«أيام بمفاتيح صدئة» لطالب المعمري أنشودة الوقت وتحولات فكرة الزمن

«أيام بمفاتيح صدئة» لطالب المعمري

أنشودة الوقت وتحولات فكرة الزمن

تتبدى معركة الشاعر طالب المعمري مع الشعر في ديوانه الجديد «أيام بمفاتيح صدئة» (الصادر عن الجمعية العمانية للكتاب والأدباء بالاشتراك مع دار «الآن» الأردنية) من ناحية هو قيمة جمالية؛ إذ تنخرط قصائده في السياسة لكنها تبدو أكبر من الشعارية، وتنخرط في الصراع مع المكان، تجرح هيبته لكنها تتمناه، تحتفي بالغنائية لكنها تقطرها بحيث لا يتحول النص إلى أناشيد منبرية، تحتفي باللغة في بساطتها لكنها تحدد مساحات تأويلها، تصارع الوقت وتقطعه وتسخر منه وترفضه أحيانًا ويبدو هنا امتياز الشاعر في الجمع داخل الشكل الشعري بين متناقضات العالم الواحد.

وسيتجلى لنا من عنوان الديوان ثيمتان أساسيتان؛ أولاهما العلاقة بالمكان وثانيتهما العلاقة بالزمن. وربما يصف الشاعر نفسه بأنه صاحب ديوان غاضب، وهذا صحيح في الإجمال لكننا لن نترك تلك المفردة على عواهنها؛ لأنها قد تحيل قصائد الديوان إلى منشور سياسي في حين هي ليست كذلك. فالغضب الذي يتبناه الشاعر الحداثي حسب أرشيبالد ماكليش يعني أن «تصوراته تنطوي على جوع فطري لما هو ضد العالم».

طالب المعمري

لكن تفسير تلك الضدية يبدو تعبيرًا عن رفض الشاعر فكرة التكيف التي يسعى المجتمع الحديث إلى إدراج البشر جميعهم في آلتها الساحقة. فالأيام عند المعمري لا تملك إلا مفاتيح صدئة، وربما كان العدم هو المرادف الحقيقي الذي لم يقله الشاعر هنا، وإنما يفصح عنه ما وراء العنوان. وإذا تأملنا البيت الذي صدر به الشاعر ديوانه سنجد أنه تاريخيًّا مكتوب في القرن الخامس الهجري وهو للشاعر «أبزون» العماني، وجماليًّا ينتمي لأكثر الأشكال الشعرية التقليدية وهو العمود الشعري وهو ما يعني انفتاح الشاعر ونصه على الماضي والحاضر في آن، لكن مضمون البيت الذي اختاره المعمري يبدو مثيرًا للضحك لفرط مأساويته وفرط فيوضه التعبيرية: «فكأنما الدنيا يدا متحرز/ وكأنني فيها وديعة سارق» وهو تصور مفزع للواقع الإنساني ربما تجاوز قول امرئ القيس: «لقد طوفت في الآفاق حتى.. رضيت من الغنيمة بالإياب» فالدنيا على قول «أبزون» يدا قابض مرتجف خائف على أحرازه والشاعر وديعة بين يدي لص، على ما في حال المتحرز واللص من خوف يبدو غريزيًّا حد الموت. هذا المناخ تشتد فيه فكرة الرفض أو الغضب كما يراها الشاعر.

صوت الجماعة صوت الفرد

فهو يرى، في واحدة من شهاداته على الشعر، أن «الصحراء الواسعة التي نسميها الحياة، تقود الكائن البشري إلى الهلاك بالتخريب والتخلف والنكوص والحروب والعولمة»، ومع ذلك يظل الشعر من وجهة نظر المعمري «صوت الجماعة كما هو صوت الفرد في كينونته الخاصة ووجوده الأصيل بعيدًا عن قافلة الجماعة وابتلاعها له». من هذا المنظور يتعزز مفهوم الذات المفردة التي تختصر الذاتيات الكمية داخلها لدى الشاعر حيث إن ما يبدو مأزقًا ينحو إلى المحنة الشخصية يبدو على أنه محنتنا جميعًا سواء كانت تلك المحنة وليدة لحظتنا أو وليدة الماضي، ومن هنا، فإننا نعيش الماضي كزمنٍ موصول لا يمكن قطعه أو استئصاله من الذاكرة؛ لأنه زمن لا يقطع الصلة بنموذجه الأصلي الذي نبت منه أو وُلِدَ في حجره على حد قول «أوكتافيو باث».

وعندما نتتبع فكرة الزمن في الديوان سنجدها تأخذ معنى المحنة الذاتية لكنها تتعدد في تجلياتها بحيث تصبح هي نفسها محنة الجماعة البشرية التي يتحدث الشاعر باسمها، ومن ثم سنجدها تُراوِح بين الزمن المتناهي والزمن اللامتناهي. والجماعة في قصيدة النثر هي أيضًا جماعة ضمنية تشمل الإنسان في كل مكان. والزمن على سبيل المثال في قصيدة «يأتيك الوقت» ص 10 يبدو تعبيرًا سافرًا عن إيقاع عصر المدنية الساحق. يقول الشاعر: «يأتي الوقت إليك/ هل ستسامحه/ ليعبر حياتك/ ستراه أحمق وجبانًا/ يمضي كبلدوزر أميركي/ يحث خطاه نحوك» وهكذا يتبدي تعبير الزمن في ارتباطه بمفردة بلدوزر أميركي حيث إن أميركا تمثل صور المدنية الساحقة والمهيمنة على كل بقاع الأرض تقريبًا، فتبدو شريكًا للشاعر في زمنه أو على الأقل هي عامل من عوامل محدداته، وهو ما يرفضه الشعر والشاعر معًا حيث يبدو متأبِّيًا على التنميط أو الانسحاق.

أما الزمن في قصيدة «رماد» فهو زمن قديم يبدو قابلًا للتكرار حسب مفهوم الزمن الدائري عند القديس «أوغسطين»، ربما لارتباطه بإيقاع الصحراء والصخور الجرداء وهي بطبيعتها ملامح قديمة، ومن ثم فتظل قابلة للاستعادة. يقول الشاعر: «ككومة حجر/ هو الوقت/ الصخور الجرداء تعرفك كظلها/ وتعرف من ظلها جرح الانتظار/ من أين يأتي الجديد/ صحراء صحراء صحراء/ أرواح مليئة بالرمل». سنجد أيضًا الزمن في قصيدة «جدار»، يبدو تعبيرًا مخيفًا عن العجز بينما تمرُّ الأيام من بين أيدينا ولا نملك لها استيقافًا، يقول الشاعر: «لا تعد الوقت/ الحياة طفولة تشيخ/ كعجين في يد خباز ماهر». أما في قصيدة «بلا»، فيبدو الزمن تأكيدًا على الإرادة المستلبة أمام عنف الواقع وسحقه لإنسانية الإنسان حيث لا يبدو الشاعر إلا مسمارًا من عالم الجمادات يؤدي دوره ضمن آلة ساحقة، يقول الشاعر طالب المعمري: «يتدحرج الوقت بك/ وأنت مسمار في جنزير/ الوقت بلا رأس وأنت فيه». أيضًا لا تخرج قصيدة «قبل أن يـأتي الغزاة»، عن لعبة الزمن تلك؛ إذ يعيدنا النص بنعومته وبساطته الآسرة إلى قصيدة «في انتظار البرابرة لليوناني قسطنطين كفافيس غير أن برابرة المعمري كانت قد قذفت بهم بالفعل سفينة نفايات على الشاطئ، على ما في مفردتي سفينة النفايات من دلالة، بينما برابرة كفافيس ما زالوا بعيدين لكن المدينة تنتظرهم ولا تفعل شيئًا غير الانتظار. ويبدو المردود الثوري في روحية النص المعمري فائضًا؛ لأن المدينة بالفعل تغلق أبوابها أمام من عدُّوها ماخورًا أو مسرحًا لحكايات فلكلورية.

تجليات المكان

أما تجليات المكان لدى طالب المعمري فهي تأخذنا بعيدًا من فكرة الأطلال والمنازل الدارِسة إلى تصورات يتبدى فيها الوجود الإنساني ناقصًا من دون المكان بوصفه بوتقة من بوتقات التخييل ومن ثم فهو جزء من معرفية النص الشعري الذي يتناوله، ليتحول المكان إلى نوع من المعرفة التاريخية. وإذا تأملنا نصًّا من أهم وأطول نصوص الديوان وهو «بحر الباطنة» سنجد أنه يمثل أعلى تعبيرات تلك الذات المنقسمة بين ماضٍ حميم صنع مخيلة الشاعر وصار جزءًا من حقيبة ذكرياته وحاضر بائس تجف فيه المياه كمعادل لجفاف المخيلة والذاكرة الإنسانية يقول الشاعر: «لم يعد من اسمك شيء/ بحرك لم يعد يعانق شمس طفولتنا»، ثم يعمق شعوره ذاك ببعض الغنائية التي تجعل الذكرى نشيدًا محببًا وتمثيلًا لترجيع إنساني حزين عندما يقول: «يا بحر الباطنة/ ذبلت زرقتك/ في أغصان القلب».

ثم يقول: «أنا المعترف بالحب/ جف ماء الكلام بقلبي/ وحين غربت شمسك/ انطفأ القمر/ لا آهات ولا أنين». أيضًا ينطبق التصور نفسه على قصيدة نجمة الليل البعيدة التي يتتبع فيها الشاعر خطى شاعرين من الصعاليك هما النابغة الذبياني وبشار بن برد. المكان إذن ليس مساحة من الأبعاد الهندسية على ما نرى في النص لكنه أبعد من ذلك إذا وضعناه في إطار التصور الجمالي للفن، وهو ما عمل الشاعر على تعميقه على مستوى الديوان منذ قصيدته الأولى حتى نصه الأخير.

وفي النهاية لا بد من القول: إن الشاعر طالب المعمري استطاع أن يضيف لرصيد قصيدة النثر العمانية والعربية على السواء ديوانًا يستحق الانتباه.

حسن حنفي: النخبة الثقافية تقع في أخطاء جسيمة بسبب تملقها للجماهير ورجال الدين مفكر يرى أن الغرب ضحية لصور نمطية عن تاريخ العنف في الإسلام

حسن حنفي: النخبة الثقافية تقع في أخطاء جسيمة بسبب تملقها للجماهير ورجال الدين

مفكر يرى أن الغرب ضحية لصور نمطية عن تاريخ العنف في الإسلام

ثمة أسئلة لا نهائية يطرحها حوار مع مفكر كبير مثل الدكتور حسن حنفي. فقد وهب الرجل مشروعه للإجابة عن أسئلة عصية، لا سيما أنه يعمل على حقل شائك هو الفلسفة الإسلامية التي ظل حضورها إشكاليًّا في التاريخ الإسلامي. وقد كان علماء الكلام محط هجوم السلطات المحافظة عبر التاريخ، وهو الأمر الذي تمخض عنه صراع بين الفكر المعتزلي بطبيعته العقلانية والفكر الأشعري الذي يؤمن به حنفي وإن انتقده في مواضع عدة. في الوقت نفسه فإن السؤال عن الصراع الذي يجب على الدولة العربية أن تخوضه ضد «أسواق العُصَاب الديني» لم يجد إجابة ملائمة حتى الآن. وهذا ما حاوله الدكتور حسن حنفي وغيره من المفكرين الذين يُصنَّفون كرموزٍ لتيار اليسار الإسلامي. ربما لهذا السبب كان لا بد لهذا الحوار أن ينطلق من سؤال جوهري طرحه مفكرنا في مقدمة موسوعته «من النقل إلى العقل» وما إذا كان يمكن أن تنجح عقلانية عربية مستمدة من العقلانية الغربية أو الرياضية ومقلدة لها في حين العقلية العربية مغروزة في العلوم النقلية؟

لقد سعى مفكرنا منذ كتابه المهم «التراث والتجديد» إلى التأسيس لعلم إنساني شامل، لكن فرادته تكمن في أن هذا العلم يقوم على فكرة الوحي والكتب المقدسة رغم أنها تمثل أعلى درجات المعرفة الحدسية وليس العلمية. أما على مستوى القراءة والتأويل فقد أشار في خاتمة المجلد الأول لكتابه من «النقل إلى العقل» إلى مشكلة وصف القدماء لفضائل القرآن عبر الرواية.

ويتفق حسن حنفي مع كثير من الباحثين والمفكرين على أن ابن تيمية والغزالي وغيرهما حققوا نصرًا أشعريًّا ضد علماء الكلام والمعتزليين عامة، وهو الأمر الذي جعل النهايات تفضي إلى ما نحن فيه. ورغم أن هؤلاء المعتزليين كانوا جزءًا من بنية تسلطية أسست لإمبراطورية واسعة قامت على الطاعة، فإنها حققت نصرًا ساحقًا لأنها كانت الأكثر براغماتية، وهو أمر يبدو من الحتميات السياسية. ومع ذلك فإن مفكرنا يرفض الهوية ذات المرجعية الدينية والعرقية والطائفية، مقابل الدعوة لهوية إنسانية نابعة من الذات لتستطيع تجاوز التفاوت والتفرقة بين البشر.

على جانب آخر كانت ترجمته المهمة لـ«إسبينوزا.. رسالة في اللاهوت والسياسة» مصدر تأثير بالغ في مسار الفلسفة العربية. ففضلًا عن أن هذا الكتاب واحد من أهم مؤلفات إسبينوزا فهو أيضًا رسالة في فصل العقل عن النقل. وقد انتهى حنفي نهاية إسبينوزا نفسه مؤمنًا بأولوية حسم الصراع لصالح العقل في مشروع اليسار الإسلامي حسبما فعل الغرب مع كنيسته.

أما الاستشراق التقليدي الذي وصم العقلية السامية عمومًا بالقصور بسبب رفضها الفطري للأبنية العقلية والالتفاف فحسب حول فكرة التوحيد، فيرى حنفي أن جزءًا من الاستشراق القديم ظل يعمل في سياق النموذج الذي تعامل مع الشرق بوصفه مسرحًا لاستعراض القوة، وأنه لا يعدو أن يكون حالة فلكلورية كما يرى إدوارد سعيد.

ولد الدكتور حسن حنفي عام 1935م، ويعمل أستاذًا للفلسفة في جامعة القاهرة. كما قام بالتدريس في جامعات طوكيو وفاس وفيلادلفيا، وقد أصدر عددًا من الكتب المهمة من بينها: سلسلة موقفنا من التراث القديم: التراث والتجديد (4 مجلدات)، ومن العقيدة إلى الثورة (1988)، وحوار الأجيال، ومن النقل إلى الإبداع (9 مجلدات)، وموسوعة الحضارة العربية الإسلامية، ومقدمة في علم الاستغراب، وفيشته فيلسوف المقاومة، وفي فكرنا المعاصر، وفي الفكر الغربي المعاصر، وحوار المشرق والمغرب، ودراسات إسلامية، واليمين واليسار في الفكر الديني من النص إلى الواقع، ومن الفناء إلى البقاء، ومن النقل إلى العقل، والواقع العربي الراهن، وحصار الزمن.

وقد ذهبت إلى الدكتور حسن حنفي حيث يقيم في حي مدينة نصر أقصى شمال شرق القاهرة. كنت أقلعت عن العمل الصحفي منذ سنوات طويلة، لكنَّ حوارًا مع مفكر بحجم حسن حنفي حافِز كافٍ لإعادة النظر في هذا الموقف. المكان بسيط جدًّا. الرجل أصبح قعيدًا يحمله كرسي متحرك. مكتبه صغير جدًّا لا يتجاوز ستين سنتيمترًا، يعيش إلى جواره شاب اسمه محمود يقوم على قضاء حاجاته ويقوم بمهمة سكرتيره الخاص. أمامه كومة من الكتب والأوراق تتوسطها وريقات كتبت بقلم الفلوماستر العريض باللون الأخضر. ربما كانت تلك الأوراق تحوي بعض العناوين التي سيراجعها في أثناء حديثه. وعندما أطلعني الدكتور حنفي، كما ترون في هذا الحوار، على ملابسات نشر كتبه وكيف يتعامل معه الناشرون وعلى رأسهم هيئات الدولة في مصر سنتأكد من الأسباب الحقيقية التي أدت إلى ما نحن فيه. كان الرجل باشا مرحبا، لكنه بسبب اعتلال صحته، كان حريصًا أن يكون وقت المقابلة محدودًا قدر الإمكان، فهو لا يستطيع الجلوس على مقعده طويلًا.

وعندما شرعت في توجيه أسئلتي إليه عبر بعض الوريقات التي أحملها بين يديَّ قال لي: لا تقرأ من ورق لأنك إن قرأت من ورق أطفأت الجذوة التي فيك. نحن في الجامعة لا نقرأ من ورق لذلك نكون أكثر تلقائية وأكثر حضورًا. فوعدته بالتخلي عن التراتبية والنمذجة التي حملتها الأسئلة المكتوبة وبدأنا حديثنا.. وهنا نص الحوار:

● ثمة أسئلة لا نهائية يطرحها حوار مع مفكر كبير مثلك؛ وهَبَ مشروعه للإجابة عن أسئلة عصية، لكن دعنا نبدأ من سؤال جوهري طرحتَه في مقدمة كتابك «من النقل إلى العقل»: هل يمكن أن تنجح عقلانية عربية مستمدة من العقلانية الغربية أو الرياضية ومقلدة لها بينما العقلية العربية مغروزة في العلوم النقلية»؟

القدماء صنفوا العلوم إلى ثلاثة أنواع. علوم عقلية خالصة لا دخل فيها للنقل مثل الرياضيات، والصيدلة، والفلك، وعلوم الحيوان والنبات، وهي علوم لا تخضع للبرهان. هذه العلوم هي التي تُرجمت إلى اللاتينية وأثرت تأثيرًا بالغًا في العلوم الأوربية الحديثة. وللأسف نحن انقطعنا عن هذا التيار. ولو ذهبت إلى قرطبة ووقفت في ميدان الغافقي وسألت: من الغافقي هذا؟ لعرفت أنه واضع علم البصريات وهو الذي حلل العين واكتشف مجالات الرؤية. وهناك علوم نقلية خالصة لا دخل فيها للعقل وهي للأسف العلوم التي تسيطر على الأزهر وأحيانًا على دار العلوم وأقسام اللغة العربية وهي خمسة: القرآن والحديث والتفسير والفقه وعلوم التصوف. وعلوم تجمع بين العقل والنقل وهي أربعة: علم الكلام أي أصول الدين، علم الفلسفة أي علوم الحكمة، وعلم أصول الفقه، ثم علوم التصوف.

● لكن مؤسساتنا العلمية وجامعاتنا لم تكن في أي لحظة عند هذا الوعي. كيف تفسر ذلك؟

تفسير هذا أننا أكثرنا في جامعاتنا من تدريس العلوم النقلية؛ لكن أين العلوم العقلية؟ لماذا نخشى من تناول العلوم النقلية ونتركها في أفواه الخطباء والدعاة وكل من يريد أن يتاجر بـ«قال الله وقال الرسول». لقد وضعت كتابي «من النقل إلى العقل» لكي أحاول أن أعيد بناء هذه العلوم الخمسة ليس باعتبارها علومًا عقلية خالصة ولكن على الأقل باعتبارها علومًا تجمع بين العقل والنقل. صحيح أن القدماء تكلموا فيها ولكن ما يهمني أنا ليس الوحي وجبريل وكيف نزل على الرسول. ما يهمني فيها هو أسباب النزول. فالوحي لم ينزل إلا بناءً على سبب. «ويسألونك عن الأنفال» أي في كيفية توزيع الغنائم فتنزل الآية لتنظيم الأمر. الأشياء العامة هي التي سأل عنها الناس وقتها، أما الأشياء التي لا يستطيع الإنسان أن يصل إليها مثل: «ويسألونك عن الروح» فهذه تمثل القيمة الإيمانية، لذلك ليس من الملائم الإفراط في الأسئلة حولها. لكن هذا للأسف ما يحدث الآن. نسأل عن كل شيء غيبي عن عذاب القبر وعن الروح وعن كل شيء ونختلف ونُكفِّر ونخرج عن الدين، في الوقت الذي يجب أن تكون أسئلتنا عن الأشياء التي تهمنا.. الفقر والاستبداد والاحتلال والغش والنهب والسلب وغلاء الأسعار وتفتيت الأمة والحروب الأهلية بين أعراقها. هذا هو التحدي.

● ولكن المناخات المحيطة بالعقل العربي بطبيعته التلقينية تُعزِّز فكرة التشدد كما أشرت. فكيف لنا أن نتجاوز ذلك؟

في علوم القرآن شيء مهم يتجاهله الوعاظ والدعاة هو الناسخ والمنسوخ، ويعني أن القرآن تدرَّج في أحكامه طبقًا للزمان حتى يراعي قدرة الناس على تنفيذ نواهيه. وأشهر مثال على ذلك تحريم الخمر كما يعلم الجميع. فقال في البداية: لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى. ثم قال: فيهما إثم كبير ومنافع للناس، إلى أن وصل إلى وصفها بأنها رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه. إذن هناك أحكام، ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها. ونحن الآن نريد أن نطبق كل شيء في اللحظة ونعد الناس بالمستقبل ولا نحقق شيئًا. فهل معقول غلاء الأسعار بحيث يضرب السعر في أربعة أضعاف؟ هل هذا تقدير منطقي في الحفاظ على موارد الدولة؟

تقديس الشخصي

● ثمة رغبة قديمة في تقديس ما هو شخصي في التاريخ الإسلامي على حساب الانتصار للتاريخ الموضوعي. وربما يكون عِلْما الحديث والتفسير يمثلان دليلًا على هذا الالتباس. هل ترى ذلك؟

أما علم الحديث فقد أبدع العلماء في دراسة السند من المقطوع والمُرْسَل والرواية، لكن المتن نفسه لم ينقده أحد. حتى إن بعضًا قال قد يكون السند صحيحًا والمتن غير صحيح، وقد يكون المتن صحيحًا والسند غير صحيح. أليس علينا أن نقول شيئًا في المتن والسند؟ ولو أخذت تطور الرواية في علم الحديث لوجدت تغليبًا لحديث الرسول على شخصه، وكذلك السيرة. لكن مشكلتنا الآن أننا نغلب شخص الرسول على حديثه، بمعنى أدق نقدم الشخصي على الموضوعي. وأصبحنا نطلق استغاثات غير مفهومة مثل: أغثنا يا رسول الله، حبيبي يا رسول الله. وأخيرًا فيما يتعلق بعلوم التفسير فهي حتى الآن تمثل إشكالية. انظر إلى الطبري وابن كثير وسيد قطب وتفسيراتهم من الفاتحة إلى الناس، وانظر كيف تتكرر الموضوعات نفسها. هذا ما دفعني لعمل تفسير موضوعي للقرآن، وهو تفسير يقوم على تجميع الآيات التي تدور حول موضوع واحد. الظلم، العدل، الحرية، حتى نعرف رأي الإسلام في أيديولوجيات العصر. وقد طبعت هذا الكتاب على نفقتي؛ لأن الناشرين معظمهم يأخذون الكتاب ولا يعودون إليك. يجعلونك تدفع قيمة الورق ويعدونك بردِّ ما دفعتَ ولا يرجعون، فقلت: إذن لماذا لا أطبع الكتاب على نفقتي. ولكنني لا أدري ما أفعل في التوزيع.

● ولماذا لم تطبعه في إحدى هيئات الدولة؟

هيئة الكتاب طبعت الأجزاء الأول والثاني والثالث من كتاب «من النقل إلى العقل» بعد ست سنوات مع أنني تنازلت للهيئة عن جميع حقوقي في سبيل أن يخرج هذا الكتاب جزءًا كل عام. في بيروت طبعوا الجزء الأول فقط، ومكتبة مدبولي طبعت ثلاثة الأجزاء ثم توقفت.

● روى الدكتور نصر حامد أبو زيد في كتابه «نقد الخطاب الديني» أنك في أحد اجتماعات الجمعية الفلسفية قدمت بحثًا انتهيت فيه إلى تقديم الواقع على الوحي، فهاج معظم أساتذة الفلسفة من الحضور وتحدثوا عن أن الوحي يمثل الحقيقة المطلقة ومن ثَمَّ لا مجال لمناقشته تحت أي ظرف، وأن أي جدل فيه يمثل نوعًا من المروق.. كيف تفسر هذا؟

نعم هذا ما قلته. وهو أولوية السؤال على الجواب. فهل الوحي ينزل بلا سؤال؟ تأمل مثلًا آية قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها. الوحي نزل عندما وجد أن الرسول صلى الله عليه وسلم يبحث عن قِبْلة. هذا لا يقلِّل من شأن الوحي، بل هذا ما يزيد عظمته. لماذا نتحدث فقط عن الواقعية عند ماركس وإنغلز ويوسف شاهين ونجيب محفوظ؟ النص يعالج واقعًا. النص يأتي تلبية لحاجة.

● أشرتَ في كتابك «الدين والثقافة والسياسة» إلى ما يسمى ما بعد الأصولية. وكنتَ تقصد بهذا المصطلح اليسار الإسلامي أو الإسلام المستنير، واتهمت الغرب بالوقوف فحسب أمام ظاهرة الأصولية وغض الطرف عن التعامل مع ما بعدياتها. هل تعتقد أن هذا الموقف له علاقة برغبة غربية في نمذجة العنف ليكون جزءًا من ذرائعية التدخل بأشكال شتى، ولتكريس صورة الآخر العنيف والهمجي التي يقتات عليها وبها؟

الغرب ما زال ضحية بعض الصور النمطية المؤثرة فيه مثل ربط الإسلام بالتخلف والإرهاب واللاعقلانية، إلخ. فإذا حاول أحد أن يبين حقيقة المرأة في الإسلام، التنمية والتقدم في الإسلام وأعطى أسئلة من التاريخ انزعج الغرب من هؤلاء المفكرين الجدد الذين يحاولون تجاوز الصور النمطية التي اعتادوا عليها منذ أيام الاستشراق والاستعمار إلى آخره، وبالتالي أنا أحزن عندما أرى في وسائل الإعلام المصرية أن الرجل يضرب المرأة. نحن نعطي من يريد تشويهنا المادة التي يشوهنا بها ومن ثم فإن أهمية اليسار الإسلامي هو الخطاب الثالث. فقد واجهت الخطاب السلفي الذي يعرف كيف يأخذ ولكنه لا يعرف ماذا يأخذ. فهو يدعونني إلى الأخذ بالأحكام كافة الحدود ومنع الاختلاط وكذا. ثم يتحدث أيضًا عن الحرية والديمقراطية والتنمية والعدالة الاجتماعية لكنه لا يعرف كيف الوصول إليها في الواقع، فهو مرة يسميها اشتراكية ومرة يسميها قومية ومرة ليبرالية. أنا أريد أن أعطي خطابًا ثالثًا يعرف كيف يقول، أي يستعمل لغة التراث الإسلامي الذي تحول إلى ثقافة شعبية وماذا يقول ليتحدث عن مصالح الناس. فما زال يؤثر فينا ما حدث للمصري الذي ضربه ابن عمرو بن العاص عندما قال له عمر: لماذا استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟ هذه هي الليبرالية. عرابي وقف أمام الخديو توفيق في قصر عابدين وقال له قولته الشهيرة التي صارت مثلًا: «إن الله خلقنا أحرارًا ولم يخلقنا تراثًا أو عقارًا، فوالله لن نستعبد ولن نورث بعد اليوم». لقد أخذ الرجل مطالب الناس وعبَّر عن رغبتهم في انتزاع الحرية. الأفغاني يقول مثلًا: عجبت لك أيها الفلاح، كيف تشق الأرض بفأسك ولا تشق بها قلب ظالميك. حتى القرآن يصف أخوين أحدهما عنده 99 نعجة والثاني له واحدة. الأول يريد الاستيلاء على نعجة أخيه. الأول لديه كل شيء والثاني ليس لديه شيء. إن أغنى أغنياء العالم من أمتنا وأفقر فقراء العالم من أمتنا أيضًا. هذا ما جعل اليسار الإسلامي يخاطب قلوب الناس.

● ولكن أين صوت اليسار الإسلامي اليوم؟

لعلك تذكر أنني أصدرت أول مجلة تحمل اسم هذا التيار عام 1982م لكنها صودرت بعد أول عدد وذهبتُ بسببها إلى المحاكمة. لكن للأسف اليسار الإسلامي الآن ليس له منبر وليس له تنظيم ولا جمهور لكنه في قلوب الناس. ستعرف ذلك إذا ذهبت إلى أواسط آسيا مثلًا.

● هل ترى نجاحًا لمشروع اليسار الإسلامي عبر سنواته الماضية؟

نجح في القلوب لدى الأغلبية الصامتة. وعندما يظهر يتجلى كما هو الحال في مهاتير محمد وقد تعاملت معه في معهد الدراسات الإسلامية الذي أسسه للنهوض بمشروع 2020، وتعاملت مع عبدالرحمن وحيد في ماليزيا وما زالوا يرسلون إليَّ العديد من الباحثين ليستمعوا وجميعهم باحثون شباب وأساتذة يطرحون عليَّ ما يفعلون وأناقشهم فيه. عبدالرحمن وحيد كان رئيسًا للجمهورية وكان تلميذًا لي في جامعة القاهرة وكذلك أحمد داود أوغلو وزير خارجية تركيا كان تلميذي في جامعة القاهرة، وكذلك رجب طيب أردوغان جاء إلى القاهرة واستمع إليَّ لكن السياسة استدعته.

● مشروعكم في مجمله يقوم على استعادة نوع ما من الإسلام شأن مفكري اليسار الإسلامي. بالطبع ثمة أهمية لثورة فقهية كاملة كما ترون، لكن النتيجة في النهاية تتحصل فيما انتهى إليه محمد أركون من ضرورة العودة إلى ما أسماه إسلام الصفاء الأول. ألا ترى أن ثمة خطرًا من وصول مشروع الإسلام السياسي إلى الحكم؟

الخطورة موجودة إذا ما دخل هذا المشروع إلى الحكم. التجربة الغربية نجحت؛ لماذا؟ مارتن لوثر حاول، وجاء هيغل وحوَّل العقيدة المسيحية إلى فكر. التثليث ليس الأب والابن والروح القدس لكنه الجدل بين الموضوع ونقيضه ومركبه، وهذا الجدل في التاريخ والأسرة. كنت أشرح للطلبة هذا الكلام فيقولون: إنهم لا يفهمون منه شيئًا، أقول لهم. مش فاهم التثليث؟ لكنك تفهم تثليث: «أنا والعذاب وهواك» هذه هي الهوية والواقع والآخر. ثم جاء الهيغليون الشبان وتساءلوا: ما الذي سنعمل بهذا الفكر وكيف نوظفه؟ لا بد من تركيبه على الإنسان والحرية وعلى الوعي إلخ، وكونوا تيارًا اسمه اليسار الهيغلي، ثم أتى ماركس وقال: ما الذي أفعل بالإنسان والوجود الذاتي والوعي؟ أين المجتمع والصراع، من هنا قدم نقدًا لنقد النقد أو يسار اليسار.

● ولماذا لم يتحول الفكر عندنا إلى تطبيق يمس حياة الناس؟

عيبنا أننا نريد الانتقال من الدين إلى الثورة من دون تحويل الدين إلى فكر، ثم ننقل الفكر إلى الواقع. وهذا ما حدث مع الطهطاوي والأفغاني ومحمد عبده، ومع دعاة التيار العلمي مثل فرح أنطون وشبلي شميل وإسماعيل مظهر الذي قضى حياته يدافع عن دارون. نحن نريد أن نقفز على المراحل، لكن هذا يمثل السبب الرئيس في أننا كلما ننهض نقع ثم نقوم فنقع، سواء من يقوم بذلك الشعب أو النخبة العسكرية.

محمد عابد الجابري

تملق الجماهير ورجال الدين

● هل تعني أن النخبة الثقافية هي فقط التي لم تُجرب؟

نحن لم نجرب حتى الآن النخبة الثقافية، كما حدث في الثورة الفرنسية. لكن يظل الخوف أن تقع النخبة الثقافية في أخطاء جسيمة بسبب تملقها للجماهير أو رجال الدين.

● كنت أحد دعاة ما يسمى بـ«ريح الشرق» وهي فكرة أظنها لم تلقَ صدًى في الواقع السياسي الإسلامي؟

أنا من الذين ساعدوا في تعزيز فكرة «ريح الشرق» فهناك جماعة إسلامية في إسطنبول عملتُ معها على تأسيس جماعة تحمل هذا الاسم. وكنت أدعو عبرها إلى كسر طوق التبعية. كنت وما زلت أرفض الإذلال التركي أمام الاتحاد الأوربي بسبب أنهم مسلمون. فما زال الغرب يذكر حصار الأتراك لفيينا، وما زال هناك حي تركي في فيينا. هم لا ينسون تاريخ الإمبراطورية العثمانية.

● كيف ترى، بعد مرور عشرات السنين، منجز مفكري اليسار الإسلامي محمد عابد الجابري، ومحمد أركون، وعبدالله العروي وغيرهم. ما الانتقالة التي تراها تحققت في العقل العربي بعد مرور كل هذه السنين؟

الثقافة المغربية بطبيعتها لا تتحمل إلا نجمًا واحدًا. هي ثقافة البطل الواحد. فكان عبدالله العروي أولهم بعد محمد عزيز الحبابي. الأول في الشخصانية والثاني في الماركسية. ثم جاء محمد عابد الجابري فأزاح هذين النجمين وأخذ مكانهما. والآن بعد أن رحل الجابري جاء طه عبدالرحمن ليملأ الفراغ بالعقل الكوثري. وهناك آخرون، لكن طه عبدالرحمن هو أشجعهم وأبلغهم. أما من ناحية التقييم فإن «نقد العقل العربي» للجابري فيه صدى لـكانط في كتابه «نقد العقل الخالص» و«تكوين العقل العربي وبنيته» فيه صدى للمنهج البنيوي كما يعترف الجابري في المقدمة. تكلم الجابري عن العقل الأخلاقي من دون تكوين أو بنية، ثم عن العقل السياسي، وقال لي: إنه كان يريد أن يكتب جزءًا خامسًا عن العقل العلمي وجزءًا سادسًا يختم به دراسته عن العقل الغربي. لكنه لم يستطع وشعر بأنه ما زال في ثقافة مغاربية إسلامية لا تستسيغ كثيرًا موضوع العقل الغربي وبخاصة أن هناك من الأمازيغ أي من البربر، وهم الذين فتحوا الأندلس، من يرى في ذلك رنة عرقية. على أية حال لم يستطع الجابري إكمال مشروعه، ونظرًا لأنه يعيش في بيئة إسلامية كتب تفسيرًا تقليديًّا للقرآن من الفاتحة إلى الناس في ثلاثة أجزاء صدرتْ أخيرًا، ولا يعلم أحد عنها شيئًا.

● لكن الجابري بدا لزمن طويل الأكثر تأثيرًا ضمن تيار اليسار الإسلامي، لدرجة دفعت جورج طرابيشي لتكريس كتاب مهم للرد عليه هو «نقد نقد العقل العربي»؟

قابلت الجابري وتحدثت إليه وقرأته ضمن حوار المشرق والمغرب، وتأكدت أنه لم يكن لديه مشروع منذ بداية حياته. على عكس الطيب تزيني مثلًا في كتابه «من التراث إلى الثورة» الذي صدر في 12 جزءًا، أصدر أربعة أجزاء في بواكيره الأولى، ثم تعب فبدأ يفسر القرآن الكريم. إذن من الصعب أن تجد مفكرًا عربيًّا أخذ منذ البداية قطاره على القضيبين؛ قضيب الهوية التي تمثل الأنا، وقضيب الآخر. لأنك إن كنت ترى العالم بعين واحدة معناه أنك أعور، وأن تسير بساق واحدة تكون أعرج، وأن تتنفس برئة واحدة تكون ضيِّق الأفق.

● ألم تكن الجامعة مجالًا خصبًا لتقديم تلامذة ينتفع بهم واقعنا المريض؟

هذا ما فعلته في الجامعة على مدار خمسين عامًا. حيث كنت أحاول أن أكوِّن فريقًا مثل نصر أبو زيد وعلي مبروك وغيرهما. نحن نبني الأجيال جيلًا وراء جيل. لكن دعني أقول لك: إن الجامعة لم تعد هي الجامعة، وهي بشكل عام أساءت لها السياسة. فعندما كنت أترقى إلى درجة الأستاذية وبعد موافقة اللجنة العلمية، لم تنتهِ ألاعيب العمداء وبخاصة في الوقت الذي كنت أعارض فيه كامب ديفيد، واستبعدت من الجامعة ضمن قرارات سبتمبر، ونقلوني إلى وزارة الشؤون الاجتماعية. استدعاني رئيس الجامعة وقتها وطلب مني ألا أتحدث في الصحف عن المآسي التي تحدث في الجامعة فنحن تحت سطوة أجهزة الأمن. وبالفعل عندما لم تستطع الإدارة وقف ترقيتي طلب رئيس الجامعة عرض الأمر على مجلس الجامعة وطلب التصويت على ترقيتي فامتنع ثلاثة عن التصويت: عميد الهندسة وعميد العلوم وعميد الطب. لذلك كانت نصيحتي لنصر أبو زيد ألا يدخل معركة مع عبدالصبور شاهين لأنه يمثل جناحًا أقوى منا. وفي النهاية الجامعة هي التي خسرت وكذلك أجيال جديدة من الطلاب.

نقد الاستبداد

● ترجمت لـ«إسبينوزا.. رسالة في اللاهوت والسياسة» وفضلًا عن أنه واحد من أهم مؤلفاته فهو أيضًا رسالة في فصل العقل عن النقل. فهل انتهيت نهاية إسبينوزا نفسه مؤمنًا بأولوية حسم الصراع لصالح العقل في مشروع اليسار الإسلامي حسبما فعل الغرب مع كنيسته، وهل تعتقد أن تعميم هذا النمط صالح للعقل العربي، وهل تعتقد أيضًا أنك أحد تلامذة المدرسة الإسبينوزية؟

ذهبت إلى باريس بعد التخرج مباشرة عام 1956م، وعام التأميم وهو أيضًا عام قطع العلاقات مع فرنسا. وعندما بدأت في قراءة إسبينوزا «رسالة في اللاهوت والسياسة» كنت أرتعش فرحًا. فمن نقد التخلف إلى نقد السياسة والخوف والمعجزات ونقد الاستبداد. كنت آتي بالعنوان الأساسي للكتاب في أول العام الدراسي وأكتبه على السبورة وأقول للطلبة هذا هو السؤال الذي سيأتيكم في آخر العام. «إن حرية الفكر ليست خطرًا على الإيمان ولا على سلامة الدولة، بل إن القضاء على حرية الفكر فيه خطر على الإيمان وعلى سلامة الدولة». اكتُبْ في هذا الموضوع. كان لديّ من التلاميذ عمر أديب ورئيس الجامعة جابر نصار حين كان طالبًا في كلية الحقوق، وكان يأتي ليحضر محاضراتي في فلسفة المقاومة. هذا هو الموقف من فلسفة الآخرين. فهل الترجمة من أجل إسبينوزا؟ لا. ولكن من أجل استخدامه كوسيلة لغاية محلية للتنبيه لخطر الاستبداد. وعندما كنت أترقى لدرجة أستاذ مساعد قالت اللجنة: إن إسبينوزا كفر، فرد عليهم الدكتور إبراهيم بيومي مدكور بقوله: «ولكن ناقل الكفر ليس بكافر». لذلك كتبت مقدمة في علم الاستغراب من أجل أن أرى من خلالها واقعي وأحكم عليه. فلو قيل: ماذا تفعل؟ هل أنت ضد الدولة أو النظام؟ أقول: لا. إنما أنا أشرح إسبينوزا وكانط وغيرهما كنوع من الحماية. لكن للأسف بعض الرسائل الآن تأخذ الفلسفة الغربية كأنها غاية في ذاتها.

● رغم اعتمادك المنهج الأشعري في القراءة فإنك تُدِينُه باعتباره يمثل اليمين الديني، في حين تنتصر للتكوين المعتزلي باعتباره يمثل اليسار الإسلامي. كيف يمكننا أن نفهم هذا التناقض؟

هذا ليس صحيحًا. لو قرأت كتاب «من العقيدة إلى الثورة» لوجدت أنني أدافع عن المذهب المعتزلي.

● لكنك في كتاب «من النقل إلى العقل» تعلن انتماءك للمذهب الأشعري وتنتقده في الوقت نفسه؟

نعم. الكتاب الذي تشير إليه له وضعية خاصة. أنا أتناول علومًا خمسة نقلية خالصة، وقد أردتُ أن أدفعها خطوة إلى الأمام لتكون نقلية عقلية، ويـأتي جيل بعدي ربما استطاع أن يحولها إلى علوم عقلية خالصة. فأنا حريص على المراحل من أجل نجاح المشروع تاريخيًّا؛ لأن القفز على المراحل من أخطر الأشياء.

● الاستشراق التقليدي وصم العقلية السامية عمومًا بالقصور بسبب رفضها الفطري للأبنية العقلية والالتفاف فحسب حول فكرة التوحيد، كيف تقيم تجربة الاستشراق القديم في سياق النموذج الذي حاول ترسيخه عبر التعامل مع الشرق، بوصفه مسرحًا لاستعراض القوة. هل ترى أن ثمة استشراقًا حميدًا وآخر خبيثًا؟

الطيب تزيني

الفكرة الشائعة عن الاستشراق أنه ارتبط بالاستعمار وأنه شوَّه صورة الشعوب المستعمَرة في ذهن المستعمِر إلى آخر ما قاله إدوارد سعيد في الاستشراق وكذلك أنور عبدالملك. هذا حكم عام لا ينفي وجود بعض المستشرقين المنصفين مثل نورمان دانييل وهو مستشرق بريطاني أوصى بأن يدفن في حديقة معهد الآباء الدومانيكان بالعباسية. هو يقول الحقيقة ويترك تأويلها لمن يريد. لكن لا يزيف منذ البداية ولا يبدأ بأحكام سلبية. أنا فعلت ذلك في الاستغراب ودرست الغرب كما هو، كما يدرسه أي متخصص من دون أي أحكام مسبقة.

● السؤال الذي يبدو تاريخيًّا ويردده مفكرون كثيرون هو: لماذا تخلف العرب وتقدم الآخرون. هل الإسلام السياسي هو السبب؟

هذا خلط بين المراحل. لو كان هناك مفكر غربي يعيش في عصر ابن خلدون لسأل السؤال نفسه معكوسًا: لماذا تقدم العرب وتخلف غيرهم. إنها مراحل. ففي المراحل الأولى أبدعنا علمًا وثقافة وحضارة بعد أن تعلمنا من اليونان والرومان والفرس والهند وترجم الغرب عنا، ذلك في أوائل العصر الوسيط في القرن العاشر والحادي عشر وظهرت الرشدية اللاتينية. في الغرب تحكم العقل في العقائد وكنا سبب النهضة الأوربية بما في ذلك الإصلاح الديني عند مارتن لوثر، الذي كان معجبًا بالإسلام وتعلَّم العربية لكي يقرأ القرآن. إذن الذي يقول: لماذا تأخر العرب وتقدم غيرهم؟ يتكلم عن المرحلة الحالية، لماذا تخلفنا بعد أن تقدمنا وتقدم غيرنا بعد أن تخلفنا.

السؤال الأهم: لماذا تأخر الإبداع الفكري العربي رغم صلتنا بالغرب منذ أكثر من 200 سنة منذ الشيخ حسن العطار والطهطاوي، وما زال أكبر حدث لدينا هو مشروع الألف كتاب الأولى والثانية ثم تأسيس المركز القومي للترجمة في القاهرة وبيروت والمقصود هنا الإبداع الفكري لا أتكلم عن الإبداع الأدبي. حتى المشاريع العربية المعاصرة البعض يقول: إنها ما زالت صدًى سواء ما يتعلق بالمنهج البنيوي عند الجابري أو الماركسي عند الطيب تزيني أو المنهج الظاهرياتي الفينومنولجي عندي أو البنيوي عند أدونيس في الثابت والمتحول. وتظل القضية هي اعتقادنا أننا بالترجمة يمكننا أن نلحق. والغرب يقول: مهما ترجمتم، فإن إيقاع الفكر عندنا أسرع بكثير، ومن ثم فالمسافة تتسع. إذن الدرس الذي نأخذه من القدماء أنه حدثت ترجمة للفلسفة اليونانية في القرن الثاني، وفي القرن الثالث ظهر الكِنديُّ، وبعد ذلك بدأ الفلاسفة يشرحون ويكتبون ويؤلفون من دون الإشارة إلى أرسطو أو غيره. فلماذا تأخر الفكر العربي رغم أننا ما زلنا نترجم. هل عدم الثقة بالنفس، هل الإحساس بالدونية أمام الغرب؟ تخلينا عن الاجتهاد وذهبنا إلى التقليد. هل الصين نقلت عن أحد عندما أبدعت كونفشيوس؟ هل الهند نقلت عن أحد؟

● هل سيطرة الفاشية والحاكمية على أنظمة الحكم وسيطرة الأبوية كانت سببًا في هذا التراجع؟

في روسيا سيطرت القيصرية وكان هناك تشيكوف وتولستوي. ومصر القديمة قامت بإبداعها الديني والفكري والرياضي والهندسي من دون أن تنقل عن أحد. لكن تجربتنا مع اليونان ومع الغرب تُبيِّن أن النقل كان مرحلة والإبداع مرحلة أخرى. العيب أن تتوقف عن النقل وتعتقد أنه العلم وتخلط بين المعلومات والعلم. وأنا أنتقد الرسائل التي تقدم من الطلاب عندما ينقلون المعلومات من الإنترنت من دون أن يكتبوا سطرًا واحدًا من رأسهم وكأنهم غير قادرين على رؤية الظاهرة وتحويلها إلى نص.

صراع اليسار والإسلاميين

● هل تعتقد أن الصراع التقليدي بين اليسار الشيوعي وبين التيار الإسلامي بات أقل جذوة من ذي قبل؟

لا. أظن أن الصراع ما زال قائمًا. لكن الذي يؤجج الصراع بين الإسلاميين واليساريين إنما هو سعي كل منهما إلى السلطة واعتبار الآخر غريمًا. والحقيقة أن الدين بنية اجتماعية، وهو كثيرًا ما يؤدي إلى تغيير أيديولوجية المجتمع، وإن كان هو أيضًا يتأثر بالتقاليد المجتمعية في كل مرحلة تاريخية. في اعتقادي أنه لا تعارض بين اليسار وبين الإسلام الحقيقي؛ فالإسلام ليبرالي يدافع عن الحريات العامة، وهو عروبي لأنه ثقافة العرب شعرًا وسياسة، وهو اشتراكي كما أكد كثير من كتابنا في خمسينيات القرن الماضي وستينياته. وقد رأينا مثل ذلك التوافق بين المسيحية والاشتراكية عبر «لاهوت التحرير» في أميركا اللاتينية. لم ينجح «اليسار الإسلامي» كتيار مجتمعي في الظهور والبروز؛ إذ ليس وراءه جماعة حزبية أو دينية، لذا فقد اكتفى بالطرح النظري المجرد؛ لأنه ابتعد من السلطة ومكايد الوصول إلى الحكم، وما زالت فكرته محاصرة بين اليمين الديني واليسار العلماني. إن تكوين جماعة سياسية يتطلب وجود قوى تنظيمية هائلة وتوافر تمويل ضخم، وهو ما لم يتوافر لـ«اليسار الإسلامي» الذي ما فتئ مجرد طرح نظري استدعاه الخصام الأيديولوجي والصراع السياسي في الوطن العربي. هذا في الظاهر، أي عدم نجاح «اليسار الإسلامي» على المستوى العملي، لكن العديد من القوى التقدمية بدأت تلامس أفكاره وتوجهاته، ولا سيما في دول مثل المغرب وتونس وماليزيا وتركيا وإندونيسيا.. وما زالت ترد خطابات عن الرغبة في تكوين ائتلاف شيوعي إسلامي أو إسلامي شيوعي. لكن الأمر قد يحتاج إلى مزيد من الوقت، حتى تتحول فكرة هذا التيار إلى حركة اجتماعية تؤثر في مسار التاريخ وحركة المجتمع.

حسن حنفي

● كيف ترى دور التيارات الفكرية في العالميْنِ العربي والإسلامي في عصرنا الحديث؟

نشأت في العالم الإسلامي منذ القرن الثامن عشر ثلاثة تيارات فكرية واختيارات سياسية، ما زالت مستمرة حتى الآن. الأول التيار العلماني الذي نشأ في الهند عند السيد أحمد خان بعد أن قضت بريطانيا على إمبراطورية المغول، وأصبح «النموذج الأوربي» هو النموذج الوحيد للتحديث. واستمر هذا التيار في الوطن العربي وبخاصة عند بعض المهاجرين الشوام إلى مصر مثل شبلي شميل، وفرح أنطون، ونقولا حداد، ومن المصريين سلامة موسى وإسماعيل مظهر وزكي نجيب محمود وفؤاد زكريا. وهو تيار يتبنى سياسيًّا الليبرالية أو اللامركزية أو التعددية السياسية أو العلمانية أسوة بالنظام السياسي الغربي. والثاني التيار السلفي كردِّ فعلٍ على التيار العلماني. فالانبهار بالجديد ينقلب إلى الدفاع عن القديم، وتقليد الغرب الحديث يؤدي إلى تقليد القدماء. والثالث التيار التجديدي الذي نشأ في مصر في مدرسة الأفغاني الذي هاجر إليها واستمر فيه تلاميذه من بعده مثل محمد عبده. ومن ثم نشأ طرفان ووسط. طرفان: العلمانية والسلفية، ووسط وهو تيار التجديد. وكانت الاختيارات الثلاثة معروضة على العالم الإسلامي، ووقعت أحداث حتمت هذا الاختيار أو ذاك. فلما صاغ الأفغاني الإسلام في العصر الحديث في شعار: الإسلام في مواجهة الاستعمار في الخارج والقهر في الداخل، تبنى الضباط المصريون الشعار بقيادة أحمد عرابي. وجاء الإنجليز واحتلوا مصر في عام 1882م بعد هزيمة العرابيين العسكرية بذريعة حماية سلطان مصر والدفاع عن نظام الخلافة. فخشي محمد عبده من عواقب الثورة السياسية ومناطحة السلطة السياسية والانقلاب عليها والخروج على الحاكم، فآثر التغيير الاجتماعي وإصلاح المحاكم الشرعية ونظام التعليم والقضاء على العادات الاجتماعية. فلما قامت الثورة الكمالية في تركيا بقيادة مصطفى كمال، ونجح العلمانيون في الاستيلاء على الحكم خشي رشيد رضا، تلميذ محمد عبده الأثير، من أن يتكرر النموذج التركي في باقي أرجاء العالم الإسلامي فارتدَّ سلفيًّا كردِّ فعلٍ على العلمانية. وارتدَّ التجديد مرة ثانية إلى الوراء.

● يصفك الباحث «جميل قاسم» بأنك سلفي في الفكر، تقدمي في السياسة، غربي العقل، شرقي الهوي. هل توافق على هذا الوصف؟

سلفي في الفكر؟! هل من يدافع عن الهوية عبر التاريخ يعتبر سلفيًّا؟ السلفي هو الذي يركز على العقائد والشعائر. سلفي في الفكر تكفره الجماعات الإسلامية؟! تقدمي في السياسة هذا صحيح. لكنني لست غربي العقل، فهذا حكم بأن فلاسفة المسلمين أرسطيون، وأن كل من يفتح فمه بشيء ينسب إلى الفلسفة الغربية. فهل عندما أتكلم عن تحكيم العقل لا بد أن أكون ديكارتيًّا. أما شرقي الهوي فهو وصف صحيح.

● أخيرًا ما تقييمك لتجربة الإخوان في الحكم؟

لي صداقات مع كل التيارات، ورأيي أقوله لهم مباشرة. والوقت ليس مناسبًا للحديث عن تلك التجربة، ولكن إجمال ما قلته يمكن أن يشكل رأيًا في الخوف من الإسلام السياسي.

اختزال أمل دنقل في قصيدة «الرفض» ينتقص من تجربته

اختزال أمل دنقل في قصيدة «الرفض» ينتقص من تجربته

قبل أكثر من عشر سنوات، في أثناء زيارة إلى المغرب، كنت أتبادل الحديث مع شاعر ومثقف لبناني كبير حول الشعر المصري، وعندما ورد اسم الشاعر «أمل دنقل» قال الرجل بشيء من التحفظ: «أمل شاعر مهم وربما كان كبيرًا، لكنه يظل شاعرًا مصبوغًا بالمحلية». حاولت أن ألتمس وقتها سببًا يبرر قبولي رتبة أدنى لـ«أمل» بين شعراء عصره الكبار، لكنني تمثلت في النهاية جانبًا من مقدمة الدكتور مصطفى ناصف لكتابه «صوت الشاعر القديم»: «إذا اختلف الناس في قدرتهم على الإنصات والدخول في عوالمهم وعوالم الآخرين فمعنى ذلك أنهم مختلفون في القراءة».

صعد إلى رأسي ذلك النقاش عندما طالعت ذلك السفر الضخم الذي قدمه الدكتور «جابر عصفور» تحت عنوان: «قصيدة الرفض. قراءة في شعر أمل دنقل»، وهو كتاب صادر قبل أيام عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، ويقع في نحو ستمئة صفحة من القطع الكبير. يمثل الكتاب جانبًا من حصاد الدراسات والمقالات والأبحاث التي قدمها عصفور خلال سنوات طوال، وينتظر أن يصدر جزؤها الثاني عما قريب. الكتاب ممتع ومؤرق في آنٍ، ومع ذلك ينطوي على سلاسة لا يعرفها النقد التطبيقي لدينا؛ لذلك لن أكون مبالغًا عندما أقول: إنه يعد واحدًا من أهم القراءات التطبيقية التي تقترب من الاكتمال في نقدنا الحديث لأسباب عدة، أولها تلك العلاقة الحميمة التي ربطت بين الشاعر وناقده حتى رحيل «أمل» في عام 1983م، وهي علاقة لا يعتذر عصفور عنها عندما يقول في مقدمته: «لا أعتذر عن تدخل هذا العنصر الشخصي في عملية القراءة، فهو أمر لم أستطع، ولا حتى أرغب، في مقاومته»، وهو اعتراف، على ما ينطوي عليه من أخلاقية، إلا أنه لا يضفي أدنى قيمة على دراسة علمية بهذه الكثافة. أما ثاني تلك الأسباب فيتمثل في ذلك التتبع الدؤوب لتنامي تجربة أمل الشعرية عبر تطور مستويات وعيه المعرفي سياسيًّا وثقافيًّا، بدءًا من وعيه القروي الرومانسي الطابع؛ الذي أنتج في إطاره دواوينه الأولى مثل «مقتل القمر»، إضافة لعشرات من القصائد العمودية التي نشرها ثم عاد وأنكر معظمها بعد ذلك، ثم مرحلة صعود الوعي القومي وتبلوره الذي ارتبط بدوره بتطور وعي «أمل» بالمدينة. وقد استطاع عصفور أن يقدم قراءة «سوسيو نقدية» فريدة حول هاتين المرحلتين. فمرحلة الوعي القروي ترتبط عادة بالأسطورة وتنامي أصداء الخرافة والعلاقات البطريركية والمناخات المحافظة والغرائبية في آنٍ. أما التكوينات القومية فقد ارتبطت بالخطاب الوطني التحرري من جانب، ومن جانب آخر ارتبطت بتطور الوعي المديني لدى الشاعر حيث سيادة أنماط الإنتاج المغايرة وما تنتجه من علاقات معقدة ستساهم، قطعًا، في تنامي مفاهيم المجتمع البراغماتي الأكثر تنظيمًا والأكثر استجابة لحاجات الدولة الحديثة. أما ثالث تلك الأسباب فيكمن في أن عصفورًا نفسه يعد واحدًا من أبناء الدولة الناصرية القومية الطابع، وهو أيضًا أحد أبرز نقادها، رغم وصفه المسرف لتلك الدولة بـ«التسلطية» على ما دأب عليه المثقف العربي الذي يعد مثالًا لـ«الهارب الطبقي» لدى غرامشي، ولا سيما في بحثه عن المناطق الدافئة الرمادية الطابع.

جابر عصفور

وسنرصد في تقدمة الكتاب وبعض فصوله كثيرًا من الإدانات التي وجهها عصفور لدولة مبارك رغم كون الرجل أحد رموز إنتاج سياستها، مع الوضع في الحسبان أن تلك الفصول لم تكن تتضمن تلك الإدانات عند نشرها في ظل الدولة التي عمل عصفور في ظلالها، ثم عاد لإدانة سياستها. أما رابع تلك الأسباب فهو نجاح عصفور في الالتقاط الحي والدقيق لتمايزات ما يسميه بقصيدة «الرفض» عند أمل، بداية من تحولات الوجدان الفردي «الرومانسي الطابع» مرورًا بتشكل الوجدان الجمعي، حسب التعبير الذي ينقله عصفور عن الدكتور محمد مندور، وهي مرحلة يطلق عليها الناقد والشاعر الإنجليزي ستيفن سبندر مرحلة «الذاتيات الكمية» التي تكون فيها ذات الشاعر اختصارًا لذوات المجموع. يتناول عصفور ما يسمى بقصيدة القناع، وهي من أبرز الملامح الشعرية لدى أمل منذ قصيدته «كلمات سبارتاكوس الأخيرة» ويرى أن تلك الحيلة كانت إحدى أهم أدوات الشاعر للهروب من«الانفعالات الذاتية وخلق معادل موضوعي ينأى عن الدفق المباشر للمشاعر الفردية»، ويرصد عصفور في السياق ذاته قصائد مثل: «العشاء الأخير»، ثم قصيدة «حديث خاص مع أبي موسى الأشعري» التي كتبها أمل في مارس من عام 1967م، وتنبأ فيها بالهزيمة. ومن خلال تلك القصائد يقدم عصفور قراءة معمقة لدلالات الأقنعة ومشكلة التناقض التي تفاقمت بين الأنا والآخر كأحد آثار هزيمة يونيو. ثم يستكمل الحلم الكابوسي الذي كلل الشاعر في قصيدته «تعليق على ما حدث» كرد فعل على مذبحة أيلول الأسود عام 1970م، وهي القصيدة التي حملت عنوان أحد أهم دواوين أمل، حيث بدا احتجاجًا شعريًّا رفيعًا على ما حدث في مصر من سياسات انفتاحية في الحقبة الساداتية. وفي هذا السياق سيمنح عصفور صديقه أمل دنقل عشرات الألقاب مثل: شاعر الفرح المختلس ص 271، والشاعر الرائي ص 289، ثم شاعر المد القومي، وشاعر الرفض وأخيرًا وليس آخرًا شاعر أنسنة الموت.

وينتهي الدكتور جابر عصفور إلى محاولة حسم عدد من القضايا الخلافية التي يبدو أنها لن تحسم أبدًا، مثل قضية حق الشاعر وحق الجمهور. وقد حاول، جريًا على ناموس النقد العربي في دعوته البغيضة للاعتدال، أن يتخذ موقفًا وسطًا بين حق الشاعر في تبني خطاب يقيم اعتبارًا لقارئه لكنه في الوقت ذاته يربط ذلك بألا يكون استجابة تنال من شعرية القصيدة. وهي إشكالية أظن أن جابرًا نفسه جزء من معضلتها. فمصطلح قصيدة الرفض، الذي قامت عليه بنية الكتاب، على ما فيه من ثورية، يبدو مقززًا بنفس قدر ثوريته، حتى لو كان من أطلقه متمرد كبير اسمه لويس عوض. فالمصطلح يبدو تعبيرًا «بونابرتيًّا» لميراث فاجع من الشمولية ينتهي إلى مقولة «نابليون»: «السياسة هي الشكل الحديث للقَدَر». وتلك قضية أثارت جدلًا واسعًا في الغرب حقبة ما بين الحربين، لكن الصراع كان يبدو أكثر رشدًا حيث استُبدل بقصيدة الرفض مصطلح أكثر موضوعية وأكثر علمية هو «أدب الالتزام»، وبدلًا من اللغط حول مصطلحات مثل حق الشعر وحق الجمهور حلَّ مصطلح وظيفة الفن عمومًا ووظيفة الشعر على نحو خاص. لكن المؤكد أن دعاة أدب الالتزام أنفسهم كانوا يتوجسون خيفة من أن يتحول أدبهم إلى أدب مذهبي تحت وطأة قناعاتهم الأيديولوجية؛ لذلك حذروا من تحول الكاتب الملتزم إلى معيار للحقيقة في إطار الصراع بين المثال والواقع. من ثم بدا تعبير «قصيدة الرفض» نموذجًا بدائيًّا للوعي المستلب لصالح الموقف العقائدي أو الأيديولوجي، وهو في أفضل أحواله يمثل وعيًا مثاليًّا يقترب من فوضى الميتافيزيقا باعتبارها حقيقة نفسها، وليست حقيقة من يعبر عنهم الشاعر. من هنا أتصور أن ارتباط شعرية أمل بقضايا سياسية جزئية تحت لافتة قصيدة «الرفض» أمر ينتقص من مشروعه الشعري، ويعزز المقولة التي تنتهي إلى أنه، رغم أهميته، يظل شاعرًا محليًّا.

التمثل الثقافي..  وتلقي الأنواع الأدبية الحديثة

التمثل الثقافي.. وتلقي الأنواع الأدبية الحديثة

تعرض النقد، تحت وطأة الرغبة في العلمية والمعملية وتعزيز فكرة التخصص تحت أسر المدارس الشكلانية، إلى درجات مروعة من الاستغلاق والتعسف. وأظن أن كتاب «التمثل الثقافي» للناقد والأكاديمي الدكتور سامي سليمان أستاذ النقد الحديث بجامعة القاهرة، يفتح كوة هائلة في هذا الجدار، رغم أنه يعد واحدًا ممن عملوا بوعي على استخدام كثير من تقنيات النقد الشكلاني، وهي مرونة جديرة بالتأمل. كتاب «التمثل الثقافي وتلقي الأنواع الأدبية الحديثة» حسب عنوانه الفرعي يتناول تجربة النقد العربي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وقد صدر قبل أشهر قليلة عن مكتبة الآداب بالقاهرة.

الإحيائيون الذين تناول الكتابُ مجهوداتهم الفذة لم يكونوا وحدهم من يصارع تراثًا تليدًا حاولوا الفكاك من أسره ونجحوا في ذلك، وبات بين أيدينا اليوم ثمرات ناضجة لجهودهم بينها كل الأشكال الإبداعية الوافدة على الثقافة القومية؛ مثل: الرواية، والمسرحية، والمقالة، والقصة، وفنون النثر عامة. أيضًا سامي سليمان هنا يصارع أمواجًا عاتية من التقاليد الجامعية البالية ومن درجات من الاستنامة إلى أشكال نقدية مستقرة سيكون العمل على مغايرتها عملًا صعبًا ويحتاج إلى جسارة من نوع خاص. فأدوات التطوير التي ساعدت الإحيائيين الأوائل كما يشير المؤلف، سواء كانت المطبعة أو الصحافة أو المؤسسات التعليمية والاجتماعية، تبدو الآن وهي تلعب أحطّ الأدوار ضد كل جادّ وكل جديد.

يرى الدكتور سليمان أن أطروحة الدكتور عبدالله الغذامي في عام 2000م حول النقد الثقافي كانت بداية حقيقية لانطلاق ما يسميه دراسات النسق الثقافي أو الأنساق الثقافية في الممارسة الأدبية بحيث أصبحت الممارسة النقدية تسعى إلى قراءة النص عبر بعديها الجمالي والثقافي. والحقيقة أن التأصيل العميق لهذا النسق يتعزز اليوم بشكل علمي شديد الدقة والتماسك في كتاب التمثل الثقافي، وظني أن أطروحة الدكتور الغذامي، بطبيعة الحال، متأثرة أشد التأثر بالمصطلح الغربي. فمصطلح الدراسات الثقافية صعد إلى السطح منذ سبعينيات القرن الماضي على ما يشير «آرثر إيزابرغر» وتحديدًا في مركز الدراسات الثقافية في جامعة برمنغهام. وقد تبدت قدرة الدراسات الثقافية المرنة والمتجددة عبر قدرتها على إعادة قراءة كثير من النظريات الاجتماعية والنقدية وإعادة توظيفها أيضًا؛ مثل: الماركسية والبنيوية والحركات الاجتماعية على نحو عام.

التمثل-الثقافيهنا يقدم الدكتور سامي سليمان إجابته المدعومة بالفحص العلمي عن سؤال مركزي هو: كيف يمكن للغة الجمالية أن تجعل من النصوص الأدبية خطابًا ثقافيًّا متميزًا في ذاته ومتميزًا في علاقته بالثقافات الأخرى، وعبر هذا المفهوم تناول المؤلف العديد من الخطابات الثقافية التي يمكن أن تكون نتاجًا لإعادة النظر في مفردات مؤثرة؛ مثل: الثقافة الشعبية وخطابات الحياة اليومية والخطابات السائدة في وسائل الإعلام، وأظن أن النماذج التطبيقية التي قدمها المؤلف لا تقتصر قراءتها هنا على الرؤية النظرية وهي كثيرة ومتاحة بل على الجانب التطبيقي، وأظن أن إشاراته وتحليله الضافي لأسباب انتشار طبعات مختصرة ومحققة من ألف ليلة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر يبدو إعادة اعتبار للقيمتين الأخلاقية والثقافية للثقافة الشعبية.  توقف الدكتور سامي سليمان أمام مشروع الإحيائيين وعدّ حركة الإحياء ظاهرة مصرية شامية بامتياز، وعبر تحليل دقيق وضع الصراع الاجتماعي والسياسي في اعتباره، حيث يرى أن حركة الإحياء استندت إلى مقترحين أساسيين: أولهما الإحياء، وثانيهما التمدن. ولأن النقد الثقافي ممارسة وليس فرعًا من فروع نظريات المعرفة فقد عاد الدكتور سامي إلى تقديم قراءة جديدة في نظرية التلقي لا سيما لدى «هانز روبرت ياوس» و«فولفانغ إيزر» من واقع أن تلقي الأنواع الحديثة عمومًا في الثقافة العربية اعتمد على نظرية التلقي في جذرها الغربي وليس على ما ذهبت إليه القراءات البلاغية في النقد العربي القديم والوسيط. وهنا تجدر الإشارة إلى المحاولات المستمرة لسليمان لخلق معادلات مصطلحية ومفاهيمية لتعزيز النسق الثقافي الذي يخدم الثقافة القومية؛ ما يعزز بدوره فكرة التمثل الثقافي في الوجود، والقبول لدى القطاعات الواسعة من القراء الضمنيين الذين يستهدفهم.

في هذا السياق حرص ناقدنا على تقديم قراءة مقارنة ضافية حول فكرتي التمثل والتلاؤم عند جان بياجيه، ثم قدم قراءة لتفرقة بياجيه بين التمثل الثقافي والمعرفة من ناحية أن المعرفة ذات طبيعة تطورية وتاريخية، غير أنه يشير إلى أن بياجيه كان يقدم عبر تلك الدراسات المهمة رؤية لسيكولوجية الأطفال بينما حديثه يواجه أعمالًا إبداعية ناضجة لكتاب تجاوزوا الرشد.

كذلك يتوقف ناقدنا أمام آليات انتقال النظريات بين الثقافات موضحًا معضلات ذلك الانتقال وصعوباته، وأولها حاجة الثقافة الناقلة لما تنقل، وإدراك الجماعة الناقلة لأهمية ما تنقل وضرورته، وفي فصول لاحقة كشف أيضًا عن أشكال المقاومة التي تبديها الثقافة القومية في تكويناتها المحافظة ضد كل الأشكال الطليعية ذات النزعة التجديدية. ولأن المؤلف يقف باعتبار كبير أمام الثقافة القومية فقد توقف أمام ما قاله إدوارد سعيد حول نسبية النظريات المنقولة سواء في سياقات تولدها ونشأتها في الثقافة المصدرة أو الثقافة المستقبلة لا سيما إذا كانت تلك النظريات تنتقل إلى سياقات ثقافية ذات طابع شمولي. لكن سليمان لا يترك إدوارد سعيد قبل أن يبدي ملاحظة دقيقة حول قراءته لتلك الفكرة حيث إنه عندما حلل نظرية التشيؤ لدى جورج لوكاتش إنما فعل ذلك ضمن سياق ثقافي واحد وأيضًا مع مفكرين ضمن اتجاه فكري واحد هو الماركسية.

يرصد المؤلف أيضًا كيف تولدت الحاجة لدى المستعمرات القديمة في الشرق العربي للتجدد والأخذ عن الآخر، وباتت الأنواع الأدبية الحديثة تصارع السياقات البلاغية القديمة؛ كالخطابة والمقامة، وكذلك الشعر الغنائي الذي يمثل أعلى تعبيرات الرسوخ والقوة في الثقافة العربية، غير أن المؤلف يؤكد أن رعيل الإحيائيين التجديدين كانوا الأكثر إدراكًا لحتمية فكرة التمثل الثقافي، وكان ثمة ضرورة لنقل الأنواع الأدبية الجديدة كموضوعات لهذا التمثل، وهنا يقدم المؤلف تعريفًا دقيقًا لما يعنيه بفكرة التمثل الثقافي بوصفها «المسالك الذهنية التي يتخذها أو يعتمد عليها أبناء ثقافة ما في سعيهم للاستفادة من نتاج ثقافي قدمته حضارة أخرى» وهو في النهاية، كما يشير ما يُخضِع المفاهيم القارة في الثقافة القومية لعدد من التحولات بتعظيم مفاهيم جديدة وإقصاء مفاهيم أخرى وهو ما حدث بالفعل.

وكما يشير ناقدنا ويشير كتابه تستمد فكرة التمثل الثقافي أطرها العامة من الدراسات الثقافية التي تتخذ من البحث عن الأدوار الاجتماعية والسياسية منطلقًا عامًّا لها من منطلق أن علم الاجتماع والتاريخ والدراسات الأدبية تقدم مناهج ملائمة لفهم الثقافة، وقد منح هذا التعدد الفرصة للنقد كي يتناول موضوعات وقضايا كانت مستبعدة من الدراسات التقليدية، ولا ينسى المؤلف هنا أن يشير إلى أن إحدى مشكلات تلك الدراسة هو قلق المصطلح النقدي وتغاير مواقف بعض النقاد إزاء المفاهيم والقضايا التي كانت موضع اهتمامهم.

يثير المؤلف الدكتور سامي سليمان عددًا من الإشكاليات حول العقبات الثقافية التي قابلت جهد الإحيائيين واضطرارهم إلى الاتكاء على الموروث الشعري والنقدي العربيين كطريق إلى تحقيق جوهر الإحياء في سعي صادق ودؤوب للارتقاء بالتقاليد الجمالية والثقافية لنماذج قديمة، ويقدم لنا نموذجين على ذلك التحول عبر تجربتي أحمد فارس الشدياق وأحمد شوقي، ويتوقف أمام مقدمة ديوان الشدياق، وكيف أعلى من قيمة الإقبال على الأشكال الإبداعية المستحدثة لا سيما النثر، وكذلك ما فعل شوقي في نثره وكتاباته حول الانحياز لفكرة السرد حتى لو كانت داخل القالب الغنائي مثلما فعل مع قراءته لرائية أبي فراس «أراك عصي الدمع شيمتك الصبر». لقد تحول الشاعر، كما يقول سليمان، من كونه منتجًا لبلاغة قديمة ليتشكل وعي جديد لنموذج الشاعر الكاتب، ولم أفهم هنا لماذا وصف سليمان تجربة تحديث الكتابة لدى شوقي بأنها لم تؤت ثمارها، رغم أنه في الحقيقة قدم منجزًا إحيائيًّا نادرًا وفذًّا في الشعر وتحديدًا في الشعر الغنائي.

لكن المؤلف في النهاية يؤكد أن «الشدياق» و«شوقي» عززا فكرة الحاجة إلى تعديل مفهوم الفصاحة الموروث من التراث البلاغي، وهو الأمر الذي عزز عدة قيم توقف عندها المؤلف، من بينها أن الإحيائيين استطاعوا وضع الكتابة كمفهوم قبل الخطابة والشعر حيث وضعهما النقد المحافظ في المقدمة، وكذلك تعظيم قيمة الثقافة التدوينية على الثقافة الشفهية.

قصيدتان

قصيدتان

العجوز الأعمى٭

الذي أفنى عمره بالمكتبة الوطنية

في  «ريو دي جانيرو»

يقلب أوراقه الصفراء

بحثًا عن فساتين ورد الأكمام

وعن إخوتها

الذين أغلقت شواربهم بوابات المحيط

وعندما صادفه القصر

الذي زينته عشرات الأقفال

أصر على تحطيم غرفته السرية

فوجد منحوتات هائلة لطيور خرافية

تسقط على رأس ملوك توليدو

وخيولاً مطهمة يسرجها الفرسان

مقاليع ومضارب ومجانيق

أساور ذهبية نقشت على متونها

أسماء ملوك غابرين

وكتبًا سوداء لا تحصى

ثم تعثر في كتب العرافين الأوائل

الذين بشروا من يفتح غرفة السر

بالموت على يد الغزاة

ولم تمض أيام

حتى داس طارق بن زياد

سهول أيبيريا

هنا

سقط العجوز مغشيًّا عليه

وبين يديه الكتاب

فاستيقظت ورد الأكمام مذعورة

مسحت على جبين الرجل

بعد أن حُمَّ لثلاث ليال

وبعد أن أفاق قالت له:

يا والد المتاهة

احذر الحلم

وأعد الأقفال

عندئذ أنزل الأعمى ريشته

تنهد طويلًا

حاول إعادة الأقفال إلى موضعها

لكن أشياء كثيرة في أيبيريا

كان قد طالها الصدأ.

٭ المقصود هنا خورخي لويس بورخيس .

انفجارٌ‭ ‬في‭ ‬الرأس

orhanلم يذكر «أورهان ولي»٭

أنه كان حزينًا

عندما قطَعَتْ ثُركيا لِسَانه

فصارَ يكتبُ بالحروف اللاتينية

ولا ينطقُ العربيةَ

إلا في الحَمَّام .

فقط، يذكرُ أنه نسيَ الأمرَ

وكتبَ  قصائدَ لا بأسَ بها

عن الحاناتِ والسفر

والنجومِ التي تودعُ الراحلين

كانت إسطنبولُ

تَخْرِقُ قَاربَها

وتسيرُ مترنحةً

على مقاهي جنوةَ وبرلين وباريس

بعدَ أن سَلَّم  «آلُ عثمانَ»

عِمَامةَ الإمبراطوريةَ

لجنود «أتاتورك»

كان «أورهان» يَغْرُبُ مع الغاربين

يتحدثُ بأسًى

عن الاستسلامِ اللذيذ

للأفرانِ التي تطبخُ مقالاتِ الثورة

وعن الحريةِ

التي نالتها تركيا

فأمكنها – دونَ جهدٍ –

أن تمتلئَ بـ(…)

وأنْ تغنّي:

«ملا الكاسات..»

و «آمااان .. يا لا لا للي ..»

ولكن بالإيقاعاتِ اللاتينية

كذلك أَمْكَنَها

أنْ تُكَرِّمَ وُلاتَها في الأقاليم

فَتُعَيّنَ رئيس الطباخينَ

حاكمًا عليهم .

«أورهان ولي»

الذي غنَّى لتركيا

واعتبرَ نفسه ضالعًا في حبها

صعدَ على أكتافِه

الأوباشُ وتجارُ العبيد

فماتَ دون السادسة والثلاثين

بانفجارٍ في الرأس

«مسكين أورهان أفندي».

٭ شاعر تركي ولد عام 1914م ورحل عام 1950م .