الألمانية جيني إيربينبيك
تكرس أعمالها لأجل إرث ألمانيا الشرقية وتتعامل بصفة شبة متجذرة مع فكرتي الأفول والزوال
بواسطة عرض وترجمة: شيرين ماهر | مارس 1, 2026 | ثقافات
«لم تكن مجرد قصة حب مُحطمة بين فتاة شابة ورجل خمسيني دارت أحداثها على أرض برلين الشرقية في ثمانينيات القرن العشرين، وإنما رواية تأسست على رمزية ضمنية تعلقت بحدث تاريخي، وهو، سقوط جدار برلين. والأهمية لم تكُن في الحدث بقدر ما كانت في التحرُّر ذاته، وما يمكن سرده في السنوات التي سبقته والتي تليه….».
هكذا علقت الروائية والكاتبة الألمانية جيني إيربينبيك عند فوز روايتها «كايروس» بجائزة بوكر البريطانية الدولية لعام 2024م كأفضل رواية مترجمة إلى الإنجليزية. وهي أول ألمانية تفوز بها في تاريخ الجائزة، مناصفةً مع المترجم «مايكل هوفمان» الذي ترجم الرواية من اللغة الألمانية إلى اللغة الإنجليزية، التي صدرت في لغتها الأصلية عام 2021، وحصدت العديد من الجوائز منذ صدورها حتى الآن.
جيني إيربينبيك واحدة من أكثر الأصوات الأدبية الاستثنائية في ألمانيا. تجمع أعمالها بين اللمحة الإنسانية والعقلانية الرصينة في توافق ملحوظ، وهو ما يجعل كتاباتها تتخذ طابعًا ملحميًّا. رواياتها تفيض، على نحو مثالي، بأدق التفاصيل، وتتميز في الوقت نفسه بالصدق والكثافة. بالنسبة للكثيرين، كان سقوط جدار برلين في عام 1989م بمنزلة تحرُّر لمواطني ألمانيا الشرقية. ولكن في روايتها الأكثر مبيعًا «كايروس»، تتناول إيربينبيك سقوط جدار برلين بوصفه انهيارًا لنظام بأكمله، رافقه انهيار الشعور بالهوية والانتماء. «كايروس» تقول شيئًا لا يزال راسخًا في وعي وضمير المجتمع الألماني الذي عاش الحدث التاريخي وأزمة التقسيم من زاوية شديدة الخصوصية، فأخذت الكاتبة تسرد ماضي بلادها بدقة مُوجِعة عكست حقائق ربما لم تكن واضحة للقُراء وبخاصة في العالم الأنجلو أميركي. كانت «إيربينبيك» -البالغة من العمر الآن 58 عامًا- في الثانية والعشرين ربيعًا من عمرها عندما انهار جدار برلين وانهارت معه ذكريات طفولتها وصباها. في ذلك اليوم، كانت تقضي «أمسية للفتيات»، ولم تكن لديها أي فكرة عما حدث حتى صباح اليوم التالي، عندما ناقشها في ذلك أحد الأساتذة في الفصل. هنا فقط أدركت ما حدث بوعي الصدمة. ولا يزال الحدث صادمًا لها حتى هذه اللحظة؛ حتى إنها اختارت الدولة التي عرفتها وعاشت فيها بكل جوارحها -جمهورية ألمانيا الديمقراطية أو ألمانيا الشرقية- مسرحًا حاسمًا لمعظم رواياتها التي تصفها وصفًا مذهلًا شديد الدقة، وهو ما يؤكد أنها لم تبرح ذاكرتها قط. وعند سؤالها عما أثار اهتمامها في الخلفية التاريخية المعاصرة لتراجُع جمهورية ألمانيا الديمقراطية ومرحلة إعادة التوحيد عند كتابة روايتها الفائزة «كايروس»، أجابت: «ذلك التوتر الكائن بين ما نأمله وبين ما يحدث بالفعل».
تجمع رواية «إيربينبيك» -التي نما نسيجها داخل وجدانها- بين تعقيدات التاريخ الألماني والسوفييتي وحياة شخوصها وأبطالها، بما في ذلك أفراد أسرتها، الذين تتردد تجاربهم مع الماضي مثل موسيقا متلاطمة تقرع أصداؤُها أصواتَ الذكرى في رأسها الذي يأبى النسيان. لقد نسجت من الماضي والحاضر خيالًا يُعيد تهذيب التاريخ ويُقلِّم أظافر الزمن حتى تقول كلمتها التي انعقد لسانها عن النطُق بها وقت وقوع الحَدث. وبعد أن صقلتها التجربة وصهرتها الأيام، أطلقت لِقَلَمِها العِنَانَ؛ لِيُفضِيَ بمكنونات نفسها على الأوراق. حين سُئلت في إحدى المقابلات عن دافعها للكتابة قالت: «من دون فكرة الاستمرارية والتعبير عن شواغلي، يصعب عليّ تحمُّل الحياة. لكنها ليست ساعة رولكس الموروثة التي تجمع مملكة الأحياء والأموات معًا، بل الذاكرة والسرد وما بينهما جسر الكتابة».
حقبة الخسائر الكبرى
وُلِدت «إيربينبيك» في برلين الشرقية في عام 1967م. وهي ربيبة عائلة تنتمي إلى النخبة الفكرية في جمهورية ألمانيا الديمقراطية؛ ابنةٌ لأُمّ مترجمة وأب كاتب وفيلسوف، جدّاها لوالدها هما المؤلفان؛ فريتز إيربينبيك وهيدا زينر. كانت تبلغ من العمر 22 عامًا عندما سقط جدار برلين.
خلفيتها الأُسرية ونشأتها في أجواء تعشق الأحبار والأوراق، وكذلك معايشتها لأحداث مفصلية في تاريخ بلادها في ريعانها جعل قريحتها تنضج في وقت مبكر. وكان لهذه الخلفية التأثير الذي نراه على نصوصها الحافلة بتأملات فلسفية شعرية. وعقب تخرجها من المدرسة الثانوية، تدربت على تجليد الكتب، ثم عملت لمدة عام كصانعة للدعائم في مسرح «كلايست» في فرانكفورت، ومصممة في دار الأوبرا الحكومية في برلين. درست المسرح في جامعة «هومبولت» والإخراج الموسيقي في جامعة «هانز آيسلر» في برلين. ومنذ عام 1997م، عملت مخرجة في دُور أوبرا عديدة في ألمانيا والنمسا. ثم بدأت الكتابة في الوقت نفسه تقريبًا، ربما لسد الفجوة التي تركها والدها، الذي تخلى عن الكتابة بعد أحداث سقوط جدار برلين. نُشرت أول رواية لها بعنوان: «قصة الطفل العجوز» في عام 1999م. وهي رواية تتميز بالطابع الرمزي، وتتطرق إلى الحديث عن المشكلات التي تلازم مرحلة الطفولة من رُهاب غير مسبوق، وسرد بشع لهوس طفلة يتيمة بوزنها ونومها وجنسها وانتمائها المجتمعي. تبع ذلك العديد من الكتابات، بما في ذلك الروايات والقصص القصيرة والمسرحيات.
وفي تسعينيات القرن الماضي احترفت الكتابة، ونالت أعمالها تقديرًا نقديًّا كبيرًا. كما حصلت على العديد من الجوائز الأدبية المرموقة مثل: جائزة «هانز فالادا»، وجائزة «لاستريجا»، وجائزة «توماس مان»، وجائزة «جوزيف بريتباخ»، وجائزة «الرواية الأجنبية المستقلة» لعام 2015م. وأدرجت روايتها «نهاية الأيام» ضمن القائمة القصيرة لجائزة «دبلن» الأدبية عام 2016م. وأدرجت صحيفة «الغارديان» روايتها «زيارة» الصادرة عام 2008م في قائمتها لأفضل 100 كتاب في القرن الحادي والعشرين. وتُرجِمت أعمالها إلى أكثر من 30 لغة؛ من بينها الإنجليزية والفنلندية والكورية والعربية.

«كايروس» وفن اختيار اللحظة المناسبة
يعود أصل عنوان الرواية إلى الأساطير اليونانية القديمة. «كايروس» هي كلمة يونانية تعني «الوقت المناسب» أو «اللحظة السعيدة» التي يقذفها القدر فجأة في خضم الزمن. يُصور الإله «كايروس» ككائن ذي خصلة على جبهته يمكن الإمساك بها أو إفلاتها. ولكن بمجرد أن تَنفلِت، يظهر الجزء الخلفي من جمجمته الخالي من الشعر فيبدو مظهره مقبضًا؛ لذلك يتطلب الأمر عند رؤيته اغتنام الفرصة والحدس والشجاعة أيضًا. إذن تلعب «اللحظة المناسبة» في الرواية دَوْر البطولة كأحد أشكال الاستعارة الأدبية، حيث قررت الكاتبة أن تَصنع من تلك اللحظة المناسبة -قصة الحب بين البطل والبطلة- مرتكزًا على الأحداث بإسقاطاتها المتعلقة بحقبة سياسية بأكملها سواءٌ على صعيد التاريخ السياسي أم الذاكرة الجمعية للمجتمع الألماني.
تدور أحداث الرواية حول «كاثرين»، البالغة من العمر تسعة عشر عامًا، وعلاقة الحب الفاشلة التي جمعتها مع «هانز»، كاتب متزوج في منتصف الخمسينيات من عمره، وفي الخلفية انهيار دولة ألمانيا الشرقية في أواخر الثمانينيات. تبدأ الرواية بتسلُّم «كاثرين» صندوقًا من الأوراق والتذكارات من «هانز»، حبيبها السابق، الذي تعلم نبأ وفاته مؤخرًا. وبينما تَتفقّد بطلة الرواية الرسائلَ داخل الصندوق الذي تسلمته للتو، مُستعيدة شريطًا من الذكريات، فإذا بها لا تستعيد شبابها وسنواتها الضائعة فحسب، بل تستعيد أيضًا حالة لم تعد موجودة فعليًّا، وتتذكر كيف انهارت علاقتهما التي اتكأت على حبهما المشترك للموسيقا والفن تمامًا، كما أخذت تنهار الدولة من حولهما، وهي أحد أشكال المزاوجة الأدبية للربط بين انهيار الدولة وانهيار علاقة البطل والبطلة.
هكذا راحت «إيربينبيك» تضع علامات الاستفهام والتعجب، ذهابًا وإيابًا، كيفما تشاء عبر السنوات التي جمعت «كاثرين» و«هانز» وهي تختار الوقت المناسب لطرح تساؤلاتها بدقة. لقد وظفت الكاتبة قصة الحب غير المتكافئة لإجادة الإسقاط والتدليل الذكي على إساءة استخدام السلطة من خلال سوء المعاملة بين الكاتبة الشابة البالغة من العمر 19 عامًا، والكاتب الناضج المرموق البالغ من العمر 50 عامًا، حيث يدور سجال العلاقة خلال الأيام الأخيرة من حقبة جمهورية ألمانيا الديمقراطية. وقد رأت لجنة التحكيم أنها مَلْحمة ذكية من الكاتبة تستحق الجائزة. وجاء في بيان لجنة تحكيم الجائزة قولها: «تدعو إيربينبيك القُرّاء إلى إقامة الصلات والروابط بين هذه التطورات السياسية التي حددت مستقبل جيل وقصة حب مُدَمرة؛ كي تطرح تساؤلات حرجة ومشروعة في آنٍ واحد عن القدرية وحرية الاختيار».
وعلى مدار أحداث القصة، لا تنهار العلاقة بين الأبطال فحسب، بل تنهار الدولة معهما أيضًا. ففي رواية «كايروس»، تصف المؤلفة سقوط جمهورية ألمانيا الديمقراطية بوصفها إحدى الخسارات الكبرى، كما في بالية بحيرة البجع، ولكن من دون أن تُضفِي مسحة من الرومانسية على الأحداث التي لحقت بجمهورية ألمانيا الديمقراطية. فعلى ما يبدو أن الحدث لا يزال يتردد صداه في ذاكرتها حتى اليوم. وقد قالت في إحدى المقابلات عن تجربتها الشخصية مع سقوط الجدار: «لم تكن الحريةُ مفاجأةً سارّةً لي. بل كان ثمنُها باهظًا، لقد كان الثمن حياتي كلها حتى تلك اللحظة».
الأفول ثيمة راسخة في أعمال «إيربينبيك»
تتعامل «إيربينبيك»، بصفة شبه متجذرة، مع فكرتي الأفول والزوال. ففي روايتها «الزيارة»، مثلًا، تستكشف تاريخ منزل يقع بجانب بحيرة في براندنبورغ بألمانيا، مستعرضة حيوات السكان المختلفين الذين سكنوا المنزل على مر القرون. تمتد القصة من أوائل القرن العشرين إلى حقبة ما بعد الحرب، وتشمل الأحداث المضطربة لجمهورية فايمار، والاشتراكية القومية أثناء الرايخ الثالث، والحرب العالمية الثانية ونهايتها، وجمهورية ألمانيا الديمقراطية، وسقوط جدار برلين والحقبة التي تلت ذلك. كل فصل مخصص لقصة أسرة مختلفة أقامت في المنزل نفسه، بما في ذلك عائلة يهودية، ومهندس معماري، وفتاة صغيرة، وضابط سوفييتي، وهو ما يخلق نسيجًا من التجارب والعواطف الإنسانية التي شكلتها الاضطرابات التاريخية والسياسية في ذلك الوقت داخل المكان نفسه، ولكن بشخوص وأحداث مختلفة.
لم يكن الفوز مفاجئًا
أما الجمهور الدولي، فلم يكن فوز رواية إيربينبيك بجائزة بوكر الدولية مفاجئًا له على الإطلاق، وقد شرحت نجاحها الكبير في البلدان الناطقة باللغة الإنجليزية، قائلة: «هناك فضول لمعرفة التأثيرات الملموسة لما بدا كأنه نهاية سعيدة في اللحظة التي سقط فيها الجدار على حياة الناس في ألمانيا الشرقية». ووصفت ما تعتقد أنه المشكلة الأساسية، قائلة: «ما يوصف غالبًا بأنه صراع بين اليسار واليمين هو في الواقع صراع عالمي بين النُّخَب والفئات المهمشة من المجتمع. وهذا ينعكس أيضًا في العلاقة بين غربيّ ألمانيا وشرقيها. وتابعت: «عندما سقط الجدار، فقد العديد من الناس في الشرق وظائفهم، وأوصدت صناعات بأكملها أبوابها، وشغل المناصب الإدارية دومًا أشخاص من الغرب. واضطر العديد من الناس إلى إعادة توجيه أنفسهم، وربما تمكنوا من القيام بذلك، لكنهم ما زالوا مُستَبعدين من المشاركة في العديد من المناصب المهمة حتى اليوم».
لقد كرست «إيربينبيك» أعمالها لأجل إرث ألمانيا الشرقية، فلم يشعر أحد بأنه مدعو لتهدئة مخاوف مواطني جمهورية ألمانيا الديمقراطية من أنهم ألمان من الدرجة الثانية، مؤكدة أنه لا يزال هناك تداعيات لذلك حتى اليوم. كما تقول «إيربينبيك»، التي تصف المواطنين في ألمانيا الشرقية بأنهم «تضرروا من الاضطرابات»؛ ولا يزال كثيرون يشعرون بأنهم لا يملكون الكثير من الحقوق في البلاد.
0 تعليق