الثلاثاء - 3 ربيع الأول 1439 هـ , 21 نوفمبر 2017 م | مجلة الفيصل

  1. الرئيسية
  2. كتب
  3. اختزال أمل دنقل في قصيدة «الرفض» ينتقص من تجربته

اختزال أمل دنقل في قصيدة «الرفض» ينتقص من تجربته

محمود قرني - شاعر وكاتب مصري
نشر في: الأحد 05 نوفمبر 2017 | 06:11 ص
774 مشاهدة لا توجد تعليقات
A+ A A-

قبل أكثر من عشر سنوات، في أثناء زيارة إلى المغرب، كنت أتبادل الحديث مع شاعر ومثقف لبناني كبير حول الشعر المصري، وعندما ورد اسم الشاعر «أمل دنقل» قال الرجل بشيء من التحفظ: «أمل شاعر مهم وربما كان كبيرًا، لكنه يظل شاعرًا مصبوغًا بالمحلية». حاولت أن ألتمس وقتها سببًا يبرر قبولي رتبة أدنى لـ«أمل» بين شعراء عصره الكبار، لكنني تمثلت في النهاية جانبًا من مقدمة الدكتور مصطفى ناصف لكتابه «صوت الشاعر القديم»: «إذا اختلف الناس في قدرتهم على الإنصات والدخول في عوالمهم وعوالم الآخرين فمعنى ذلك أنهم مختلفون في القراءة».

صعد إلى رأسي ذلك النقاش عندما طالعت ذلك السفر الضخم الذي قدمه الدكتور «جابر عصفور» تحت عنوان: «قصيدة الرفض. قراءة في شعر أمل دنقل»، وهو كتاب صادر قبل أيام عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، ويقع في نحو ستمئة صفحة من القطع الكبير. يمثل الكتاب جانبًا من حصاد الدراسات والمقالات والأبحاث التي قدمها عصفور خلال سنوات طوال، وينتظر أن يصدر جزؤها الثاني عما قريب. الكتاب ممتع ومؤرق في آنٍ، ومع ذلك ينطوي على سلاسة لا يعرفها النقد التطبيقي لدينا؛ لذلك لن أكون مبالغًا عندما أقول: إنه يعد واحدًا من أهم القراءات التطبيقية التي تقترب من الاكتمال في نقدنا الحديث لأسباب عدة، أولها تلك العلاقة الحميمة التي ربطت بين الشاعر وناقده حتى رحيل «أمل» في عام 1983م، وهي علاقة لا يعتذر عصفور عنها عندما يقول في مقدمته: «لا أعتذر عن تدخل هذا العنصر الشخصي في عملية القراءة، فهو أمر لم أستطع، ولا حتى أرغب، في مقاومته»، وهو اعتراف، على ما ينطوي عليه من أخلاقية، إلا أنه لا يضفي أدنى قيمة على دراسة علمية بهذه الكثافة. أما ثاني تلك الأسباب فيتمثل في ذلك التتبع الدؤوب لتنامي تجربة أمل الشعرية عبر تطور مستويات وعيه المعرفي سياسيًّا وثقافيًّا، بدءًا من وعيه القروي الرومانسي الطابع؛ الذي أنتج في إطاره دواوينه الأولى مثل «مقتل القمر»، إضافة لعشرات من القصائد العمودية التي نشرها ثم عاد وأنكر معظمها بعد ذلك، ثم مرحلة صعود الوعي القومي وتبلوره الذي ارتبط بدوره بتطور وعي «أمل» بالمدينة. وقد استطاع عصفور أن يقدم قراءة «سوسيو نقدية» فريدة حول هاتين المرحلتين. فمرحلة الوعي القروي ترتبط عادة بالأسطورة وتنامي أصداء الخرافة والعلاقات البطريركية والمناخات المحافظة والغرائبية في آنٍ. أما التكوينات القومية فقد ارتبطت بالخطاب الوطني التحرري من جانب، ومن جانب آخر ارتبطت بتطور الوعي المديني لدى الشاعر حيث سيادة أنماط الإنتاج المغايرة وما تنتجه من علاقات معقدة ستساهم، قطعًا، في تنامي مفاهيم المجتمع البراغماتي الأكثر تنظيمًا والأكثر استجابة لحاجات الدولة الحديثة. أما ثالث تلك الأسباب فيكمن في أن عصفورًا نفسه يعد واحدًا من أبناء الدولة الناصرية القومية الطابع، وهو أيضًا أحد أبرز نقادها، رغم وصفه المسرف لتلك الدولة بـ«التسلطية» على ما دأب عليه المثقف العربي الذي يعد مثالًا لـ«الهارب الطبقي» لدى غرامشي، ولا سيما في بحثه عن المناطق الدافئة الرمادية الطابع.

جابر عصفور

وسنرصد في تقدمة الكتاب وبعض فصوله كثيرًا من الإدانات التي وجهها عصفور لدولة مبارك رغم كون الرجل أحد رموز إنتاج سياستها، مع الوضع في الحسبان أن تلك الفصول لم تكن تتضمن تلك الإدانات عند نشرها في ظل الدولة التي عمل عصفور في ظلالها، ثم عاد لإدانة سياستها. أما رابع تلك الأسباب فهو نجاح عصفور في الالتقاط الحي والدقيق لتمايزات ما يسميه بقصيدة «الرفض» عند أمل، بداية من تحولات الوجدان الفردي «الرومانسي الطابع» مرورًا بتشكل الوجدان الجمعي، حسب التعبير الذي ينقله عصفور عن الدكتور محمد مندور، وهي مرحلة يطلق عليها الناقد والشاعر الإنجليزي ستيفن سبندر مرحلة «الذاتيات الكمية» التي تكون فيها ذات الشاعر اختصارًا لذوات المجموع. يتناول عصفور ما يسمى بقصيدة القناع، وهي من أبرز الملامح الشعرية لدى أمل منذ قصيدته «كلمات سبارتاكوس الأخيرة» ويرى أن تلك الحيلة كانت إحدى أهم أدوات الشاعر للهروب من«الانفعالات الذاتية وخلق معادل موضوعي ينأى عن الدفق المباشر للمشاعر الفردية»، ويرصد عصفور في السياق ذاته قصائد مثل: «العشاء الأخير»، ثم قصيدة «حديث خاص مع أبي موسى الأشعري» التي كتبها أمل في مارس من عام 1967م، وتنبأ فيها بالهزيمة. ومن خلال تلك القصائد يقدم عصفور قراءة معمقة لدلالات الأقنعة ومشكلة التناقض التي تفاقمت بين الأنا والآخر كأحد آثار هزيمة يونيو. ثم يستكمل الحلم الكابوسي الذي كلل الشاعر في قصيدته «تعليق على ما حدث» كرد فعل على مذبحة أيلول الأسود عام 1970م، وهي القصيدة التي حملت عنوان أحد أهم دواوين أمل، حيث بدا احتجاجًا شعريًّا رفيعًا على ما حدث في مصر من سياسات انفتاحية في الحقبة الساداتية. وفي هذا السياق سيمنح عصفور صديقه أمل دنقل عشرات الألقاب مثل: شاعر الفرح المختلس ص 271، والشاعر الرائي ص 289، ثم شاعر المد القومي، وشاعر الرفض وأخيرًا وليس آخرًا شاعر أنسنة الموت.

وينتهي الدكتور جابر عصفور إلى محاولة حسم عدد من القضايا الخلافية التي يبدو أنها لن تحسم أبدًا، مثل قضية حق الشاعر وحق الجمهور. وقد حاول، جريًا على ناموس النقد العربي في دعوته البغيضة للاعتدال، أن يتخذ موقفًا وسطًا بين حق الشاعر في تبني خطاب يقيم اعتبارًا لقارئه لكنه في الوقت ذاته يربط ذلك بألا يكون استجابة تنال من شعرية القصيدة. وهي إشكالية أظن أن جابرًا نفسه جزء من معضلتها. فمصطلح قصيدة الرفض، الذي قامت عليه بنية الكتاب، على ما فيه من ثورية، يبدو مقززًا بنفس قدر ثوريته، حتى لو كان من أطلقه متمرد كبير اسمه لويس عوض. فالمصطلح يبدو تعبيرًا «بونابرتيًّا» لميراث فاجع من الشمولية ينتهي إلى مقولة «نابليون»: «السياسة هي الشكل الحديث للقَدَر». وتلك قضية أثارت جدلًا واسعًا في الغرب حقبة ما بين الحربين، لكن الصراع كان يبدو أكثر رشدًا حيث استُبدل بقصيدة الرفض مصطلح أكثر موضوعية وأكثر علمية هو «أدب الالتزام»، وبدلًا من اللغط حول مصطلحات مثل حق الشعر وحق الجمهور حلَّ مصطلح وظيفة الفن عمومًا ووظيفة الشعر على نحو خاص. لكن المؤكد أن دعاة أدب الالتزام أنفسهم كانوا يتوجسون خيفة من أن يتحول أدبهم إلى أدب مذهبي تحت وطأة قناعاتهم الأيديولوجية؛ لذلك حذروا من تحول الكاتب الملتزم إلى معيار للحقيقة في إطار الصراع بين المثال والواقع. من ثم بدا تعبير «قصيدة الرفض» نموذجًا بدائيًّا للوعي المستلب لصالح الموقف العقائدي أو الأيديولوجي، وهو في أفضل أحواله يمثل وعيًا مثاليًّا يقترب من فوضى الميتافيزيقا باعتبارها حقيقة نفسها، وليست حقيقة من يعبر عنهم الشاعر. من هنا أتصور أن ارتباط شعرية أمل بقضايا سياسية جزئية تحت لافتة قصيدة «الرفض» أمر ينتقص من مشروعه الشعري، ويعزز المقولة التي تنتهي إلى أنه، رغم أهميته، يظل شاعرًا محليًّا.

اترك تعليقاً