المقالات الأخيرة

وصفتان لتطوير علومنا السلوكية: الاطراد والتجريب

وصفتان لتطوير علومنا السلوكية:

الاطراد والتجريب

العلوم السلوكية Behavioural والذهنية Cognitive تطورت تطورًا مذهلًا في العقود الماضية، وانتقلت من كونها: تأملات فلسفية أو خواطر نفسية أو شذرات أدبية حول «الطبيعة البشرية»، إلى علوم متحاقلة (=بينية) تعتمد على: البيانات الدقيقة والملحوظات المتراكمة والأدلة الصلبة، بما في...

«رغم أنهم قد أحبوا، فـإنهم قتلوا أحبــــابهم»

«رغم أنهم قد أحبوا، فـإنهم قتلوا أحبــــابهم»

في بداية علاقتي بالكتابة، كانت جملة «اقتل أحباءك» أو «اقتلوا أحباءكم»، Murder your darlings التي سمعتها على لسان العديد من أصدقائي الكتاب، وتعبر عن اتجاه متقشف في الكتابة من دون زخارف جمالية، والتي قالها الروائي الأميركي وليم فوكنر لإرنست همنغواي، سواء في سياق مباشر...

العبودية الفكرية الحديثة: بين أوهام التحرر وهيمنة الخطاب الدولي قراءة في تواشج القانون والمعرفة والسلطة

العبودية الفكرية الحديثة: بين أوهام التحرر وهيمنة الخطاب الدولي

قراءة في تواشج القانون والمعرفة والسلطة

في عالم اليوم، يعيش الإنسان حالة متناقضة من الحرية المقنّعة؛ فهو يخال نفسه حرًّا بينما تتسلل القيود الخفية إلى وعيه عبر الخطاب المؤسسيّ، والشاشات، وسائل الإعلام، والشبكات الاجتماعية، والبرامج التعليمية، والقوانين الدولية التي تُعرض كمعايير مطلقة. هذه الظاهرة، التي...

«كيفك أنت زياد الرحباني» لإبراهيم عبدالفتاح طفل ينظر إلى العالم من نافذة مائلة

«كيفك أنت زياد الرحباني» لإبراهيم عبدالفتاح

طفل ينظر إلى العالم من نافذة مائلة

تصنف منشورات بتانة كتاب «كيفك أنت زياد الرحباني» للشاعر إبراهيم عبدالفتاح، الصادر حديثًا، أنه كتاب «سيرة». فهل كتب الشاعر المصري سيرة الموسيقار الراحل؟ أم إن إبراهيم عبدالفتاح يكتب سيرته التي ربما تقاطعت في بعض جوانبها مع حياة زياد الرحباني؟ انتفت تساؤلاتي بعد قراءة...

حين يُنصت الشعر إلى نفسه… ويطمئن العالم

حين يُنصت الشعر إلى نفسه… ويطمئن العالم

ما مستقبل الشعر؟ لا يسأل المرء عن مستقبل ما لم تتزعزع ثقته به، ولا يتأمل مصير ما لم يُخَيَّل إليه أن الظلال بدأت تُزاحم الضوء؛ لذلك يبدو سؤال مستقبل الشعر أشبه بقلق طارئ، أو رعشة خاطفة تصيب يدًا تمسك بقنديل لم يُطفأ يومًا، حتى حين بدا وهجه ضعيفًا في أعين من ظنوا أن...

المنعطفات التاريخية لتمثلات المسلم في السينما الغربية

بواسطة | مارس 1, 2026 | قضايا

تُعدّ «صورة الآخر» في السينما الغربية قضية بالغة الأهمية، ولا سيما في ظل التدهور القيمي والسياسي الذي يشهده العالم اليوم. فقد باتت السياسات العالمية على المحك بفعل اعتبارات عدة، في مقدمتها ارتباط الطروحات الاستشراقية والاستعمارية بالفن السابع، أي السينما، إلى جانب العمارة والنحت والرسم والموسيقا والشعر والرقص. وهذه جميعها أشكال فنية تعبّر عن محاكاة للجمال والدراما واللغة والأدب، لكنها في الوقت ذاته تُسخَّر لإعادة إنتاج الهيمنة الغربية عبر خداع بصري وتقني يكرس سياسات شيطنة «الآخر» وتمرير أجندات الهيمنة والاستحواذ والتحكم.

كان أول من استخدم مصطلح «الفن السابع» الفيلسوف والناقد السينمائي الإيطالي ريكوتو كانودو في أوائل القرن العشرين، في كتابه «بيان الفن السابع» عام 1911م. وتكمن أهمية السينما في كونها تجسيدًا حيًّا للحياة، وإعادة تمثيلها بأساليب إبداعية توثق التاريخ، وتعكس المعاناة الإنسانية، وتنقل الثقافة والهوية، وتسهم في حَفْز الوعي والنقد الاجتماعي والسياسي والثقافي.

ترتبط السينما بأجندات استعمارية ترسّخ هيمنة الغرب عبر صور نمطية تحوّل المسلم إلى كائن بدائي، متطرف، وعاجز، بينما يُصوَّر «الإنسان الأبيض» كمنقذ وحامي الحضارة. هذه التمثلات ليست مجرد سرد فني، بل أدوات أيديولوجية تخدم المشروع الاستعماري الغربي، وتُسوِّغ التدخلات السياسية والعسكرية، وتعزز الإسلاموفوبيا من خلال ازدواجية معايير تُسوّغ العنف تحت شعارات «التحرير» و«مكافحة الإرهاب».

تهدف دراسة هذه الصور إلى نقد الخطاب السينمائي الاستشراقي وكشف آلياته، مع تسليط الضوء على تجارب بديلة تعرض صورة أكثر إنسانية وواقعية للمسلم، متسائلةً عمّا إذا كانت السينما الغربية فنًّا محايدًا أم أداة أيديولوجية للهيمنة الثقافية والسياسية.

السينما كأداة استعمارية واستشراقية

إن الربط الثنائي بين الاستشراق والسينما يهدف إلى توضيح الخلفية والدور والتأثير الذي مارسه الاستشراق على المعارف، وعلى الصورة التي استُغِلّت السينما من خلالها لتسويق «قوة الغرب الناعمة» بوصفه المنقذ العالمي من التوحش والإرهاب. وكأن الخلاص لا يمكن أن يتحقق إلا على يد «الإنسان الأبيض»، في حين تُصوَّر باقي الشعوب على أنها مجرد خدم أو عبيد في خدمة سياساته.

وقد أوضح إدوارد سعيد في كتابه «الاستشراق» أن الاستشراق لم يكن مجرد إنتاج معرفي أكاديمي، بل كان أيضًا أداة سياسية وثقافية استُخدمت لتكريس الهيمنة الإمبريالية. وأشار إلى أن الخيال الغربي تجاه «الآخر» المسلم/ الشرقي كان دومًا مشبعًا ببُعد سلطويّ. ومع ظهور السينما في أواخر القرن التاسع عشر، بدأت هذه الأداة الجديدة تُمثّل وسيلة لتكريس الصور النمطية التي صنعها الاستشراق الأكاديمي. فالسينما كانت تجسيدًا مرئيًّا لما كتبه الرَّحَّالون والمستشرقون، لكنها كانت أكثر تأثيرًا؛ لأنها تخاطب البصر والعاطفة. فأفلام مثل: «لص بغداد» (1940م) و«الشيخ» (1921م)، قدَّمَت صورة للشرق كعالم غرائبيّ، شهوانيّ، خطير، ويحتاج دومًا إلى تدخل البطل الأبيض.

إن توظيف «الفن السابع» بما يتضمنه من سرد، وصورة، ومونتاج، لا يقتصر على الترفيه، بل يمثل قوة ثقافية قادرة على تشكيل وعي المجتمعات. وقد استُخدمت السينما لخدمة الخطاب الإمبريالي عبر البعد الاستشراقي القائم على ثنائية: «نحن» مقابل «هم». في هذه الثنائية يُصوَّر الغربي كبطل ومخلّص ومثقف، بينما يُصوَّر المسلم/ الشرقي كطاغية مستبد، أو بدوي شهواني، أو إرهابي، أو امرأة محجبة مقهورة، صامتة، مسجونة في قفص من العقائد والموروثات الثقافية القائمة على الأبوية الذكورية والعادات والتقاليد الرجعية، تنتظر «التحرر».

في هذا السياق، مُجِّدَت القيم الغربية مثل: الحرية، والعقلانية، والفردانية، مقابل تصوير الإسلام كدِينٍ تقليديٍّ محافِظ. ومن بين الأمثلة على ذلك، سلسلة أفلام يظهر فيها العرب والمسلمون كخلفية مشهدية تؤكد مركزيةَ الأميركيّ وتفوقه الأخلاقي، مقابل توحّش «الآخر» المُسلِم. أفلام مثل: Indiana Jones, Body of Lies, American Sniper, Black Hawk Down، ومسلسل Homeland.

هذه الأعمال تُرسِّخ صورةً ذهنيةً نمطيةً للمُسلِم في الخيال الغربيّ، وهي صورة لا تقوم على فهم واقعي أو تاريخي، بل على إنتاج طويل الأمد من الاستشراق والاستعمار، عبر تمثلات تنميطية تُصوِّر الإسلام والمسلمين على أنهم متطرفون بالفطرة، إرهابيون، متخلفون، بدو، وأعداء للحضارة والانفتاح. ويُصوَّر الغرب، أو الأميركي خاصةً، كمن يملك الشرعية في التدخل في تلك الدول لـ«تحضيرها» و«تطويرها».

هذه الصورة لم تُنتَج فقط عبر السينما وحدها، بل تشكلت نتيجة سياسات ممنهجة ومتراكمة، استُخدمت فيها أدوات عِلمية وأكاديمية وتجريبية، ومُورِسَت على مدى قرون من خلال الخطاب الاستشراقي والأدب والفكر الأورُبي القائم على الإصلاح الديني والتنوير. وهذه الممارسات شكَّلت خروقاتٍ عميقةً وهي مستمرة إلى اليوم عبر التقنيات الذكية والنظم الافتراضية التي تروج لأشكال متعددة من التشويه للشخصية المسلمة، مثل: ربط الفتوحات الإسلامية بالسيف والعنف والإرهاب، وتجاهل السياق التاريخي، وإغفال الحروب الصليبية ومحاكم التفتيش في أورُبا وصكوك الغفران، وتتناسى أوضاع المرأة قبل الثورة الجنسية وكيف كان ينظر اليها.

لقد تحولت هذه الأدوات السلطوية والإكراهية التي يمارسها الغرب إلى آليات تبريرية، تسوِّغ شن الحروب على الدول الإسلامية تحت شعارات نشر الديمقراطية، وحقوق الإنسان، والحريات، ومحاربة الإرهاب، وباسم إحلال السلام. وهي في جوهرها تدخلات سافرة تقوم على ازدواجية في المعايير في التعامل مع القضايا والجرائم الإنسانية، وتحديدًا في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. كما تستثمر هذه الصورة لتسويغ السياسات الداخلية العنصرية، مثل رفض اللاجئين، وحظر الحجاب، وتعزيز الإسلاموفوبيا، وذلك عبر صناعة وعي جماعي مشوَّه ومنحاز ضد الإسلام والمسلمين.

مراحل تطوُّر صورة المسلم في السينما الغربية

المرحلة الكولونيالية، أي مرحلة الاستعمار الأورُبي للعالم الإسلامي بين 1880 و1960م، شهدت تزامنًا بين تطوّر السينما الغربية وهيمنة القوى الاستعمارية الأورُبية على البلدان الإسلامية. وقد استُغلت صورة «المسلم/ الآخر» كأداة لتسويغ الاستعمار، فصُوِّر المسلم على أنه بدائي، شهواني، عنيف، غير متحضّر، وعاجز عن التطور دون تدخل غربي. وقد رسّخت السينما الغربية هذه الصورة في أفلام مثل «الشيخ العربي» و«لورنس العرب» (1962م)، فعلى الرغم من القيمة الفنية لفِلْم «لورنس العرب»، فإن العرب ظهروا فيه ككتلة بدوية عشوائية، عاجزين عن التحرر من دون بطل غربي يقودهم. هكذا تحوّلوا، في السردية الغربية، إلى مجرد أدوات في مشروع بريطاني؛ لأنهم -بحسب تلك الرؤية- يفتقرون إلى العقلانية التي تؤهلهم للحكم الذاتي.

بعد الحرب العالمية الثانية، وفي مرحلة الحرب الباردة، أصبحت السينما أداة في الصراع الأيديولوجي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي. في هذه الحقبة (1947- 1991م)، تعامل الغرب بازدواجية؛ إذ صُوّر المسلم كبطل ومجاهد؛ لأن الغرب استعان به لمحاربة الإلحاد والشيوعية آنذاك. ولكن لاحقًا، وخصوصًا بعد صعود المد القومي العربي بقيادة عبدالناصر وثورة الجزائر والقضية الفلسطينية، تغيّرت الصورة، وبخاصة بعد نكسة 1967م. فبات المسلم يُصوَّر كخطر أيديولوجي، إرهابي ومتطرف ويختطف الطائرات ويحتجز الرهائن، ويهدد المصالح الغربية، من دون إشراك صوت المسلمين أو عرض روايتهم.

في فِلْم «الرجل الذي سيصبح ملكًا» (1975م)، يصور المسلم متخلف ثقافيًّا. وفي فِلْم «الأحد الأسود» (1977م)، يصور الفلسطيني كإرهابي. وفي فِلْم «قوة دلتا» (1986م) يظهر المسلم في صورة القاتل المتعطش للدماء. وفي فِلْم «ليس بدون ابنتي» (1991م)، يظهر في صورة القامع للمرأة والكاذب الشهواني. وشهدت هذه المرحلة مرحلة «نفي» للقضية الفلسطينية كقضية تحرر، وتحويلها إلى قضية إرهاب، مع تمجيد الاستخبارات الغربية وشيطنة أي مقاومة عربية.

كما شهدت مرحلة ما بعد 11 سبتمبر تحوّلًا جذريًّا في صورة المسلم في السينما الغربية، حيث أصبحت الشاشة أداة أيديولوجية لربط الإسلام بالإرهاب. ركّزت أفلام مثل: United 93 وZero Dark Thirty، على تقديم المسلم كعدو متوحش، مع تسويغ سياسات التعذيب والتدخل العسكري الغربي، وتهميش الأسباب السياسية للتطرف مثل الاستعمار وغياب العدالة.

ومع صعود تنظيم «داعش» (2014- 2020م)، بلغت صورة المسلم ذروة الشيطنة؛ إذ صار يُقدَّم كلاجئ خطير أو إرهابي محتمل، بينما استُغلت النساء المسلمات كمادة لقصص تتاجر بالألم تحت شعار «تحرير المرأة»، وهو ما عرّته ليلى أحمد في نقدها لمفهوم «النسوية الاستعمارية».

وفي عصر الإسلاموفوبيا، لم تعد الكراهية مقصورة على الأفلام السياسية، بل تسللت إلى الترفيه والخيال العلمي، حيث يُصوَّر المسلم كتهديد ذكي ومتعصّب. في المقابل، ظهرت أعمال مضادة تحاول كسر هذه الصور النمطية، مثل: مسلسل «رامي» (2019م)، الذي يتناول قضايا الهوية والاندماج والتعددية داخل المجتمعات الغربية، وفِلْم «الأصولي المتردد» (2012م).

وتُعد السينما في عصر «السلام الإبراهيمي» من أخطر المراحل التي مرت بها المنطقة العربية والإسلامية، نتيجة التطبيع الثقافي والأمني والاستخباراتي مع إسرائيل، وتحول السردية من صراع إلى «شراكة اقتصادية وأمنية». أصبح التسويغ الإعلامي لجرائم الاحتلال يعتمد على مصطلحات مثل «قتيل» بدلًا من «شهيد»، وتُقدَّم صورة وردية عن «الاستقرار» بدلًا من «العدالة». وقد ظهر ذلك في أعمال مثل: «العثور على إبراهيم» (2021م)، وفي سلسلة وثائقية عبر (BBC) و(CNN) (2022م)، تُظهِر الاتفاقيات الإبراهيمية كإنجاز دبلوماسي من دون حضور الصوت الفلسطيني. وهناك وثائقي بعنوان «أمين أمين» (2022م)، يُبرز الإمارات كمركز للتسامح من دون تناول جوهر الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي.

وقد أُنتجت هذه الأعمال بهدف تقديم صورة «إسلام معتدل» تناسب التوجه الغربي، مع تهميش قضايا المسلمين الجوهرية، وطمس الهوية والذاكرة، وتحويل المأساة الفلسطينية إلى مادة تجارية تروّج للسلام الزائف.

تقنيات التشويه

تعتمد السينما الغربية على تقنيات بصرية وأدائية وضمن بنية أيديولوجية تهدف لترسيخ التفوق الغربي وشيطنة «الآخر» الإسلامي. تستخدم هذه التقنيات عناصر مثل اللغة، الألوان، الخلفيات الصحراوية، وتكرار عبارات دينية مثل: «الله أكبر»؛ لترسيخ صورة نمطية للمسلم مع التركيز على ملامح مثل: اللحية، الحجاب، والسيوف. وربط المسلم مباشرة بالإرهاب عبر تصوير المساجد، والآيات القرآنية، والأذان في مشاهد عنف، وهو ما يوصل رسالة ضمنية أن «الإسلام يولّد العنف».

كما يُعرض العنف الإسلامي من دون سياق سياسي أو تاريخي مثل: الاحتلال أو القمع، وهو ما يغيب الأسباب الحقيقية للتطرف. كما تُختزل الشخصية المسلمة في صفات سلبية وحيدة، بينما تُمنح الشخصيات الغربية تعقيدًا نفسيًّا وإنسانيًّا. وأيضًا من خلال استغلال الموسيقا الشرقية والأصوات الإسلامية كدلالات على الخطر. كما يُصور المسلم ككائن يحتاج إلى «ترويض» وفهمه عبر عدسة الغرب فقط، مع ربط الحجاب بالاضطهاد الجنسي وافتقار النساء للتحرر دون التخلي عن هويتهن الدينية. والصور السينمائية الغربية غالبًا ما تعرض العالم الإسلامي بشكل مشوه ومجزأ، مع التركيز على الفقر والازدحام والعنف، مقابل صور الغرب الحضاري الحديث، في رسالة ضمنية؛ أن الإسلام والحداثة لا يجتمعان.

النوع الاجتماعي ودور المرأة المسلمة في السينما الغربية

يُعَدُّ تمثيل المرأة المسلمة والجندر في السينما الغربية قضية مركزية ضمن سياق الاستشراق البصري، حيث يُربط الحجاب والسفور بقصص القمع والاستبداد. السينما الغربية بهذا لا تعكس واقع المرأة المسلمة، بل تعيد تشكيله وفق أيديولوجيا غربية تُروّج لنسخة من «التحرر» مبنية على نموذج استهلاكي رأسمالي يدعو إلى التحرر عبر الانفصال عن الدين والأخلاق. هذا التصوير يستخدم كأداة لتفكيك الأسرة والمجتمع العربي داخليًّا، عبر مساواة الحجاب بالاستبداد، والجسد بالسيطرة. تعكس هذه التمثلات أجندات استعمارية تُروّجها نسويات غربية ومستشرقات لا يسعين لتحرير المرأة فعليًّا، بل لتسويغ التدخل السياسي وفرض الهيمنة الثقافية الغربية.

تُعيد السينما الغربية في أفلام مثل: «من دون ابنتي»، «مذكرات الشرف» (2013م)، و«خضوع» و«خلافة» (2020م)، إنتاج صورة المرأة المسلمة بوصفها «شيئًا» لا «ذاتًا»؛ إذ تختزل إلى ضحية للعنف والقمع، وفاقدة للقرار والإرادة. هذا التصوير يدعم أيديولوجيا غربية تسعى إلى إعادة تشكيل صورة المرأة المسلمة وفق نموذج استهلاكي يربط التحرر بالتحلل من الدين والأخلاق، ويستخدم لتسويغ التدخلات السياسية والتفكيك الاجتماعي داخل المجتمعات الإسلامية.

بين الشيطنة والتبسيط: «المسلم الجيد» في السينما الغربية

يطرح تمثيل «المسلم الجيد» في السينما الغربية سؤالًا مركزيًّا: مَن المسلم المقبول؟ يُستخدم هذا السؤال كأداة لتشويه صورة المسلم عبر تقسيمه إلى «جيد» و«سيئ»، حسب المعايير الغربية. فالمسلم الجيد هو من يندمج في الثقافة الغربية، ويرفض التطرف، ويتخلى عن ممارسات دينية واضحة (كالصلاة والحجاب)، ويتجنب المواقف السياسية والمقاومة، ويعارض العنف عامةً. والمسلم السيئ هو الذي يتمسك بدينه، ويظهر اعتراضًا على السياسات الغربية، أو يحافظ على كبريائه الثقافي. وتكمن خطورة هذا التنميط في تقزيم الإسلام إلى طقوس متطرفة أو ثقافة قهر، وربط الالتزام الديني بالتطرف، وإجبار المسلمين على إثبات «براءتهم» المستمرة، وتصوير هويتهم كـ«إشكالية» تحتاج إلى تعديل وترويض. باختصار، يُطلب من المسلم أن يمرّ بتصفية ذاتية مستمرة ليُصبح «مسلمًا جيدًا» بالمفهوم الغربي، وهو ما يعكس آلية تهميش واستبعاد ضمن الخطاب السينمائي.

وتظهر نتائج هذا التمثيل على وعي المجتمعات في ترسيخ الصورة النمطية التي ينتج عنها تشويه الإسلام والمسلمين، وربط المسلم بالإرهاب والحجاب بالقمع يغذي شعور الغرب بتفوقه الأخلاقي ويعزز الإسلاموفوبيا، مسبّبًا تصاعد العنف والتمييز ورفض الآخر. كما يسبب هذا التنميط ضغطًا نفسيًّا وانقسامًا في الهوية؛ فيشعر المسلمون في الغرب بمراقبة مستمرة واضطرار لإثبات براءتهم، وهو ما يولّد صراعات داخلية بين الحفاظ على الهوية الدينية والرغبة في الاندماج.

يغذي هذا التنميط العداء، حيث تعتمد وسائل الإعلام على الصور النمطية السينمائية؛ لتسويغ سياسات التمييز والقمع، ودعم الحروب والتدخلات ضد الدول المسلمة. وتعمل على تدمير الهوية الإسلامية الجماعية حيث تُضعِف الصورُ المشوهة ثقةَ المسلمين في أنفسهم، وتُقدِّم الإسلامَ كمشكلة، وهو ما يدفع بعضًا إلى الانغلاق أو التطرف، ويغيب التمثيل الذاتي العادل للإسلام. وتعمل الصور النمطية على تفكك العلاقات بين الشعوب، حيث تُرسّخ السينما الثنائية القطبية «نحن» مقابل «هم»، مانعة التعايش والحوار، ومشوهة التعددية، معززة خطاب الكراهية والخوف من الآخر.

مقاومة التنميط وبروز سينما بديلة

لا تقتصر السينما البديلة على الجغرافيا الإسلامية، بل نشأت أيضًا في الغرب عبر أصوات أبناء الجاليات المسلمة الذين رفضوا دور الضحية، وقرّروا سرد قصصهم بأنفسهم كذوات واعية، متعددة، ومقاومة للتنميط والعنصرية الغربية. تُعيد هذه السينما تمثيل المرأة المسلمة كعنصر فاعل ومقاوم، لا كضحية محكومة بالإسلام، وتُعبر عن التنوع العرقي، المذهبي، والجغرافي داخل الإسلام.

تتسم هذه السينما بتمكين الذاتية بدلًا من الوصاية الغربية، وتقديم هويات هجينة بدلًا من الثنائية الغربية (غربي/ شرقي)، كما تتسم بالتحليل العميق للتناقضات بدلًا من الإثارة السطحية، وباستعادة التاريخ والتعاطي مع الذاكرة المحجوبة، وإظهار المرأة كمقاومة وفنانة ورمز للنضال. من الأمثلة البارزة على ذلك: فِلْم «فرحة» (2012م)، الذي يصور النكبة الفلسطينية من منظور طفلة، وفِلْم «500 دونم على القمر» (2002م) وفيه نرى الفن كأداة نقد وإعادة كتابة الذاكرة، والفِلْم الوثائقي القصير «أبناء عيلبون» (2007م) الذي يروي قصة مذبحة عيلبون والخسائر البشرية التي أوقعتها خطة دالِت بقرية فلسطينية صغيرة وتهجيرها في حرب عام 1948م. والفِلْم الوثائقي «طنطورة» (2022م)، الذي يركز على قرية الطنطورة، ويجيب عن سؤال: لماذا تُعَدُّ «النكبة» من المحرمات في المجتمع الإسرائيلي؟ وفِلْم «جنين والنكبة بيننا» (2025م) الذي يوثق ذاكرة تاريخية ومسكوت عنها. وفِلْم «باب إلى السماء» (1989م) الذي يبحث في الحجاب ومسألة الهوية. وفِلْم «ليلى م.» (2016م) الذي يتناول قصة مراهقة مسلمة تكبر في أمستردام وتصبح متطرفة. إضافة إلى أعمال سينمائية إفريقية مثل «سيدو» الذي يعبر عن المقاومة الثقافية.

وعلى الرغم من غياب درامي فلسطيني-إسرائيلي مشترك يعكس السلام الإبراهيمي بصدق، فإن التعاون الوثائقي في فِلْم «لا أرض أخرى» (2024م)، يمثل نقطة مهمة في سرد قصص ما بعد الصراع.

لكن هذه السينما البديلة تواجهها تحديات، مثل: القمع وصعوبة الإنتاج في كثير من الدول، وغياب التمويل المستقل؛ إذ إن معظم الدعم مشروط أو تقف خلفه أيديولوجيات، كما تواجه هذه السينما بالتجاهل من المؤسسات العالمية، وهناك مشكلات تتعلق بالرقابة الذاتية، وبعض المخرجين يخافون من الرفض الغربي إذا قدموا رواية مقاوم، وكذلك يفتقر العالم العربي لمشروع سينمائي متكامل، مقارنةً بأورُبا.

إن هذه السينما تُشكّل جبهة ثقافية في مواجهة الغزو الثقافي الغربي، وتهدف إلى حماية الأمن القومي العربي والإسلامي بصناعة سردية داخلية، تخاطب الغرب لا بانكسار، بل من موقع الذات المسلمة الواعية بتاريخها، وثقافتها، ومعاناتها، وطموحاتها. وهي تُحرّر المخيال العالمي من الاستشراق، وتُعلّم الأجيال أن الإسلام ليس قالبًا واحدًا، ولا تهديدًا دائمًا. وأن الحوار مع «الآخر» ممكن، ليس بالخضوع أو بالرصاص، بل بالكاميرا، وبالحقيقة.


المراجع العربية: مقالات ومصادر إلكترونية:

–  هوليود وحرب الصور.. كيف شكلت السينما الأميركية صورة الإسلام؟ https://www.aljazeera.net

–  هكذا تشوّه أفلام هوليود صورة العرب والمسلمين: تحقيق وتشريح نقدي 13، نيسان 2025. https://www.aljazeera.net

–  هكذا تشوّه أفلام هوليود صورة العرب والمسلمين . https://sadanatoualharf.com

–  دراسة: شخصيات الأفلام الغربية تهمّش المسلمين . https://www.aa.com.tr

أبحاث ومقالات علمية:

–  العراجي، ع. ك. (2022م). السينما الغربية وصناعة الإسلام المتخيّل: قراءة في سوسيولوجيا الإسلام من منظور غربي. مجلة آفاق سينمائية، (عدد خاص)، 79–88.

–  بريك، خ. (2016م). الإسلام والمسلمون في هوليود بين التطرف والعنصرية: قراءة نقدية في ملامح الصورة النمطية لمجموعة من الأفلام الأميركية. مجلة المقدمة للدراسات الإنسانية والاجتماعية، 1(1)، 187–206.

–  بلخيري، ر. ل. ع. (2016م). العرب والمسلمون في السينما الأميركية بعد 11 سبتمبر: بين التشويه والتنميط، دراسة تحليلية سيميولوجية. دراسات- العلوم الإنسانية والاجتماعية، 43 (ملحق)، 2033–2048. https://mandumah.com

–  بلخيري، ر. ل. ع. (2018م). وسائل الإعلام الغربية والترويج للإسلاموفوبيا: دراسة تحليلية في الصناعة السينمائية الأميركية. مجلة مجمع، 24، 402–445. https://mandumah.com

–  (2022) الطرح السينمائي الفرنسي لانعكاسات الإسلاموفوبيا على المسلمين في فرنسا: دراسة تحليلية سيميولوجية لفِلْم Soumaya. مجلة آفاق سينمائية، 9(2)، 89–107.

كتب:

–  Said, E. W. (1978). Orientalism. New York, NY: Pantheon Books.

–  Said, E. W. (1981). Covering Islam: How the media and the experts determine how we see the rest of the world. New York, NY: Random House.

–  Said, E. W. (1993). The Question of Palestine. New York, NY: Vintage Books.

–  Lewis, B. (1993). Islam and the West. Oxford: Oxford University Press.

–  Benshoff, H. M., & Griffin, S. (2009). America on film: Representing race, class, gender, and sexuality at the movies. Malden, MA: Wiley-Blackwell.

–  Poole, E. (2003). Negative stereotypical imagery of Islam and Muslims. In Encyclopedia of Race and Ethnic Studies.

–  Rane, H., Ewart, J., & Martinkus, J. (2014). Media generated Muslims and Islamophobia. In Media Framing of the Muslim World: Conflicts, Crises and Contexts. Palgrave Macmillan.

–  Bourenane, A. (2023). The development of the orientalist discourse in American cinema: From The Sheik (1921) to Jack Ryan (2018). In Postcolonial Cinema Studies (Chap. 11).

–  Scurry, S. (2010). Orientalism in American cinema: Providing an historical and geographic context for postcolonial theory (Master’s thesis, Clemson University). Clemson University Repository.

–  Bajuwaiber, N. M. S. (2023). From Orientalism to Islamophobia: Media representation of Arabs and Muslims on the pre- and post 9/11 Hollywood on screen and Egyptian Cinema (Master’s thesis, University of Leicester). Figshare.

–  Shaheen, J. G. (2001). Reel bad Arabs: How Hollywood vilifies a people. Northampton, MA: Olive Branch Press.

–  Foody, K. M. (2018). Muslims in the American media: From texts to affects. Journal of Islamic Studies, 29(2), 230–251. https://academic.oup.com

–  Tajalle, M. (2020). Recycled tropes and the persistence of Islamophobia in American films. Inquiries Journal, 12(10). https://www.inquiriesjournal.com

–  Tajalle, M. (2020). Islamophobia in Hollywood movies: Comparative analysis (pre- and post 9/11). Journal of Media Studies, University of Balochistan. https://ojs.jdss.org.pk

–  Senanayake, H. (2021). Hollywood and the «wicked other»: The identity formation of “Western Us” versus “Muslim Others”. Open Political Science.

–  Basit, A. (2018). Racism, Islamophobia and Western media: An analysis. Muslim Perspectives, 3(3), 19–22. https://muslim-perspectives.com

–  Sultan, K., & Siddiqua, A. (2020). Islamophobia and the representation of Islam and Muslims in the Western media. Al Basirah, 9(2). https://doi.org/10.52015/albasirah.v9i02.245

المنشورات ذات الصلة

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *