كان النصف الأول من القرن العشرين في مصر زمنًا تتحرك فيه اللغة كمن يبدّل جلده ببطء. القصيدة العمودية لا تزال في صدر المشهد، محروسة بالبحور والقوافي، وبهيبةٍ تراكمت عبر قرون. كانت الأذن العربية تطمئن إلى الوزن، كما يطمئن البيت القديم إلى أعمدته. لكن تحت هذه الطمأنينة كانت تتشكل رغبة أخرى: كتابة أقل خضوعًا، وأقرب إلى الهمس الداخلي للأشياء؛ شعر لا يطلب الإذن من البحر، ولا يرى القافية شرطًا وحيدًا للنجاة.
في هذا المناخ ظهر أحمد راسم (1895– 1958م)، لا بوصفه ظلًّا عابرًا في الهامش، بل كاتبًا وقف في منطقة شديدة الخصوبة بين العربية والفرنسية. لم تكن ازدواجيته اللغوية شقاقًا في الهوية، بل طريقة في توسيع النظر. كتب باللغتين، وحمل من الشرق رهافة الغناء، ومن الغرب قلق الحداثة، من غير أن يذوب كاملًا في ضفة واحدة. كان أقرب إلى عابر جسر يعرف أن الجسر ليس مَنْفًى، بل مكانًا يرى منه الماء واليابسة معًا.
عام 1922م أصدر «البستان المهجور»، وهو كتاب صغير الحجم، عميق الأثر، يضم نصوصًا نثرية خاطفة ومكثفة، أقرب إلى الومضة والتأمل منها إلى القصيدة التقليدية. رأت بعض القراءات في اختزاله وصفائه صلة بروح الهايكو، لا بمعنى المحاكاة، بل بمعنى التقاط اللحظة الصغيرة قبل أن تتبدد. وتذكر بعض الشهادات أن الكتاب صدر بلا توقيع، كأن صاحبه أراد للنص أن يذهب إلى قارئه عاريًا من حماية الاسم.
دخل «البستان المهجور» السردية الأدبية بوصفه من أسبق الأعمال التي مهدت لقصيدة النثر في مصر، وربما في العربية الحديثة، سابقًا بنحو ربع قرن محاولات لاحقة ارتبطت بأسماء أكثر حضورًا؛ منها لويس عوض (1915– 1990م) وكتابه «بلوتو لاند»، أو «بلوتو لاند وقصائد أخرى من شعر الخاصة»، الصادر سنة 1947م. هنا لا تكون المسألة سباق تواريخ فحسب، بل سؤالًا عن ذاكرة أدبية كثيرًا ما تصلُ متأخرةً إلى أبنائها الأوائل.
شوقي وظلّ الحارس القديم
لم يكن الوسط الأدبي مستعدًّا بسهولة لهذا النوع من المغامرة. كانت الذائقة العامة ترى الشعر في الوزن، وتتعامل مع الخروج عليه كأنه نقص لا اقتراح جديد؛ لذلك قوبلت تجربة راسم بريبة واضحة، وتناقلت بعض الكتابات أن أحمد شوقي ومن حوله لم يروا في تلك النصوص شعرًا بالمعنى الموروث، بل نثرًا يحاول أن يرتدي ثوب القصيدة.
غير أن الأمر لم يكن خصومة عابرة بين شاعر وآخر. كان صدامًا بين صورتين للشعر: صورة ترى القصيدة بيتًا معلوم الأركان، وصورة أخرى ترى الشعر طاقة تسكن اللغة، قد تعبر الوزن وقد تغادره. لم يكن راسم يهدم التراث، ولا يعلن عليه حربًا صاخبة؛ كان فقط يفتح نافذة في جدار صلب. والنافذة، في البدايات، تبدو دائمًا كأنها شرخ.
لم يردّ راسم على الريبة ببيانات دفاعية طويلة. ما يوحي به مساره أنه اختار الطريقة الأهدأ والأصعب: أن يواصل الكتابة، وأن يترك الزمن يقوم بما تعجز عنه المجادلة. كان يعرف أن التجريب لا ينتصر بالشرح وحده، بل بتراكم النصوص، وبأن يأتي قارئ لاحق، بعد سنوات، فيرى ما لم تستطع اللحظة الأولى أن تراه.
لغة تمشي بين بيتين
بعد «البستان المهجور» مال راسم أكثر إلى الفرنسية، ونشر نصوصًا جعلته جزءًا من الأفق المصري الفرنكوفوني الذي لم يَنَلْ عربيًّا ما يستحقُّه مِن قراءة. أَصدر لاحقًا «كتاب نيسان»، في النصف الثاني من العشرينيات، وهو عمل يمتزج فيه الحب بالفقد، والصفاء بما يشبه حزنًا مضيئًا. لم تكن الفرنسية عنده قناعًا اجتماعيًّا، ولا ترفًا طبقيًّا، بل لغة كتابة كاملة؛ لكنها، في الوقت نفسه، لم تقطعه عن جذوره الشرقية ولا عن حساسيته العربية.
كان يستدعي ميراثًا واسعًا: من سعدي وحافظ الشيرازي إلى بودلير ورامبو وهنري ميشو. لكنه لم يكن جامع أسماء، ولا مقلد نبرات؛ كان يأخذ من كل عالَمٍ ما يُعِينه على صوغِ صوتِه الخاصّ. وهذا ما يمنح تجربتَه قيمتَها؛ أنه لم يكتب بوصفه تابعًا لحداثة غربية، ولا بوصفه حارسًا مذعورًا من كل جديد، بل كاتبًا يعرف أن الهُوية لا تقوى بالانغلاق، وإنما بقدرتها على الامتصاص والتحويل.
وفي نصوصه اليومية، مثل «يوميات موظف فقير» وما يجاورها من خواطر ومشاهد، تظهر مصر الصغيرة التي لا تدخل عادة كتب التاريخ: الموظف، المكتب، البائع، العابر، الشارع، النساء، الحرفيون، والأصوات التي تمرّ قربنا ولا نسمعها. كان راسم يرى شاعرية العادي؛ كأن الحياة اليومية ليست فقيرة في ذاتها، بل الفقر في عين لا تعرف كيف تنظر.
تكريم بعيد ونسيان قريب
حظي راسم في فرنسا بتقدير لم ينله بالقدر نفسه في محيطه العربي. ففي عام 1954م حصل على جائزة من الأكاديمية الفرنسية، ثم أعيد تقديم بعض نصوصه لاحقًا للقارئ الفرنسي عبر طبعات جديدة وعنايات نقدية. ومع ذلك، لم يكن حضوره هناك كاملًا أو مستقرًّا؛ فقد ظل بدوره عُرضةً للغياب، ثم يعود اسمه كلما انتبه قارئ أو ناقد إلى تلك المنطقة الثرية التي تحرك فيها بين لغتين وحساسيتين.
أما عربيًّا، فبقي راسم كاتبًا متقطع الحضور؛ ربما لأن كتابته بالفرنسية أبعدَتْه من مركز السردية الوطنية، وربما لأن قصيدة النثر، حين ظهرت عنده مبكرًا، لم تجد المؤسسة النقدية التي تمنحها مكانها. فالريادات المبكرة كثيرًا ما تدفع ثمن سبقها؛ تأتي قبل أن تتكوّن اللغة القادرة على استقبالها، وقبل أن يصبح الخيال النقدي مستعدًّا لما تقترحه.
الفن والحرية: الخيال في مواجهة العتمة
لم يكن راسم وحيدًا في هواء الحداثة المصرية. ففي أواخر الثلاثينيات شهدت القاهرة ميلاد واحدة من أكثر التجارب الفنية جرأة في العالم العربي: جماعة «الفن والحرية». في 22 ديسمبر 1938م صدر بيان «يحيا الفن المنحط»، ردًّا على الدعاية النازية التي حاربت الفن الحديث ووصمته بالانحطاط. ومن ذلك البيان تشكلت جماعة ضمت فنانين وكتابًا ومثقفين أرادوا للفن أن يكون موقفًا من العالَم، لا زخرفة مُعلَّقة على هامشه.
نشطت الجماعة في القاهرة عبر معارض ومجلات وبيانات دافعت عن حرية الإبداع في مواجهة الفاشية والجمود والوصاية. وأصدرت مجلة «التطور» في يناير 1940م، لا بعد 1952م كما يلتبس الأمر أحيانًا. كانت المجلة قصيرة العمر، لكنها حملت طموح جيل كامل إلى فتح النوافذ: على الفن الحديث، والأدب الجديد، وحق الشاب المصري في معرفة ما يجري في العالم، لا كتابع يراقب من بعيد، بل كشريك في سؤال الحرية.
لا تضع القوائم المعروفة أحمد راسم عضوًا رسميًّا في «الفن والحرية»، لكن رُوحه كانت قريبة من مناخها: التجريب، والتحرر من القوالب، ومراوحة الكتابة بين لغتين، والبحث عن شكل لا يخضع للجاهز. كان ينتمي إلى المعنى العميق للحركة، لا إلى بطاقتها التنظيمية.
جويس منصور: صرخة من القاهرة إلى باريس
بعد جيل راسم بزمن، برزت جويس منصور (1928– 1986م)، الشاعرة التي كتبت بالفرنسية، ووُلِدَت في إنجلترا لأسرة يهودية ذات أصول سورية، ثم نشأت في القاهرة قبل انتقالها إلى باريس عام 1953م. هناك نشرت مجموعتها الأولى، ودخلت الدائرة السريالية القريبة من أندريه بروتون؛ أحد أبرز وجوه السريالية ومنظّريها.
كتبت منصور شعرًا لا يطرق الباب، بل يخلعه. في نصوصها لا يحضر الجسد موضوعًا للزينة أو الحياء، بل منطقة معرفة وخوف ورغبة وتمرد. تمزج بين الإيروتيكي والمقدَّس، بين القسوة والهشاشة، بين الصرخة والضحك الأسود. كانت تكتب كما لو أن اللغة نفسها جسد يتألم ويشتهي ويقاوم.
ومع ذلك ظل حضورها العربي محدودًا، محصورًا في دوائر قليلة من المهتمين بالسريالية والأدب المكتوب بالفرنسية. وقد فتح بشير السباعي نافذة مهمة على عالَمِها حين ترجم مختاراتها في «افتح أبواب الليل»، مانحًا القارئ العربيَّ فرصة الاقتراب من صوت حاد لا يشبه سواه.
ذاكرة بعثرتها السياسة
لم تكن «الفن والحرية» حركة فنية فحسب، بل جزءًا من صراع أوسع ضد الفاشية والاستعمار والرقابة الاجتماعية والسياسية؛ لذلك لم يكن غريبًا أن يتعرض بعض رموزها ومحيطها للملاحقة والسجن، وبخاصة في سياقات اليسار المصري في الأربعينيات وما بعدها. اعتُقل أنور كامل، ومرّ رمسيس يونان بدوره بتجربة السجن قبل مغادرته إلى فرنسا؛ ويُذكر ليونان أيضًا أنه نقل إلى العربية «فصل في الجحيم» لآرثر رامبو، في ترجمة صدرت لاحقًا عن دار التنوير. ثم عاشت إنجي أفلاطون تجربة السجن بين عامي (1959- 1963م). أما إيمي نمر، وهي من الوجوه المؤثرة في محيط الجماعة، فتختلف المصادر في تاريخ ميلادها؛ فبعضها يعتمد 1907–1974م، بينما تورد مصادر أخرى (1898– 1974م)، بما يجعل الجزم بتاريخ واحد أمرًا يحتاج احترازًا. وهذا الاختلاف نفسه يكشف جانبًا من هشاشة الأرشيف، لا هشاشة التجربة.
هكذا تفرقت تلك الطاقة بين السجن والمنفى والصمت. ومع مرور الوقت، صار من السهل اختزال السريالية في أسماء أورُبية شهيرة، ونسيان القاهرة التي كانت، في لحظة من القرن العشرين، مختبرًا حقيقيًّا للخيال الحر.
كي لا نبدأ كل مرة من الصفر
ليست العودة إلى أحمد راسم وجويس منصور وجماعة «الفن والحرية» حنينًا إلى زمن قديم، بل محاولة لترميم ذاكرة ناقصة. فقصيدة النثر العربية لم تبدأ فجأة في الخمسينيات، والحداثة لم تصل دائمًا من الخارج كطرد بريدي؛ كانت لها جذور هنا: في كتاب صغير سبق زمنه، ومجلة قصيرة العمر، وبيان شجاع، وشعراء كتبوا بلغات متعددة من دون أن يفقدوا علاقتهم العميقة بالمكان.
هؤلاء لم يكونوا هوامشَ عابرةً. كانوا يوسعون معنى الكتابة، ويعلموننا أن الحرية ليست شعارًا كبيرًا، بل طريقة في النظر، وفي بناء الجملة، وفي اختيار الإيقاع، وفي الدفاع عن حق الفن أن يكون مختلفًا. والدرس الذي يتركونه واضح: لا حداثة بلا ذاكرة، ولا ذاكرة حية إذا ظلت تطرد أبناءها المختلفين، لذلك نحتاج إلى وصل تلك الجذور بالحاضر؛ كي لا نبدأ من الصفر كلما تغيّر الجيل.
0 تعليق