جالسًا في شرفتك، والكوب الخزفي يدور ببطء بين راحتيك، وتحتك المدينة تتنفس بأنفاس سريعة متقطعة، سيارات تتسابق كحشرات مذعورة، أضواء متقطعة ترمش بلا معنى، وأصوات متداخلة تخلط الضحك بالصراخ بزمجرة المحركات، كل شيء يتحرك، لكنك تشعر بأن العالم يتجمد من حولك.
تأخذ رشفة من قهوتك، المرارة تنتشر على لسانك وكأنها طعم الوحدة ذاتها، تنظر إلى الأسفل إلى تلك الوجوه المارة؛ وجوه تحمل تعابير جاهزة كأقنعة وضعت بعناية، ابتسامات محسوبة بدرجات، لا تصل إلى العينين، عيون تبحث في الهواتف عن شيء قد تفتقده في وجوه من يقفون بجوارها.
هنا في وسط هذه الزحام، تشعر بغربة لا توصف، كأنك نسيج من ضباب في عالم من الحديد، هؤلاء الناس الذين يمرون، يلمسون أكتاف بعضهم، يتبادلون التحيات، يضحكون في الوقت المناسب، لكنك ترى الخيوط التي تتحكم بهم؛ علاقات تُبنى على مقايضة المصالح، كلمات تقال لتمرير أجندة، أحضان تخلو من الدفء.
تتذكر كيف كانت المقاهي قديمًا، حين كان الناس يلتقون وجهًا لوجه، يختلقون الأعذار للبقاء معًا، يتبادلون النكات التي لا معنى لها إلا أنها تملأ الجو دفئًا؛ أما الآن فكل لقاء يحتاج إلى سبب، كل محادثة تبحث عن منفعة، حتى الأصدقاء القدامى حين تلتقيهم، ترى نظراتهم تتجه إلى هاتفك، يقيسون مدى فائدتك، يحسبون كيف يمكن أن تُستثمر علاقتكم.
تُحدق في شاشة هاتفك المطفأة، ترى انعكاس وجهك عليها، من أنت حقًّا؟ هل أنت هذا الكائن الذي يُحدّق من الشرفة، أم أنت الصورة التي تضعها على منصات التواصل؟ تلك الصورة المصفاة المعدلة، المختارة بعناية لتظهر نسخة مثالية منك؛ نسخة لا تعرف المرارة التي تذوقها الآن، لا تعرف الوحدة التي تعيشها في وسط الملايين.
الوجود نفسه أصبح افتراضيًّا، لم نعد نعيش اللحظة، بل نعيش توثيق اللحظة، نبحث عن أفضل زاوية لتصوير طعامنا، نختار الكلمات المناسبة لنشرها، ننتظر الإعجابات والتعليقات كأنها غذاء لأرواحنا الجائعة؛ الحقيقي لم يعد كافيًا، يجب أن يكون قابلًا للعرض والاستهلاك.
تتساءل: أين ذهب الإنسان الحقيقي؟ ذلك الكائن العفوي الذي يخطئ ويضحك من قلبه، يغضب دون خوف من الحسابات، يحب دون شروط؟ لقد تحولنا إلى أشباح، أشباح تردد نفس الجمل المستهلكة، تلبس نفس الملابس، تتبع نفس الموضة، تستهلك نفس الأخبار، تكرر نفس الآراء.
حتى مشاعرك لم تعد ملكك تمامًا، أنت تحب ما يجب أن تحبه، تكره ما يجب أن تكرهه، تحزن عندما يتوقع منك الحزن، أصبحت عواطفك سلعة في سوق المشاعر العام. الفردانية التي يتغنى بها الجميع هي مجرد وهم، فنحن جميعًا نرقص على إيقاع خفي، نخاف أن نخطو خطوة خارج السرب.
الشارع تحتك لا يهدأ، لكن الصخب يزيد غربتك عمقًا؛ كأنك تشاهد فِلمًا صامتًا، ترى الحركة ولكنك لا تسمع الموسيقا، كل هؤلاء الناس يندفعون إلى مكان ما، لكنك تتساءل: هل يعرفون إلى أين يذهبون؟ أم إنهم يجرون خوفًا من أن يسألوا أنفسهم هذا السؤال؟
تأخذ الرشفة الأخيرة من قهوتك، التي أصبحت باردة برودة تناسب المزاج، تُغمض عينيك وتحاول أن تتذكر متى كانت الحياة أبسط؟ متى كانت الوجوه تعبر عما بداخلها حقًّا؟ متى كانت الصداقة تعني المشاركة لا المنفعة؟ متى كان اللقاء يملأ القلب لا الجيب؟
تفتح عينيك مرة أخرى؛ العالم لم يتغير، الوجوه لا تزال متجهة إلى الأمام، مبتسمة حين يجب أن تبتسم، جادة حين يتطلب الموقف الجدية، أنت أيضًا ستنهض بعد قليل، سترتدي قناعك، ستنزل إلى الشارع، ستبتسم للناس، ستقول الكلمات المناسبة.
لكنك تعلم أن شيئًا ما في داخلك قد تغير، هذه الغربة التي تشعر بها ليست لعنة، بل هي بصيرة ورؤية لما أصبحنا عليه، وربما في لحظة صمت نادرة، حين يخلو الإنسان إلى نفسه، يدرك أن الحل ليس في الهروب من الوحدة، بل في احتضانها؛ لأنها في عالم من الأشباح قد تكون آخر ما تبقى من إنسانيتك.
تنهض وتدخل إلى الشقة خلفك، تبقى المدينة تتنفس بأنفاسها السريعة المتقطعة، لكنك تحمل معك سؤالًا: إذا كنا جميعًا أشباحًا، فمن الذي يلحظ أننا أصبحنا كذلك؟
0 تعليق