يوهانا هنرييت تروسينر (1766- 1838م) كاتبة ألمانية شهيرة في زمنها، وصاحبة صالون ثقافي اجتمع فيه كبار مثقفي ألمانيا آنذاك: من يوهان غوته إلى الأخوين غريم وأوغست شليغل وشقيقه الكاتب الفني كارل شليغل. وأكثر من هذا، كانت يوهانا أول امرأة ألمانية تنشر كتبها من دون الاستعانة باسم مستعار، بل أصبحت خلال عشرينيات القرن التاسع عشر ومطلع ثلاثينياته أشهر كاتبة في ألمانيا كلها، وطبعت دار بروكهاوس للنشر أعمالها الكاملة في 24 مجلدًا في عام 1831م.
حققت كتب يوهانا نجاحًا تجاريًّا منقطع النظير آنذاك، وحظيت بإشادات لا حصر لها من النقاد، وقيل إنها كانت أول كاتبة ألمانية تتمكن من العيش من مبيعات كتبها، وبخاصة بعد أن خسرت ثروتها التي ورثتها من زوجها الثري.
إلا أن هذا النجاح كان عابرًا، وسرعان ما تلاشى، فتراجعت قيمة كتبها، وخمدت شهرتها، لا بعد قرن أو قرنين من صدورها، بل بعد بضع سنوات من طباعة أعمالها الكاملة، وتحديدًا منذ منتصف ثلاثينيات القرن التاسع عشر، إلى الحد الذي حملها على أن تكتب إلى كارل فريدريش، دوق فايمار -المدينة التي كانت تقيم فيها منذ عام 1806م- لتشكو إليه محنتها، وتطلب منه العون والمساعدة. وتقديرًا لشهرتها الآخذة في الأفول وإسهامها القديم في ثقافة المدينة، عرض عليها الدوق، في عام 1837م، معاشًا تقاعديًّا صغيرًا، ونصحها بالذهاب للعيش في مدينة يينا. وهو ما فعلته، وعاشت في يينا منذ عام 1837م إلى أن تُوفيت فيها في العام التالي مباشرة.
شهرة الأم وخيبة أمل الابن
ابتدأت يوهانا رحلتها في عالم الكتابة بكتاب بعنوان «حياة فيرنو»، نشرته في عام 1810م، عن سيرة أحد أصدقائها الذي كان مؤرخًا من مؤرخي الفن وعالم آثار، واسمه كارل لودفيغ فيرنو. وقد حقق الكتاب مبيعات جيدة، ثم نشرت كتابها الثاني في أدب الرحلات عن رحلاتها العائلية في أورُبا الذي سرعان ما لاقى نجاحًا كبيرًا. وهو الأمر الذي شجعها للمضي قُدُمًا في عالم الكتابة والنشر، فكرست حياتها لتكون كاتبة. فكتبت العديد من الروايات والقصص وأدب الرحلات وتاريخ الفن، ولاقت رواياتها، على وجه الخصوص وأبرزها «غابرييل» (كُتبت في عام 1819م، ونُشرت في عام 1821م)، و«دي تانتي» (1823م)، و«سيدونيا» (1827م)، لاقت نجاحًا تجاريًّا كبيرًا، وجعلت منها اسمًا مشهورًا في عالم الكتابة الذي كان ذكوريًّا بحتًا آنذاك؛ إلا أن أهم معلومة على القارئ أن يعرفها عن يوهانا -التي سنسميها الآن باسمها بعد الزواج يوهانا شوبنهاور- أنها والدة آرثر شوبنهاور (1788- 1860م)، أحد أعظم فلاسفة ألمانيا في القرن التاسع عشر. لم يكن شوبنهاور على وفاق مع والدته، وكان ينتقد إهمالها لوالده إبان مرضه، بل اتهمها بأنها مسؤولة عن وفاته أو انتحاره في عام 1805م. كانت الأم، من جهتها، لا تطيق ابنها، وترى أن غطرسته وتشاؤمه وتقلباته المزاجية المزعجة جعلت منه إنسانًا لا يُحتمل، إلى درجة أنها لم تكن تحتمل أن يزورها في بيتها في فايمار، فقرر شوبنهاور الشاب أن يهجرها في عام 1814م، بحيث لم يرها منذ لحظة الهجران حتى وفاتها.
لم يكن ما سبق سوى مقدمة لحادثة جرت بين شوبنهاور ووالدته، ووقعت بسبب عنوان أطروحة شوبنهاور للدكتوراه، التي قدمها إلى جامعة يينا في عام 1913م، وكان عنوانها كالتالي: «الجذر الرباعي لمبدأ العلة الكافية». تحمس شوبنهاور، الحاصل حديثًا على درجة الدكتوراه، لطباعة الأطروحة في كتاب، حتى لو كانت على حسابه الخاص. وبالفعل، سارع إلى طباعة 500 نسخة لا غير من الكتاب في شتاء 1813م، وأرسل نسخًا منه إلى يوهان غوته، وفردريك شلايرماخر الذي درس معه اللاهوت وتاريخ الفلسفة في جامعة برلين، وكارل ليوبولد راينهولد الذي تعرف إليه في صالون والدته الثقافي، وآخرين.
كان الرجل ينتظر استجابات إيجابية مشجعة وترحيبية من كل هؤلاء، لكنه عاد خائب الأمل، فلم يحظَ منهم سوى بالتجاهل، اللهم إلا مصافحة عابرة وشكر وتهنئة من غوته حين التقاه في صالون والدته. يشبه أحدهم ما حدث لشوبنهاور بممثل كان يشعر أنه أتقن أعظم دور تمثيلي في حياته، وأنه آن أوان تقديمه أمام الجمهور، وبالفعل «يصعد إلى المسرح أمام جمهوره، ليكتشف، في فزعٍ، أنه لم يحضر أحد، فغادر المسرح دون أن يؤدي دوره».
قدم شوبنهاور كتابه، كذلك، إلى والدته، لكن هذه الأخيرة ما إن سمعت عنوان الكتاب الغريب حتى سخرت منه، وقالت: «كنت أظنه كتابًا في الأعشاب الطبية ولن يثير اهتمام أحد سوى الصيادلة!». وأضافت بأنه من غير المرجح أن يشتري أي شخص نسخة منه على الإطلاق! فما كان من شوبنهاور إلا أن رد عليها بغضب قائلًا: سوف يُقرأ يا أماه حتى بعد أن تختفي كتبك من صناديق القمامة!
مأساة العبقري غير المفهوم
قال شوبنهاور هذا الكلام ووالدته في أوج شهرتها ونجاحها التجاري ككاتبة. وأكثر من هذا، فإن شوبنهاور حين كتب عمدة كتبه وأعظم ما كتب في حياته، وهو كتاب «العالم إرادةً وتمثلًا» في عام 1818م، لم يجد من ينشره له حتى وافق ناشر روايات والدته، ف. أ. بروكهاوس، على نشره إكرامًا لشهرة والدته، وبعد أن قدمه أحد أصدقائه إلى هذا الناشر. وُقع عقد طباعة الكتاب في 8 إبريل 1818م، لكن الطباعة تأخرت في البداية، وهو ما خلق معركة مراسلات ساخطة وتشهيرية بين شوبنهاور والناشر. كتب الناشر رسالة ساخطة عبر فيها عن استيائه من فظاظة شوبنهاور، وختم رسالته بتعبير لاذع عن أنه يأمل في ألا تتحقق مخاوفه بحيث لا يكون العمل الذي يطبعه «صالحًا إلا كنفايات ورقية».
ومع كل هذه الاتهامات المتبادلة، نُشر الكتاب في 725 صفحة (نُشر في الأشهر الأخيرة من عام 1818م، وكُتب على صفحة الغلاف أن سنة النشر هي 1819م)، لكنه مُني بفشل ذريع كما حدث مع كتابه الأول الذي كان موضوع سخرية والدته «الجذر الرباعي لمبدأ العلة الكافية».
لقد تجاهل فلاسفة عصره كتابه على نحو مريب، ولم يكترث له عموم القراء، بل لم يبع الناشر من الكتاب خلال عشر سنوات كاملة سوى 300 أو 400 نسخة فقط من بين 750 نسخة هي مجموع نسخ الطبعة الأولى منه، وهو ما اضطره إلى بيع الجزء الأكبر من نسخ الكتاب بسعر الورق، وتحول أعظم كتب شوبنهاور إلى «ورق مُهمل».

عرف شوبنهاور هذه الحقيقة المؤلمة حين أرسل إلى ناشره يسأله عن حقوقه المالية في الكتاب بعد عشر سنوات من نشره، فجاءه رد الناشر بأن «جزءًا كبيرًا من الطبعة جرى التخلص منه كورق نفايات»، هكذا وكأن الناشر كان يتشفى من شوبنهاور، وينتقم من فظاظته وغروره بعد أن تحققت مخاوفه من أن «الكتاب لن يكون صالحًا إلا كنفايات ورقية». كان شوبنهاور ينتظر أن يصنع هذا الكتاب مجده الخالد، فإذا به يخلق معاناته ومرارته، فصار، كما كتب نيتشه فيما بعد، يتصيد أية إشادة بكتابه.
وكم كان فرحًا لأن أخته، أديل، أخبرته في إحدى رسائلها أن غوته، أديب ألمانيا الكبير، قرأ كتابه بتعمق، وأنه أُعجب بفقرتين في الجزء الرابع من الكتاب! لكن التجربة أثبتت فشلها، وأن الرجل لم يحظَ بمجده المنتظر، بل لم يحظَ من معاصريه سوى بالإهمال والتجاهل والسخرية. كتب أحدهم مراجعة ناقدة لكتابه في صحيفة «ليتراتور زايتنج» في عام 1821م، فدخل شوبنهاور في شجار حاد مع المحرر، انتهى بدعوى قضائية فاشلة. المفارقة القاتلة هنا أن الناشر نفسه نشر رواية «غابرييل» ليوهانا، والدة شوبنهاور، في عام 1821م، ونجحت الرواية تجاريًّا، وكتبت الأم وهي في أوج نشوتها بهذا النجاح: «تزدهر تجارة الكتب، ولا يفتقر أي كاتب جيد إلى الناشرين»!
وحين أراد شوبنهاور أن يجرب حظه في التدريس في الجامعة، التحق بجامعة برلين، وانخرط في تدريس الفلسفة في عام 1820م، لكنه اختار وقتًا لمحاضراته يتعارض مع توقيت محاضرات هيغل، أشهر فيلسوف ألماني آنذاك، فلم يحضر محاضراته حتى نهاية الفصل الدراسي سوى خمسة طلبة، فيما كان مدرج محاضرات هيغل يغص بالطلاب. وهو الأمر الذي أصابه بالإحباط، وعمق في نفسه كراهيته المُرة لهيغل ولكل أساتذة الفلسفة في الجامعة، وقرر، في نهاية المطاف، قطع علاقته بالجامعة وبالتدريس إلى الأبد.
من العزلة إلى الخلود
عاش شوبنهاور في حالة من العزلة شبه الكاملة في مدينة فرانكفورت، وأحيطت كتبه بتجاهل مريب منذ عام 1818م حتى عام 1851م، وذلك عندما نشر كتابًا بعنوان: «الحواشي والبواقي»، الذي رفض ثلاثة ناشرين طباعته في البداية، لكنه حين نشره حقق نجاحًا كبيرًا كان قد طال انتظاره، فذاق شوبنهاور عندئذٍ طعم الشهرة، فازداد الطلب على كتبه، ونال الرجل أخيرًا تقديرًا كبيرًا بأثر رجعي، فأُعِيدَت طباعة كتبه السابقة بما فيها «العالم إرادةً وتمثلًا»، وأصبح الناس، كما كتب أحدهم في عام 1888م، يتعاطونها «كما يتعاطون المورفين». وكتب نيتشه أن شوبنهاور تحول، بعد سنوات التجاهل المؤلمة، إلى «بهارات مثيرة وفعالة، كنوع من فلفل ميتافيزيقي»، وأصبح مشهورًا ومعروفًا، بل إن أغلبية الناس حاليًّا يعرفون اسمه مسبقًا أكثر من اسم هيغل.
صار الرجل، منذ أواخر القرن التاسع عشر فصاعدًا، معبود الكثير من مفكري أورُبا وأدبائها وفنانيها، ابتداءً من نيتشه، ووصولًا إلى فرويد وموباسان وبروست وفاغنر وكافكا وتوماس مان وفيتغنشتاين… إلخ. وبحسب نانسي هيوستن صاحبة كتاب «أساتذة اليأس»، فإنه لم يكن لأي فيلسوف آخر هذا القدر من التأثير الحاسم في الحياة الفنية والفكرية في أورُبا. يحكي نيتشه عن تجربته الخاصة وكيف تعرف مصادفةً إلى كتاب «العالم إرادةً وتمثلًا» في عام 1865م في مكتبة تبيع الكتب القديمة في لايبزيغ، وما إن انتهى من قراءته حتى شعر بشعور متفجر كما لو كان الكتاب قد كُتِب له خِصِّيصَى.
كيف انقلبت الأحوال بهذه الطريقة، فاختفت روايات يوهانا وكتب رحلاتها، كما تنبأ شوبنهاور، من صناديق القمامة، ومن أرفف المكتبات بحيث لم يعد أحد اليوم يقرؤها، بل بالكاد يذكرها الناس بفضل شهرة ابنها، فيما شقت كتب شوبنهاور طريقها بتؤدة وصبرٍ نادرين حتى حققت نجاحها المتجدد والباقي حتى اليوم بعد سنوات من العمل الدؤوب غير المكافأ؟ يصف نيتشه قدرة شوبنهاور على البقاء وتحوله إلى نموذج في ظل كل عوامل الإحباط والتهميش والتجاهل المقصود، بأنه «نوع من المعجزة»، لكن شوبنهاور كان واثقًا جدًّا في قيمة كتبه، فمنذ أن سخرت أمه من عنوانه أطروحته وهو على يقين كامل أن كُتبَه ستُقرَأ، فيما ستختفي كتب والدته كنفايات ورقية في صناديق القمامة.
لم يكن شوبنهاور يريد أن يتعيش من مبيعات كتبه، فقد كفل له نصيبه من ميراث والده ما يكفيه ويزيد، وكانت عائدات فوائد نصيبه تزيد على ضعف راتب أستاذ جامعي في ألمانيا آنذاك، لكنه التقدير الذي كان ينتظره، نظرة الإعجاب تجاه ما كان يراه عبقريته الفذة التي صبها في عمدة كتبه على الإطلاق. وحين جاءته الشهرة في شيخوخته لم يكن متعففًا تجاهها، بل كان فرحًا بالإشادات، وشغوفًا بتصفيق الجماهير والمعجبين والأتباع الذين كانوا يتكاثرون عامًا بعد آخر. زاره، في أحد الأيام ضابط من المعجبين به، وأخبره بأنه لم يقرأ طوال السنوات الثلاث الأخيرة سوى كتب شوبنهاور! كما أخبره أن لديه جمعية من المعجبين به بين عسكريي المدينة!
0 تعليق