يليق بالشاعرة نازك الملائكة أن يحتل نصبها التذكاري وسط بغداد القديمة. بدت أنيقة حيية، وأظهر العراقيون فرحًا مضاعفًا بهذا المعْلَم، تقديرًا لدورها الريادي بوصفها أحد أهم رموز الشعر الحر العراقي والعربي. لكننا نحن الشعوب نكره النُّصُب عمومًا؛ لكونها دعايةً بالية استخدمتها ولا تزال تستخدمها الأنظمة الشمولية كرموز لسلطتها. لم يمضِ كثير على إزاحة الستار عن تمثال الملائكة البرونزي البهي، حين شهدنا تحطيم نصب الدكتاتور في بلد مجاور، وقد تدحرج الرأس الضخم منفصلًا عن الجسد.
تبقى دلالات نصب الملائكة مع ذلك مختلفة بالطبع عن نُصب الأباطرة والدكتاتوريين والمستعبدين، على الرغم من أن كلًّا منهم يرسم من مكانه بالضرورة طبيعة الحياة وشكلها.
قد حدث مع القيصر نيرون الفعل ذاته، فبسبب طغيانه وجَّهَ مجلسُ الشيوخ الإيطالي بتحطيم تماثيله؛ تشويه معاني وجهه، وصهر عملته، وحرق كل وثائقه، أي مسح كل أثر له ولمدة حكمه، تحت ما يسمَّى «إدانة الذاكرة». ولكن الشعوب تتوجه أيضًا وبعفوية حال سقوط أنظمتها الدكتاتورية إلى تماثيلهم الضخمة الموزعة في ساحات المدن والقرى والبلدات، يتسلّقونها، ينهالون عليها بالضرب بكل ما يتوافر في أيديهم، مطارق، فؤوس وقضبان حديدية ليتمكنوا من إسقاطها. ويستخدم بعضٌ نعالَه للإمعان في إهانتها، وإطفاء نار ما أنزل الظالم به من حيف.
ينشغل العالم حينها بكلمة الحضارة وتعريفها، بالثقافة، قيمها ورمزيتها، وبدور الفن ومدى تأثيره في حياتنا. يُطرَح السؤال عما تعنيه الحضارة، كلما عمدت جماعات متطرفة إلى استخدام الجرّافات والكلابات والأجهزة الكهربائية والأزاميل في تحطيم المعالم الأثرية، مختارة الأهم من بين الرموز الحضارية والثقافية العالمية، مثل تمثالي بوذا في وادي باميان في أفغانستان، وباب نركال حين أزيلت الملامح البشرية للثور المجنح الذي كان يزينه، في معبد نابو في نمرود شمال العراق، حين كانت الموصل محتلة من داعش بين 2014-2017م، وتابع العالم مؤخرًا الأضرار التي لحقت بمدينة تدمر الأثرية تباعًا في سوريا.

تكسير الصورة
وقد أحيت جامعات شتى في العالم مؤتمرات، وألقيت محاضرات تناولت في محتواها ومحاورها ثيمة الـ Iconoclasme وهو مصطلح إغريقي قديم يعني اليوم تدمير، تحطيم أو تكسير الصورة عمومًا، حتى في إعادة استخدامها. لكن الـ Iconoclasme كان في القرنين السابع والثامن بعد التدوين يخصّ الصور أو الأيقونات الدينية حصرًا.
هذه الصور الدينية، أو الأيقونات التي تتضمن رسومًا للمسيح ومريم العذراء والقديسين إضافة إلى الصليب والأناجيل كانت بعينها مثار خلافات لأزمنة تاريخية طويلة، بين طرفين؛ الأول يتبنى الصور الدينية لكونها وسيطًا للاتصال مع الرب، يحقق الأمنيات، ينجي من الشرور، ويحقق النصر على الأعداء، فيما عدَّها الطرف الثاني من الطقوس الوثنية، وقد تجاوز الخلاف فحوى الصور الدينية هذه إلى الخلاف حول طبيعة المسيح الإلهية والبشرية من وجهة النظر المسيحية. وبسبب فن الرسم هذا، الذي استقل لاحقًا كفنٍّ قائم بذاته بعيدًا من الدين؛ اندلعت سلسلة الحروب التاريخية الضارية والدامية المعروفة بـ»حروب الأيقونات» في القرنين الثامن والتاسع في الإمبراطورية البيزنطية، تخللتها أحداث جسيمة، وقد عمل الأباطرة المناهضون لاستخدام الصور الدينية في الكنائس والأديرة البيزنطية على قتل الرهبان، تدمير الأديرة وتحطيم وتشويه كل الصور أو طلائها بالكلس لإخفائها وإلقاء رساميها في البحر كما يذكر، بوصفها من طقوس عبادة الأصنام التي حُرّمت أولًا في اليهودية، ثم الإسلام، بينما في حقيقتها هي مرتبطة بالصراع الشرس حول السلطة وفرض الأيديولوجيات. وما بين تحريم وتكريم مع انقسامات كبيرة داخل الكنيسة المسيحية، انتهت تلك الحقبة الدامية من الصراع ما بين السلطة الملكية والدينية بالاعتراف بالأيقونات.
أشار الكاتب والباحث في تاريخ الفن محمود الزيباوي إلى بعض الصور الدينية التي نجت من هجمات البيزنطيين؛ بسبب وجودها في العالم الإسلامي قبل زمن حروب الأيقونات، وبعضها من أصل فلسطيني، قد حُفِظت في دير سانت كاترين الذي يقع في جنوب سيناء في مصر.

الفن كساحة حرب
تحت عنوان «تحطيم الأيقونية Iconoclasm – الفن كساحة حرب» يقيم متحف نيو كارلسبرغ غلوبتوتيك، وهو مؤسسة دنماركية ضخمة مستقلة في كوبنهاغن، تتلقى دعمًا من صندوق نيو كارلسبرغ، إضافة إلى الدولة، معرضًا ضخمًا يتناول تاريخ التحطيم في مرحلة ما قبل التدوين حتى اليوم: توقيت مهم يستعرض فيه للزوار عبر محاور عديدة شواهد على التدمير والتشويه المذكورين من ضمن مجموعة مقتنياته الضخمة المحفوظة في السراديب. نرى إفروديت، إلهة الخصوبة وقد رُجمَت بالحجر وقُطِعَ ذراعاها وساقاها، ولم يبقَ منها سوى جذع مشوه؛ وذلك لكون رجال الدين ومن يشكلون سلطة الكنيسة آنذاك كانت لديهم إشكالاتهم مع الشخصيات الإلهية النسائية التي انطوت على كراهية متأصلة للنساء. نرى قياصرة في الفاترينات، استبدلت رؤوسهم برؤوس من لحقهم بالحكم مع الحفاظ على باقي الجسم، أو الجذع. نرى رأس الفرعون إخناتون مرتكزًا على قاعدة، بعيون، فم وآذان مشوهة بعد مماته. وهو من الأمثلة التي تعود إلى الحضارات القديمة حين حاول هذا الفرعون بوصفه الوسيط الأوحد بين الإنسان والإله، أن يوحد الآلهة جميعًا ويختزلها في إله واحد أعظم، وأمر بتدمير معابد الإله أمون وتماثيله؛ بسبب القاعدة العريضة التي اكتسبها الكهنة عبر عبادته. وقد رأى بعضٌ محاولاته إصلاحًا وتجديدًا وخطوة أولى نحو التوحيد في العالم القديم، بينما عدَّها بعضٌ آخر هرطقة.
فعل تحطيم تماثيل القياصرة والدكتاتوريين هو تعبير عن نهاية سطوتها والتخلص من بشاعات ما ارتكبته بحق شعوبها. وقد لا نرى في استهدافها غير تعبير قاطع عن رفض القوة الرمزية المجسدة فيها. على الرغم من أن التاريخ يحفظ لنا أسماء القياصرة الذين تعاقبوا في الحكم، ويظهر لنا لاحقًا دوافعهم الخفية، ويثبت أن لا شيء تغير غير رؤوس تماثيلهم التي استبدلوها بتماثيل من سبقهم.
لذا كان الجدل دائرًا بين الرغبة الجامحة في مسح الآثار، بكل أشكالها، سواء كانت قصورًا، تماثيل أو سجونًا، وبين الإبقاء عليها؛ لأن المجتمعات بحاجة إلى معرفة ماضيها، والمحافظة عليها كأثر لتاريخ له بصماته لاحقًا، بعد كل ما حلّ بالإنسان والمكان من دمار كارثي بسببهم. وهو ما حصل في عام 2020م حين هاجموا تمثال ونستون تشرشل في لندن بعد الاحتجاجات التي انطلقت من الولايات المتحدة الأميركية التي حملت شعار «حياة السود مهمة» متهمين إياه بالعنصرية، والشيء ذاته حصل مع تمثال كريستوفر كولومبس في بوسطن متهمين إياه بالمتاجرة بالرقيق. ومن جانبهم يشترك الآثاريون العالميون في شجب طرق الترميم التي اتبعت فيما مضى في بابل العراق، وتدمر سوريا على سبيل المثال، والتي أفقدت تلك الآثار العظيمة روحها القديمة.

قيمة الإنسان والطبيعة
بعد أن وجدت الجماعات المتطرفة أن قتل الإنسان ليس الوسيلة الفعالة للإعلان عن رسالتهم، فلربما لا يلقى القتل اهتمامًا كبيرًا في العالم، بقدر تدمير عمود روماني أو بوابة آشورية أو صورة دينية قديمة، نجرؤ على القول (مع التشديد على الفارق والاختلاف الكبير في الأهداف)، أن مجاميع أنصار البيئة التي تهدف في الأساس إلى بناء عالم أفضل لجأت إلى طرق شبيهة، احتجاجًا على الأنظمة السياسية التي لا تمنح برامجها ما يكفي للحدّ من تلويث البيئة وتخريبها؛ لذا شرعت شرائح مختلفة منها في استهداف الأعمال الفنية الخالدة في أكثر من بلد ومتحف، مثل قذف لوحة لفان غوخ بحساء الطماطم، رغبة منها في لفت الأنظار إلى رسالتها وإثارة الجدل عن قيمة الإنسان والطبيعة مقابل الحديث عن ضياع إرث ثقافي فني تاريخي عالمي.
أخيرًا آن لنا أن نتساءل، فيما إذا كان بالإمكان لهذه الصروح الأكاديمية العريقة المستقلة، التي تهدف إلى تربية أجيال تمتلك رؤى جديدة وتسعى في بحوثها إلى تطوير المجتمعات ورقيها، أن تتصدى للتحديات التي يواجهها العالم وتساهم على الأقل كطرف معادل عقلاني قد تميل إليه الكفّة، باختيار حلول سلمية مستديمة عوضًا عن اللجوء إلى الحروب والحلول العسكرية؟
وهذه المؤسسات الفنية والمتاحف العريقة التي تتنافس في ابتكارها لصور الإبداع والجمال، وترصد لها ميزانيات سنوية هائلة، ما غايتها؟ ما الذي تضيفه؟ ألا يجب أن يكون لها دور، بينما تجوس في التاريخ وتوثق سياسات العالم فنيًّا، في أن تسمعنا صرختها عاليًا ضد كل ما لا يتوافق مع رسالة الفن الإنسانية التي تنبذ القبح والدمار والتشويه؟
أَوْلَى الإعلام بكل وسائله اهتمامًا كبيرًا منذ افتتاح المعرض المذكور في متحف غلوبتوتيك الدنماركي، ولحسن الحظ كانت هناك تساؤلات مهمة مطروحة وبروح نقدية بناءة في العديد من المراجعات الفنية من الصحفيين والمهتمين. في نقده للمعرض آنف الذكر يطرح على سبيل المثال أستاذ تاريخ الفن ماتياس گرويه أسئلة شديدة الأهمية تقابل خطورة وجدية الموضوع الذي تناوله المتحف. يرى گرويه أن على المتحف أن يعلن عن موقف ومسؤولية ربما أكبر وأعمق، ورؤية أوضح لئلا يعيد التاريخ عبر ممارساته الحديثة غباء الماضي في تدميره للفن؛ إن المعرض يسعى للظهور بمظهر الراديكالي، ولكن هل هو فعلًا كذلك؟ ثم ينتقل بنقده من المعرض إلى المتحف ذاته، الذي تقف من خلفه مؤسسة علمية وفنية عريقة كبرى، ليثير نقطة أخرى شديدة الحساسية بخصوص مقتنيات المتحف التي عرضها، والشفافية التي يجب أن يعتمدها هذا المتحف وبقية المتاحف في أوربا؛ كل تلك الآثار، والتي استقرت في لندن وباريس وبرلين وكوبنهاجن، وقد جاؤوا بها من دول البحر المتوسط والشرق الأوسط والمستعمرات الإفريقية، كيف وصلت إلى المتاحف الأوربية؟ وبإخراجها من المعابد والقبور ونقلها، أليس هذا الفعل في حد ذاته هو تدمير الأيقونات Iconoclasm؟
0 تعليق