لطالما اعتقدتُ أن جملة: «كان يومي غريبًا» ليست إلا ستارًا شفّافًا نُسدلُه على حادثةٍ وحيدةٍ لا تحتمل هذا الاتساع، ثم نمدّ الغرابة على اليوم كلّه كمن يفرش ظله على أرضٍ أكبر منه، فالنفوس تميل إلى تضخيم اللحظة، ليس لأن الحدث يستحق بالضرورة، بل لأنها تبحث دائمًا عمّا يبرّر اضطرابها، فتجد في المبالغة طريقًا لتفسير ما لم تستطع فهمه بعد. لكنَّ الثالث من نوفمبر من هذا العام كان حقًّا يومًا غريبًا من أوله، قليله كان كثيرًا على يوم لم يمضِ نصفه بعد.
في الصباح قبّلني ولدي قبل أن يخرج. ابتسمت مستغربة ومطالبة بقبلة أخرى، فالتفت إليّ ضاحكًا، وغمازتان تتأرجحان على خديه، ثم تابع خطواته نحو باب الشقة. هو لا يقبّل عادةً، يقتصد في إظهار عاطفته كما لو أنه يخشى أن تُهدر. يمنح العناق فقط في صباحات العيد، وحتى حين يحتضن، يكون حضنًا محسوبًا، كنفحةٍ لا يريد لها أن تتحوّل إلى عادة.
مضيتُ إلى فريق الغوص وأنا أُسكت ارتجافًا مجهولًا في داخلي: أكرر «وحيدي بخير»، ولا سبب غامض خلف تلك القُبلة! ربما هو عاشق، والعاشق حين يفيض حبه يقبّل حتى جدران البيت. قلت لنفسي سأسأله الليلة إن كان واقعًا حقًّا في الحب. ألقيتُ نظرة خاطفة على مرآة السيارة قبل أن أغادرها، لم أرَ وجهي؛ رأيت خوفي الغامض، نفضت رأسي وأنا أكرر الجملة ذاتها كتعويذة تلمّ المجهول:
«ابني بخير… ابني بخير».
هذه إذن عواقب الأشياء النادرة حين تقع فجأة حتى لو كانت مجرد قبلة:
ارتباكٌ يطفئ بوصلة الدماغ، وفتورٌ يسحب الحرارة من الملامح، وضبابٌ يجثم على التركيز حتى يجعل أبسط المهارات تبدو بعيدة، إلى حدّ أنني نسيت جهاز الصعق الذي نحمله لمواجهة أي هجوم محتمل في البحر، وهو شيء لم يحدث معي من قبل قط.
ما يُغتفر على اليابسة، لا يُغتفر في البحر، فهناك يصبح النسيان خطيئة لا نجاة منها. فالبيئة زلقة، تبدو هادئة على السطح، لكنها تحتفظ ببربريتها في الأعماق، وخطأ صغير أو سوءُ فهمٍ قد يطلق سلسلةً من المصاير لا يمكن وقفها، ولهذا ابتكر الغواصون لغةً صامتة، إيماءات مشتركة بين من يتنفسون عبر الهواء المضغوط:
دائرةُ الإبهام والسبابة تعني: «كل شيء بخير». وحركةُ اليد إلى الداخل تعني: «تعال هنا، ثمة ما يستحق النظر عن قرب». أمّا رفعُ الكف فهي وصيّة عاجلة: «قف حيث أنت، لا تتقدّم». لكن ما تلقّيته ذلك اليوم لم يشبه أي إشارة تلقيتها من قبل. كانت كف صديقتي مفتوحة فوق رأسها، حرّكتها للأمام والخلف لتشير لشكل زعنفة، إشارةٌ لا يستخدمها الغواصون إلا ليقولوا: «الموتُ قريبٌ منك… احذر!». ثم أشارتْ بإصبعين نحو عينيها، ثم صوب كتفي الأيسر، بمعنى «شاهديه هناك». وهذه كانت خطيئتها! فالإشارة إلى جهةٍ ما تُجبِر الجسد على الالتفات بدون وعي منه، وتُجبِر الخوف على كشف عنقه أمام ما يفزع نظره. ها أنا أستدير، فإذا بما يقارب أربعة أمتار من الجسد المنحني، تسبح بجواري، هو كبير بما يكفي ليزرع الرهبة في قلب أي غواص. بالالتفاتة المفاجئة التي أحدثتُها، كنت قد أعلنت نفسي له كشخص غريب الحركة، مثير للفضول، وربما للتهديد، والقروش بطبيعتها تميل للاقتراب حين ترى حركة غير معتادة أو غير متوقعة. إنها بخلافنا لا تهرب.
تفشى خوفي من حولي كما يتفشى الحبر في كأس ماء صافٍ، فأنا حتى بلا حائط مرجاني ألوذ به في مكاني. وقف بجانبي مباشرة، وعيناه تحت الضوء الخافت تلتمعان كمرآة سوداء، باردتان، ثابتتان، كأنهما تقيساني، تزنان كل حركة، وتحددان ما إذا كنت تهديدًا أم مجرد ظل فضولي يعبر عالمه. عرفت سر الرهبة التي تشل الغواصين عند مواجهته: تركيزه اللاهث، وهدوءه المخيف في الوقت ذاته، كما لو كان البحر نفسه يراقبني عبر عينيه. لم أفعل شيئًا سوى كتم أنفاسي. كنت أعلم أن تسارع نبضي كفيلٌ بأن يجعلني فريسة؛ لذلك أغمضتُ عينيّ بكل قوة، كمن يُطفئ العالم كله لحظةً واحدة ويستدعي مشهدًا واحدًا فقط، إمّا ينجّيه، وإمّا يرافقه في موته.
طفا المشهد من الخبايا المنسية، لربما لو كنت في أمان على اليابسة ما تذكرته:
ضياء… في عامه الأول، كان يلعب من حولي بينما أفترش الأرض بدفاتري وكتبي، وما زلتُ حينها طالبةً. فجأة صار قريبًا جدًّا، تسلّق ركبتي وتمسّك برأسي، وساقاه الممتلئتان ترتعشان أمامي. اعتدل فجأة في وقفته، ثم أفلت رأسي، وخطا خطوة صغيرة باتجاه كتفي الأيسر. كنتُ يومها لا أعرف عن الأمومة والتربية إلا بقدر ما تعرفه السلحفاة عن السرعة. لم أرضعه، وكان ذلك يمنح حماتي فرصة متكررة لتقول: «لا يعرف رائحتك، لا يحبك؛ لذلك يبكي كلما حملته».
تجمّدتُ في مكاني، أخشى أن أُفزع لحظة خطوته الأولى. ها هو ولعابه ينساب ويسقط كعدسةٍ مكبّرة فوق الكلمات في دفتري، فالحماسة أنسته أن يغلق فمه. وقدماه… يا الله… ما أحلى قدميه! قطعتا خبزٍ أبيض، طريتان، مخمّرتان، منفوختان كالإسفنج، لم يمسّهما بعد فرنُ المشي في الدنيا.
ثوانٍ فقط، ثم اختلّ توازنه وسقط فوق دفاتري، وعندها التقت أعيننا وضحكنا معًا، لحظة واحدة، صغيرة وعظيمة، تتسع بحجم الكون. ضحكةٌ فهمتُ فيها قدَر ما ستكون عليه علاقتنا: سيظلّ هكذا يدهشني ويُربكني في اللحظة نفسها، وسأبقى تلك الأم التي تصلُ متأخرة إلى مشاهد طفولته وبلوغه… أحبّه، وأخيط فجوات تقصيري بخيوط حضورٍ أخشى دائمًا ألا يكفي، فأزداد غيابًا لأن الخيبة تأكلني.
ربما بكيتُ خلف قناع الغوص، ذلك اللوح الزجاجي الذي يحدّق في العالم بصمتٍ بارد، كنافذةٍ لا يعنيها ما يعوم حولها من خوفٍ أو حنين. بكيتُ لأن قبلة الصباح عادت إليّ في العتمة المائية كخيط ضوءٍ تائه، قبلةٍ ظننتها قصة حب طارئة، قبل أن أدرك بعد فوات الوقت أنها كانت إيماءة وداعٍ تختبئ تحت بساطة اليوم. خفتُ، خفت جدًّا.. لا من موتي، بل من أن يظلّ وجه غيبتي مطبوعًا على ذاكرته أكثر من وجهي الحي. أردتُ فقط أن يتذكر حرارتي، لا غيابي البارد؛ أن يمضي دون أن يجرحه حنينٌ لا أعرف كيف أواسيه عليه.
يقال: إن الوقت ليس حقيقيًّا وإنه مجرد نظرية تخيلها العلماء؛ لذا لا أعرف كم أمضيت منه في تلك الذكرى البعيدة، ففي البحر تصبح الأشياء مختلفة. لكنني كنت متيقّنة لحظتها أنه أطبق فكه على مكان ما في جسدي، وأن عظامي برزت كأغصان شجرة حادة، وأنني لا أستطيع الإحساس بأي من هذا كيدٍ قُطِعت من المعصم للتو… لا بد أنه يجرني في تلك اللحظة إلى مقبرة البحر الشاسع.
آنذاك كنت أُسحب للأعلى، شعرت بالماء يتكسر من حولي؛ لذا فتحتُ عينيّ، فبدت زرقة الأعماق تتخلخل، وشيءٌ من بياض السحب يهبط نحوي كعلامةٍ لقرب سطح البحر.
هناك، في تلك المسافة المعلّقة حين تجمدت مكاني، ومال القرش مبتعدًا للجهة اليمنى، اندفعت زميلة الغوص نحوي، كأن الحياة تداركت خطأها سريعًا، فاستعجلت إرسال رسولها المغيث. شدّتني بقوةٍ نحو الأعلى، وهي تحمل في يدها جهاز الصعق… أداة النجاة التي لا نستدعيها إلا حين تضيق حدود فرص النجاة.
حينها اخترقنا السطح، واندلقت الحياة على وجهي كهواءٍ مُستعاد، فغرقت في السعادة ضعف ثواني العمر الذي مضى، وأنا أضحك ضحكة الشفقة على نفسي، وهي المفضلة عندي. أما صديقتي فكانت تمسح جبينها بظاهر كفها دون أن نتبادل الكلام، فقلة الكلام هي الأنسب في مواقف كهذه.
لقد نجوت… نزعتُ قناعي، وسمعتُ أنفاسي تتصاعد بقوة. إنها الحياة مرة أخرى إذًا، حياة تشبه البحر، تخفي نهاياتها في عمق لا يبلغه حدسٌ ولا استعداد مسبق، نظن أننا وصلنا إلى آخر المدى، فنكتشف أن النهاية ليست نهاية، بل طبقة أخرى من طبقات الطريق. في اللحظة التي نظن فيها أن الحكاية أغلقت أبوابها، تفتح الحياة شقًّا دقيقًا لا يُرى، شقًّا يمرّ منه نفس واحد.. شهقة واحدة، لكنها كفيلة بأن تعيدنا إلى العالم من جديد.
0 تعليق