بواسطة د. هباس الحربي - رئيس التحرير | يناير 1, 2026 | مقالات
ربما يكون حديثي عن مجلة «الفيصل» شهادة مجروحة لكوني رئيس تحريرها، ولكني هذه المرة لا أكتب فقط انطلاقًا من ارتباطي العملي بالمجلة، بل أكتب أيضًا انطلاقًا من كوني قارئًا عربيًّا مشغولًا بالشأن الثقافي، وأكاديميًّا متخصصًا في الإعلام.
مجلة «الفيصل» لا تحتاج إلى شهادة فردية ترفعها، فقد استطاعت على مدى خمسين عامًا؛ منذ عددها الأول الذي صدر في رجب عام 1397هـ الموافق لشهر يونيو من عام 1977م، أن تحفر اسمها في واجهة المشهد الثقافي السعودي والعربي، وأن تؤسس مكانتها الثقافية المرموقة استنادًا إلى المحتوى النوعي الذي تقدمه لقرائها في كل البلدان العربية، وأصبحت تحظى بشهادة عربية جماعية وقَّعت عليها جموع القراء من مختلف المستويات الفكرية والعلمية والثقافية والأدبية والإبداعية، ولذلك كنت وما زلت واحدًا من قرائها قبل أن أكون رئيسًا لتحريرها.
وإن كان مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية؛ يحتفي هذه الأيام بمرور خمسين عامًا على تأسيس مجلة «الفيصل»، فنحن القراء نتقاسم مع المجلة تفصيلات هذه المناسبة، فهي المجلة التي لم تُخْلف موعدًا مع قرائها، وقد وصلت إلى مختلف العواصم والمدن العربية محمَّلةً بموضوعاتٍ تجمع بين مختلف الاتجاهات الثقافية، والفكرية، والأدبية، والنقدية، والفنية؛ ولم تَكُفَّ يومًا عن التفاعل مع التحولات الثقافية، ولا عن طرح الأسئلة الفكرية الجوهرية، أو الاحتفاء بالإبداع والمبدعين في مختلف المجالات، ولا تزال تفعل ذلك بالرصانة نفسها التي بدأت عليها، وبالمسؤولية نفسها التي تدرك قيمة الكلمة وقدرتها على التأثير.
وعندما تأثرت كل الصحف والمجلات بسبب المد الإلكتروني وهيمنة الصحافة الإلكترونية؛ كانت «الفيصل» سبَّاقة إلى إطلاق منصتها الإلكترونية المتميزة، وأتاحت لمن لم يعد يستطيع الوصول إلى نسختها الورقية فرصة الوصول إلى نسختها الإلكترونية، بل الوصول إلى أرشيفها الكامل الذي يعد جزءًا مهمًّا من تاريخ الصحافة الثقافية في الوطن العربي، ومرجعًا موثوقًا للمثقفين والباحثين المهتمين بالشأن الثقافي.
مرّت مجلة «الفيصل» بكثيرٍ من مراحل التطور، وتولى رئاسة تحريرها أعلامٌ من صُنَّاع الصحافة الثقافية في المملكة العربية السعودية، وفي كل مرحلة من تلك المراحل لم تخرج عن مسارها الموضوعي، أو خطها الصحفي الرصين، أو خطابها الثقافي المسؤول، فحققت -بذلك- انتشارًا كبيرًا،
واكتسبت قاعدة جماهيرية عريضة، وحظيت باحترام القراء على اختلاف مشاربهم وتنوع اهتماماتهم، وما كان لذلك أن يتحقق إلا بالرعاية الاستثنائية التي حظيت بها من مؤسسها صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل، وما زالت تحظى بها من صاحب السمو الملكي الأمير تركي الفيصل رئيس مجلس الإدارة لمركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، وصاحبة السمو الملكي الأميرة مها الفيصل الأمين العام للمركز، وفي هذه المناسبة؛ يتوجب عليَّ أن أشكر لسموهم دعمهم الدائم وحرصهم على إعلاء صوت «الفيصل»، وأن أشكر لكل رؤساء التحرير السابقين ومعاونيهم ما قدَّموه من جهدٍ وإسهامٍ في إضاءة تاريخ المجلة، والشكر موفور لكل فريق العمل، ولكل القراء في الوطن العربي، ونَعِد الجميع بأن تبقى «الفيصل» كعهدهم بها منبرًا للتجارب المتميزة، والعمل الثقافي المسؤول.
وفي الختام، أرغب في التنويه بأن أغلبية مواد هذا العدد هي منتخبات من الأعداد التي صدرت طوال العقود الماضية؛ وذلك كي يتسنَّى للقارئ الكريم رصد مراحل التطور التي مرت بها «الفيصل» في تاريخها.
بواسطة د. هباس الحربي - رئيس التحرير | نوفمبر 1, 2025 | مقالات
ليس بالضرورة أن يكون الاعتزاز بالخصوصية الثقافية موقفًا ضد التحضُّر كما يرى بعض أنصار العولمة، فالخصوصية التي تصنعها الهوية الثقافية هي التي صنعت وميَّزَت الحضارات الإنسانية، وجعلت الماضي القديم منفتحًا على معطيات الحاضر بلا قطيعة معرفية، ويبدو أن أصوات المثقفين والمفكرين الذين يطالبون بإعلاء قيمة الخصوصية والهوية الثقافية، ويرون أنها ليست نقيضًا لمفهوم الكونية والعولمة؛ بدأت تعلو في أماكن مختلفة من العالم، وكأنها تحاول أن تعيد النظر في مفهوم الخصوصية من جهة، وفي مفهوم العولمة من جهة أخرى.
منذ القِدم وربما حتى الآن؛ كانت كلمة (قروي) وصفًا غير منصف لمن يقطنون القرى، وكانت (القرية) بكل ما يستبطن الوصف الجغرافي من مدلولات سلبية؛ في مقارنة دائمة مع (المدينة) بكل ما يستبطن الوصف من مدلولات تشير إلى التفوق والتحضر، وعلى الرغم من أن المقارنة لا تتمتع بالوجاهة الكافية من المنظور العلمي الموضوعي؛ فإنها ظلت صورةً شائعةً من صُوَر التمييز لدى أغلبية المجتمعات والثقافات، ولكن عندما تَبلوَرَ مصطلح (القرية الكونية) على يد الفيلسوف الكندي مارشال ماكلوهان؛ عالم الاجتماع الشهير وصاحب الآراء المثيرة في قضايا الاتصال الجماهيري، وجد مصطلحُ (القرية) أفقًا أوسع ليصعد من صورته الدنيا إلى صورته العليا بمفهوم العولمة، بل أصبح أحد أهم المصطلحات المستخدمة في التعبير عن معنى التحضر والتواصل بين الأمم والشعوب، وكلما أراد الإنسان الإشارة إلى تسارع خطوات العولمة وتذويب الخصوصيات اشتقَّ من مصطلح (القرية الكونية) تعبيرات أخرى، مثل: (العالم قرية صغيرة، أو العالم غرفة صغيرة)، وكأن الفواصل بين الهويات والثقافات والمجتمعات تلاشت إلى حد الزوال.
هذا الانصهار الكوني لم يتحقق على نحو مطلَق، وربما تَصْدُق مثل هذه التعريفات عندما يتعلق الأمر بالثورة التقنية التي يعيشها العالم، أو بالأوضاع الاقتصادية والسياسية التي تأسست على نتائج هذه الثورة التقنية، ولكنها لم تَصْدُق بالدرجة نفسها عند التعريف بالخصوصيات الثقافية والمقومات الحضارية، فقد ظلت الأمم -على الرغم من كل مظاهر العولمة- تحتفظ لنفسها بقدرٍ من الخصوصية التي تميز كل أُمة مِن سواها، ويبدو أن بعض الأدوات الحاسمة قد سقطت من تصورات العولمة ومفاهيم الكونية على نحو لا إرادي، فلم تستطع تذويب الخصوصيات وصهرها كُلِّيًّا في بُوتَقَةٍ واحدة يمكن وصفها بـ(القرية الكونية الصغيرة).
ربما لهذه الأسباب وغيرها؛ ظهرت مؤخرًا بعض المؤشرات الواضحة، والمحاولات الجادة لإعادة إحياء الخصوصيات الثقافية في كثير من دول العالم، وبخاصةٍ تلك الدول التي أيقنت أن العولمة لا تنظر إلى كل العالم نظرةً موضوعيةً واحدة، فهناك العالَمُ الأَوَّلُ الذي يحتكر إنتاج المعرفة وتصديرها، وهناك العالَمُ الثالثُ المُجْبَر على التلقي والاستهلاك وخوض النزاعات والحروب، وقد تكون هذه المؤشرات من أبرز الدوافع التي دعت الأُمَمَ ذات الأصول والحضارات العريقة إلى إعادة النظر في جدوى خصوصيتها، وإبراز مقوماتها الثقافية ورفعها إلى واجهة الاهتمامات، فرأينا اهتمامًا واسعًا بالآثار والتراث الحضاري، واحتفاءً ملحوظًا بالتقاليد الاجتماعية وعناصر المخزون الثقافي التي تبرز سمات الهوية والخصوصية بدءًا من اللغة والفكر وانتهاءً بالحرف والمأكولات الشعبية.
ولأن مجلة (الفيصل) تسعى دائمًا إلى طرح القضايا الثقافية المهمة، فقد خصَّصنا ملف هذا العدد لمناقشة موضوع الخصوصيات الثقافية، ورصد المؤشرات المرتبطة بأسباب صعودها الملحوظ.
بواسطة د. هباس الحربي - رئيس التحرير | سبتمبر 1, 2025 | مقالات
الحرف اليدوية لم تكن يومًا فائضًا عن احتياجات المجتمعات، ولا عملًا هامشيًّا يمكن الاستغناء عنه، بل هي جزء أساس من منظومة الاحتياجات اليومية في كل مجتمع؛ لأنها تنبع من تلك الحاجة، وتعمل على تعويض خدمات مفقودة، وتسعى إلى استثمار مكونات موجودة فعليًّا بحكم طبيعة حياة المجتمع وبيئته المحيطة، فالبيئة الزراعية -على سبيل المثال- تتطلب صناعة أدوات للزراعة من فؤوس ومحاريث وغيرهما، كما أن المحاصيل التي تنتج من الزراعة تحتاج هي الأخرى إلى وجود حِرَفٍ يدويةٍ تستثمرها من جهة، وتسد حاجة المجتمع إليها من جهة أخرى، فمن زراعة النخيل تَولَّدَت حِرَف لصناعة الخوصيات، ومن زراعة الحبوب تولَّدَت حرف لصناعة أدوات التجفيف والطحين، ومن حِرَف الصيد والأعمال البحرية تولدت حرف لصناعة المراكب والأشرعة، وكذلك الأمر في كل متطلبات المجتمع؛ بدءًا من حرف الحِدادة والنجارة إلى حياكة الملابس وصناعة الحُلِيّ والمجوهرات، وكلها حِرَف لا غِنى عنها، يتفنن في صناعتها حِرفيون من أبناء تلك البيئات المختلفة، ومع مرور الوقت ارتبطت الحرف بثقافة كل مجتمع، بل إنها في المجتمع الواحد تنوعت بحسب البيئة التي نشأت فيها، فإن كانت بيئة زراعية تميزت بالحرف الزراعية، وإن كانت بيئة بَحْرية تميزت بالحرف البحرية، وهكذا في كل البيئات والمجتمعات.
وعلى الرغم من أن الثورة الصناعية والتقنية التي اجتاحت العالم؛ أفقدت كثيرًا من المهن أهميتها، وجعلت كثيرين من محترفي تلك الحرف يفقدون أهميتهم، وهو ما أدَّى إلى انقراض بعض الحرف، وتهديد بعضها الآخر بالانقراض؛ فإن الحاجة إليها لا تزال قائمة، وهناك حتى الآن مَنْ يفضلون الأعمال اليدوية بما فيها من أبعاد فنية وجمالية على الأعمال المصنوعة آليًّا، ومن هنا ستبقى الحرف والصناعات اليدوية جزءًا أصيلًا من ثقافات الشعوب بمختلف أجناسها، وقد أَوْلَت المملكة العربية السعودية اهتمامًا كبيرًا بقطاع الحِرَف في السنوات الأخيرة، ومن أبرز الشواهد على هذا الاهتمام إطلاق إستراتيجية وطنية لتنمية قطاع الحرف والصناعات اليدوية عام 2012م، ومع تأسيس وزارة الثقافة عام 2018م، ثم تأسيس هيئة التراث ضمن الهيئات الثقافية المتخصصة بالوزارة؛ أصبح تطوير القطاع الحرفي هدفًا رئيسًا من أهدافها ورؤيتها وإستراتيجيتها الثقافية، ومن أبرز نتائج ذلك الاهتمام تلك المبادرة التي أطلقتها وزارة الثقافة ليكون عام 2025م عامًا للحرف اليدوية.
إن الحرف والصناعات اليدوية ليست بعيدة -كما يظن بعضٌ- مِن المنجز الثقافي أو الإبداعي، فقد دخلت نسيج النشاط الثقافي والأدبي والإبداعي منذ العصور القديمة، ولا تزال باقية حتى الآن، وفي عصرنا الحديث كم سمعنا عن مبدعين في مجالات ثقافية وأدبية وفنية مختلفة مارسوا الحرف اليدوية، أو نشؤوا في أُسَر اشتهرت بنوعيات من تلك الحرف، ولمسنا مدى انعكاس الثقافة المرتبطة بنشاطهم الحرفي على أعمالهم الأدبية والفنية! وهي مؤشرات واضحة على الأثر العميق للأنشطة الحرفية في بنية الثقافة الشعبية أو المجتمعية، ولأن النشاطات الحرفية متجذرة في العمق الثقافي لدى كل الشعوب، فقد خصصت مجلة الفيصل ملف هذا العدد لتسليط الضوء على هذا الجانب الثقافي المهم عبر أقلام مجموعة متميزة من المثقفين السعوديين والعرب.
بواسطة د. هباس الحربي - رئيس التحرير | يوليو 1, 2025 | مقالات
السرديات الإبداعية؛ قد ترسم صور البلدان على غير ملامحها الحقيقية، ومن خلالها يمكن أن يرتبط الإنسان نفسيًّا ببعض البلدان ويسعى إلى زيارتها، ومن خلالها -أيضًا- يمكن أن يكره الإنسان بعض البلدان ويُسقط رغبة زيارتها من حساباته، فقط لأن الصور التي ترسمها السرديات ذات الطابع الإبداعي المشحون عادةً بالخيالات والمجازات مغايرة للواقع الفعلي، ولعل «أدب الرحلات» بما يتطلبه من شروط الوصف والتوثيق يظل أقل ضبابية وأكثر وضوحًا من الأشكال السردية الأخرى، ومن هنا يكتسب السفر قيمته وأهميته وقدرته على تغيير الصور الذهنية المغلوطة التي لا تتكشف إلا بالمعايشة الواقعية والمعرفة المباشرة.
هناك من يرى السفر إما ترفيهًا بلا معرفةٍ، وإما ترحالًا ثقافيًّا بلا ترويحٍ أو ترفيه، وكأن كلًّا منهما على النقيض من الآخر، حيث يتصور بعضهم أن السفر هو الترفيه الصرف الذي يجب أن يخلو من المعرفة الثقافية، ويرى بعضهم الآخر أن جوهر السفر هو البحث عن المعرفة التي يجب أن تخلو من متعة الترفيه، وفي تصوري أن فضيلة السفر تكمن في المزج المتوازن بين هذين الجانبين اللذين يصلان لدى بعض هواة السفر إلى التضارب والتضاد.
ربما يكون عملي لسنوات طويلة بالهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني التي جمعت بين مفاهيم السياحة والتراث الثقافي؛ هو ما عزز لدي هذه القناعة، فقد أدركت منذ وقت مبكر أنه بالإمكان أن يحقق السفر السياحي قدرًا كبيرًا من المعرفة المرتبطة بالاطلاع على ثقافات وحضارات الشعوب، ومكونات الأماكن وذاكرتها المجتمعية، ويحقق في الوقت نفسه قدرًا كبيرًا من الترويح المرتبط بالمتعة الترفيهية،
وأنه في الحالين يضيف إلى ذاكرة المسافر ذكريات ومشاهدات جديدة تثري حصيلته المعرفية، وترفع من رصيده الثقافي، وتجلب له الكثير من فوائد الترفيه.
غير أن السفر ليس كله سفر السائح الذي ينتقل من بلدٍ إلى بلدٍ بمحض إرادته، أو مدفوعًا بما لديه من شغف الترحال، فأنماط السفر مختلفة، وأغراضه كثيرة، وأبوابه متعددة، ونوافذه مفتوحة على كل الاتجاهات، ولأنه في كل أحواله يُسهم في تشكيل وعي الإنسان، ويعلّمه ما لم يكن يعلم عن طبائع الناس، وطبيعة الجغرافيا، ومسارات التاريخ، وسلوكيات المجتمعات.
كان من الضروري أن نطرح «سؤال السفر» على عدد من الأدباء والمثقفين، وأن نحاول النبش في ذاكرة كل منهم لنعرف، ويعرف القارئ بأي صورةٍ يرون السفر، وإلى أي درجةٍ ترك أثرًا في نتاجهم الفكري والإبداعي، أو في حصيلتهم المعرفية، وتجاربهم الحياتية، والإنسانية، والثقافية، وغيرها من الأمور التي تحدثوا عنها باستفاضةٍ في ملف هذا العدد.
بواسطة د. هباس الحربي - رئيس التحرير | مايو 1, 2025 | مقالات
على مدى سنوات طويلة؛ كان الفعل الثقافي في المملكة العربية السعودية موزعًا بين عدد من الجهات والمؤسسات التي يعمل كل منها برؤية مختلفة عن سواه، حيث تقوم وزارة الثقافة والإعلام (سابقًا) بما يلائم دورها الذي يجمع بين تخصصين مختلفين، وتتقاسم برامج النشاطات الثقافية جهات أخرى غير ثقافية مثل: الرئاسة العامة لرعاية الشباب التي كانت ترعى الأندية الأدبية، وجمعيات الثقافة والفنون بفروعها المنتشرة في كل مناطق المملكة، إضافةً إلى قطاع الشؤون الثقافية في الحرس الوطني الذي أطلق المهرجان الوطني للتراث والثقافة (الجنادرية) وظل يعمل لأكثر من ثلاثة عقود تحت مظلته، وهو ما جعل الإستراتيجية الثقافية في المملكة متعددة الرؤى بحكم ارتباطها الجذريّ بطبيعة العمل في تلك المؤسسات متعددة المهام والأهداف والنشاطات، والحقيقة أن تلك الجهات والمؤسسات قدمت كل ما في وسعها لخدمة الثقافة السعودية، ولكن مع إطلاق رؤية المملكة 2030 كان من الضروري أن تُعاد هيكلة القطاعات الثقافية وفق الاختصاص، وأن تتوحد الجهود استنادًا إلى رؤية إستراتيجية موحدة، وأن يُفْصَل بين الثقافة والإعلام، وهو ما حدث بالفعل حين تأسست وزارة الثقافة في عام 2018م، واعتماد إستراتيجيتها الثقافية في عام 2019م، وما نتج عنها من تأسيس إحدى عشرة هيئة تمثّل مختلف القطاعات الثقافية السعودية، فأصبح للثقافة رؤية موحدة بأجنحة متعددة.
وهكذا؛ حدثت النقلة النوعية التي أخذت الخطاب الثقافي السعودي إلى آفاق أخرى ليس فقط على المستوى المحلي، بل على المستوى العربي والعالمي بما يحقق أهداف رؤية 2030، ويعزز العلاقات الثقافية بين المملكة والعالم، فقد هيَّأت رؤى التخصص الثقافي التي تعكسها الهيئات الثقافية التابعة للوزارة مناخًا ثقافيًّا مغايرًا يخدم أربعة عشر قطاعًا ثقافيًّا من خلال إحدى عشرة هيئة متخصصة؛ تعمل كلها على إعادة بناء وتفعيل الخطاب الثقافي السعودي عبر الاهتمام بالمواقع الثقافية الأثرية، والتراثية، والمتحفية، والعمرانية، والطبيعية، إضافةً إلى مسارات الهوية الثقافية المتمثلة في: اللغة، والشعر، والنشر، والكتب، والمكتبات، والتراجم، والمسرح، والسينما، والموسيقا، والفنون الأدائية، والفنون البصرية، والفنون الحرفية، وفنون العمارة والتصميم، وفنون الطهي، والأزياء، والعروض المرئية، والمهرجانات، وغيرها من روافد الهوية الثقافية السعودية، فشهدت المملكة في السنوات السبع الماضية نهضة ثقافية لم تشهدها من قبل، وهي نهضة مبنية على رؤية دولة وإستراتيجية وزارة، وقد لمسنا في تلك السنوات أثرها الإيجابي في المجتمع السعودي وعلاقته بالآخر في الوطن العربي والعالم.
ولأن الجهود التي تقوم بها وزارة الثقافة بكل هيئاتها الثقافية جديرة بالإشادة والاحتفاء، خصصت مجلة (الفيصل) ملف هذا العدد لتسليط الضوء على تلك الجهود من خلال أقلام عدد من المثقفين السعوديين والعرب، وقد أفاضوا في تناول تجربة الوزارة وهيئاتها ومبادراتها، وعبَّروا عن تطلعاتهم المستقبلية للعمل الثقافي في مختلف القطاعات الثقافية بالمملكة.