لا توجد شعوب بلا فن، ولا يمكن للفن أن يولد في فراغ بعيد من الناس. كل تفصيلة في حياة الإنسان تحمل طابعًا فنيًّا، من طريقة الحديث، إلى أسلوب الكتابة، إلى شكل المجالس، وتفاعل الناس. فالتعامل فن، والكلام فن، والتجاوب فن، بل إن الحياة نفسها تُمارس بالفن قبل أن تُفهم بالعقل. الفن ليس محصورًا في لوحة أو منحوتة، بل هو انعكاس للوعي الجمعي، ومرآة للهوية، وطريقة تعبير تمارسها المجتمعات بلغتها الخاصة، برموزها، وبقيمها. ومن هذا المنطلق، لا يمكن فصل الفن عن المجتمع الذي ينشأ فيه؛ فلكل ثقافة طابعها، ولكل شعب ذائقته، ولا فن يُزرع خارج السياق، ثم يُنتظر له أن يُثمر.
فن لا يتعالى على الإنسان
من خلال احتكاكي بالفنون الغربية، لفت انتباهي اختلافهم العميق في فهم الفن، ولا سيما في رؤيتهم لمفهوم «التجرد». هناك، يُنظر للفن أحيانًا على أنه مساحة يتحرر فيها الفنان من كل شيء: من ذاته، من بيئته، من قِيَمه، حتى من معاييره. وفي هذه الرؤية، قد تنتج أعمال فنية لا تحمل رسالة، ولا تلامس الروح، بل تبدو كأنها انفصال متعمد عن الإنسان نفسه. عبّر عن هذا الاتجاه الفنان الأميركي مارك روثكو حين قال: «اللوحة ليست صورة لتجربة، بل هي تجربة في حد ذاتها».
وهذا الطرح، على الرغم من عمقه الفلسفي، فإنه في أحيان كثيرة يخلق فجوة بين الفن والمتلقي، ويجعل من العمل الفني كيانًا معزولًا، يحتاج إلى شروحات أكثر من حاجته إلى تفاعل صادق.
وما يثير الاهتمام، أن هناك في الغرب أيضًا من ينتقد هذا النوع من التجرد، ويرى أنه يُفرغ الفن من رسالته، ويجرد الإنسان من فطرته، ويقدّم «الفراغ» بوصفه حرية. وفي المقابل، لا تزال هناك نماذج من الفنون الغربية تحافظ على صلتها بالوجدان والواقع، وتُشاهد بتقدير حيّ حتى يومنا هذا؛ لأنها لم تقطع علاقتها بالإنسان، ولم تتعالَ على التجربة.
ومن أجمل الأمثلة على ذلك: المدرسة الانطباعية الفرنسية، التي ظهرت في القرن التاسع عشر كردِّ فعل على الجمود الأكاديمي، وجاءت تحتفي بلحظة الضوء العابرة، والطبيعة اليومية، والانفعال الإنساني الصادق. لوحات كلود مونيه، مثل: «زنابق الماء» و«انطباع: شروق الشمس»، ما زالت تُعرض في المتاحف وتُلهم العالم؛ لأنها قدّمت الجمال كما يُرى لا كما يُحكم عليه، وعبّرت عن الإنسان من خلال الطبيعة، لا من خلال التجريد. والمميز هنا أن هذه الأعمال على الرغم من عالميتها، فهي خالية من أي محتوى صادم أو مرفوض ثقافيًّا، بل تحتفظ بذائقة فنية نقية، متصلة بالعين والقلب.
الذاكرة فرشاة الفن
وفي ظل النهضة الثقافية التي نعيشها اليوم، وجدت نفسي أتساءل: بأي عدسة يجب أن ننظر للفن؟ كيف نُعبّر عن أنفسنا دون أن ننفصل عن ذاكرتنا؟ لم أجد إجابة أصدق من عدسة الذاكرة؛ ذاكرة الناس، والمكان، والصوت، والملمس. نحن العرب لم نعرف الفن بمعزل عن المعنى، ولم نتعامل معه على أنه أداة للانفصال عن الفطرة أو التعالي على الحس السليم. بل ظل الفن جزءًا من حياتنا اليومية، متجذرًا في طقوسنا، في عمارتنا، في ضيافتنا، وفي أشعارنا، يعكس اتزاننا ويُعبّر عنّا بلا مبالغة ولا ابتذال. ولهذا، ظل فننا ممتدًّا ومؤثرًا؛ لأنه لم يتجرّد من الإنسان، بل بنى عليه، وكرّمه من خلاله.
وإن كنا في هذا المقال قد استشهدنا بنموذج من المدرسة الانطباعية الفرنسية، ممثلًا بأعمال كلود مونيه، فلأنها نموذج فني راقٍ حافظ على صلته بالإنسان والطبيعة، دون صدام مع الفطرة أو تجاوز للذوق العام. ومع ذلك، فإننا نُقرّ بأن بعض أعمال هذه المدرسة قد لا تتفق مع قيمنا الثقافية، ونؤكد أننا لا نتبنى كل ما ارتبط بها من مضامين أو ممارسات، بل نستحضر منها ما يتقاطع مع رؤيتنا للفن: أن يكون حيًّا، متصلًا بالوجدان، نابعًا من التجربة، ومحكومًا بالمعنى.
إن الفن الحقيقي لا يتجرد من العقل، ولا ينفصل عن الرسالة، ولا يُصادم الإنسان في روحه أو أخلاقه. هو امتداد للوعي، وبناء للهوية، وترسيخ للذاكرة، ومتى انفصل عن هذه المرتكزات؛ تحوّل إلى صدى بلا صوت، أو شكل بلا روح. نحن لا نرفض الفن، بل نرفض أن يُفرّغ من رسالته، ونؤمن أن أجمل ما في الفن أنه يُحكى ويفهم ويُربّي، لا أن يُفسَّر بالقوة أو يُعرض على استحياء. الفن الذي نؤمن به، يُكتب بعقل، ويُرسم بإحساس، ويُقدّم للأجيال لا كصرخة عابرة، بل كحكمة باقية.
0 تعليق