تتلمّس الأشياء من خلال الشيء ونقيضه، ويتكثّف الإحساس بالأضداد. لا تشعر بالجمال من دون قبح، ولا الحرية من دون نقيضها القيد والسجن. وتذهب الفنانة المصرية الكندية من جذور أرمينية أنّا بوغيغيان بعيدًا في تحليل هذا الديالكتيك لتطرح ثيمات أساسية كالعدالة الاجتماعية، والسلطة والصراع الطبقي، والعولمة، والهجرة والحروب، وأزمة المناخ، وانعكاسها على وعي الإنسان الذي تنتجه كلّ هذه العوامل من خلال الأحداث والتغيرات السياسية بعمقها شديد الصلة بعالم اليوم.
درست بوغيغيان العلوم السياسية والاقتصاد في الجامعة الأميركية في مسقط رأسها القاهرة عام 1969م، تتلمذت على يد أستاذ الفن التشكيلي الحديث المجدّد فؤاد كامل؛ لتحصل فيما بعد على شهادة الماجستير في الفن والموسيقا من جامعة كونكورديا الكندية.
روح لا تستقر
بمناسبة افتتاح معرضها الصولو في متحف أوروس، في مدينة أوهوس أواخر نوفمبر، عُرض الفِلْم الوثائقيّ الذي أنتجه كريستيان لوند القيّم ومدير مهرجان الأدب العالمي في متحف لويزيانا للفنون تحت عنوان: «الفنانة أنّا بوغيغيان… إن لم تكن تنتمي لشيء، فأنت تنتمي لنفسك» (الرابط للفلم أسفل المقال). أتاح لنا الفِلْم التعرُّف إلى شخصها وإلى فنها الذي قد لا يكون معروفًا كثيرًا في عالمنا العربي. ومناسبة الاستضافة هي أيضًا من ضمن احتفال العالم بعيد ميلادها الثمانين في شهر يناير 2026م.
وفي لقائي مع لوند الذي رافقها جولاتها في الدنمارك، وكان قد قضى مع المصور راسموس كويستكورد أربعة أيام مكثّفة في متابعتها في القاهرة، تحدث كثيرًا عن شخصها وعن تفاصيل في حياتها اليومية، داخل بيتها على السطوح، وفي مشغلها، وعلى شرفتها، وفي جولتها النهرية، وفي زيارتهم برفقتها إلى مقابر «مدينة الموتى» التي كانت قد شرعت في عمل بضعة تخطيطات لها. وقد نجحا إلى حد بعيد في رأيي في نقلنا إلى المنهل خلف تأملها، قريبًا إلى جانبها فلا نشبع من الأفق المفتوح على النيل، بلحظات صفائه، بالأولاد وهم يستحمون بمائِهِ، الأهرامات الحارسة في البعيد، والمراكب التي منحتها الريح من بركاتها فترفقت بالمراكبية.
يصف لوند لقاءه أنّا بوغيغيان بالأصيل، الدافئ والعميق والمرهف والمائج الذي يحرّك الفرح الممتزج بالدهشة في دواخلنا. ويصفها هي أيضًا بالأصيلة، والجوّابة؛ إذ يراها روحًا كونية مهاجرة، بفلسفة في الحياة، صاغَها ترحالها المتواصل ما بين دول العالم، وشسوع انفتاحها عليه، معبرّا عن قناعته بندرة اللقاء ببشرٍ يشبهونها.
أحاذر كي لا تكون نظرتي «استشراقية» لفنّها حين تتحدث عن قاهرة طفولتها التي كانت تفوح بعطر الياسمين في المساء، ووردة الفرانجيباني، ولا سيما أن المصادر التي اطلعتُ عليها إجمالًا، كانت نتاجًا لكُبريات المعارض العالمية في لندن، برلين، باريس، البندقية، أثينا، إسطنبول، مونتريال، سان باولو ونيويورك، التي استضافتها، وسلّطت الضوء على فنها ونظّمت حوارات موسّعة معها.
زاد من حذري عدم عثوري على تناول عربي لتجربتها، عدا القليل جدًّا، مثل استضافتها في معرض استعادي من مؤسسة الشارقة للفنون في عام 2018م، وقبلها كان قد صدر لها كتاب (Anna’s Egypt: An Artist’s Journey) «مصر أنّا: رحلة فنانة»، في عام 2003م من الجامعة الأميركية في القاهرة.
استقطب الفِلْم الوثائقي الذي بَثَّتْه قناة متحف لويزيانا للفنون، على اليوتيوب، اهتمام الناس من كل أنحاء العالم، حال عرضه في الأول من ديسمبر. عشرات الرسائل عبرت عن تفاعل الناس مع شخصيتها التي تعرف إليها الناس من قرب عبر حديثها عن حياتها، جذورها وانتمائها وفنّها. وجميل أن يتشارك المختصون في هذا الشأن مع العامة في نظرتهم إلى فنها الذي يقدم نظرة نقدية لما يعيشه العالم اليوم من دون ترف وادّعاء.
سائحة أينما حلّت
في معرضها «القارب الغارق» وهو المستوحى من أحد أعمالها التركيبية المعروضة الذي يبحث في التاريخ البحري العالمي، ويتناول موضوع ارتفاع منسوب المياه، المناخ الحالي وأزمات البيئة. أما العمل الآخر فقد حمل عنوان «لعبة شطرنج»، أحد أعمالها المركزية في المعرض الذي احتل مساحة واسعة جدًّا. وقد رقصت على رقعته شخصيات تاريخية معروفة مثل ماري أنطوانيت، وفرانز فرديناند، وجان جاك روسو، وسيغموند فرويد، ورودولف شتاينر، وغيرهم من الأصوات المؤثرة في عوالم السياسة والعلم والفلسفة. وهي شخصيات أسهمت، إيجابًا أو سلبًا، في تشكيل العالم الذي نعيش فيه اليوم.
يتكوّن العمل من 24 قطعة مجسّمة بالحجم الطبيعي، مصنوعة من الورق المقوّى والخشب، ومصمّمة على هيئة قطع شطرنج تتواجه داخل لعبة القوة والصراع فيما بينها. إلى جانب العملين هناك أعمال مستلهمة مما تقرؤه من إبداعات عالمية وهي القارئة النهمة للأدب. من طاغور، إلى نيتشه، وكافكا الذي نشاهد له عملًا تركيبيًّا في المعرض أيضًا، إضافة إلى فيرجينيا وولف في روايتها «إلى المنارة»، وكلاريس ليسبيكتور وحوار مع روايتها العاطفة وفقًا لـ جي. أج. ولا يغيب تجار المِلْح والحديد والقطن، ودورهم في الماضي والحاضر، وتأثيرهم في البشر مستقبلًا. تشيّد من كل هذا خشبة مسرح كبير يتضمن لوحات ملونة، أبطال، من ورق وكرّاسات مصورة، صور فوتوغرافية وأشكال مجسّمة من مواد مختلفة، تعود إلى عوالم بعيدة وقريبة منا. بخصوص عملها الفني فالأهم هو أن تنضج الصور من خلال ربطها بالأفكار، ضمن مفهوم يستقر بالطريقة التي تفرضها عليها اللحظة.
أحبّت الرسم منذ صغرها، فلم يكن غريبًا أن نفهم أسلوبها الفني وتقنيته انطلاقًا من حبّها وتأثّرها الشديد بكتب الأطفال، التي كانت لديها خلال مرحلة الطفولة. على الأخص تشير إلى كتبها، ما يسمى «الكتب المنبثقة»، ذات الأشكال المجسّمة المطوية داخل الكتاب، التي تستوي وتنهض حال فتحه.
لديها رسومات مرافقة لأعمال مؤلفين عشقت أعمالهم، من بينهم تحديدًا الشاعر اليوناني قسطنطين كفافي، الذي عاش معظم حياته في الإسكندرية الكوزموبوليتية، ولا شك أنهما يلتقيان بتورطهما على نحو معمق بما دار ويدور من حولهما، بما يخص التاريخ والهوية والشخصيات المنسية. والأمر يشمل أيضًا الشاعر جوزيبي اوتغاريتي الذي ولد في الإسكندرية وتركزت كتاباته حول المنفى والبحث عن الجذور. ويُذكر أنها صممت ما يقارب عشرين غلافًا لطبعات روايات الأديب نجيب محفوظ المترجمة. كما صدر لها شخصيًّا كتابُ «صور من النيل».
تقول: إنها سائحة أينما حلّت، في أرمينيا تُعامَل كأجنبية، وفي مصر لا ينظَر إليها كمصرية بسبب لغتها، وثيابها وكل ما يتعلق بها. وفي كندا تعامل كمصرية لأنهم لا يعرفون ما يعنيه أن يكون المرء مصريًّا. وهذا كله -كما تراه في نهاية الأمر- شيء إيجابي: «حين لا تنتمي إلى مكان، فأنت تنتمي إلى نفسك، وخارج الأطر الموضوعة لك، ستكون أنت ذاتك» بمعنى كما تذكر، إنها هي مَنْ تخلق حدودها.
ضدّ اللوحة النظيفة
تحبّ الفنانة بوغيغيان الحركة وتتفاعل مع فكرة الانتقال من نقطة إلى أخرى، وقد زارت وعاشت فيما لا يحصى من المدن؛ أي أنها في سفر متواصل، سواء كان عبر اللاوعي، أم خارج حدود القاهرة التي تعود إليها على الدوام مهما غابت عنها.
يتحدث كريستيان لوند عبر معايشته لها في كل من كوبنهاغن وأورهوس والقاهرة، عن إجادتها الحديث عما يدور في ذهنها. يقول: إنها واضحة وضوح رسوماتها، لا تجد «عالم الفن» واقعيًّا، مع البهرجة التي تعلوه، وترى تعامل هذه الآلة مع الفن والثقافة، والإنسانية، أقل بكثير من تركيزها على جوانب تقنية ليست ذات أهمية.
تحدثت عن انتمائها لسوق الفن اضطرارًا، الذي يعني المال اللازم لتوفير مستلزمات الحياة للمهمشين والمهجورين، الذين يعيشون من دون ضمانة في الحياة، ولا سيما أنها تتقدم في العمر، وورثت كغيرها من الأرمن الذين عرفوا التهجير واقتلاع الجذور إحساسًا بضرورة توفير ما يمنح الحماية.
لا تحبّ النظافة التامة لِلَّوْحة، تراها مخيفة للعامةـ وهو الأمر الذي يفسر عدم دخول الناس الى المتاحف والغاليريهات ـ وقد تدوس لوحتها عن عمد؛ كي لا تنتهي أو تقدّس. يدفعها عدم قناعتها بالنقاء التام في الأشياء إلى تجاهل الاعتناء باللوحة وقلة الحرص على أن تبدو متكاملة تمامًا، تؤمن بضرورة أن يكون الفن في متناول الجميع، وتعرب عن أسفها لكونه يظل من نصيب الأغنياء.
تستهدف مشاريعها الفنية بقعة ما من أصقاع العالم، أو حقبة تاريخية، تلتقطها في كل مرة لتعيشها وترويها بتأويل مبتدع، بالكلمات والرسومات والأشكال الورقية، والموسيقا. يلهمها في النهاية كل ما يحدث في العالم وتتفاعل معه، بالأحرى الشرط الإنساني هو ما يهمها في هذا العالم، كما تذكر، وهو عينه شرطها الإنساني.
تعبّر في أحد حواراتها عن صعوبة الاختلاط بالناس، على الرغم من كونها فضولية وتدخل في حوارات تلقائية عابرة مع الناس في الأزقة وفي أثناء تبضعها في المحلات (وتفاصل بخصوص الأجرة مع سائقي التاكسيات)، ولكن تشخيصها هو نضجها غير المكتمل من هذه الناحية. ولكن كما أكّد لوند، تكمن خَلْفَ هيئتِها التي تبدو للوهلة الأولى متجهمة غريبة، وجسدها الضخم المهمل، وطريقة حياتها الزاهدة رُوحٌ مرهفةٌ، دافئة، كريمة، وذات حساسية عالية، ولمسة شِعرية، وهو ما يمنحها نظرتها الخاصة لما يدور من حولها.
تقول عن معرضها الحالي في متحف آروس للفنون في الدانمرك، الذي يحمل عنوان «القارب الغارق»: «إن الكثير من الناس يغوصون في البحر ويجدون أسماكًا، جثثًا غرقى، وحطامَ سفنٍ. تمامًا كما تغوص بداخلك وتكتشف نفسك».
رابط الفِلْم:
Artist Anna Boghiguian: If You Don’t Belong, You Belong to Yourself
يليق بالشاعرة نازك الملائكة أن يحتل نصبها التذكاري وسط بغداد القديمة. بدت أنيقة حيية، وأظهر العراقيون فرحًا مضاعفًا بهذا المعْلَم، تقديرًا لدورها الريادي بوصفها أحد أهم رموز الشعر الحر العراقي والعربي. لكننا نحن الشعوب نكره النُّصُب عمومًا؛ لكونها دعايةً بالية استخدمتها ولا تزال تستخدمها الأنظمة الشمولية كرموز لسلطتها. لم يمضِ كثير على إزاحة الستار عن تمثال الملائكة البرونزي البهي، حين شهدنا تحطيم نصب الدكتاتور في بلد مجاور، وقد تدحرج الرأس الضخم منفصلًا عن الجسد.
تبقى دلالات نصب الملائكة مع ذلك مختلفة بالطبع عن نُصب الأباطرة والدكتاتوريين والمستعبدين، على الرغم من أن كلًّا منهم يرسم من مكانه بالضرورة طبيعة الحياة وشكلها.
قد حدث مع القيصر نيرون الفعل ذاته، فبسبب طغيانه وجَّهَ مجلسُ الشيوخ الإيطالي بتحطيم تماثيله؛ تشويه معاني وجهه، وصهر عملته، وحرق كل وثائقه، أي مسح كل أثر له ولمدة حكمه، تحت ما يسمَّى «إدانة الذاكرة». ولكن الشعوب تتوجه أيضًا وبعفوية حال سقوط أنظمتها الدكتاتورية إلى تماثيلهم الضخمة الموزعة في ساحات المدن والقرى والبلدات، يتسلّقونها، ينهالون عليها بالضرب بكل ما يتوافر في أيديهم، مطارق، فؤوس وقضبان حديدية ليتمكنوا من إسقاطها. ويستخدم بعضٌ نعالَه للإمعان في إهانتها، وإطفاء نار ما أنزل الظالم به من حيف.
ينشغل العالم حينها بكلمة الحضارة وتعريفها، بالثقافة، قيمها ورمزيتها، وبدور الفن ومدى تأثيره في حياتنا. يُطرَح السؤال عما تعنيه الحضارة، كلما عمدت جماعات متطرفة إلى استخدام الجرّافات والكلابات والأجهزة الكهربائية والأزاميل في تحطيم المعالم الأثرية، مختارة الأهم من بين الرموز الحضارية والثقافية العالمية، مثل تمثالي بوذا في وادي باميان في أفغانستان، وباب نركال حين أزيلت الملامح البشرية للثور المجنح الذي كان يزينه، في معبد نابو في نمرود شمال العراق، حين كانت الموصل محتلة من داعش بين 2014-2017م، وتابع العالم مؤخرًا الأضرار التي لحقت بمدينة تدمر الأثرية تباعًا في سوريا.
تكسير الصورة
وقد أحيت جامعات شتى في العالم مؤتمرات، وألقيت محاضرات تناولت في محتواها ومحاورها ثيمة الـ Iconoclasme وهو مصطلح إغريقي قديم يعني اليوم تدمير، تحطيم أو تكسير الصورة عمومًا، حتى في إعادة استخدامها. لكن الـ Iconoclasme كان في القرنين السابع والثامن بعد التدوين يخصّ الصور أو الأيقونات الدينية حصرًا.
هذه الصور الدينية، أو الأيقونات التي تتضمن رسومًا للمسيح ومريم العذراء والقديسين إضافة إلى الصليب والأناجيل كانت بعينها مثار خلافات لأزمنة تاريخية طويلة، بين طرفين؛ الأول يتبنى الصور الدينية لكونها وسيطًا للاتصال مع الرب، يحقق الأمنيات، ينجي من الشرور، ويحقق النصر على الأعداء، فيما عدَّها الطرف الثاني من الطقوس الوثنية، وقد تجاوز الخلاف فحوى الصور الدينية هذه إلى الخلاف حول طبيعة المسيح الإلهية والبشرية من وجهة النظر المسيحية. وبسبب فن الرسم هذا، الذي استقل لاحقًا كفنٍّ قائم بذاته بعيدًا من الدين؛ اندلعت سلسلة الحروب التاريخية الضارية والدامية المعروفة بـ»حروب الأيقونات» في القرنين الثامن والتاسع في الإمبراطورية البيزنطية، تخللتها أحداث جسيمة، وقد عمل الأباطرة المناهضون لاستخدام الصور الدينية في الكنائس والأديرة البيزنطية على قتل الرهبان، تدمير الأديرة وتحطيم وتشويه كل الصور أو طلائها بالكلس لإخفائها وإلقاء رساميها في البحر كما يذكر، بوصفها من طقوس عبادة الأصنام التي حُرّمت أولًا في اليهودية، ثم الإسلام، بينما في حقيقتها هي مرتبطة بالصراع الشرس حول السلطة وفرض الأيديولوجيات. وما بين تحريم وتكريم مع انقسامات كبيرة داخل الكنيسة المسيحية، انتهت تلك الحقبة الدامية من الصراع ما بين السلطة الملكية والدينية بالاعتراف بالأيقونات.
أشار الكاتب والباحث في تاريخ الفن محمود الزيباوي إلى بعض الصور الدينية التي نجت من هجمات البيزنطيين؛ بسبب وجودها في العالم الإسلامي قبل زمن حروب الأيقونات، وبعضها من أصل فلسطيني، قد حُفِظت في دير سانت كاترين الذي يقع في جنوب سيناء في مصر.
الفن كساحة حرب
تحت عنوان «تحطيم الأيقونية Iconoclasm – الفن كساحة حرب» يقيم متحف نيو كارلسبرغ غلوبتوتيك، وهو مؤسسة دنماركية ضخمة مستقلة في كوبنهاغن، تتلقى دعمًا من صندوق نيو كارلسبرغ، إضافة إلى الدولة، معرضًا ضخمًا يتناول تاريخ التحطيم في مرحلة ما قبل التدوين حتى اليوم: توقيت مهم يستعرض فيه للزوار عبر محاور عديدة شواهد على التدمير والتشويه المذكورين من ضمن مجموعة مقتنياته الضخمة المحفوظة في السراديب. نرى إفروديت، إلهة الخصوبة وقد رُجمَت بالحجر وقُطِعَ ذراعاها وساقاها، ولم يبقَ منها سوى جذع مشوه؛ وذلك لكون رجال الدين ومن يشكلون سلطة الكنيسة آنذاك كانت لديهم إشكالاتهم مع الشخصيات الإلهية النسائية التي انطوت على كراهية متأصلة للنساء. نرى قياصرة في الفاترينات، استبدلت رؤوسهم برؤوس من لحقهم بالحكم مع الحفاظ على باقي الجسم، أو الجذع. نرى رأس الفرعون إخناتون مرتكزًا على قاعدة، بعيون، فم وآذان مشوهة بعد مماته. وهو من الأمثلة التي تعود إلى الحضارات القديمة حين حاول هذا الفرعون بوصفه الوسيط الأوحد بين الإنسان والإله، أن يوحد الآلهة جميعًا ويختزلها في إله واحد أعظم، وأمر بتدمير معابد الإله أمون وتماثيله؛ بسبب القاعدة العريضة التي اكتسبها الكهنة عبر عبادته. وقد رأى بعضٌ محاولاته إصلاحًا وتجديدًا وخطوة أولى نحو التوحيد في العالم القديم، بينما عدَّها بعضٌ آخر هرطقة.
فعل تحطيم تماثيل القياصرة والدكتاتوريين هو تعبير عن نهاية سطوتها والتخلص من بشاعات ما ارتكبته بحق شعوبها. وقد لا نرى في استهدافها غير تعبير قاطع عن رفض القوة الرمزية المجسدة فيها. على الرغم من أن التاريخ يحفظ لنا أسماء القياصرة الذين تعاقبوا في الحكم، ويظهر لنا لاحقًا دوافعهم الخفية، ويثبت أن لا شيء تغير غير رؤوس تماثيلهم التي استبدلوها بتماثيل من سبقهم.
لذا كان الجدل دائرًا بين الرغبة الجامحة في مسح الآثار، بكل أشكالها، سواء كانت قصورًا، تماثيل أو سجونًا، وبين الإبقاء عليها؛ لأن المجتمعات بحاجة إلى معرفة ماضيها، والمحافظة عليها كأثر لتاريخ له بصماته لاحقًا، بعد كل ما حلّ بالإنسان والمكان من دمار كارثي بسببهم. وهو ما حصل في عام 2020م حين هاجموا تمثال ونستون تشرشل في لندن بعد الاحتجاجات التي انطلقت من الولايات المتحدة الأميركية التي حملت شعار «حياة السود مهمة» متهمين إياه بالعنصرية، والشيء ذاته حصل مع تمثال كريستوفر كولومبس في بوسطن متهمين إياه بالمتاجرة بالرقيق. ومن جانبهم يشترك الآثاريون العالميون في شجب طرق الترميم التي اتبعت فيما مضى في بابل العراق، وتدمر سوريا على سبيل المثال، والتي أفقدت تلك الآثار العظيمة روحها القديمة.
قيمة الإنسان والطبيعة
بعد أن وجدت الجماعات المتطرفة أن قتل الإنسان ليس الوسيلة الفعالة للإعلان عن رسالتهم، فلربما لا يلقى القتل اهتمامًا كبيرًا في العالم، بقدر تدمير عمود روماني أو بوابة آشورية أو صورة دينية قديمة، نجرؤ على القول (مع التشديد على الفارق والاختلاف الكبير في الأهداف)، أن مجاميع أنصار البيئة التي تهدف في الأساس إلى بناء عالم أفضل لجأت إلى طرق شبيهة، احتجاجًا على الأنظمة السياسية التي لا تمنح برامجها ما يكفي للحدّ من تلويث البيئة وتخريبها؛ لذا شرعت شرائح مختلفة منها في استهداف الأعمال الفنية الخالدة في أكثر من بلد ومتحف، مثل قذف لوحة لفان غوخ بحساء الطماطم، رغبة منها في لفت الأنظار إلى رسالتها وإثارة الجدل عن قيمة الإنسان والطبيعة مقابل الحديث عن ضياع إرث ثقافي فني تاريخي عالمي.
أخيرًا آن لنا أن نتساءل، فيما إذا كان بالإمكان لهذه الصروح الأكاديمية العريقة المستقلة، التي تهدف إلى تربية أجيال تمتلك رؤى جديدة وتسعى في بحوثها إلى تطوير المجتمعات ورقيها، أن تتصدى للتحديات التي يواجهها العالم وتساهم على الأقل كطرف معادل عقلاني قد تميل إليه الكفّة، باختيار حلول سلمية مستديمة عوضًا عن اللجوء إلى الحروب والحلول العسكرية؟
وهذه المؤسسات الفنية والمتاحف العريقة التي تتنافس في ابتكارها لصور الإبداع والجمال، وترصد لها ميزانيات سنوية هائلة، ما غايتها؟ ما الذي تضيفه؟ ألا يجب أن يكون لها دور، بينما تجوس في التاريخ وتوثق سياسات العالم فنيًّا، في أن تسمعنا صرختها عاليًا ضد كل ما لا يتوافق مع رسالة الفن الإنسانية التي تنبذ القبح والدمار والتشويه؟
أَوْلَى الإعلام بكل وسائله اهتمامًا كبيرًا منذ افتتاح المعرض المذكور في متحف غلوبتوتيك الدنماركي، ولحسن الحظ كانت هناك تساؤلات مهمة مطروحة وبروح نقدية بناءة في العديد من المراجعات الفنية من الصحفيين والمهتمين. في نقده للمعرض آنف الذكر يطرح على سبيل المثال أستاذ تاريخ الفن ماتياس گرويه أسئلة شديدة الأهمية تقابل خطورة وجدية الموضوع الذي تناوله المتحف. يرى گرويه أن على المتحف أن يعلن عن موقف ومسؤولية ربما أكبر وأعمق، ورؤية أوضح لئلا يعيد التاريخ عبر ممارساته الحديثة غباء الماضي في تدميره للفن؛ إن المعرض يسعى للظهور بمظهر الراديكالي، ولكن هل هو فعلًا كذلك؟ ثم ينتقل بنقده من المعرض إلى المتحف ذاته، الذي تقف من خلفه مؤسسة علمية وفنية عريقة كبرى، ليثير نقطة أخرى شديدة الحساسية بخصوص مقتنيات المتحف التي عرضها، والشفافية التي يجب أن يعتمدها هذا المتحف وبقية المتاحف في أوربا؛ كل تلك الآثار، والتي استقرت في لندن وباريس وبرلين وكوبنهاجن، وقد جاؤوا بها من دول البحر المتوسط والشرق الأوسط والمستعمرات الإفريقية، كيف وصلت إلى المتاحف الأوربية؟ وبإخراجها من المعابد والقبور ونقلها، أليس هذا الفعل في حد ذاته هو تدمير الأيقونات Iconoclasm؟