في مفتتح ديوانه «صور عائلية» (دار المرايا)، يُعَرِّف الشاعر المصري يحيى وجدي الشعرَ بأنه ذلك الذي يستطيع أن يسبر أغوار حبه. يقول الشاعر في إهدائه الذي صدَّر به ديوانه: «أي شعر هذا الذي لا يستطيع وحده أن يقول: كم أحبكما؟!» تساؤل يحتمل الشك والسخرية في بعض وجوهه، ويحتمل في وجوهٍ أخرى استنكارًا ألا يكون الشعر جديرًا بمهمة التعبير عن الحب. وبقدر عمق حبه وقوته، وبقدر قدرة الشعر على النفاذ إلى أعماق هذا الحب يكتسب معناه. سواء أكان هذا الحب شخصيًّا أم عائليًّا أو حتى اجتماعيًّا. الشعر في نهاية المطاف حُب.
شعرية الحب والموت
إذن القدرة على سبر أغوار الحب، هي المعيار الأول والأخير الذي يمكن من خلاله أن نحدد ما هو شعر، وما هو ليس كذلك. وبقدر ما يتمكن الشاعر من التعبير عن حبه، بقدر ما يكون شاعرًا. يتصادى مع هذا المعنى تشبيه الشاعر للحب بالسباحة التي مهما كانت خبراتك ﻓكل «غطس (فيها) رهان مع الموت». وذلك في إشارة إلى الفارق غير المحسوب الذي تحمله مغامرة الحب مع كل تجربة جديدة.
هذا الفارق أو الهامش يظل تحدِّيًا للعاشق المُجرب في اجتيازه، مثلما هو تحدٍّ للشاعر العاشق في التعبير عنه: «الحب يُشبه أشياء كثيرة في الحياة/ كثيرة جدًّا/ ربما أكثر من الحياة ذاتها/ لكنه بين كل الأشياء أقرب جدًّا للسباحة/ مهما كنت تعرف البحر/ مهما كانت خبراتك/ كل غطس رهان مع الموت».
بديهي بعد ذلك ألا يكون الشعر ممكنًا، أو قادرًا على الاستمرار من دون الحب. فكأنه، أي الحب، الزيت الذي يسمح ببقاء قنديل الشِّعْر مضيئًا: «يا رب لو تسمعني امنحني القوة ألا أضعف فأكلمها حينما أكون سكرانًا/ يا رب اجعلني شجاعًا بما يكفي أو أقول لك: عاقلًا فاحتفظ بها/ لأتعذب وأكتب شعرًا». ومن خلال الكفاح لردم الهوة بين ما هو حب، وما هو تعبير عنه تتجمع خيوط هذا الديوان. ولعل صعود ضمير المُخاطبة هو العقد الناظم لهذه الخيوط. فالصوت الذي ينطق في القصائد صوت عاشق يخاطب امرأة، يناجيها ويتذكرها ويشتاق إليها، وينتظرها على أحر من الجمر: «كل باب ينفتح. أي باب، انتظر دخولك منه».
وسواء أكان هذا الباب بابًا في بيت ذاقا فيه طعم الحب، أو بابًا في حلمٍ خطرت فيه كما كانت تخطر في الأيام الخوالي، فالشاعر منخرط في حالة استحضار لها، يعيش معها ويعايشها، ويكتب بحبها بداية العالم ونهايته: «ينتهي العالم ويبدأ حين نتكلم/ نخلق الكون بقبلة/ تتكور الأرض، وتجري الأنهار/ من ريقنا يسحب الماء الثقيل العُشاق».
غير أن الموت طرف آخر فاعل في هذا العقد الناظم. أعني موت العاشق مع معشوقته أو الحبيب مع حبيبته. ولو قُدر للشاعر أو لحبيبته الموت شنقًا، مثلًا، فإن غاية ما يتمناه الشاعر أن يلتف حول عنقهما حبل واحد. إنَّ الحب الذي وحَّد بينهما، يجب أن يجمعهما، بالمثل، على نهاية واحدة: «كل الذين ينتحرون يشنقون أنفسهم فرادى/ أنا وأنتِ سنُعلق رقبتينا في أُنْشُوطة واحدة».
هذه العلاقة اللازمة لزومًا ضروريًّا بين الحب كبداية، كحياة، والموت كنهاية واختتام يتردد صداها في الأعمال التي نقوم بها، والأيام التي تمرُّ علينا. في قصيدة «صور عائلية»، التي يحمل الديوان اسمها، يأخذ الشاعر لقطة استثنائية تسجل وجه الشبه بين «مواكب الزفاف» و«مواكب الجنازات». فيرى أصداء الحياة تتردد في الموت، ويرى أطياف الموت وهي تنعكس على مرايا حياتنا. يقول: «الأشقاء يصطفون خلف العروس عند عقد القران/ ولدى حمل التابوت/… في الاثنين لا بد من رجل دين/… مواكب الزفاف تشبه الجنازات/ ونعود من كليهما وقد نقصنا واحدًا».
ربما لأجل ذلك فُتن الشاعر بالسطور الشعرية القصيرة التي تستخلص العِبَر وتُلخص النهايات. وتحاكي بقصرها وإيجازها قِصر حياتنا وعبورها. يقول، مثلًا، في ختام قصيدة «الحب»: «لا تثق أبدًا في صفحة الماء/ هي مثل الحب تافهة ومميتة». وفي قصيدة «جرائم» يقول: «أي جريمة ارتكبناها حين تعاملنا مع الحياة كقتلة/ وفي الحب كأطفال؟/ كان يجب أن نفعل العكس/ أو أن نكون أسماكًا وطيورًا/ كان يجب أن نكون ثعالب/ حتى ننجو من مصيرنا الحالي/ أصبحنا صلبانًا خشبية يحملها العشاق الحقيقيون».
صوت المقهورين
لكنّ مستوًى ثالثًا يومض خلف هذين المستويين، الحب والموت، اللذين يهيمنان على الديوان. لعله نوع من السخط الاجتماعي أو السياسي الذي تتبلور فيه وظيفة ثانية للشعر. تعبر الوظيفة الجديدة، هذه المرة، عن دور يُنتظر من الشاعر أن يلعبه تجاه مجتمعه. فيعبر عن معاناتهم وآلامهم. ربما بحكم الدور الموروث عن شاعر القبيلة القديم المنذور للدفاع عن قبيلته. يمكن القول: إنَّ هذا الدور هو نوع من الحب الاجتماعي الذي يصبح فيه الشاعر لسان حال الآخرين. تتصادى هذه الوظيفة الجديدة للشعر مع مقولة مأثورة عن «رامبو» صدّر بها الشاعر ديوانه تقول: «العذابات هائلة، لكن ينبغي على المرء أن يكون قويًّا، أن يكون قد ولد شاعرًا يموت على معتقده». الشعر؛ إذن، مقاومة خلقها الدفاع عن مبدأ أو قضية أو معتقد يعيش الشاعر ويموت من أجله: «هل ستكتب شعرًا؟ لا تكتب عن رغيف الخبز إذًا/ أرجوك لم يعد رمزًا للجوع ولا الاشتهاء…/ اكتب عن السجق وأوراك الفراخ الحارة/ اكتب عن نظرات الحرمان في عيون الأطفال/ إذ يتطلعون إلى هذه الوجبات الشهية في الإعلانات/ حسدهم لمن سيحصلون عليها مع تربيته من الآباء/ هذا كله لن يكفيه ألف ديوان».
يريد الشاعر للشعر هنا أنْ يلامس الواقع من أطرافه البعيدة. فيجس نبض المحرومين، وينصت لخلجاتهم وشكواهم الصامتة. أن يهبط بمظلته على أرضهم، ملامسًا بقدميه أرضهم الصلبة القاسية. غير بعيد من هذا السخرية المكتومة في قصيدة «إعجاب» التي تُبدي إعجابًا باللصوص «الهجامين بالذات»، وتنفر من القتلة «الضابط والقاضي والطبيب». أما «الهجامين» فتستهويه «شجاعتهم في ترويع المتأنقين: هؤلاء الذين يحصلون على ما يريدون في الحياة بملابسهم الغالية». وأما «الضابط والقاضي والطبيب»، فمجرد «سماسرة أرواح». بذلك تنقلب الموازين رأسًا على عقب. ويصبح ما هو خارج على القانون، ما هو غير شرعيٍّ، شرعيًّا. ويصبح ما هو قانوني وشرعي ليس كذلك من منظور الشعر والشاعر.
تتصاعد نغمة السخط وتصل ذروتها في قصيدة «غابة الحياة»؛ لا لأن الشاعر شَبَّه الحياة بغابة، فلا هو أول ولا آخِر من فعلها أو سيفعلها. لكن الشاعر، تحت وطأة سخطه العارم، يقلب نفسه وحشًا يلتهم الأخضر واليابس، ولسان حاله يقول: لئن كانت الدنيا غابة، فلا بأس من أن أكون وحشًا. فالوحشية هنا نوع من رد الفعل الموازي لفعل أكثر وحشية وقسوة: ﺴَ«آكل الزهور/ سأحشو بها فمي/ الحمراء مع الصفراء مع البيضاء/ سأقضم لحاء أكبر شجرة/ وأترك أسناني في جذعها مثل خنجر في ظهر قتيل غافل/… سأخنق الأرانب البرية/ وأسحق الحشرات بين كفي/ وبما يتبقى من قوة سأحفر سريرًا عميقًا، لحدًا/ أستلقي فيه: عشرة أعوام، مئة، ألف، عشرة آلاف عام/ أنظر للنجوم حتى تسقط السماء على الأرض».
0 تعليق