كأن الكاتبة السعودية كفى عسيري، بعنونتها لقصص مجموعتها الرابعة (دار أدب) بأسماء نكرة، تعني أن القصة التي تقدمها هي واحدة من قصص أخرى كتبت سابقًا أو قد تكتب لاحقًا تحت العنوان نفسه. وبناء على ذلك أعتقد أن العنوان الأنسب لقصة، مثل «رابعة» هو ضباب لأنها تتحدث عن الحنين إلى منطقة أبها وضبابها: «ذلك الارتباط بتلك الأيام الأبهاوية الضبابية الممطرة راسخ في قلبها وروحها وذاكرتها». ولعل الكاتبة اختارت عنوانًا آخر للقصة؛ لأنها سبق أن استخدمت عنوان «ضباب» لقصة أخرى تتحدث عن راعية «تخلع كنزتها الصوفية. تدفي الجدي المولود قبل هطول المطر وزحف أمواج الضباب». ثم تتحدث عن رجل مختبئ بين أغصان شجرة يتلصص عليها بينما هي تبحث عن قطيع الضأن، وعندما تصل إلى هذه الشجرة وقد سمعت أصواتًا تصدر من تحتها «تتقدم متأملة أنها ضأنها. تخرج لتعود بعد أشهر تدفن خطيئتها هنا». لم تقل الكاتبة في هذه النهاية لقصتها إلا القليل، لكن المتلقي سيدرك أن الراعية تعرضت للاغتصاب من قبل الرجل فحملت منه، ثم أجهضت الجنين، وجاءت تدفنه تحت الشجرة نفسها.
إن اختيار الكاتبة لعنوان هذه القصة «ضباب» عنوانًا لمجموعتها أيضًا موفق؛ فمعظم القصص تبدأ غامضة قليلًا، وليست مبهمة، وكأن الضباب يلفها، فلا يعرف القارئ أين تتجه، حتى يصل إلى نهايتها، فيهطل مطر المعنى، وينقشع الضباب، وتتكشف القصة، وتتجلى وجهتها.
تتألف مجموعة كفى عسيري من 23 قصة قصيرة. وجاءت عناوين القصص كلها مكونة من مفردة واحدة، هي اسم نكرة، باستثناء قصة «الثمن» وقصة «رابعة» التي عنوانها هو اسم علم لبطلتها، وإن كان في الأصل اسم نكرة من العدد أربعة: «اسمي رابعة، تعرفين كم سبب لي من مشاكل وسخرية!».
قصة «الثمن» مسرودة بضمير المخاطب الموجه من أم ثكلى إلى ابنها الذي خطفه الموت على الساعة الخامسة مساءً: «بينما أسير معك عبر شريط حتى وصلنا إلى الخامسة، هذه الساعة التي كانت بمثابة فاصل بين حالتين، بل حياتين: حياتي التي كنتها وأنت هنا، وهذه التي مت معك فيها». تسير القصة وكأنها مجرد رثاء حتى نصل نهايتها فندرك أن الابن مات مقتولًا، وقد جاء أهل القاتل راجين العفو والقبول بالدية.
محلية الموضوعات
معظم الموضوعات التي تتناولها الكاتبة في قصصها مستمدة من مجتمعها المحلي، كما في القصة السابقة التي تتحدث عن عادة قبلية ما زالت مقبولة قانونيًّا واجتماعيًّا. في قصة «رجاء» يتلقى الأب مكالمة من ابنه الذي يخبره أنه لم يقرر التراجع والعودة. وبعد انتهاء المكالمة يبدأ الأب بالتحدث مع نفسه وكأنه يحدث هذا الابن راجيًا منه العودة حتى تنتهي القصة بقوله: «كنت سأحتمل كل هذا على أن أدعى والد الإرهابي». وهكذا نكتشف أخيرًا أن هذا الابن قد التحق بأحد التنظيمات الإرهابية.
في قصة «كمال» يمضي البطل طفولته وأول شبابه محكومًا بالفقر والأعمال الكثيرة، وبعد أن يتوفى أخوه وقد ترك وراءه أيتامًا، يلزمه أبوه «أن يكمل دور أخيه». قد تعني هذه الجملة، وهي الأخيرة في القصة، أن يتزوج البطل من زوجة أخيه المتوفى، وهذه ظاهرة اجتماعية موجودة في العديد من المجتمعات المحافظة. وأعتقد بناء على هذه الجملة أن عنوان القصة الذي أرادته الكاتبة هو إكمال وليس كمالًا.
قصة «إقامة» أطول قصة في المجموعة فهي الوحيدة التي تجاوزت الصفحتين، مسرودة بضمير المتكلم على لسان عامل فقير يقيم في غرفة قذرة لدرجة أنه يستحم في حمام المسجد القريب، يقرر هذا العامل الذهاب إلى فندق أنيق: «شعرت وأنا أدفع النقود التي جمعتها قرشًا قرشًا أنني أشتري جنة، وإن كانت مؤقتة». يتمدد على الأريكة ويقفز على السرير ويستحم ويتعلم كيف يستخدم آلة صنع القهوة ويفطر، وبينما كان يتأمل «ذلك الطابور الطويل من مختلف الجنسيات يتتابعون على مكتب لتحويل الأموال إلى بلدانهم».

قصص قصيرة جدًّا
اثنتا عشرة قصة من المجموعة لم يتجاوز حجمها صفحة واحدة، وبعضها يتألف من أسطر تنتمي إلى القصة القصيرة جدًّا، ليس فقط من خلال عدد كلمات القصة، وإنما أيضًا من خلال خصائصها وتقنياتها؛ من تكثيف وإيحاء واختزال وانزياح ومفارقة.
نقرأ قصة «حالة»: «رسم على الأسفلت دوائر فارغة في خط واحد، بين كل دائرة وأخرى وضع سهمًا.. عندما وصل إلى الدائرتين الأخيرتين باعدهما قليلًا، ولم يربطهما بسهمين.. سألته أخته: لماذا؟ قال: أين أمي؟! أين أبي؟!».
ونقرأ قصة «خلع»: «حاول أن يتشبث بها ولكنها أسقطته، ثم أسقطت المسمار الذي كان سيسند ما تبقى منه. وأخيرًا أسقطت الصورة من تحت إبطها وهي تقول: لا ضرورة للظل وهنا حائط عريض». تستخدم الكاتبة المثل الشعبي «ظل راجل ولا ظل حيطة» رمزًا تنهي به قصتها، ولكن بعد أن تقلب معناه رأسًا على عقب.
ونقرأ قصة «خلاص» وهي أقصر قصة في المجموعة؛ إذ تتألف من 12 كلمة فقط: «بين لحظة شد وثاق ربطة العنق، واستدارته إلى المرآة؛ يهوي، وهي تنتصر».
ثمة مفارقة لفظية في تركيب «ربطة العنق» فللوهلة الأولى يتوقع المتلقي أنها الربطة التي تستخدم للزينة، وبخاصة أنه يلي شد وثاقها استدارة إلى المرآة للتأكد من دقة ربطها كما يمكن أن يتوهم القارئ، ولكن الفعل اللاحق، يهوي، يجعل المتلقي ينتقل إلى دلالة أخرى لربطة العنق بمعنى المشنقة، مع الانتباه إلى أن عنوان القصة «خلاص»، وهكذا يكون خلاصًا بالانتحار شنقًا. وثمة مفارقة أخرى في ضمير الغائب «هي» الذي يبدو نحويًّا عائدًا إلى المرآة، ولكنه دلاليًّا عائد إلى امرأة ما ربما كانت السبب فيما أقدم عليه بطل القصة، والإيقاع جناسًا بين المرأة والمرآة يرجح هذا المعنى.
0 تعليق