المقالات الأخيرة

وصفتان لتطوير علومنا السلوكية: الاطراد والتجريب

وصفتان لتطوير علومنا السلوكية:

الاطراد والتجريب

العلوم السلوكية Behavioural والذهنية Cognitive تطورت تطورًا مذهلًا في العقود الماضية، وانتقلت من كونها: تأملات فلسفية أو خواطر نفسية أو شذرات أدبية حول «الطبيعة البشرية»، إلى علوم متحاقلة (=بينية) تعتمد على: البيانات الدقيقة والملحوظات المتراكمة والأدلة الصلبة، بما في...

«رغم أنهم قد أحبوا، فـإنهم قتلوا أحبــــابهم»

«رغم أنهم قد أحبوا، فـإنهم قتلوا أحبــــابهم»

في بداية علاقتي بالكتابة، كانت جملة «اقتل أحباءك» أو «اقتلوا أحباءكم»، Murder your darlings التي سمعتها على لسان العديد من أصدقائي الكتاب، وتعبر عن اتجاه متقشف في الكتابة من دون زخارف جمالية، والتي قالها الروائي الأميركي وليم فوكنر لإرنست همنغواي، سواء في سياق مباشر...

العبودية الفكرية الحديثة: بين أوهام التحرر وهيمنة الخطاب الدولي قراءة في تواشج القانون والمعرفة والسلطة

العبودية الفكرية الحديثة: بين أوهام التحرر وهيمنة الخطاب الدولي

قراءة في تواشج القانون والمعرفة والسلطة

في عالم اليوم، يعيش الإنسان حالة متناقضة من الحرية المقنّعة؛ فهو يخال نفسه حرًّا بينما تتسلل القيود الخفية إلى وعيه عبر الخطاب المؤسسيّ، والشاشات، وسائل الإعلام، والشبكات الاجتماعية، والبرامج التعليمية، والقوانين الدولية التي تُعرض كمعايير مطلقة. هذه الظاهرة، التي...

«كيفك أنت زياد الرحباني» لإبراهيم عبدالفتاح طفل ينظر إلى العالم من نافذة مائلة

«كيفك أنت زياد الرحباني» لإبراهيم عبدالفتاح

طفل ينظر إلى العالم من نافذة مائلة

تصنف منشورات بتانة كتاب «كيفك أنت زياد الرحباني» للشاعر إبراهيم عبدالفتاح، الصادر حديثًا، أنه كتاب «سيرة». فهل كتب الشاعر المصري سيرة الموسيقار الراحل؟ أم إن إبراهيم عبدالفتاح يكتب سيرته التي ربما تقاطعت في بعض جوانبها مع حياة زياد الرحباني؟ انتفت تساؤلاتي بعد قراءة...

حين يُنصت الشعر إلى نفسه… ويطمئن العالم

حين يُنصت الشعر إلى نفسه… ويطمئن العالم

ما مستقبل الشعر؟ لا يسأل المرء عن مستقبل ما لم تتزعزع ثقته به، ولا يتأمل مصير ما لم يُخَيَّل إليه أن الظلال بدأت تُزاحم الضوء؛ لذلك يبدو سؤال مستقبل الشعر أشبه بقلق طارئ، أو رعشة خاطفة تصيب يدًا تمسك بقنديل لم يُطفأ يومًا، حتى حين بدا وهجه ضعيفًا في أعين من ظنوا أن...

مارغاريتا فيرّيراس:

الصوت النسائي المفقود بين أجيال الثلاثينيات الإسبانية

بواسطة | مارس 1, 2026 | ثقافات

في إحدى ليالي مدريد الهادئة، قبل أن تعلن الحرب الأهلية عن نفسها، وحين كان الغموض يختلط بانتظار المستقبل المجهول، صعدت إلى المنصة فتاةٌ شابة تُدعى مارغاريتا فيرّيراس، يدهشها شيء من رهبة المكان قبل أن تبدأ بقراءة قصائدها. وقف الحضور متجمدين، لا يعرفون إن كانوا يسمعون كلمات أم يشهدون ولادة روح، كأن صوتها يخرج من أعماق الليل، ملتويًا كسمكة على اليابسة، تتقاذفها أمواج قدرها القاسي، ثم ترميها من دون رحمة على صخرة الواقع المنسيّ. ومن مجموعتها الشعرية الوحيدة، «سمكة على اليابسة»، كانت تتلو هذه الكلمات التي خرجت محروقة من قلبها: «بسيل غائب من الدموع والدماء… قلبي ينفتح في شقوق من الاحتقار».

بدا المشهد آنذاك إعلانًا عن ميلاد أسطورة نسائية جديدة في العصر الفضي للأدب الإسباني، غير أنّ هذا الضوء الساطع لم يلبث أن خفت فجأة؛ إذ غاصت الشاعرة في صمتٍ غامضٍ لم يزل يثير دهشة الباحثين حتى اليوم. فلا نعرف، حتى هذه اللحظة، نهاية واضحة لحياتها، تاركةً اسمها يغوص في صمتٍ عميق، كأنّ أمواجًا عنيفة مرّت فوق ملامح شبابها ومَحَت أثرها. ومع ذلك، فإنّ العقود الأخيرة شهدت عودة قوية لاسم فيرّيراس؛ فقد أعاد النقاد والأكاديميون بناء «الميثولوجيا» المحيطة بها، مؤكدين أنها «من أكثر الشاعرات تفرّدًا في الأدب الإسباني الحديث»، وأن أصالتها الشعرية كانت أعمق مما سمح
به سياق زمنها.

إنّ إعادة إحياء سيرتها تكشف لنا أهمية التنوع التاريخي في تشكيل وعينا الثقافي؛ فهي تتيح لنا فهمًا أعمق لقصصٍ طال إقصاؤها، وتدفعنا للتساؤل عن أصوات أخرى أهملها التاريخ عن عمد أو جهل. إنّ معرفة معاناتها وإنجازها تُلهِمُ القرّاء والنقاد معًا البحثَ في طبقات الماضي التي ظلّت مُهمَّشة. فحضور مارغاريتا فيرّيراس اليوم يذكّرنا بأن الثقافة تظلّ ناقصة ما لم تُسمَع جميع الأصوات، خصوصًا تلك التي انبثقت من موجات النسوية الأولى في تاريخ الأدب الإسباني، قبل أن يبتلعها الصمت دهورًا.

المرأة في عالم الكتابة والثقافة الإسبانية

طوال النصف الأول من القرن العشرين، كان صخبُ الأقلام الذكورية يهيمن على الساحة الأدبية الإسبانية، فيما ظلّت أصوات النساء غالبًا مركونةً في هامش التاريخ، كأنها تُحتجز في قبوٍ لا تصل إليه الذاكرة. ومع ذلك، شهدت تلك الحقبة نهضة لافتة في تعليم المرأة وثقافتها؛ إذ افتُتحت في مدريد دار «رعاية السيدات»، برئاسة ماريّا دي مايثتو، فغدت فضاءً معرفيًّا رحبًا يحتضن الطالبات المثقّفات، وتزدهر فيه مناقشات الأدب والسياسة بين جدرانه. وفي السياق نفسه، تأسّس نادي «ليثيوم» النسائي ليكون منبرًا حرًّا تُلقى فيه المحاضرات وتُدار الحوارات التي تشجّع على التفكير المستقلّ، وتمنح النساء موقعًا فاعلًا في المشهد الثقافي.

ومن هذه البيئة المتحركة وُلدت موجة «لاس سينسومبريرو» أي «اللاتي بلا قبّعة»، وهو المصطلح الذي أعاد إحياءه الفِلمُ الوثائقي الذي يحمل الاسم نفسه الصادر عام 2015م ليشير إلى المبدعات الإسبانيات المنتميات إلى جيل 27 (1920–1927)، اللواتي ظلّت مساهماتهن مهمّشة في المختارات الأدبية والكتب المدرسية لعقود طويلة. ففي الوقت الذي ارتفعت فيه أسماء غارثيّا لوركا وبيلاثكو وغيرهما في كتب التاريخ، بقيت أسماء مثل كونتشا مِنديث، وإرنستينا دي تشامبورثين، وماريّا تيريزا ليون طيَّ الإهمال، لا يُعاد اكتشافها إلا بعد زمنٍ طويل من الغياب.

بيريث جالدوس

في هذه الأجواء غير المتوازنة، برزت مارغاريتا فيرّيراس في مدريد ناشطةً ثقافيّةً وصوتًا شعريًّا يتشكّل خارج القوالب السائدة، مُصِرّةً على أن تشقّ لنفسها مكانًا بين أبناء الجيل الفضي (جيل 27) بلغةٍ شعرية متفرّدة. وكانت حاضرةً بقوة في أهم التجمعات الثقافية آنذاك؛ تحضر لقاءات خوان رامون خيمينيث، وتشارك في أمسيات «الأتينيو» المدريدي، حيث توثّقتْ صِلَاتُها بعدد من أبرز الأسماء المؤثرة والشخصيات الأدبية والسياسية الرائدة في عصرها، مثل: بينيتو بيريث جالدوس، وميغيل دي أونامونو، وماريّا دي مايثتو، وأليخاندرو ليروكس، والْتَقَتْ -في مناسبات متفرِّقة- مانويل أثانيا وآثورين.

لم تكن فيرّيراس تخجل من جذب اهتمام محيطها؛ بل برعت في نسج شبكة واسعة وقوية من العلاقات الأدبية والسياسية، وتركَت أثرًا لافتًا بين النساء المنتسبات إلى جيلها اللواتي وصفنها بأنها «ديفا» تهبط السلالم بخطى واثقة، متألقةً في ثياب حريرية فاخرة تُشبه حضورها الشعري الجريء.

إنّ نهضة الكتابة الأنثوية في إسبانيا آنذاك كانت لا تزال قيد التأسيس. ولعلّ الوعي النسوي والحركة النسائية الناشئة -على الرغم من محدودية أثرهما في ذلك الزمن- قد بدآ يدفعان الآن باتجاه استعادة كل صوت نسائي مُهِمّ طُمِر في الأدب أو ابتلعه النسيان. وهذا ما تؤكده الصحفية كارولينا بيتشارومان في مقالها المنشور بموقع التلفزيون الإسباني الإلكتروني في إحصائية ثقافية، فتقول: «مزيدًا من أسماء النساء يظهر اليوم على رفوف الكتب، ليس في قسم الإصدارات الجديدة فحسب، بل في طبعات جديدة وإعادة طبعات مختلفة. يبدو أنّ حقل النشر يُلبّي طلبًا متزايدًا من قارئاتٍ يبحثن عن أصواتٍ نسائية ظلّت محبوسة في طيّات النسيان لسنوات».

ويُسهِم الوعي الذاتي المتنامي لدى النساء، الذي تعزّزه الحركة النسوية، في جهود استعادة الكاتبات اللواتي جرى تجاهلهنّ أو إسكاتهنّ بفعل التمييز الجنسي في تاريخ إسبانيا الحديث. وفي ظلّ هذه الموجة الاحتفائية المعاصرة، حصدت أعمال كاتبات جيل الثلاثينيات والسبعينيات اهتمامًا متجدّدًا. وهنا تبرز قصة مارغاريتا فيرّيراس؛ شاعرةٌ خرجت من عالمٍ منحها فرصة تعليمٍ نادرة، وكانت تأمل أن يحميها مناخُ التسامح الذي حملته الثورة الجمهورية، غير أنّ ذلك لم يدرأ عنها ما انتهت إليه من عُزلةٍ وتعاسة.

مسيرتها الأدبية

وُلدت ماريّا مارغاريتا فيرّيراس لورينثو في 26 فبراير 1900م بمقاطعة ثامورا، ثم انتقلت مع أسرتها إلى مدريد عام 1905م بعد وفاة والدها. وقد تلقَّت تعليمًا متينًا منذ طفولتها، فنالت «دبلوم الشرف» من مدرستها، وهو ما يكشف عن نبوغ مبكر. وفي بدايات شبابها شاركت في فعاليات نادي ليثيوم النسائي، حيث احتكّت ببيئة ثقافية نسوية حافلة بالنقاش والإبداع. برزت موهبتها الشعرية بوضوح عام 1932م حين نشرت مجموعتها الشعرية الوحيدة «سمكة على اليابسة». وقد أسهمت في إخراج هذا الكتاب إلى النور نخبةٌ من الكُتّاب مثل: كونتشا مِنديث ومانويل أتولاجيّري اللذين قدّما قصائدها عبر مطابعهما الشهيرة.

ماريّا تيريزا ليون

تميّز هذا الديوان بنبرة عاطفية واعية؛ فقد انغمست فيرّيراس في الموضوعات الوجودية والشخصية بعمق، مستندةً إلى إيقاع قريب من الشعر الشعبي في بساطته وموسيقاه. اتّسمت قصائدها بجرأة لافتة: تنزلق نحو السريالية، وتهزّ قواعد الشعر التقليدي، وتضاعف التركيز على موضوعات كانت غير مألوفة آنذاك، مثل الحب والهوية والحلم والحرمان الجسدي، بِنفَسٍ عذْبٍ يلامس أعماق الحسّ. ويُجسِّد عنوان الديوان «سمكة على اليابسة» روحها الحالمة المختنقة؛ روحٌ تبحث عن ماء وجودها وسط صحراء الوحدة. وهي صورة ظلّت تردّدها قولًا ومجازًا في مواضع متعددة من شعرها. ومن ذلك قولها الشهير: لن أموت وأنت حيّ/ جذوري تتمدّد بيأس/ أنت الماء، وأنا أبحث عنك/ أتلوّى كسمكةٍ على اليابسة حين تمرّ بجانبي.

وتكشف العبارات المتتابعة في الديوان عن زفرات الشاعرة الإبداعية: جذورٌ تمتدّ من دون نهاية، وعطشٌ إلى شخصٍ تتصوّره ماءً، وشعورٌ بالاختناق على اليابسة حين يمرُّ ماءُ الحياة بمحاذاتها. هذا الأسلوب الشعري ذو النزعة الصوفية، المفعم بالتناقضات، جاء جديدًا في طابعه؛ إذ اعتادت فيرّيراس أن تمزج السريالية بالاستعارة الجريئة مزجًا بارعًا. وقد خلص الباحثون إلى أن «أعمالها تقوم على ركيزتين أدبيتين رئيستين: السريالية من جهة، والتعبير عن الشبق الحسي من جهة أخرى»، وهي تركيبة نادرة بين أقرانها في تلك الحقبة. ولم يقتصر الأمر على ملحوظات الباحثين؛ فقد وصف الناقد أنطونيو دي ليثاما شعرها بأنه «حسّيّة مفرطة حتى النشوة»، وهو ما زاد من سمعتها «الفاسدة» في أعين المجتمع المحافظ، وأسهم في صناعة خصومٍ أسكتوها في نهاية المطاف.

على الرغم من الاستقبال الحماسي الذي حظي به الديوان عند صدوره الأول والوحيد عام 1932م -بل إن معاصريها عدّوه «كتابًا عظيمًا من الشعر»- فإن مصيره لم يتجاوز طبعة محدودة من 250 نسخة، ولم يَبْقَ منها سوى بِضْع نُسَخٍ نادرة بين أيدي المهتمين. وقد اضطُرّت فيرّيراس لاحقًا إلى الانخراط في معترك الحياة بعيدًا من بريق الوسط الأدبي؛ فنشأت التحديات والتباينات الكبرى تحت وطأة النظام القائم بعد الحرب. غير أنّ الإرث الحقيقي لديوانها الصغير ظلّ مطمورًا حتى انبثقت الثورة النسوية، وأُعيدَ اكتشاف كتابات ذلك الجيل المهمّش.

حاملات اللواء النسائية

تُعَدُّ فيرّيراس صوتًا نسائيًّا مميّزًا تمازج مع تيّار (جيل 27) الإسباني من دون أن تكون من مؤسّسيه الأساسيّين. وفي مدريد الثلاثينيات، انخرطت في الأوساط الثقافية الموازية لدوائر هذا الجيل الفضّي؛ فحضرت احتفالات الذكرى المئوية لغونغورا، واندفعت إلى نوادي الشعر الحديثة، وتبادلت الرسائل مع كبار الشعراء. ولعلها كانت امرأة تعرف الجميع، غير أنّ الجميع لم يكن يعرفها، أو كان يتظاهر بعدم معرفتها.

مانويل أثانيا

تروي مارغاريتا أوثيلاي، التي كانت عائلتها تنتمي إلى الدائرة المقرّبة من غارثيّا لوركا: «كانت السيّدات يحاولن تجنّبها، ولكن من دون جدوى؛ إذ كانت تلفت الانتباه دائمًا». وتشير كذلك إلى أنها كانت تفرض حضورها أينما حلّت، وتغتنم أي فرصة لإلقاء قصائدها. أما الكاتب فرانثيسكو أيالا، فيقول: إنها كانت «معروفة للغاية في مدريد»، ويصفها بأنها أقرب إلى مغنية أوبرا في طلّتها؛ إذ كانت تستقبل ضيوفها نازلةً الدَّرَج «بهيبة»، مرتديةً ثيابًا مطرّزة بالحرير، كما لو كانت نجمة سينمائيّة.

لم تلتمس فريراس حدودًا للتعبير: فقد تحدّت الأعراف الصارمة؛ ففي هذا السياق تبرز حكاية طريفة -تعكس افتخارها العلني بوجودها وبطبيعتها الحرة- تعود إلى عام 1930م، ونجدها بين سطور مراسلات مانويل أثانيا؛ إذ يروي فيها كيف نعتت زوجته فيرّيراس بـ«الوقاحة» بعدما أثارت لغطًا واسعًا بسؤالها عمّا إذا كان رئيس الجمهورية الثانية «مثيرًا». وكانت جرأةٌ كهذه كفيلة بأن تجعلها محور أحاديث الطبقة الراقية في مدريد مطلع القرن العشرين، وتُفسِّر -في الوقت نفسه- ذلك الجفاء الاجتماعي الذي أحاط بها لاحقًا، حين لم تجد يدًا تُمَدّ إليها في أشد أوقات فقرها ومرضها.

تُوصَف فيرّيراس اليوم ضمن «المُنتفِضات» من الشاعرات الإسبانيات اللواتي انتظرن عقودًا طويلة لاقتناص اهتمام الأجيال الجديدة. وحين بدأ إحياء تراثها في القرن الحادي والعشرين، وُضعت ضمن مساعي إعادة رواية التاريخ الأدبي؛ فقد أُدرجت أعمالها في مجموعات ومختارات خاصة بأدباء جيل 27، كما أُعيد طبع ديوانها الوحيد. وقد أشار بعض الباحثين إلى أنها كانت «آخر شاعرة يُعاد إنقاذها» من بين عددٍ كبير من الشاعرات المغمورات اللواتي «ينتظرن العودة من الصمت عبر حدود النسيان التي احتجزتهنّ طويلًا».

فيرّيراس والحرب الأهلية الإسبانية

لم ينجُ عصر فيرّيراس من أزمات الجزيرة الإيبيرية، فقد عانت قبل الحرب الأهلية بداياتِ توابعِ الصحةِ النفسية؛ وكانت الأزمات تزداد مع انطلاق الحرب الأهلية عام 1936م. تلخص نصيبها في معاناة عاشتها في أثناء سنوات الصراع: فقد عاشت وقتًا في فالنسيا وسط فوضى الحرب، وتفاقمت آلامها النفسية في تلك الحقبة. وفي أثناء الحرب، كتب مانويل أتولاجيّري في مذكراته أنه وجدها «فاقدة للعقل» في العاصمة المؤقتة، وهو ما يؤشر إلى تدهور حالتها العقلية.

وما تنفكّ الوثائق المستجدّة تكشف طبقات جديدة من سيرتها اللاحقة؛ ففي دراسة حديثة تُعرف بـ«السطور الملتوية لمارغاريتا فيرّيراس»، للباحثة بجامعة لاريوخا الدولية روزا ماريّا كوردوبا فيرنانديث، أُبرزت دلائل تشير إلى أن سنوات ما بعد الحرب كانت حالكة الوطأة عليها. فقد أمضت الشاعرة عقودًا تالية للصراع متنقلةً بين مصحات وعيادات نفسية مختلفة تتكفّل الدولة بنفقاتها، ويُذكَر أنها تلقّت إعانات من مجلس ثامورا الخيري. وهكذا تبدو تلك المرحلة زمنًا خاليًا من أي إنتاج جديد، غاصت خلاله فيرّيراس في صراع مرير بين اليأس والإقصاء.

ومن المؤسف أن المرأة التي أفرغت في قصائدها معاناة الآخرين، وجدت نفسها منبوذة خلف جدران لا تُطلّ على أي بارقة للخلاص، تشكو عجزها الصحي ووحدتها الاجتماعية. وقد أصبحت هذه الأوضاع لاحقًا مفتاحًا رئيسًا لتفسير صمتها الطويل. ففي رسائلها الموجهة إلى أونامونو كانت تبحث عن ملاذٍ من اضطراباتها وهواجسها؛ حتى وصفها معلّمها الشعري بأنها «سمكة على اليابسة» تُحاول أن تشقَّ طريقًا في بئر النسيان.

الكشف المتأخر عن إرثها وتأثيرها اللاحق

حين انقشع غبار الحرب ببطء، اكتشف الباحثون حكايات جديدة عن فيرّيراس؛ فقد أُعيد طباعة ديوانها عام 2016م بجهود محقق الشؤون الأدبية فران غارثيرا، الذي أرفق التعليق التمهيدي والإضافات الوثائقية، مقدمًا لمحات من حياة كان يغشاها الغموض، إلى جانب روايات جديدة تمامًا نتجت عن بحث معمّق: أصولها، وحياتها في مدريد، ومراسلاتها غير المنشورة مع ماريّا دي مايثتو، ما ألقى الضوء على سيرة ذاتية ظلت محاطة بالأسرار.

ومن نتاج مقدمة هذا العمل ظهرت وثائق نادرة، من بينها ثماني رسائل أرسلتها إلى أونامونو بين (1933: 1935م)، تروي فيها إحساسها بالوحدة واليأس، فقالت: «سأبقى وحيدةً ومهجورة ومريضة…؛ حتى أغوص في حلم بئرٍ من النسيان». وبيّنت الوثائق أن قصتها الشخصية لم تكن كما ذكرت مذكرات أتولاجيّري؛ فقد لُمح في المذكرات إلى اسم «كاينيدو» من طريق الخطأ، بينما ثبت أن اسمها الحقيقي هو فيرّيراس.

ألمودينا غرانديث

باتت ماريّا مارغاريتا فيرّيراس اليوم محورَ دراسات أكاديمية ومشاريع فنية تسعى إلى إعادة تقويم حضور النساء في تلك الحقبة. فإلى جانب إعادة طباعة أعمالها -ضمّتها مختارات شعرية حديثة من بينها مجموعات تُعنى بشاعرات «الجيل الفضّي»- بوصفها صوتًا مُلهِمًا لمن جِئْنَ بعدها. ومع أنّ سيرتها لم تتحوّل بعدُ إلى رواية أو فِلْم مستقلّ، فإنّ الاهتمام الثقافي المتنامي بالكاتبات المنسيّات منح اسمها حضورًا جديدًا، ولا سيما ضمن السلاسل الوثائقية والمشروعات البحثية التي أبرزتها حركة «اللاتي بلا قبّعة». وإذا تجاوزنا دائرة أهلها ورفيقات مسرحها القديم، رأينا أثرها يمتدّ إلى فضاءات أوسع، ورأينا كاتبات معاصرات مثل ألمودينا غرانديث وسواها يَستعِدْنَ إرثًا نسويًّا ممتدّ الجذور، بدأ ضوؤه يخرج من شعر فيرّيراس، كاشفًا ما ظلّ طويلًا مطمورًا تحت أمواج النسيان.

في الختام، تجسّد ماريّا مارغاريتا فيرّيراس صوتًا نسائيًّا متقدًا تحدّى أمواج العزلة التاريخية. فقد كانت في زمانها «شمعة» أدبية تنير أدب نساء جيلها الفضّي، وإن خمد ضوؤها لسنوات طويلة. واليوم، حين أعاد الباحثون ديوانها إلى الوجود وأبرزوا بقايا قصصها؛ أَدرَكَ القُرّاءُ أن ماضيَ الأدبِ غنيٌّ بكثير من النساء اللواتي خطفن الضوء، ثم تلاشت أصواتهن. وبعدما استعادت مكانها البهي بين شقائق النعمان الشعرية، يمكننا القول: إن صوتها لم يَمُتْ حين تخلّصت أورُبا من الحروب، بل بقي نَغَمُه في الفضاء الأدبي يُنتظَر بشغفٍ. رسمت برسالتها الشعرية دربًا للمبدعات، عابرةً حدود النسيان، حاملةً تطلعات أجيال من القارئات اللواتي يدركن اليوم أن «كلّ صوتٍ يستحق الإنصات مهما طال الصمت حوله»، وأن الثقافة غير مكتملة ما لم تُسمَع جميع الأصوات.

المنشورات ذات الصلة

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *