق أمام سوط الإقطاع. رسخ في أعماق قلب تولستوي كراهية عميقة للعلاقات الاجتماعية الجديدة، التي حلت محل القديمة. على المستوى الشخصي، كتب تولستوي عام 1861م: «أنا شخصيًّا لا أرى أي تحسّن للأخلاق، ولا نية لديّ في قبول تلك الكلمات. على سبيل المثال، أن العلاقة بين صاحب المصنع والعامل أكثر إنسانية من العلاقة بين المالك والعبد». إن اللغط الذي انتشر في كل مكان وفي كل شيء؛ تحلل طبقية النبلاء القديمة، وتفكك طبقة الفلاحين، والفوضى الشاملة، والحثالة، وبقايا الحطام، والضجيج، وصخب حياة المدينة، والحانة والسيجارة في القرية، وقصيدة المصنع الفكاهية (تشاستوشكا) بدلًا من الأغنية الشعبية؛ كل هذا كان بغيضًا بالنسبة لتولستوي، سواء كأرستقراطيٍّ، أو كفنانٍ. من الناحية النفسية، أدار تولستوي ظهره لهذه العملية الجبارة، ورفض إلى الأبد أن يعترف بها فنيًّا. لم يشعر بأي رغبة داخلية في الدفاع عن العبودية الإقطاعية، ليبقى بكل كيانه منحازًا إلى جانب تلك الروابط التي رأى فيها بساطة حكيمة، والتي كان بمقدوره أن يتوصل بها إلى أشكال فنية كاملة. هناك يعاد خلق الحياة من جيل إلى جيل، ومن قرن إلى قرن، لا تتبدل. كما أنه هناك ضرورة مقدسة في كل شيء. ما من خطوة إلا ولها علاقة بالشمس، والمطر، والرياح، والعشب الأخضر النامي. لا شيء يأتي من عقل المرء، أو من إرادته المتمردة. وبالتالي، ليس هناك ما يسمى بالمسؤولية الشخصية. كل شيء محدَّد سلفًا، مبرَّر مقدمًا، كل شيء مقدَّس. وبما أنه غير مسؤول عن شيء، فلا يمكن للإنسان أن يتخيل شيئًا بنفسه، إنه فقط يستمع ويطيع، كما يقول أوسبنسكي، الشاعر الرائع، الذي أبدع «سلطان الأرض». إن هذه الطاعة الأبدية، تحولت إلى حالة كدح دائم، وهذا بالضبط ما يشكل الحياة التي لا تؤدي ظاهريًّا إلى أية نتائج، من أي نوع، لكن تملك نتيجة في ذاتها… ثم فجأة، معجزة! هذه التبعية الشاقة -دون انعكاس أو اختيار، بلا أخطاء، أو غصة توبة- هذا ما يفتح الباب أمام «السكينة» الأخلاقية العظيمة للوجود تحت وصاية صارمة لـ«آذان الجاودار». يقول ميكولا سيليانينوفيتش، البطل الفلاح في الملحمة الشعبية، عن نفسه: «الأرض الأم تحبني».