بواسطة الفيصل | يوليو 2, 2019 | الملف
ينتقل التصوف من الهامش إلى صدارة المشهدين الفكري والديني، مدفوعًا باهتمام غربي في المقام الأول، وعربي وإسلامي، ووراء هذا الاهتمام ما تشهده المنطقة العربية من عنف طليق وتطرف طالت نيرانه بلدانًا عربية وغربية عدة.
في العقدين الأخيرين، وبخاصةٍ بعد أحداث عام 2001م، كثرت بحوث الغربيين عن التصوف الإسلامي، بحسب رضوان السيد، بوصفه مخرجًا من التطرف، وقد بدأ تلك البحوثَ دارِسو الإسلاميات، ثم مؤسساتٌ بحثيةٌ أوربية وأميركية بتكليفٍ من حكوماتها. إذن، كما يطرح بعض الباحثين في هذا الملف، أصبح التصوف من الخيارات المطروحة بقوة اليوم، كبديل للخطابات الإسلامية التي أضحت هشاشتها وأضرارها محلّ اتفاق من جانب أغلبية المعنيين بالشؤون الدينية.
فالتجربة الصوفية تجاوزت، في رأي محمد بن الطيب، في أبعادها الإنسانية فكرة القبول بالآخر والتعايش معه والتسامح مع اختلافه في الملّة، إلى محبته ورحمته والشفقة عليه والإحسان إليه ونفي أي شعور بالتفوق عليه، إضافة إلى أن قيم التصوف وأخلاقه تَقِي مخاطرَ التعصب ونوازع الغلوّ والتطرّف.
غير أن هناك من يرى أن وقوع الاختيار على الصوفية لتلعب دورًا في الراهن الإسلامي، يأتي لتقارب أفكار الصوفية مع الديانات الأخرى، فضلًا عن دعوتها الدائمة إلى تفعيل اللطف والتفاعل والتعاون، وهو ما تجلى في البلقان وآسيا الوسطى وإفريقيا الغربية وتركستان الشرقية، كما يطرح شحاتة صيام. لدينا إذن أكثر من صورة للإسلام؛ الصورة الأولى التي كوَّنَها الغرب، ويميزها التطرف وكره الغربيين، والأخرى تؤمن بالحب والتعايش، في تأكيد غربي أن مستقبل العالم الإسلامي سيكون حتمًا للتيار الصوفي… وتتويجًا لذلك فقد أوصت لجنة الكونغرس الخاصة بالحريات بضرورة تشجيع الحركات الصوفية لتكون آلية فاعلة على الصعيد السياسي.
لكن، من ناحية أخرى، التصوف يواجَه بمجموعة من الإحراجات، فالصوفي، كما يقول خالد محمد عبده، غير معنيٍّ بفكرة إصلاح المجتمع؛ إذ يضع ذلك في مرتبة ثانوية، ويركِّز على ترقّيه الشخصيّ نحو الله، ويحاول بفنائه في الله أن يغدو وَحْدَه الإنسانَ الكامل، ولكنه إنسان حزين ومنعزلٌ ومنفصلٌ عن البيئة الاجتماعية. ويرى تركي الحمد أنه على الرغم من تعدد تعريفات الصوفية وتطوراتها عبر القرون، فإن بنيتها وجوهرها في تناقض وجودي مع نهر الحياة.
إذن، كيف يمكن للصوفية أن تحلّ بديلًا، وتنقذ العالم من شرور التطرف؟
تسعى «الفيصل» في ملف حول الصوفية، يشارك فيه مفكرون وباحثون وأدباء، إلى أن تتقصَّى مرامي الاهتمام بالصوفية، وتوضِّح مدى مقدرة الصوفية على أن تكون بديلًا للمذاهب الإسلامية، وأن تسهم في إشاعة السلام وترسيخ قيم المحبة والتعايش والقبول بالآخر، إضافة إلى إطلالة على الصوفية والمتصوفة، نساء ورجالًا، وتأمل تجليات الصوفية في النص الأدبي وفي السينما.
بواسطة الفيصل | يوليو 1, 2019 | إصدارات
الكتاب: الليبرالية في القرن العشرين
المؤلف: ماكوتو ميزوتاني المترجم: علا أحمد إصلاح
الناشر: مجموعة النيل العربية للنشر والتوزيع بالقاهرة
يتحدث الكتاب عن سيرة الباحث والمفكر المصري أحمد أمين، ونجله الكاتب والسفير حسين أمين، موضحًا إسهاماتهما الفكرية والأدبية بوصفهما من أهم الشخصيات التي لعبت دورًا كبيرًا في صياغة الفكر الليبرالي وبلورته في مصر، في القرن العشرين. الكِتاب بحث جادّ معتمد على الزاد الفكري الذي تركه أحمد وحسين أمين، ويتتبع بدقة الخيط الذي يربط بين الأفكار التي تركها أحمد أمين، وبين فكر ابنه حسين التحليلي المتفتح، وكذلك انعكاسات هذه الأفكار على أحوال مصر والقضايا التي شغلتها بقوة في القرن الماضي.
______________________________________________________________________________________________________
الكتاب: إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين
المؤلف: عبدالجبار الرفاعي
الناشر: دار التنوير
تمثّل النصوص المنشورة في هذا الكتاب رؤية المؤلف بشأن بعض إشكاليات «تحديث التفكير الديني»، وتلخّص منطلقاته ومبرراته وما ينشده من دعوته إلى: «إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين». وهي دعوة تشكلت نواتها الجنينية منذ ربع قرن، بدأها صاحبها عبر إصدار نشرة «الرأي الآخر» بمعية مجموعة من الزملاء في الحوزة العلمية في قم «1992م» وبعدها بعامين «1994م» أصدر مجلة «قضايا إسلامية»، وفي عام «1997م» بلور رؤيته التجديدية بإصدار مجلة «قضايا إسلامية معاصرة»، ونشر سلاسل عدة للكتب، ناهز مجموع ما صدر فيها 200 كتاب، ليثمر مشروعه تأسيس «مركز دراسات فلسفة الدين»، وتدوين بحوث ودراسات متنوعة وتأليف عدة كتب، آخرها هذا الكتاب الماثل بين أيدينا، الذي يطمح لقراءة بديلة للتراث وتأويل مغاير للنصوص الدينية، تتجاوز المنهجيات والقواعد التقليدية المتداولة، تصغي لإيقاع الحياة وتستجيب لرهانات العصر.
______________________________________________________________________________________________________
الكتاب: الفردوس الأميركي
المؤلف: جون هيور
الناشر: مركز الفكر الغربي
حمل العنوان الفرعي للكتاب «سخريات خفية، متناقضات، أوهام وضلالات، معضلات وسخافات في الحياة الأميركية. يقول الكاتب: «إن الطريقة التي نحيا ونعمل ونموت بها، وحدنا، ومع أميركيين آخرين، تحوي كثيرًا من الجوانب الخفية، وهو ما يدفعنا إلى القول: إن ثمة أميركتين اثنتين، واحدة نظن أننا نعرفها، والأخرى مجهولة فعلًا لنا. مثل هذه الفكرة كافية لحَفْز دارس علم الاجتماع كي يبدأ في تدوين ما يدور في خَلَدِهِ عن أميركا الخفية، لتنشأ عن هذا التساؤل الفكري صورة لأميركا تبدو مألوفة جدًّا، وأجنبية عنا للغاية. هذا الوجه الأجنبي المستور لأميركا هو ما يؤرقنا ويخيفنا ويدفعنا إلى الهرب نحو حقيقة متوهمة أشد صخبًا، وأكثر حيوية وبهجة. وكلما ازداد هروبنا حدة يومًا بعد يوم، كلما صار هذا شهادة واضحة على الشعور الأجوف والوحدة التي يتسم بهما أسلوب حياتنا الانعزالي».
______________________________________________________________________________________________________
الكتاب: رسائل حب ليست من هذا العصر
المؤلف: رنا أبو حنا
الناشر: الرافدين للطباعة والنشر والتوزيع
يقدم نموذجًا عن توثيق مرحلة تاريخية من الناحية الاجتماعية في الأساس، استنادًا لمكاتبات شخصية تبادلها عاشقان. وحول هذه الرسائل عُقدت ندوة إشهار كتاب في هذا المضمار بعنوان: «رسائل حب ليست من هذا العصر» تحت رعاية مركز بيت الذاكرة والتراث للأبحاث والتوثيق في مدينة الناصرة داخل أراضي 48. وبحثت الندوة الكتاب الذي جمعته الكاتبة رنا أبو حنا، وقدمت فيه رسائل أرسلها والدها المحامي أنيس أبو حنا إلى والدتها جوليا «جوجو» عازر بين السنوات 1956م و1961م.
______________________________________________________________________________________________________
الكتاب: فاس، الطواف سبعًا
المؤلف: شتيفان فايدنر ترجمة: كاميران حوج
الناشر: منشورات المتوسط ودار السويدي
بلغة شاعرية كتب شتيفان فايدنر هذه اليوميات التي لا تخلو من ميل إلى الطرافة، أيضًا. وإلى جانب سحر اللغة وهي تتقرب في طوافها سبعًا من حول الجمال الشرقي، هناك تلك التأملات والاستعادات في علاقة الحاضر الشرقي بأيقونات وعلامات كبرى.
فايدنر، هو شرقي وغربي معًا، وهو ذاهب إلى مراده بوجيب قلب اتسع حتى ضم الكون كله. يوميات مكثفة وممتعة، بوابتها فاس، لكنها طواف في أكثر من مدينة مغربية، وهي رحلة في الثقافة والناس، وفي حاضر المكان وماضيه، استحقت ترجمتها إلى العربية جائزة ابن بطوطة للرحلة المترجمة، وهي يوميات كاتب ومترجم ومثقف ألماني أغنى بدوره ثقافة لغته بترجمات وأعمال شعرية وأدبية، نقلها باقتدار من اللغة العربية، إلى جانب إبداعاته الشخصية في لغته الأم.
______________________________________________________________________________________________________
الكتاب: المسكوت عنه في التاريخ
المؤلف: وسيم السيسي
الناشر: الدار المصرية اللبنانية
يشير المؤلف في مقدمة كتابه إلى أهمية معرفة المسكوت عنه في التاريخ، مهما تعلق ذلك بشخصيات مقدسة أو أحداث مهمة شاع عنها بعض التفاصيل غير الصحيحة. ويتطرق المؤلف إلى أبرز الأحداث التاريخية المهمة في تاريخ مصر القديمة والمعاصرة التي يجهلها الأغلبية رغم أهميتها.
جاء الكتاب في 196 صفحة، ورغم صغر حجمه فهو يحمل معلومات وافرة وقيِّمة جدًّا عن التاريخ المصري، وما يتعلق به من تاريخ الشعوب المحيطة، غير أن السيسي اهتم في كتابه بدراسة المسكوت عنه، وليس الشائع من الأحداث، ويقصد بالمسكوت عنه هنا هو ما غفل عنه العامة من الناس.
بواسطة الفيصل | يوليو 1, 2019 | كاريكاتير

بواسطة الفيصل | مايو 1, 2019 | إصدارات

الكتاب: الفلسفة الإنسانوية
المؤلف: حسن عجمي
الناشر: الدار العربية للعلوم ناشرون
يحتوي هذا الكتاب على المضامين الجوهرية للفلسفة الإنسانوية التي تؤكّد وَحْدة البشر والثقافات والحضارات والنماذج الفكرية. يعتمد المؤلّف على منهجية تحليلية جديدة في طرح نظرياته فيعرِّف المفاهيم والظواهر مثل العقل والعلم واللغة على أنها قرارات إنسانوية مستقبلية معتمدة في تكوّنها على الإنسان وما يحرّره من الماضوية ويضمن استمرارية البحث العلمي والمعرفي. تهدف أبحاث الكتاب إلى التوحيد بين المذاهب الفلسفية المتصارعة وإيضاح الفضائل المعرفية للنظريات المقترحة. كما يقدِّم الكاتب مصطلحات جديدة ويشرح مضامينها الفلسفية مثل العلمنالوجيا أي علم العلمنة الهادف إلى علمنة كل الظواهر والعقلنالوجيا أي علم العقلنة الهادف إلى عقلنة الظواهر كافة على أساس أنها عمليات أنسنة متنوّعة وقرارات إنسانوية معتمدة على العلم والمنطق والأخلاق العالمية المشتركة بين كل أفراد البشرية. يهدف الكتاب إلى إحلال السلام من خلال رفض فلسفة الثنائيات التي تميّز بين الأنا والآخر وتؤسِّس للفِتَن والصراعات والحروب.
للكاتب مؤلفات فلسفية عديدة منها السوبر حداثة والسوبر مستقبلية والسوبر تخلّف والميزياء والضيمياء. أما الكتاب الجديد فحلقة أخرى ضمن مشروعه الفلسفي الهادف إلى تحليل معاني المفاهيم وتفسير الظواهر فلسفيًّا على ضوء محورية الوجود الإنساني.
______________________________________________________________________________________________________

الكتاب: المطبخ العربي، دراسة تاريخيّة – فكرية في أنثروبولوجيا الطعام والجسد
المؤلف: قيس كاظم الجنابي
الناشر: دار الانتشار العربي- بيروت
يعد موضوع المطبخ العربي موضوعًا اقتصاديًّا بالدرجة الأساس، لكن تناوله على وفق سيرورة التاريخ العربي الإسلامي يمنحه صفة تاريخية تتعلق بالدراسات الثقافية التي تدرس التراث الإنساني من حيث تعلقه بحياة الإنسان ومعاناته في الأكل والملبس وفي علاقته بالسلطة، أو الدين من حيث التحريم والإباحة للطعام والشراب، وهو ما يمنحه صفة الموسوعية والشمول لتعدد الحاجات إليهما، فضلًا عن كونه ظاهرة شعبية لها صلة بالرقعة الجغرافية التي يعيش فيها الناس ويحاولون أن يؤسسوا وجودهم عليها.
______________________________________________________________________________________________________

الكتاب: الدياليكتية الجنسية دفاعًا عن الثورة النسويّة
المؤلف: شولميت فايرستون ترجمة: عزة حسون
الناشر: دار التكوين- دمشق
الكتاب ينزع النقاب عن الأوهام التي تغرس في عقول البنات منذ الطفولة، ومنها الحب العذري والشرف والعذرية والزواج والأمومة. ويبدد هذا الكتاب الأفكار المغلوطة حتى اليوم، التي تختزل مشكلة المرأة في دين واحد، الإسلام مثلًا، الكاثوليكية مثلًا، أو طبقة واحدة، أو جنس واحد، أو هوية واحدة، أو بيئة معينة، أو غيرها.
______________________________________________________________________________________________________

الكتاب: من مكّة إلى كان
المؤلف: إبراهيم العريس
الناشر: الدار العربية للعلوم
يقرأ هذا الكتاب تأثيرات مكة الروحانية والدينية وكرسالة إشعاع ثقافية عربية وإسلامية حملها المخرج السعودي عبدالله المحيسن معه ووظّفها بلغة سينمائية معاصرة، عكست فهمًا عميقًا لتأثيرات عصر الصورة في حروب الكلمة الحديثة.
______________________________________________________________________________________________________

الكتاب: إشكالية ملاءمة العقيدة للعقل في الفلسفة الحديثة
المؤلف: بول راتو، الطاهر بن قيزة
الناشر: مؤمنون بلا حدود
يصدر هذا الكتاب لبيان الأهمية التاريخيّة والفلسفية لمسألة علاقة العقل بالعقيدة، وفضائل فلسفة بيير بايل على فكر معاصره ليبنتز، وحيثيّات نشأة كتاب «الإلـهيّات» الشهير. وللاطّلاع على طبيعة فكر بيير بايل وشغفه غير المحدود بالتناقض، وجرأته الفكريّة المثيرة للانتباه، التي لا تهاب رياح الأسئلة ولا ترعوي عن طرح الاعتراضات لمعرفة أسباب دفاع بيير بايل المستميت عن حضور تناقض يستحيل تجاوزه بين العقل والعقيدة، ومسوّغات إصراره على بيان عبثيّة مبادئ الدّيانة المسيحيّة وتعاليمها مقارنة بمبادئ العقل وقواعده؛ لتقفّي خلفيّات موقف بيير بايل الإيمانيّ المعلن الذي أثار ريبة رجال الدين في عصره، ولا سيما ما يتعلق بمسائل العقيدة ومدى ملاءمتها للعقل. ولفهم التصوّر الذي كوّنه كلّ من ليبنتز وبايل عن العقل.
______________________________________________________________________________________________________

الكتاب: حلقات زحل
المؤلف: ف.ج. زيبالد ترجمة: أحمد فاروق
الناشر: دار التنوير
يسرد هذا الكتاب بأرشيف صوره الغريب وقائع رحلة على الأقدام يقوم بها زيبالد على الساحل الشرقي الإنجليزي. في هذه المنطقة شبه المقفرة التي شهدت على مر العصور أوقات ازدهار خاطفة، سرعان ما زالت ليحل محلها البؤس والدمار، ينبش المؤلف قصصًا ومصاير ومآلات غريبة، تتقاطع مع رحلاته في الذاكرة عبر مآسي التاريخ الحديث والمعاصر. مفتونًا بتحولات الأشياء، يرصد الراوي تناسخ عوالم بأكملها لكن الدمار «يلقي بظلاله على كل شكل جديد».
لوحة «درس التشريح» لرامبرانت، وطفولة صاحب «قلب الظلام» جوزيف كونراد، وحياة وأعمال الطبيب المولع بأسرار الكون توماس براون، وحياة مترجم رباعيات الخيام إدوارد فيتزجيرالد وحرب الأفيون والإمبراطورة الأرملة ونهاية الإمبراطورية الصينية، ومذكرات شاتوبريان وغيرها من غرائب الأخبار، كلها قصص تلفها خيوط الحرير كما تلتف حول شرنقة دودة القز التي تلعب دورًا محوريًّا في هذا الكتاب.
بواسطة الفيصل | مايو 1, 2019 | الملف
أتاح القرار السعودي الذي ينص على تدريس الفلسفة ضمن المناهج الدراسية لطلبة الثانوية، مناسبة لإعادة تأمل أهمية الفلسفة في المجتمع، وبالنسبة للطالبات والطلاب ومدى انعكاس ذلك إيجابًا في المستقبل، فالفلسفة تعني السؤال وطرح مزيد من الأسئلة، وهو ما كانت تتحاشاه فئات اجتماعية، تريد فرض إجابات جاهزة، وبالتالي جعلت من المجتمع مجرد متلقٍّ سلبيٍّ في المجالات كلها. مع دخول الفلسفة سيتغير الأمر، كما يرى عدد من المهتمين، وسيعمل المجتمع عقله وفكره في كثير من القضايا والموضوعات ولن يكون رهينًا لفئة اجتماعية أو دينية بعينها.
من ناحية، تواجه منتديات الفلسفة، التي تشكلت منذ سنوات وضمت مهتمين بالفلسفة والفكر الفلسفي، ووجدت حواضن لها في الأندية الأدبية، تحديات عدة، منها: ضبابية مفهوم الفلسفة في المجتمع، ونخبوية الطرح، وضرورة ربطها في حياتنا المعاصرة والاستفادة منها، وصعوبة الخروج بها الى الجمهور. لكن تلك التحديات آخذة في التلاشي شيئًا فشيئًا وهذا ما يجعل الإقبال الاجتماعي على المنتديات الفلسفية يتجلى في التداول الفكري، الذي تشهده وسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما يجعل المنتديات الفلسفية تصبح معبرًا عن حراك إيجابي فعال. ومع إقرار تدريس الفلسفة في مناهج التعليم العام، برزت أسئلة منها: هل اكتُشِفَ أنْ لا خطورة من الفلسفة؟ الحلقات الفلسفية هل هيأت المناخ لمثل هذا القرار؟ هل عملت على إنشاء جيل أو مهتمين بالفلسفة؟ ما أبرز التحديات التي واجهتها؟
«الفيصل» تنشر هنا مشاركات لعدد من الكتاب السعوديين حول الفلسفة وأهميتها في المجتمع السعودي:
عبدالله الهميلي: اكتشاف الفلسفة
أبسط المقولات الفلسفية هي التي تقول: إن كل الناس فلاسفة ولديهم القدرة على التفلسف، وهي موجودة في معظم فسيفساء العلوم الطبيعية والاجتماعية.
ما زالت الفلسفة حية وتطورت موضوعاتها على مر التاريخ وحِقَبِه ،هل يمكن الاستغناء عن الفلسفة في هذا العصر؟! بالتأكيد لا. قد يكون هيغل هو آخر فيلسوف شمولي من ناحية اهتمامه بالمطلق لكن طالما هناك سؤال سيكون هناك تفلسف. تنتهي حدود الوجود عند نهاية التساؤل ووجود الإجابات واليقينيات.
مقولة هايدغر في كتابه «نهاية الفلسفة ومهمة التفكير» كانت داخل الاشتغالات الفلسفية،يموت الشيء حينما يتحول إلى دوغما ماتت الأيديولوجيات وبقيت الفلسفة، بالتالي مقولته هذه فلسفية بامتياز ولا نستطيع أن نعترف بمقولة موت الفلسفة ممن هو ليس متفلسفًا كستيفن هوكينغ على سبيل المثال وغيره فهو ليس فيلسوفًا، فلاسفة ما بعد الحداثة يرفضون صفة الفيلسوف ،وأعتقد أن الفيلسوف بالمعنى التقليدي هو الذي يمثله هيغل وغيره.
من خلال تعريف جيل دولوز للفلسفة بوصفها إبداع المفاهيم في كتابه المشترك مع المحلل النفسي فليكس غوتاري «ما هي الفلسفة» أعتقد من يبدع مفاهيميًّا حول الحياة والوجود وقضاياها يستحق لقب فيلسوف ،الفلسفة أصبحت معادلًا للحياة. ومن خلال توصيف هوسرل للفيلسوف بأنه موظف البشرية وهو توصيف حقيقي لمهمة الفيلسوف. فيلسوف العلم الصارم كارل بوبر في كتاب «درس القرن العشرين» وهو كتاب حواري مهم يتحدث عن مآلات الإنسان ومآزقه خصوصًا مع انهيار الأيديولوجيات. نحن الآن في عصر العلم وهذا لا شك فيه لكن من الذي يخلق حوارية مع العلوم والتقنية ويحاول أنسنتها ومساءلتها غير الفيلسوف والمفكر. قد تكون لدينا مشكلة في الفلسفة القارية الترنسندنتالية والفلسفات المهووسة بأحاديث النهايات وبلاغتها،لكن الفلسفات الأخرى من ضمنها الأميركية المعاصرة التي تجاوزت البراغماتية تجاوزت هذه البنية المتعالية للفلسفة لتتوازى مع الحياة.
ما ينوه به الفيلسوف كارل ياسبرز في مخطوطته الأخيرة المعنونة بـ«تاريخ الفلسفة بنظرة عالمية»، أنه «ينبغي أن يكون تاريخ الفلسفة نفسه فلسفة».
ولن يستوعب القضايا الفلسفية إلا المتفلسف فمعرفة اللغة لا تكفي للفهم حيث مهمة التفكير في تاريخ الفلسفة والقضايا الفلسفية بأن نتجه صوب الأفكار الفلسفية عبر حقبها التاريخية، والاطلاع على تاريخ الفلسفة يعني استيعاب الوعي الشامل واستحضاره.
وهذا الاستيعاب يقتضي التحرر من كل وجهات النظر المسبقة والأنساق، والمعيار في ذلك هو الواقع ومعطياته ومقدار صمود الأفكار الفلسفية أمامه. ويختم ياسبرز بأن المتتبع لتاريخ الفلسفة قد يجد أسماء مضيئة في ذلك التاريخ بإمكانه أن يتعالق معها ومع أفكارها ضمن المقاربة التي يريد أن يتبناها. تنمو حقول داخل الفلسفة وتضمر حقول أخرى، ولا يوجد شيء غير قابل للتفلسف.
من ناحية، يأتي القرار التاريخي بتدريس الفلسفة في السعودية في مناهج الدراسة الثانوية دليلًا على أهمية وصيرورة الفلسفة في المجتمعات المتطورة، بما فيها دول الخليج وعلى وجه الخصوص وطننا الحبيب. ولقد كانت الحلقة الفلسفية التي تأسست في نادي الرياض الأدبي سنة 2008م أولى المخاضات والطموحات التي شكلت فارقًا معرفيًّا ونقديًّا في المملكة؛ إذ إن معظم الاهتمامات كانت منصبّة على الشأن الثقافي العام والأدبي التي استمرت حتى تاريخنا هذا. وتأسيس «الحلقة المعرفية» في المنطقة الشرقية سنة 2017م و«إيوان الفلسفة» في نادي جدة الأدبي سنة 2018م، يأتي كحلقة متصلة من صيرورة الفكر والفلسفة، ومدى حاجة المجتمع وخصوصًا الشباب المتعطش للجديد والفكر النقدي.
شاعر وباحث في الفلسفة.
حاتم مكرمي: الفلاسفة خصوم أساسيون لرعاة الانغلاق
لطالما كانت ولا تزال الفلسفة هي صداع نصفي يصيب الركود الفكري عبر العصور؛ لذلك نرى الفلاسفة دائمًا ما يكونون خصومًا أساسيين لكل من يرعى الجمود والانغلاق الفكري ليُحكَم على سقراط بالموت بالسم ، وينفى سينيكا إلى جزيرة نائية قبل أن يُعدم من الجيش، ويُغْرَق هيباثوثوس في البحر من جماعة الإخوان الفيثاغورسيين، وتُسحَل هيباتيا في شوارع الإسكندرية قبل أن تُقتل دهسًا بالإقدام. الجرائم ضد الفلسفة هي وليدة جمود وانغلاق فكري، وهذا ما لا ينطبق على المجتمع السعودي على الأقل في الوقت الحالي، الذي يشهد انفتاحًا فكريًّا وتَقبُّلًا للآخر وازدهارًا اقتصاديًّا؛ يجعل من البيئة السعودية ملاذًا آمنًا لصناعة الأفكار الجديدة وممارستها، وهذا بالضبط ما تُعنى به الفلسفة التي يجب أن تتعلمها الأجيال التالية بشغف، فلا حضارة استثنائية إلا بفلسفة استثنائية.
نعم الفلسفة لا خطورة منها بل الخطورة في عدم ممارستها، فمن دون فلسفة عميقة لا يمكن اكتشاف أخطاء مجتمعية وعلاجها. هناك ما يمنع تنقية الهوية من شوائب الممارسات والأفكار السلبية التي تنشأ بفعل الركود الفكري أحيانًا والانفتاح الثقافي حينًا آخر، ثم تتغلغل بحثًا عن حواضن فكرية تنمو منها ممارسات سلبية تتشكل مع الزمن لتُصبِح مُسلَّمات يصعب التخلص منها أو التعاطي معها، وهذا بالضبط ما نريد أن ننبه أبناءنا إليه، وأن يتعلموا كيف ينقذون أنفسهم ويصححون أخطاءهم، ومن ثم ينطلقون لبناء أخلاق نقية تُسهِم في بناء المجتمع المثالي، الذي لطالما حلمت به البشرية عبر العصور لتضمن بقاءها وازدهارها للأبد.
صناعة الفكر والثقافة صناعة ثقيلة جدًّا وطويلة المدى وتحتاج إلى خطة وعمل، يبدأ من رأس الهرم الوطني نزولًا إلى أصغر لَبنات المجتمع السعودي، وهذا الوضع أيضًا ينطبق على ممارسي الفلسفة وروادها بمختلف أنواعها، لتكون أول التحديات وأكبرها هو طبيعة الفكر ومخرجاته الطويلة المدى، وهذا ما يجعل جمهور الفلسفة قليلًا جدًّا عبر الأزمان. ولكن هذا لا يخفي الإقبال الشديد الذي شهدته المنتديات الفكرية في مختلف مناطق المملكة بالرعاية الكريمة التي حظي بها المثقف السعودي، وسيحظى بأكثر من ذلك في السنوات القليلة المقبلة لتقل التحديات التي كانت تشكل عوائق، منها الدعم المالي والتركيز الإعلامي على أبرز مخرجات العمل الفلسفي، ولا سيما التخوف المجتمعي المتوهم من خطورة الفلسفة والموروث الذي صور أن الفلسفة هي حراك فكري خطير يهدد الثوابت بمختلف أنواعها، وهذا ما يشكل أبرز التحديات التي أخذت بالتلاشي شيئًا فشيئًا وهو ما يجعلني أتوقع إقبالًا مجتمعيًّا على المنتديات الفلسفية يتجلى في التداول الفكري الذي تشهده وسائل التواصل الاجتماعي بكل أريحية وموضوعية، والآن تشهد المنتديات الفلسفية حراكًا قويًّا لم يشهده المسرح الفكري السعودي قبل ذلك.
باحث مشارك في الحلقة الفلسفية.
زينب الخضيري: توسيع نطاق التفكير
إقرار تدريس الفلسفة، ربما هو تصحيح لمفهوم كان محظورًا سابقًا، والحياة لا تستقيم على وتيرة واحدة، والتغيرات التي حظيت بها السعودية مؤخرًا جعلت إعادة النظر في كل شيء ضرورة حتى نواكب التطورات العالمية من حولنا. سعدت كثيرًا بهذا الفتح في مدارسنا؛ لأن تدريس الفلسفة هو إقرار بأهمية توسيع نطاق التفكير والبحث والتحليل في كل ما حولنا، فالفلسفة هي طريقة للتفكير المعمق. وكوني من عشاق الفلسفة ومن المهتمين بالقراءات الفلسفية، قرأت في إحدى الصحف السعودية خبرًا عن تدريب المعلِّمين من أجل تدريس الفلسفة، ولكنه استوقفني كثيرًا؛ إذ إن مشكلتنا الدائمة أننا لا ندرس الأفكار والبرامج بشكل جيد. وتخلو الجامعات من التخصصات الفلسفية، التي نحن نحتاجها لتوسيع المدارك والتفكير النقدي، فالعقل المنساق ضمن آليات نظر محدد ينتج فعله في حدود ذلك النظر ولا يستطيع تجاوزها، إلا داخل إرادة وعي تستوعب الثبات وتؤسس للانطلاق.
وتدريس الفلسفة له جذور فقد نادى بها الأميركي ماثيو ليبمان، وشجع على تدريسها منذ الطفولة، ففي سبعينيات هذا القرن وجد ماثيو ضعفًا في التفكير النقدي والمنطق لدى طلبة الجامعة. واقترح أن أفضل ما يمكن أن يقدم للطلبة هو التبكير بالتدريب على هذه المهارات منذ الطفولة. فالإنسان اجتماعي بطبعه وهو كائن مؤثر ويتأثر بواقعه، لذلك يكون الاهتمام بالعقل شيئًا من العمل الشائك نظرًا لحالة التصلب الحضاري الذي نعيشه؛ لماذا لا نشتغل على العقل الذي هيمنَ عليه العقل الغربيُّ؟ لماذا لا نستفيد بدل أن نستسلم؟ لماذا لا ننتج بدلًا من أن نكون متلقين؟ ففي لحظة التفتيش عن العقل العربي نواجه تحدي هيمنة العقل العالمي علينا، فلا نحن صنعنا لنا هوية لنقف بوجه هذا الطوفان ونتفاهم معه بذات حرة مستقلة، ولا نحن انسقنا وتماهينا بسلاسة مع العقل العالمي، نظل واقفين في وسط حلق هذا العالم. إذن ما الذي نستطيع فعله تجاه تدريس الفلسفة؟ هذا هو السؤال الذي يجب أن نطرحه، وكيف ستُدرَّس الفلسفة، ومن سيُدرِّسها؟ هذه الأسئلة الثلاثة الإجابة عنها كفيلة بأن نراهن على نجاحها في مدارسنا. كذلك قرأت في كتاب «تفكر، مدخل أخاذ إلى الفلسفة» للكاتب سايمن بلاكبرن، أن الفيلسوف الفرنسي ديكارت عزل نفسه في حجرة، واختبر رؤية أعقبتها أحلام، بينت له فيما حسب مهمته في الحياة: الكشف عن السبل الوحيدة الصحيحة للعثور على المعرفة، يستدعي الطريق الصحيح تقويض كل ما سبق أن سلّم به، والبدء من الأسس.
أما المجموعات الفلسفية في السعودية، فهي جديدة وأقدمها الحلقة الفلسفية تحت مظلة النادي الأدبي في الرياض، وهي بدأت قبل أكثر من ثماني سنوات، وفي هذه السنة أصبحت هناك حلقة فلسفية في المدينة المنورة، وجدة، وهذا الانتشار والتطور في توسع الحلقات الفلسفية، وإدخال الفلسفة في التعليم، سيجعل هناك تحولًا وتطورًا مع الزمن. والفلسفة تثير التساؤلات والآراء حول كيفية اكتسابنا للمعرفة وتوليد الأفكار وإمكانية التقاء المعرفة والأفكار مع زمن المستقبل في نقطة حاسمة هي الآن. الفلسفة لن أقول: إنها طوق نجاة لنا، ولكنها ستنير طريقنا وتساعدنا في مواجهة العالم. فالحقائق المتغيرة تجبرنا على النزول للواقع، وتكثيف حضور الواقع والعيش بداخله وتحليله ربما ينقذنا من أفكارنا التاريخية، وهو عدم حصر أنفسنا في فكرة واحدة، وعدم الاستسلام لكل شيء. تأتي الحلقات الفلسفية لنشر الوعي ولإيجاد طرق تفكير جديدة تجعلنا مختلفين. وهذا بالطبع يجعل هناك الكثير من التحديات التي تواجه هذه المجموعات الفلسفية؛ أهمها: ضبابية مفهوم الفلسفة في المجتمع، ونخبوية الطرح، وضرورة ربطها في حياتنا المعاصرة والاستفادة منها.
أكاديمية وروائية.
سارة رشيدان: نقلة مهمة في تطوير التعليم
على الرغم من تعالي الأصوات المطالبة بتدريس الفلسفة والتفكير الناقد من مثقفي البلد الواعين بأهميتها؛ فإن هذا القرار عندما صدر من وزارة التعليم كان مفاجأة جميلة جدًّا؛ بل ربما هو برأيي أهم نقلة حدثت في تطوير مناهج التعليم بالمملكة في العقود الأخيرة، وبخاصة مناهج المرحلة الثانوية. جرأة تدريس الفلسفة باسمها مباشرة بعد محاولات سابقة لتقديم التفكير الناقد تكشف أن القائمين على وضع سياسات التعليم أدركوا الضرر المترتب على غياب هذه المادة عن مناهجنا منذ بدء التعليم؛ مع العلم أن الفلسفة وجدت بشكل محدود في بعض أنواع التعليم الجامعي، أو ما فوق جامعي؛ حضرت في فلسفة التربية، وربما حضرت كمخالف يجب الرد عليه في تخصصات جامعية أخرى؛ لكنها غابت تمامًا عما قبله حتى صدور هذا القرار. تدريس الفلسفة اليوم حدث بعد أن اكتشف أنها ضرورة يحتاجها المتعلم أو المتعلمة لوعي قضايا الفكر العامة والخاصة بهما، ستصنع الفلسفة مُحاوِرًا متمكنًا يجيد عرض أفكاره، والتفاعل السويّ مع أفكار الآخرين من دون شعور بالعجز عن محاورة المختلف عنه صديقًا أو عدوًّا، معلمًا أو متعلمًا. سيقودنا هذا إلى التخلص من ثقافة التلقين الهشة والدخول إلى عالم الحوار الرحب.
في السنوات الست الأخيرة كنت قريبة جدًّا مما يطرح في حلقة الرياض الفلسفية (حرف) وهي بلا شك نواة الفلسفة في بلدنا، الحلقة أنشأها قراء باحثون في الفلسفة، واستمرت بنادي الرياض الأدبي حتى اليوم في تقديم طروحاتها الفلسفية والفكرية، وقبل سنتين منها انطلق إيوان الفلسفة في نادي جدة الأدبي، وكان ولا يزال الحوار الفلسفي متصلًا بين المدينتين وبرعاية عقول شابة آمنت بالفلسفة.
قبل أيام قرأت عن حلقة فلسفية جديدة تنشأ شمال المملكة، والحقيقة أن هذا الجهد اللافت أعطى صورة عظيمة عن قدرة ووعي شبابنا انتقلت إلى العالم، الذي يستغرب وجود الفلسفة بهذا العمق في إطار ثقافة طال تجريمها لها. التحديات التي واجهت الشباب في طرحهم الفلسفي كثيرة، سواء ما تعرضوا له من هجوم مخالفيهم، أو تُهَم وُجِّهت لهم؛ لكن اللافت أنهم تجاوزوها ولا يزالون يذللون بحماسهم الصعاب في استقطاب الحضور المهتم، والمحاضر الجيد. أيضًا الفلسفة تُقَدَّم للجنسين، وتُقدَّم لمختلف الأعمار ودرجات الثقافة، فأحدثت تواصلًا للوعي الجمعي المثقف المتابع لها أو لبعض طروحاتها، وبخاصة فلسفة الأخلاق كمثال. أظن التحدي الذي يواجه الفلسفة اليوم هو قلة عدد المشتغلين بها، مع رغبة عارمة في تعلُّمها وتقديمها. والتحدي الأهم أننا يجب أن نفتح أقسامًا في الجامعات لتصبح الفلسفة علمًا قائمًا بذاته، يدعم اجتهادات الشباب أبطال الفلسفة.
عضو الحلقة الفلسفية.
شتيوي الغيثي: الخطورة بدأت في التلاشي
مؤخرًا أعلنت وزارة التعليم السعودية إدراج مادة الفلسفة والتفكير الناقد في مناهج التعليم العام، وهذا الإدراج جاء بعد سنوات طويلة جدًّا من غياب الفلسفة في السعودية بشكل رسمي؛ لأن الفلسفة كانت موجودةً في كتابات عدد من الشباب أو المثقفين أو الأدباء، إضافة إلى وجودها كمنتديات فكرية أو فلسفية في الرياض وغيرها. جاء الاعتراف الرسمي متأخرًا قليلًا عن مواكبة التطورات الفكرية في المجتمع، لكنه في الأخير حضر كمنهج معترَف به يُدرَّس للطلاب، ولعل اكتشاف أهمية الفلسفة ليس جديدًا غير أن المحظورات كانت كبيرة في وقتها وما زالت عند العديد من الناس، وبما أن الاعتراف أخذ طابعًا رسميًّا فإن الخطورة بدأت بالتلاشي على الأقل على المستوى الرسمي، أما على المستوى الشعبي فيحتاج ذلك إلى إحصائيات لمعرفة مدى تقبل الناس لها.
في تصوري أن الكثير من الكتابات والآراء النقدية؛ بل حتى التفكير الديني، كانت الفلسفة حاضرة فيه، باعتبار أن أكثر النظريات النقدية والاجتماعية وأسس الخطابات الفكرية في المجتمع السعودي تقوم على أرضية فكرية، ولذلك فإن حضورها كان حضورًا فكريًّا أكثر من كونها حضورًا رسميًّا يدرس، ولعل هذا الجانب هو الذي جعل التعليم جاهزًا لإدراج منهج الفلسفة والتفكير الناقد في المدارس.
الخطورة لم تكن في الفلسفة أو الفكر وإنما تكمن الخطورة في حالة (تخطيرها) -إذا صحت الكلمة– أي من حالة تخويف الناس منها أو الاستهانة بها، وإلا فإن غالبية العلوم الحديثة تقوم على أطر فكرية حتى تلك التي تقع في مجال العلوم التطبيقية، وإن كانت مستقلة حاليًّا عن المجال الفلسفي لكنها كانت مرتبطة بها في جانب من جوانبها، وبخاصة في الدراسات النقدية الحديثة أو الدراسات الاجتماعية.
في السعودية حضرت الفلسفة في الكتابات الصحافية، وحضرت في الدراسات النقدية، وحضرت عند بعض الأدباء لكن أكثر ما حضرت، من خلالها، هي المنتديات أو اللقاءات الثقافية، ولعل أول منتدى فلسفي في السعودية كان حلقة الرياض الفلسفية. وكذلك الحال في جدة في «رواق الفلسفة»، كما أُسِّس منتدى فكري في القصيم لكنه توقف أو أُوقِفَ لأسباب ليس هنا مجالها، ثم أُسِّس «مسار فلسفي» من ضمن أنشطة نادي حائل الأدبي، أما آخر ما أُسِّسَ فهو «منتدى الفكر» في نادي المدينة الأدبي الذي بدأ نشاطه منذ أشهر قليلة.
لكن هل جرى إنتاج جيل جديد من الشباب المهتمين بالفلسفة أو الفكر؟ ربما تكون الإجابة عن مثل هذا السؤال واسعة أو ضيقة في الحالتين، والأمر خاضع هنا إلى طبيعة المنتدى وعمره، فحلقة الرياض الفلسفية تتوسع في أنشطتها، ونرى أسماء جديدة تخرج بين حين وآخر، في حين نجد في منتديات أخرى مقصورة حتى الآن على بعض الشخصيات التي كان لها نشاط سابق في الفلسفة، بحكم قصر عمر المنتدى. والأمور في حقيقتها لا تزال في بداياتها بالمقارنة مع علوم أخرى لها سنوات طويلة في الوجود الرسمي، ولعل منهج الفلسفة والتفكير الناقد يكون البذرة الأولى في تقبل بعض الناشئة لأفكار فلسفية ونقدية جديدة، إضافة إلى ما يمكن أن تؤسسه المنتديات التي أُنشِئت، من حراك فكري وفلسفي مقبل وإن كان صغيرًا ما لم تُوقَفْ هذه المنتديات لأي سبب كان.
في الأخير يبقى التفكير الفلسفي تفكيرًا يميل إلى النخبة من الناس، أو بالأصح يحظى باهتمام فئة قليلة جدًّا من الشباب المثقف، ولذلك فإن الحديث عن (أجيال) تستلزم اتساع أفق الفكر الفلسفي وفتح أطر الحرية الفكرية وعدم الحجر عليها في التفكير العام وهذا ما زال في بداياته، ويمكن أن نقول: إن مثل هذه التساؤلات سابقة لأوانها بحكم قصر مدة حضور تلك المنتديات. وباستثناء حلقة الرياض الفلسفية فإن عمر غالبية المنتديات أو اللقاءات الفلسفية لا يتجاوز سنة واحدة أو سنتين على الأكثر من التأسيس، كما أن منهج الفلسفة والتفكير الناقد يحتاج إلى وقت لِيُستوعَبَ في المدارس أو يُهتَمّ به بشكل جدي حتى يؤتي أكله، فالغالب أن الذين سوف يدرسونه لم يكن لهم اهتمام كبير بالتفكير الفلسفي ولا يوجد متخصصون في الفلسفة في التعليم يمكن أن يدرسوا هذا المنهج. ولذلك فإن التساؤل حول أهمية ثمارها أو وجود مجايلة تاريخية للتفكير الفلسفي في السعودية سابق لأوانه؛ لأن مثل هذا التساؤل يحتاج إلى سنوات طويلة من العمل والرصد.
كاتب وأحد المشرفين على منتدى فكر في نادي المدينة المنورة الأدبي.