بقي صوت النساء في مجال الفلسفة خافتاً زمنًا طويلًا وبقي النتاج الفكري لهن فقيراً إلى حد ما، بسبب الحيلولة دون اتصالهن بأماكن المعرفة ومنعهن من الدخول للجامعات ومراكز العلم، فقد وضح الباحث يحيى زيدو في كتابه «أنطولوجيا النساء الفيلسوفات-دور المرأة في تاريخ الفكر الفلسفي» (دار أوغاريت) الأسباب الدينية والفكرية والاقتصادية والسياسية التي أزاحت المرأة عن مجال الفلسفة في استعراض ذلك الواقع عبر مراحله التاريخية، من خلال كشف الغطاء عن ذلك الوجود المنسي والمغيب لهن.
الفلاسفة والمرأة
عمل الفكر الذكوري طويلاً على التقليل من شأن المرأة، فقد ربط أفلاطون في محاوراته بين المرأة والضعف، كما ساوى بين النساء والعبيد وبسبب من نظرته الدونية للمرأة لم يتزوج قط، كذلك أقر أرسطو التراتبية لصالح الرجل فهو يرى المرأة كظاهرة من ظواهر الطبيعة ويشبهها بالهيولى وصورتها الرجل، لذا كان الرجل هو الأرقى والمرأة تابعة له أما سقراط فيعتبر أن النساء يلدن الأجساد أما الرجال فيلدن الأرواح.
وقد شكلت فلسفة ديكارت قطعاً نهائياً مع فكرة وحدة العقل والجسد، وبين أن العقل مختلف عن الجسد وبالتالي العقل لا جسد له ولا فرق بين عقل الرجل وعقل المرأة، ومع ذلك بقيت مدرسته الفلسفية مرتبطة بالذكورية كما قبلها.
وكذلك كانت أفكار فلاسفة عصر الأنوار تجاه المرأة إذ اعتبروا أن المرأة كائن عاطفي وحساس ولا يصلح للأمور الفكرية، فقد قال جان جاك روسو: «أن الرجل يكون أحيانًا رجل أما المرأة فهي دائماً امرأة» وما يضمره القول بأنها كائن ضعيف. أما هيغل فقد أقر بأن النساء قادرات على التعلم ولكن غير قادرات على إتقان العلوم الكونية مثل الفلسفة. أما النصيب الأكبر من العداء للمرأة فقد كان من نصيب شوبنهاور ونيتشه، ورغم كل هذا التاريخ فهناك استثناءات فابن رشد الذي جاء في القرن الثاني عشر كان مناصراً للمرأة ويعتبرها مؤهلة لكل الأعمال، وكان رأيه متقدمًا على جميع المفكرين الذين أتوا بعده.
المرأة الفيلسوفة
يتقصى الباحث وجود المرأة الفيلسوفة في أوائل التاريخ، ففي القرن الرابع قبل الميلاد قد برزت «سولابها» التي انتصرت في نقاش فلسفي كبير على ملك الفلسفة «جاناكا»، أما في الصين فقد برزت الحكيمة «جينغ جيانغ» وفي كوريا كانت أول فيلسوفة حديثة هي «يام يونجيدانغ» وفي الحضارة الإسلامية كانت »رابعة العدوية» و«عائشة الباعونية» المتوفاة بدمشق، وقد نسبتا للفلسفة من زاوية الزهد والتصوف وفي أفريقيا كانت »نانا أسماء» من نيجيريا.
وعلى الرغم من سيطرة الذكور على الفلسفة القديمة في الغرب فقد برزت أسماء نسائية مثل هيباركيا، اسبازيا، ثيانو، وهي زوجة فيثاغورث وابنتاها، وكذلك ديوتيما، وفي العصور الوسطى برزت هيباتيا الاسكندرانية. أما الفيلسوفات الحديثات فأبرزهن: «ماري ووليستونكرافت» و«سارة مارغريت فولر» ومن بين الفيلسوفات المعاصرات والمؤثرات «حنا آرندت»؛ سوزان هاك؛ سيمون دي بفوار؛ روزا لوكسمبورغ؛ جوليا كريستفيا.
فقد نشأت الفلسفة النسائية المعاصرة في ستينات القرن العشرين في أوربا وتحديداً في فرنسا وبرزت إسهامات الفيلسوفات المعاصرات في محاور عدة أهمها:
أولا، الفلسفات الاجتماعية والسياسية في انتقاد الظلم الاجتماعي ضمن الأسرة وإخراجها من بوتقة العلاقات الشخصية إلى الفضاء العام، وتبوأها مركز الصدارة وقد أخذت اتجاهات ثلاث:
– الاتجاه الليبرالي: من أبرز الأصوات فيه الأسترالية «سوزان ميلر أوكين» وقد وضحت أن التربية هي الأساس في الفروقات الحاصلة والتي تحدث هذه التباينات، والصحيح إتاحة الفرص بشكل متساوي بين الذكور والإناث حتى تختار المرأة العمل الذي يخدم طموحها ويؤمن استقرارها الاقتصادي واعتمادها على ذاتها.
– الاتجاه الاشتراكي: وأبرز من مثلته البريطانية الأميركية «اليسون ماري جاغر» والأميركية «أيريس ماريون يونغ» وهذا التيار يعتمد على النهج الماركسي بعد تصويبه، فالمرأة العاملة مهدورة الحق فيما يتعلق بالأعمال المنزلية التي تقوم بها، لذا المطلوب التوازن والمشاركة في العمل داخل المنزل وخارجه.
– الاتجاه النسائي الراديكالي: وهو موجه للطاقة الجنسية لدى الطرفين ويعيب على المجتمعات البطريركية ترسيخ التفاوت بين الطاقتين الذكرية والأنثوية وبخاصة تشيئ الجسد الأنثوي لأغراض الهيمنة.
الثاني، الفلسفة النسائية الأخلاقية، فقد نشأ هذا التيار من كفاح المرأة وتضحيتها من أجل أسرتها وأولادها، فالأخلاقيات هنا تقتضي التوفيق بين عنايتها بالآخرين وبين عنايتها بنفسها وتطوير قدراتها.
وخلاصته، أن كل هذه الفروقات بالعقل لا أساس لها من الصحة والتاريخ الذكوري للفلسفة لا يستطيع أن يحجب مساهمة النساء الفيلسوفات رغم استمرار التربية التقليدية حتى بالدول المتقدمة.
ويستعرض الباحث بشيء من التفصيل حضور المرأة بالفلسفات القديمة فقد عرفت «غارغي فاتشاكنافا» بالفلسفة الهندية كحكيمة وفيلسوفة وشارحة للفيدا. وفي الفلسفة الصينية برزت «بان تجو» كأعظم مثقفة في التاريخ القديم وإنجازها الأكبر في كتاب «هان» الذي استعرضت فيه تاريخ الأباطرة وعرفت بالعفة وتدريسها لنساء البلاط حول سلوك النساء الأمثل، وقد وصفتها الحركة النسوية بأنها عدوة المرأة وقد قابلها أغنية الأصوات المتناغمة ل «زانج هينج ماهيا» في كتاب «سوترا المرأة الصينية» المتعلقة بالجنس.
وأيضاً ما عرفه التاريخ بالفيثاغورثيات الأوائل بالفلسفة اليونانية والرومانية، فقد ظهرت ثيانو زوجة فيثاغورث وكان لأفكارها في المحاكاة والمشاركة شرارة لاهتمام أفلاطون بها فيما بعد. كما ينسب إليها عبارات لنظريتين معروفتين بالفلسفة الفيثاغورثية وهما خلود الروح وتناسخ الأرواح. وهناك الفيثاغورثيات المتأخرات عرف منهن «ايزارا» وكتابها «في الطبيعة البشرية» وخاصة تحليلها للنفس البشرية التي يحكمها العقل والروح والشهوة.
ديوتيما: عرفت ديموتيما بمحاورة المأدبة لدى أفلاطون وقد أثير شك حول وجودها التاريخي، أما فلسفتها فتضمنت رؤيتها للحب بأنه حالة بين بين؛ بين السرمدي والفاني أو رسالة الآلهة إلى الناس وكل رغبة للخير والجمال والسعادة، وقد عارضت أفلاطون بفكرة تناسخ الأرواح ولا تؤمن مثله بخلود الروح بعد فناء الجسد.
ماكرينا: تجلت أفكارها حول القيامة والبعث والخلود في كتاب «حول النفس والقيامة»، وأن النفس أصل الحركة وهي العنصر البسيط غير المركب الذي لا يفنى، والقدرة على التفكير هو ما يميز الإنسان عن بقية الكائنات ولا تختلف هذه القدرة بين الرجل والمرأة، وأن سبب فناء الجسد هو وقوعه في الخطيئة كما ترفض فكرة التناسخ والمسخ وكانت أقرب للكهنوت المسيحي في فكرها الفلسفي.
هيباتيا الشهيدة: فيلسوفة الإسكندرية التي قتلها الرعاع بتحريض من رجال الدين، من أعمالها شروحات علم الحساب وشرح كتاب أبولونيوس كما نشرت نسخة معدلة من كتاب بطليموس «بكتاب المجسطي»، وأيضا صححت ونشرت شرح والدها على كتاب إقليدس «الأصول» ونصها عن القانون الفلكي.
فلسفة العصر الوسيط
عرف العصر الوسيط أسماء عدة للنساء الفيلسوفات منهن: هيلد جارد فون بنجن: وجدت خطًا لاهوتيًا رؤيويًا خاص بها كامرأة ومناقشتها مواضيع مهمة مثل قضية الخلق والعلاقة بين عالم الكون الكبير وعالم الإنسان الصغير والعلاقة بين النفس والجسم وقضية الشر بالعالم وموضوع الفضائل.
كريستين دي بيزان: أول كاتبة محترفة في أوربا وبرزت كناقدة فذة كشفت عن شيطنة شخصية المرأة في كتابات معاصريها ومن كتبها: «كتاب مدينة السيدات» دافعت فيه عن حقوق النساء المهدورة وسلطت الضوء على أهمية التعليم للمرأة، وقد وصفتها سيمون دي بفوار بأنها المرة الأولى التي ترفع كاتبة قلمها للدفاع عن جنسها.
مارغريت كافنديش: من أوائل المفكرات، وقالت بإن الأساس للطبيعة وأن العقل جزءًا من الجسد وأنكرت نظرية المثل الأفلاطونية. والمرجح إن ماديتها مستوحاة من فلسفة توماس هوبز ورغم أنها أقرت بدونية المرأة إلا أنها أرجعت أسباب ذلك إلى منعها من التعليم.
الفلسفة الإسلامية
الصوفي هي تلك الحركات الباطنية التي تحمل في جوهرها أبعاد تبحث في الوجود والتقرب من الإله عن طريق الزهد والحب ومن أشهرهن في التصوف الإسلامي «رابعة العدوية»، ولكون الرجال هم الذين نقلوا عن تصوفها فقد نمي أنها اختصت بالحب الإلهي لأنها امرأة عاشقة وليست أنثى تفكر، وكأن النقيض يقود إلى النقيض فحرمانها من الدنيا أوصلها إلى التشبث بالآخرة والتماهي في حب الله، عبر طاقة روحية هائلة.
الفلسفة الحديثة والمعاصرة
نظراً للأعداد المتزايدة من النساء المفكرات في العصر الحديث فقد اخترنا بعض النماذج التي أوردها الباحث زيدو في ثنيات كتابه:
روزا لوكسمبورغ: منظرة ماركسية وفيلسوفة أثرت في الحركة العمالية الأوربية، درست في جامعات زيورخ وحازت اختصاصات متعددة وتفرغت للسياسة وتعميق الوعي الطبقي البروليتاري الأممي، وقد عملت على فكرة الثورة الدائمة واعتبرت فكرتها في تراكم رأس المال مساهمة رئيسية في الفكر الماركسي.
حنة آرندت: منظرة سياسية وباحثة يهودية بدأت رحلتها الفلسفية مع وجودية كيركيجارد، إلا أن علاقتها الأهم مع الفيلسوف الوجودي مارتن هيدغر الذي توافقت معه فلسفيًا وعارضته سياسيًا لوقوفه مع الحزب النازي، وكتابها الأهم الموسوعي «أصول الشمولية» التي حللت فيه الأنظمة الشمولية النازية والستالينية وقالت بأن العنف يتعارض مع السياسة ويقصيها تمامًا وهو يظهر عند غياب الحرية.
سيمون دي بفوار: فيلسوفة وجودية وناشطة نسوية ومفكرة ارتبطت مع جان بول سارتر بشراكة فكرية وعلاقة خاصة وأسست معه مجلة «الأزمنة الحديثة»، وأهم كتبها «الجنس الآخر» الذي أثار زوبعة من ردود الأفعال حياله، وقد طالبت بالمشاركة المتساوية بالحياة السياسية والاقتصادية وتكافؤ الفرص وحرية الاختيار، واعتبرت الاستقلال الاقتصادي حجر الزاوية في طريق تحرر المرأة.
أميرة حلمي مطر: مفكرة مصرية رائدة في الفلسفة، لها مؤلفات ومقالات عدة في علم الجمال والفلسفة اليونانية والفكر العربي المعاصر، وقد حاولت أن تجد توليفة بين الفلسفات القديمة كتاريخ ومصدر للفلسفة الحديثة في مقاربات بين التاريخ والفن والفلسفة.
فاطمة المرنيسي: مفكرة مغربية تعرضت كتبها للمنع بأغلب الدول العربية، واعتمدت على قراءة نقدية للتاريخ العربي الإسلامي وخاصة التأطير الديني لمكانة المرأة ووظيفتها من خلال نقد الأدبيات الفقهية، وتعتبر آراءها أساساً للحركة النسوية المغاربية ونصيرًا قويًا لحقوق المرأة، كما أشارت إلى الغبن الواقع على المرأة في العمل المنزلي غير المأجور.
ورغم كل التضييق والكبح الذي مورس على المرأة سابقًا ولاحقاً مازال عالم النساء يرفدنا بالكثير من النتاجات الفكرية والإبداعية والتصدي لمجالات كانت حكرًا على الرجال لعهد مضى، ومازال الزمن يعد بالمزيد من الإنجازات والنجاحات للمرأة المفكرة والتي تصب بالنهاية لمصلحة الإنسان والبشرية بشكل عام.
0 تعليق