الثقافة الشعبية ليست وصفًا عابرًا لرافد من روافد الثقافة التي تتميز بها الأمم والشعوب، بل هي المكون الرئيس لعناصر الهوية الثقافية، وهي الذاكرة الحية التي قاومت وما زالت تقاوم منذ آلاف السنين معاول الهدم والطمس والنسيان، وعلى الرغم من تعرضها -في كثير من المراحل الزمنية- للتهميش والتراجع؛ فإنها اكتسبت في السنوات الأخيرة اهتمامًا دوليًّا خاصًّا من منظمة اليونسكو، وبخاصة بعد توقيع اتفاقية صون التراث الثقافي غير المادي عام 2003م، وكان من الطبيعي أن ينعكس ذلك على اهتمامات الدول التي وضعت عددًا من البرامج الثقافية والتراثية الجادة لتنشيط ذاكرتها التاريخية، والحفاظ على هويتها الثقافية أمام طوفان العولمة الجارف الذي يتحرى تذويب الهويات وتهديد خصوصيتها.
وقد بذلت وزارة الثقافة السعودية ممثلة في «هيئة التراث» وغيرها من الهيئات المعنية؛ جهودًا مشكورة لتسجيل عدد من عناصر التراث الثقافي السعودي غير المادي ضمن قوائم التراث الإنساني باليونسكو، وهي خطوة إيجابية ضمن مسار طويل لتفعيل دور الذاكرة السعودية في إثراء الحاضر الثقافي وفق ما تهدف إليه رؤية 2030، وهذه العناصر التي نجحت المملكة في تسجيلها منفردة أو بالمشاركة مع دول أخرى، هي: (الصقارة، العرضة النجدية، القهوة السعودية، المجلس العربي، المزمار، القط العسيري، النخلة، حياكة السدو، الخط العربي، البن الخولاني السعودي، حداء الإبل، الهريس، النقش على المعادن، الورد الطائفي، الحناء، آلة السمسمية).
كما أن لدينا في مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية؛ تجربة مهمة في هذا السياق، وهو «قسم الذاكرة السعودية»، فقد أنشأ المركزُ ضمن معهد الأمير محمد الفيصل للأنثروبولوجيا (علم الإنسان) قسمًا خاصًّا يهدف إلى جمع كل ما يتصل بالتراث السعودي غير المادي تحت مظلة واحدة.
ويعد هذا القسم مرجعًا بالغ الأهمية والثراء في موضوعه، ولعل أبرز مكوناته يتمثل في «مجموعة الدكتور سعد الصويان» أحد أعلام علم الاجتماع و«الأنثروبولوجيا» في السعودية والوطن العربي، هذه الموسوعة التي عكف الصويان على جمعها لأكثر من أربعة عقود تضم 633 تسجيلًا صوتيًّا، إضافةً إلى مجموعة وفيرة من الكتب والمقالات، وتُعَدُّ أهم مصدر للتاريخ الشفوي في المملكة العربية السعودية.
فهي تقدر بأكثر من 440 ساعة صوتية، وتحتوي على أكثر من 4800 كتاب باللغتين العربية والإنجليزية، وقد اقتنى المركز هذه المجموعة من صاحبها عام 2015م، وعمل على رقمنتها، وفهرستها؛ وفُرّغ منها حتى الآن أكثر 55%، أي ما يعادل 7800 صفحة. وإلى جانب هذه المجموعة المهمة، يضم قسم الذاكرة السعودية بمركز الملك فيصل؛ عددًا من المجموعات الخاصة لبعض المستشرقين، وهم: المستشرق الهولندي الشهير كريستيان سنوك هرخرونيه، والدبلوماسي الهولندي مارسيل كوربرشوك، والباحثة الأميركية الدكتورة أليسون ليريك.
ونظرًا لأن الاهتمام بـ«الثقافة الشعبية» لم يعد اهتمامًا بقضية محلية وحسب، فقد خصصنا ملف هذا العدد من مجلة «الفيصل» لمناقشة أبعاد هذه القضية في الوطن العربي، وتسليط الضوء على الصورة الحقيقية لواقع الاهتمام بها، وذلك من خلال أقلام ورؤى عدد من المثقفين والمتخصصين السعوديين والعرب.
0 تعليق