تعامل الشعر العربي المعاصر مع معنى التشهي برؤية مغايرة تحتمل دلالات عميقة وتأويلات جديدة تنهض بالتجربة ككتابة ورؤية ضمن سياق جديد، وبلغة تستجيب لروح العصر ولطبيعة المتغيرات الفيزيائية التي طرأت على الجسد وعلى مفهوم الرغبة نفسها. غير أن العلاقة بين الشعر والإيروسية ظلت ملتبسة إلى حد التشعب واستحالة التفسير، وهو ما يسمح ببناء تأويلات لا تحجب الموضوع، وإنما تمركزه في سياق استدراج هذه الرؤية التي تحكم كل تجربة شعرية اهتدت إلى مثل هذا التوجه في الكتابة.
فالإيروسية ليست موضوعًا خارجيًّا، إنها تجربة داخلية، بحسب التوصيف الذي قعّد له جورج باتاي(1)، وقد يعجز العلم دائمًا عن فك سننها، ويكرس خطر الكتابة أو الحديث عنها أحيانًا. وقد أثار الشعراء موضوع الإيروسية مقدمين كل الوشائج القائمة والمحتملة بين المجالين وخلصوا إلى كون الشعر يقود إلى اللبس نفسه، وطبيعة الشكل التي تقودنا إليه هذه التجربة نفسها، فكلاهما يقودنا إلى النشوة في أوج الحياة. وتتيح لنا هذه الإشارة إمكانية قراءة الأعمال الشعرية التي راهنت على هذا المدخل موضوعًا، ومقصدًا.
وما أضاءته الأفكار والمواقف حول هذه العلاقة عضده الشعر العربي والعالمي، القديم والمعاصر؛ إذ تعامل مع الجنس برؤية مغايرة، تحتمل دلالات عميقة وتأويلات جديدة تنهض بالتجربة الجنسية كتابة ورؤية. وتندرج، في هذا الصدد، مجموعة من التجارب الشعرية المعاصرة التي أوّلت وتناولت الإيروسية في منجزها الشعري، وحوّلتها إلى تجربة حسّية كاملة: ماء وبلل وحواس وردود أفعال، يتقاطع فيها الجسد واللغة. وهو ما يمنح الخطاب الشعري تميّزه، ويعكس وعي الشاعر بموضوع الإيروسية وبخبايا الجسد، لا بوصفها معرفة معزولة، بل كخبرة جمالية تُسخَّر لبناء نص منسجم ومتعدد في آنٍ؛ منسجم في فرضياته القرائية المتولّدة من صلب تجربة مؤسسة على اللذة والشهوة والمتعة والحركة، ومتشعّب في استعاراته التي تستعير من الماء طبعَه وسيولته.
يأتي ديوان «يتشهاك اللسان»(2) للشاعر حسن نجمي ليعضد هذا التأطير، ويطرح نصوصه أمام معطيات إيروسية وخباياها المرتبطة، كما أسلفنا، بالجسد والحركة والرغبة القوية في الاختراق وتحويل الموت والمعاناة إلى حياة. فطبيعة الشعر في مثل هذه التجارب وغيرها مما هي حمالة لمفهوم التدفق والفيض والذوبان والسيل الجارف لقوة الجذب الجسدي الذي تحول إلى نهر تنبع مياهه لتقودنا إلى نهر آخر، الجسد بهذا المعنى تضاريس نهرية تسيل منها الرغبة.
عراء الحواس
لا يخفي ديوان «يتشهاك اللسان» أسئلته حول الجسد والشهوة، بل يضع المعرفة الإيروسية موضع تجريب كتابي؛ لأن القصد ليس التحدث عنها بالنفي، وإنما الأمر يظهر في تلك الافتراضات الشعرية المسبقة. فالحواس كلها ترتبط بمركزها اللاشعوري والجسدي، وهي، في الآن ذاته، تقترن بالسبب والمبدأ والنتيجة. وحصة الديوان من هذه التجربة هو تخليص الحواس من غلافها، وتمتيعها بمفهوم الشهوة، كسلطة كبرى تتطلب السطوة النهائية. هي تجربة داخلية لها وضعها و«يجب فهم معناها من الداخل»(3). إذا كان هذا هو منطق التعامل مع كل تجربة داخلية، فهل الإيروسية تجربة قابلة للبرهان المنطقي؟
ليس الأمر هينًا إذا ما تعلق بهذا المدخل، فالمعطيات التي يطرحها الشعر ملتبسة بالزمن المنفلت، وبالإحساس المتقد، وكلاهما يستلزم مَأْسَنَة الوجود، والنظر إليه من زاوية عامة. يتطلب مثل هذا التصور التمثيل بمقطع من الديوان. يقول الشاعر:
لا أعرف ما الذي تفعله أنجلينا بشفتيها كل يوم. لا أعرف إلى أين تأخذهما في المساء. […] كل النظرات تلمع من أجلها/ كل شفة من شفتيها ترتعش كضوء ينزلق على الوجوه/ وكما لو حركتهما لتكلمني إيماءة عذراء- وضعت عليهما/ سبابتي: ليس وقته. واكتفيت بالنظر كما لو كانت تبتهج بي حقول/ النعاس.. كما لو كنت أقترح صحبة/ على مرآة من ندى(4).
يتحول النظر، في تعدده ووعورته، إلى حاسّة جامعة تكرس مشقة لبلوغ اللذة الكامنة في كل التفاصيل، النظر حاسة، وهو قارة مكتفية بذاتها.. وهو ما يقابل القول بأننا أجساد-جزر… لكن الجزيرة تتمدد وتتفسح وتتشعب لتغدو قارة، يحيط بها ماء اللذة من كل مكان، لكن البرزخ الذي يربط بين الشفة والنظر إليها برزخ مسافاتي متقد.
يكتسي عراء الحواس الذهاب بالخطاب الشعري «إلى النقطة نفسها التي تقود إليها أشكال الإيروسية المختلفة، أي إلى محو الاختلاف، وإلى غموض الأشياء المتميزة. إنه يقودنا إلى الخلود، بل يقودنا إلى الموت أيضًا، وعبر الموت إلى الاتصال. إن الشعر هو الخلود»(5). يخلق إذن، الخطاب الشعري معرفته من بلوغ حالات النشوة أو الفرح العارم من داخل تجربة متقدة، تستنبتها الأنا داخليًّا عبر إبراز قيمتها وسلطتها.
يقدم الديوان الحواس تقديمًا فارقًا؛ لأن المقام يستدعي ضبط المشتهى بصيغة خلق مسافة التوتر، واستدعاء الحواس مجردة وعارية، فالجسد والشهوة اللذان يستميلان الخطاب إلى بلورة اتقاده اللغوي، ينتصران للفعل الإيروسي كفعل مباشر، ورغبة مغلفة بالاقتصار على البدائل. تصير الرائحة اعترافًا مشبعًا باللذة، «اعتراف اللحم» بتعبير ميشيل فوكو، فهي تقود إلى انصهار الجسدين، ليتحولا إلى جسد واحد، وهو نوع من الحلول الصوفي، لكنه ليس مفارقًا، بل مقبلًا على الجسد الآخر بكل شذراته والاستسلام لجموحه.
التزم ديوان «يتشهاك اللسان» منطلقًا وغاية، بتكثيف صور التداخل والتموج بين الجسدين على نحو التوائي، وبتناول مباشر وغير مباشر، يفسح المتلقي أمام هيجان وتدفق وانهمار في الرغبات والمشاعر والحركة والصمت.
مؤشرات الشهوة
ثمة ما يبقي التعالق بين الشهوة والكتابة على اتصال يتأرجح بين البوح والامتناع، فالمسألة في ديوان «يتشهاك اللسان» منزوعة عن هياج الحياة، وترتبط بفعل ترويض الحواس كما ألمحنا إليه، وذلك في تكامل بنيوي مع المعطى الحدثي للخطاب الذي لا يزيغ عن وظيفة كشف الحضور الجواني للإيروسية بقصدية متكررة من خلال مؤشرات الجسد، وبغاية خلق الأنا لإشباعها في تواصلها العضوي بالجسد المستلب من حميميته.
الشهوة، بهذا المنطق، من صميم مجال الترجمة والمخيال، فهي تؤدي تأثيرها نحو ما هو حقيقي، لكن حتى لو أنتجت دلالات أخرى، غايتها تبنّي ذلك التصور المتقد. هذا التمازج ذو مغزى، فلو طرح التماثل بين الفعل والكتابة، فكلاهما يكشف عن مفهوم الشهوة، وقد تبدل بما هو متحقق من تجربة كتبت بحواس نابضة، يمتد نشاطها وراء إرادة الاشتهاء، غير أن الذي يفعمها بالحياة هو لا نهائية التخييل.
لا تنقضي دوافع الشهوة في الديوان؛ لأنها هي الخصيم الوليد المنبثق من وضع وجودي محكوم بنشوة قاهرة، انقضاؤها يتجدد باستمرار، كيف والخطاب يؤشر إلى إيروسية تمثل القوة السائدة «سواء في شكلها التافه أو المتسامي. التقليل من الأهمية هو إساءة استخدام الوظيفة التي تسعى فقط للشهوة الجسدية. ويضيف التسامي إلى هذا الارتباط اللحظي لفعل الاتحاد الدائم للأرواح»(6).
المتحقق شعريًّا عند الشاعر حسن نجمي يستضيف القارئ في حركة غير مكتملة؛ لذلك على القارئ أن يتخلص من هاجس البحث عن المعنى في عمل يقوم على تعالق الدلالة وهدم المعنى، وعلى علاقة الداخل بالخارج. وتعني الكتابة، من خلال هذا الاشتغال، الممارسة النصية التي ارتضاها الكاتب لمنجزه، هذه الممارسة تضمن لذاتها الاستمرار من حيث هي بناء ومعرفة تتأسسان على القطيعة وإعادة النظر في صيغ الخطاب على حد تعبير فيليب سولرس(7).
هذه العودة القوية للتأثيرات والعواطف، والانتصار للمعنى الشعري الإيروسي، هو ما مكن من تبين أن العمق يختبئ دائمًا على سطح الأشياء. فهذه العناصر هي ما تمنح الجسدَ، في بعده الشهواني الإيروسي، حضورًا دلاليًّا رسَّخه تكرار مكونات الجسد، وأيضًا الحركة التي تتقدم الصمت عبر المكان. يصرح الشاعر بالصمت مكتفيًا به كعتبة وهوية علامية للشعر.
تكتفي النصوص بوصف أجواء صامتة مسنودة بالرغبة والمتعة، وهي على حد تعبير فرانسيسكو ألبيروني «الأكثر سهولة ومنطقية وعقلانية؛ لأنها تختصر لنا لحظة زمنية يركز فيها الكائن البشري عن الذي يمنحه السرور»(8). فالشعر يعمق هذا التصور الذي نجد فيه الكثير من المبادئ الإنسانية غير المفكر فيها بالشكل اللازم. ويقدم أيضًا تحليلًا اجتماعيًّا محضًا للعلاقة بين الأنا والمرأة، وتحلل الرغبة الإنسانية المختلفة بين الجنسين، وإخضاعهما لسياق وجودي محض.
دوافع الانتزاع
تبلغ الأنا ذروتها عندما تتحول الدوافع إلى انتزاع الغاية، الذي يعمق هذا المنزع كثافة الفعل الإنجازي الذي يوضح التضاد الرمزي بين قوة الدوافع وقوة الانتزاع. فالجسد ملهم طبيعيًّا، لكنه متشعب الدلالة، أما المعنى الإيروسي فيثير فعل التوتر. وكل انتزاع مسبوق باعتراض؛ لأنه يترجم الاستخدام المنطقي للكلمات. وهو استخدام قائم على مَأْسَنة الوجود بصورة شبه مفرطة.
لعل الانتقال من صورة إلى صورة، في المقام الشعري، هو ما يرسخ ممكنات اللغة التي تصرّف الوضع الوجودي للأنا على نحو ترجمة تجربة النشوة بصورة متكدسة، سواء على النفس، أو على طريقة الأداء. وهنا نتوقف عند ممكنات الاعتراض على المعرفة في هذا السياق. هل ترتبط الرغبة الإيروسية بغياب خاص للآخر؟ أليس الخطاب تعويضًا عن هذا الغياب؟
فرضيتان تفتحان كوة لقراءة هذا التماهي بين الإحساس واللغة، وبين الانتقال من الحالة الطبيعية إلى حالة الرغبة، وهو ما يتطلب وجودًا يفتقد للاستمرارية، فالإيروسية لحظة، أو انقطاعات تستمد جاذبيتها من جرعات إحساسية زائدة. يقول الشاعر:
اقترب كي أكون ظلًّا. جسدك ضوء/ أيتها المنحوتة التي لا تشفق(9)
توصيف الشاعر هنا للجسد المرغوب بالمنحوتة، يهبه ملمحًا أسطوريًّا وسمة ملحمية تتجذر في الموروث الإنساني الضارب في القدم. وقديمًا، حول الإنسان أجساده إلى منحوتات تنوب عنه. وبهذا منحوها حضورهم الأبدي في المعدن والحجارة والخشب. بينما تحدثنا أسطورة عن ذلك النحات الذي عشق منحوتته لدرجة طلب من الآلهة تحويلها إلى آدمية. بين تحويل الحجارة وتحجير الجسد هناك دائمًا رغبة جذابة نحو البقاء قيده، أن نصير ظله، وأن ننتزعه من صلب الرغبة الكامنة فينا، هي رغبة الانتزاع والإشباع.
لعل تكدس مؤشرات الجسد بصورة مفرطة في الديوان، له ما يبرره؛ إذ لا يمكن حجب الأسئلة التي يثيرها الشاعر، حتى إن كانت من موضع تجريب كتابي. فالتوتر بين الأنا والآخر هو ما يخلق مسافة تلتزم بإبراز قيمة الانتزاع وتحقيق الإشباع. فالصورة الشعرية تذكي المعنى الإيروسي وتنحي كل غموض والتباس.
يستغل حسن نجمي سلبيات التباعد لإثارة الخيال الإيروسي في تناقض ظاهر، فالنصوص تضطلع بالتفصيل الدقيق، وتشييد علاقة مثيرة تبدو أكثر واقعية؛ لأن النصوص تتجه صوب الدفاع عن مزاج الاشتهاء، وتعميق الإحساس بمعالم الجنس الحقيقية، بوصفه مسلكًا يملك مفاتيحَ وأسرارًا خاصة. هذا ما جعل الشاعر يكسب لعالمه الخاص وجودًا فردانيًّا مستقلًّا، ومعمقًا للمبادئ الحسية؛ إذ يشطر التماس الممتع إلى نصفين؛ أحلام مستأصلة، ووقائع شبه مجهوضة، فيتسلل مكون الجسد ضمن عالم الواقع المادي، المسنود بالرغبات، ويجاري، في الآن ذاته، التاريخ الشخصي لفكرة الإيروسية، التي هي، في الأصل، فكرة خالصة لا تعرف التحول إلا في سياقها الكتابي.
إن الإلماح إلى الجسد، في الديوان، لم يكن كليًّا، وإنما ذكر الجزء، وأريد به الكل، وأيضًا، كون الجسد في هذه التجربة، يعد وسيطًا زائلًا؛ لأن الارتباط المتين الذي يشيده العمل هو التفكير في الإيروسية من منطلق العلاقة التي أشار إليها الشاعر أوكتافيو باث عندما قال: «العلاقة بين الإيروسية والشعر هي من مستوى يمكن معه القول بدون أي تعسف بإن الأولى شعر جسدي، وأن الثانية إيروتيكية لفظية. كلاهما مكون من تعارض تكاملي. إن اللغةَ، وهي صوت يبث معارفيًّا، وخط ماديّ ينمُّ عن أفكار لا مادية، قادرةٌ على تسمية أكثر الأشياء انفلاتًا وتلاشيًا: أعني الإحساس؛ والإيروسية، من جهتها، ليست جنسًا حيوانيًّا بحتًا بل هي طقس وتمثيل»(10).
يعمق كلام أوكتافيو باث علاقة الشعر باللغة، وهي علاقة تخلق بنيات المماثلة القائمة بين التصور والممارسة، وكل مغامرة كتابية في هذا المجال، لا بد لها من إدراك رؤية معرفية تترجم الموقف من هذا التعالق بين الشعر وموضوعه. وقد يترتب على هذا المنطلق إعلاء من المستويات التجريدية التي تترجم الموقف من العالم.
في ضوء ما تقدم، فإن ديوان «يتشهاك اللسان» قد ساهم في تأسيس نسق كتابي يرتبط بما هو معرفي، وبما هو إحساسي عبر ثنائية الشعر والإيروسية. ولعل هذا يفسر لنا لماذا أصبحت نصوص الديوان منفتحة على معجم إيروسي، وليست مقصورة على لحظات فحسب، وإنما تبينت ذلك التنوع الهائل واللانهائي للتصور والإحساس، الذي كان بين الشهوة والممانعة، بمعنى أن تحول الإحساس إلى لغة، أو العكس، هي مسألة مقترنة بالوعي، والتحويل. فالصورة الشعرية تخلق معناها الشعري من «عناق لوقائع متعارضة»(11).
هوامش:
(1) جورج باتاي، «التجربة الداخلية»، ترجمة: عدنان محمد، دار دال – سوريا، ط/1، 2017م.
(2) حسن نجمي، «يتشهاك اللسان»، شعر، خطوط وظلال، الأردن، ط/1، 2022م.
(3) جورج باتاي، «التجربة الداخلية»، 23.
(4) حسن نجمي، «يتشهاك اللسان»، ص، 42-43.
(5) جورج باتاي، «الإيروسية»، ترجمة: محمد عادل مطيمط، دار التنوير – تونس، ط/1، 2017م، ص. 35.
(6) Paul diel, Le symbolisme dans la mythologie grecque, éd Payot, Paris, 1966, p. 132-133.
(7) Philipe SOLLERS, L’écriture et l’expérience des limite, éd Seuil, Paris,1965, p. 6.
(8) Francesco Alberoni, L’Érotisme, éd Pocket, Paris, 1994, p. 153.
(9) حسن نجمي، «يتشهاك اللسان»، ص. 137.
(10) أوكتافيو باث، «اللهب المزدوج»، ترجمة: المهدي أخريف، المجلس الأعلى للثقافة- المشروع القومي للترجمة- مصر، ط/1998، ص. 10.
(11) نفسه، الصفحة ذاتها.
0 تعليق