إذا جاز وصف الزمن الثقافي الراهن بوصف مستمد من أحدث الفضاءات التقنية، فلنا أن نقول: إننا نحيا زمنًا سيبرانيًّا. كل شيء يتكون ويتحول في خضم تشابكات افتراضية، من شأنها أن تحيل الثقافة إلى كينونة سيبرانية. تلك التي تُخبأ في الجيب على هيئة هاتف محمول، يمنح العطايا ويلبي الرغبات بلمسة سحرية. إنه زمن مفتوح على الممكنات. فالفضاء السيبراني، حيث يتشكل يومًا بعد يوم، يثير فيضًا من النظر والجدل والتوق إلى الممكن. وعلى ذلك فهو يبدو مثل ماهية متعالية مفتوحة على وفرة من التأويلات والقراءات النقدية.
ينفتح الفضاء السيبراني على الكائن بتوسط الشاشات الصغيرة للهواتف المحمولة. تلك الآلات التي تبدو فائقة القدرة، حيث لا تشكل امتدادًا للجسد، شأن ما اعتدنا عليه من سائر الآلات، وإنما تحلُّ محله حينًا، وتصوغ عالمًا موازيًا حينًا آخر. يُبنى العالم افتراضيًّا، ويُستبدل بالتشريح البنيوي للمجتمع تشريح سيبراني. فلقد أصبح الهاتف المحمول هو بوصلة الروح في العصر الحديث.
الطابع السحري للشاشة
سنرى مع المفكر الفرنسي «ريجيس دوبريه» أنّ ذلك العالم السيبراني هو أيضًا كلي الحضور. لكنه حضور يخترقه الوهم. تُوهِم كلية الحضور السيبراني بالفاعلية، وتُوهِم بما يتجاوز الفرجة نحو الفعل. ذلك الفعل الذي يبدأ وينتهي برمشة عين ولمسة إصبع. وكل ذلك على نحو شبه سحري. تحمل الشاشة الكائن على أجنحة التطبيقات ومواقع التواصل الاجتماعي والصور والفيديوهات القصيرة إلى شتى أرجاء العالم. وعليه فإن هذا الكائن المحظوظ سيتسم بالسحر والسعادة، كما بيّن ريجيس دوبريه، فقد أصبح -أخيرًا- فعالًا، بقفزات سحرية متعالية على المكان والتاريخ.
لكن الطابع السحري للشاشة الجيبية يتضافر مع رؤية شبه لاهوتية؛ ذلك لأنها لا تتوقف عن الوعد. لا يهمّ إن كانت تفي بوعودها، يكفي أنها تعد وحسب. وبالتالي فهي تشكل فضاء لرؤى خلاصية. الخلاص من المشقة والجهد والتعب، ولكن أيضًا من العزلة: نظرة واحدة كفيلة بأن «ترى معها نبض العالم، وترمي بك في قلب الأشياء». هكذا يبدو العالم ممسوكًا بالعين.

تشع الشاشة بنور الحاضر حد تحويله إلى ميثولوجيا. كانت الكلمة فيما مضى توحي بحضور أبدي لكينونة متعالية. فالحقيقة لم تكن يومًا داخل النص. كانت خارجه، وكانت الكلمة تحيل إلى غيرها. فأصبحت الشاشة اليوم تحيل إلى ذاتها، وتوحي بأبديتها هي، أبدية الحاضر الآني، الحاضر الومضي الذي ليس له عمق تاريخي ولا أفق مستقبلي: لقد صار الحاضرُ الآنَ مطلقًا.
وهكذا مع انتشار الهاتف المحمول الذكي في كل مكان، أمكن للمرء أن يحمل العالم في جيبه. وباتت البنى الاجتماعية الصلبة تذوب في سيولة تخترق حصون الهويات الجماعية وتكسر الحدود والحواجز الثقافية: صور تتدفق، سلع، أنماط حياة وأساليب وقيم وسمات ثقافية. وهو ما أشاع نوعًا من الرعب، دفع بعض المثقفين العرب، كالمفكر المغربي «عبد الإله بلقزيز»، إلى الحديث، بنبرة قلقة، عن ضرورة التفكير في الأمن الثقافي العربي ضد كل أخطار هذا الغول السيبراني المعولم.
صحيح أنّ الثقافة لم تكن يومًا نقية، والهويات هي دائمًا وأبدًا مركبة، فالذات هي عينها الآخر، أما التجانس الثقافي فلا يوجد إلا في عقول الفلاسفة وعلماء الاجتماع، لكنّ الظاهرة السيبرانية بكل سيولتها واتساعها تبدو عند «بلقزيز» حدثًا طارئًا وصادمًا مثيرًا للقلق والخشية على الذات، فالثقافة بحاجة إلى تحصين من اختراقات الهيمنة، أكانت متخيلة أو حقيقية.
خراب الثقافة في العصر الرقمي
في سوسيولوجيا الثقافة تشكل السمة أو العلامة الثقافية وحدة تحليلية صغرى. ترتبط بنائيًّا بسمات أخرى، فتشكل مركبات ثقافية. تلتئم هذه الأخيرة مجتمعةً على نحو عضوي في كليات يشكلها التاريخ في هيئة نماذج ثقافية كبرى. غير أنّ الفضاء السيبراني -كما يقال- لا يعبأ بذلك. حيث يجري تدويل السمة فتصير عائمة من دون عمق أو سياق.
لقد أمكن للمتصوف والشاعر المسلم «جلال الدين الرومي» أن يشبع نهمًا روحيًّا في مجتمعات يُنظر إليها بوصفها متشبعة بالمادة، مثل المجتمع الأميركي. وربما تفوق شعر الرومي على نصوص الشاعر الأميركي «والت ويتمان». وجالت الرياضات الروحية الهندية أرجاء العالم السيبراني. فنُزعت «اليوغا» من حضنها الفلسفي والديني العتيق لتبدو مثل رياضة خالصة.
إنّ السمة الثقافية لا تنتزع من سياقها إلا وهي تخلق الجهل. من الممكن متابعة تحليلات المفكر الفرنسي «أوليفييه روا» بشأن الأصوليات المنتشرة والعابرة للأديان بوصفها نتاجًا لجهل مركب: الجهل بالجهل ذاته. ففي الفضاء السيبراني ثمة كثافة ثقافية لا ينكرها أحد؛ إذ تنتشر العلامات وتُتداوَل على نحو مكثف، ولكن بعد أن تنتزع من جذورها التاريخية والثقافية. فالتداول الحر للمعلومة وتفشيها في فضاء معولم ينزع السمات الثقافية من سياقها، ويجعلها تعوم في فضاء مفرغ من التاريخ والاقتصاد والثقافة. وإذ يتلاشى الإكراه في الفضاء السيبراني، أو يصبح بلا معنى، كما يقول روا، فإن الثقافة تستهلك في سوق تتسيد هذا الفضاء لتعيث فيها فوضى واختلاطًا، فتؤول الثقافة المعولمة إلى سديمٍ من «الجهل المقدس».
الجهل المقدس أو «المثقف» يستحيل إلى تفاهة. تلك التفاهة -وقد ارتقت إلى رتبة الفكر- تنجم وفقًا للفيلسوف الكندي «آلان دونو» عن الوسطيات الرديئة الشائعة في المنصات الرقمية، التي تضرب جذورها في المجتمع المعاصر. ففي الفضاء السيبراني تنقلب شروط الفكر. تحلّ السرعة محل البطء الذي يقتضيه التأمل. فأخذ التبسيط يتفشى في سياق تغيب عنه أدوات التحقيق. صار كل شيء باهتًا، مفرغًا من اليقين. القضايا الفكرية الشائكة التي تُتناوَل عبر مناظرات وكتب ومساجلات وتفاعلات فكرية تمتد لأجيال، تحسم مرة واحدة وإلى الأبد في قطع نثرية صغيرة تتسم بالثقة المفرطة، وتنشر على منصات «فيس بوك» أو «تويتر». تُنتحل حكم مزيفة على أسماء ورموز كبرى. تُقلب وتُشوه المقولات العميقة في خضم ظاهرة ثقافية نلمس حضورها هنا وهناك: أصبح سقراط ضد نفسه. وأبيقور يتنبأ بالرهافة المعرفية لمادية ماركس. وأينشتاين يشيد بالعقل الرياضي لحكيم القرية. إنها الرداءة والوسطية تهزّ التاريخ الثقافي وتشيع فيه الخراب.

مسارات السيلفي
يكشف التدفق السيبراني عن نمط خاص للكينونة، فأن تكون يعني أن تفتتن. الاستهلاك وحده هو «الصورة الرئيسة للتعبير عن الذات». إنها أنطولوجيا تدفع نحو فحش الثروة. ثمة ما يكشف هنا عن وقاحة طبقية. تتبدى في يوميات للتفاخر بالثروة وتضخيمها. سرديات متبجحة تستطبن عنفًا رمزيًّا، خاصيته الأساسية -كما يقول السوسيولوجي الفرنسي «بورديو»- حجب علاقات القوة المتأصلة فيه. ويمتزج العنف بنوع من اللامبالاة، ما دامت الضحية غير واعية بتعنيفها؛ إذ تعرض الشاشة الصغيرة مسرّات المحظوظين في فراديس العالم، نجاحهم وفرحهم اليومي. أما المطرودون ومنكودو الحظ فلهم الفرجة، كما يقول دوبريه، عليهم أن يستبدلوا بمتعة الوجود متعة النظر؛ إذ ليس لهم سوى أن يشاهدوا أو أن يكونوا شهودًا على «مزايا الآخرين». إنّ النجاح برهان ذاته. والتفاوت واقعي فهو -إذن- حق؛ ذلك أنّ «مسار التاريخ هو أيضًا محكمة التاريخ».
وإذ يقضى التاريخ بأن الربح حق، فإنّ الجهر بمسرّات الحياة هو القاعدة الذهبية والأمر شبه الكانطي: «ابتسم». هكذا نلحظ طوفانًا من التصوير الذاتي أو «السيلفي» يملأ الفضاء السيبراني. صور زاهية لوجوه تبتسم. والابتسامة تظهر عفوية أو مفتعلة. الابتسامة ضرورة وإن كانت زائفة. فالكينونة هنا تعني -حصرًا- السعادة والفرح. والكائن في عالم «السيلفي» مفتتنٌ بذاته. إنه نرجسي، متوحد يعشق ذاته، ويحيل إليها حد محو الواقع.
والواقع الذي قد يتحدد وَفْقَه عالمًا عنيدًا مغايرًا للتصورات الذاتية يختفي ويتلاشى. هذا الاختفاء يسميه دوبريه «مثالية مطلقة». حيث يبدو العالم وقد أصبح -فعلًا- تصورًا ذاتيًّا. أليست النرجسية ضربًا من الجنون؟ غير أنّ هذا المآل ليس وحده ما تؤدي إليه مسارات «السيلفي». فالنرجسية تقترن بداء آخر هو التلصص والفضول وقضاء الوقت في العثور على ما يمكن أن يشكل انتهاكًا لحميمية الحياة اليومية، في نسخة سيبرانية مما كان يعرف بتلفزيون الواقع، حيث يوشك التعري على أن يكون تفاخرًا وفضيلة.
ليس التلصص عاهةً سيبرانيةً وحسب. فهو يعيد بعث سيكولوجيا بدائية كنا نظنّ أنّ عهدها انطوى. إنها سيكولوجيا الفراسة التي تجعل المظهر مرجعًا أوحد. ينوب عن الجوهر القصي المختبئ في الباطن أو الوجود. الأمر الذي يعني أنّ من الطبيعي اقتران الانفعال بالحقيقة/ العلامات العرَضية للوجه بالعمق السيكولوجي/ الجمال الجسدي بالخير، والقبح بالشر. وبالتالي صار من اللازم طرد كل تلك الوجوه الشاحبة غير المؤهلة لنظام الحقيقة الراهن. فالحقيقي في العقل السيبراني «الخالص» هو الوجه المبتهج، هو المرئي السعيد.
ممكنات للأقل حظوة
يقتضي التفكير في العالم السيبراني، بصفته عالمًا للمرئي، تعليق الرؤية نحو رؤية الرؤية. وضع البصر بين هلالين والشروع في عملية تفكير جدلي شمولي تحيط بقضايا هذا العالم. تلك التي يشبهها دوبريه بقضايا العالم الميتافيزيقي، والتي أخضعها كانط للجدل المتعالي: العالم، العلّة الأولى، الروح. وهذا يعني أنّ كل مسارات الجدل المتعارضة لا تقبل التفنيد. يتعلق الأمر بعمى إرادي. عتمة تفتح العقل على مصراعيه. الحق شقيق «الأعشى». والحقيقة لا تمنح ذاتها جدليًّا إلا عندما يموت البصر. وعلى هذا النحو يصوّر «أبو حيان التوحيدي» الحق في صورة «فيل»، أراد حشد من العميان القبض على ماهيته، «فأصاب منه كل إنسان بجهة».
وهكذا يتشكل الوعي بالخروج من حيز المرئي نحو رؤية جدلية. هذا الجدل ليس نسبيًّا على نحو تام، وإنما يقتضي القول بالشيء متبوعًا بأداة استدراك: «لكن»، «غير أنّ»، إلخ… وصولًا إلى نفي النفي؛ فالتركيب حيث يولد فضاء سيبرانيًّا مغايرًا. ذلك هو الجدل الذي يأخذنا إلى عالم لم يولد بعد.
ففي هذا الفضاء السيبراني الذي تظهر فيه بصفاقة شتى التفاوتات الاجتماعية، وترقص الثروة مختالة متبجحة، وحيث يشيع الآني والسريع والمغري المترع باللون المشرق، وحيث تبدو الصورة -مثلما لحظ دوبريه بعمق- فاشية تفرض ذاتها بقوة… هذا الفضاء نفسه الذي يشكل -بما فيه من شبكات اجتماعية- مورفولوجيا مجتمعات العصر الحديث، وفق مفهوم السوسيولوجي الإسباني «مانويل كاستلز»، حيث الكائن السيبراني ليس متلقيًا منفعلًا سلبيًّا وحسب، وإنما هو أيضًا كائن نشط منخرط دائمًا في تحويل الثقافة السيبرانية إلى قوة مادية. هذا الفضاء هو ذاته الذي يمكن أن يشكل حيزًا لممكنات آتية، ممكنات للأقل حظوة، للسلالة الخاسرة في «محكمة التاريخ».
0 تعليق