بواسطة الفيصل | يونيو 30, 2017 | تشكيل, فنون
لا تكاد تشعر به، لكن أثره موجود في كل مكان، تراه في مقدمة صفوف الفنانين التشكيليين، حيث يشغل منصب رئيس مجلس إدار أتيليه القاهرة للفنانين والأدباء، هذا المكان الذي أسسه المصور المصري الكبير محمد ناجي عام 1953م، ليصبح منارة ثقافية تدافع عن التشكيل والأدب معًا، إنه الفنان المصري أحمد الجنايني (1954م) الذي تتلمذ على يد الفنان المصري الكبير حامد عويس عام 1978 – 1979م، وبعدها درس الفن في ألمانيا في المدة 1980 : 1981م، وكتب الشعر والرواية، وصمَّم أغلفة العديد من سلاسل الكتب، وأنشأ دار نشر، ورأس تحرير مجلة «الخيال» المعنيَّة بالفنون البصرية، وهو القائل: إن تاريخ مصر التشكيلي في خطر. «الفيصل» حاورته حول تجربته إضافة إلى قضايا أخرى.
مارسْتَ الفن التشكيلي والشعر والكتابة الروائية؛ فما رؤيتك الأساسية للفن؟
كنتُ واضحًا منذ البداية مع نفسي في أنه لا يوجد غرف مغلقة للصنوف الإبداعية، لكن كل الإبداعات تشكيلية أو موسيقية أو شعرية أو مسرحية،… جميعها يشتبك معًا، كان هذا عمود أستند إليه في رؤيتي لمشروعي الإبداعي، كما أن مثلث الإبداع لا بد أن يكون موهبة – خبرة – ثقافة، وأنه لا يمكن حذف أو إلغاء أي من العناصر الثلاثة، ولا يمكن أن يقدَّم عمل إبداعي بضلعين من دون الثالث.
لا تنتمي اللوحة لديك إلى سياق مدرسة فنية بعينها، وربما تكون مزيجًا من مدارس مختلفة، فما المؤثرات التي تدفعك لذلك؟
ممارسة العمل الإبداعي تشكيليًّا تعتمد على ماهية اللغة البطل، وماهية لغة التشكيل هي اللون – الخط – الكتلة – الفراغ – المساحة. أي جميع العناصر المرئية بصريًّا، لذا سيكون البطل دائمًا بصرِيًّا، رغم إمكانية اشتباكه مع الموسيقا أو الشعر. وبالنسبة لي فإنني أعتمد الجسد الإنساني، أو بمعنى أدق، الإنسانَ بطلًا للغتي التشكيلية، أحمله بكل المضامين التشكيلية سواء أكانت لونًا أو خطًّا أو مسافةً أو كتلةً أو فراغًا، لكن الهم الإنساني يكون حافزًا لطاقتي التشكيلية، وأنا ممن يؤمنون بموسيقا اللون، وبالتالي فإن لغة اللون عندي تعتمد كلية على فهمي الواعي للعلاقات اللونية سواء أكانت التضاد أو الهارموني أو غيرهما، المهم عندي أن أرى الموسيقا من خلال اللون، وهذا يمنح العمل جاذبية للتلقي، ويأخذ المشاهد إلى أبعاد أخرى ترتبط جميعها رغم مضامينها المختلفة بجماليات المشهد، ولكي أحقق هذا كان لا بد لي أن أمارس التشكيل بعيدًا من صناديق المدارس التشكيلية الجاهزة، فأنا أومن بحرية التعبير وحرية استخدام الفنان للغته الخاصة؛ إذ ليس من الضروري أن يكون واقفًا داخل صندوق مدرسة معينة، ويغلق على نفسه هذا الصندوق، من هنا كانت تجاربي مزجًا بين مدارس تشكيلية مختلفة، فالتجريد امتزج بسوريالية اللون، والتعبيرية امتزجت بدراما التجريد، وهكذا.
كيف تشكلت الذاكرة البصرية لدى أحمد الجنايني؟
أنا ابن قرية تنام في حضن النيل، حيث فرع دمياط؛ لذا فمنذ طفولتي كنت أشكل الطمي وأتعامل مع مفردات النهر ومفردات الطبيعة بوصفها المخزون الوجداني والثقافي والبصري، ورغمًا عني مارست ذلك من دون أن أفهم ذلك بوعي، ابن القرية الذي رسم بالطبشور على جدران المنزل وأبواب الغرف، وتعامل في «حصة» التربية الفنية في المرحلة الإعدادية مع الطبيعة، حيث كان يطلب منا مدرس الرسم على السبورة أمام الزملاء، وهذا ما شجعني على ممارسة التشكيل.
هناك جانب آخر مهم وهو مكتبة أخي الأكبر التي كانت تضم كتبًا مهمة منها كتاب التشريح للفنانين -مؤلفه يوجن وولف- الذي استفدت منه كثيرًا في المراحل الأولى من تكويني، فإذا أضفنا ذلك إلى حكايات القرية وألعاب الأولاد والبنات الشعبية التي كنا نمارسها بحب وفرح رغم ظلمة الشوارع التي لم تكن تعتمد إلا على المصابيح النفطية في ذلك الوقت، كل هذا شكَّل جزءًا كبيرًا من ذاكرتي البصرية.
مارستَ فن تصميم الأغلفة لعدد من سلاسل الكتب، فإلى أي مدى أسهم الكمبيوتر وما أتاحه من خيال جديد وبرامج عديدة في تشكيلك اللوحة وعالمها؟
لا تربطني أي علاقة بما نسميه فن الكمبيوتر أو العمل الفني من خلال الكمبيوتر، أنا أمارس الفن التشكيلي بأطراف أصابعي معتمدًا اللون بمختلف خاماته، سواء أكانت زيتية أو أكريلِك أو ألوانًا مائية، وأنا من الفنانين الذين لا يؤمنون بتحضير اللوحة من خلال رسم إسكتشات ثم بعد ذلك نقل الإسكتش ليكون لوحة، أنا أومن منذ بداياتي بأن الشخصية الأولى هي اللوحة؛ لذلك تكون علاقتي مباشرة مع سطح اللوحة، من دون الاتكاء على عمل إسكتشات، ضربة الفرشة الأولى في اللوحة هي بمنزلة الطلقة الأولى التي تفتح لي سردابًا لا أعرف ما الذي يسكنه، لكنني أعرف تمامًا أنني لا بد أن أعبُر من هذا السرداب، هذه هي علاقتي الحقيقية بالعمل التشكيلي.
كيف ترى واقع الحركة التشكيلية في مصر الآن؟
الحركة التشكيلية يشوبها الكثير من العلاقات التي غيَّبت المفهوم الحقيقي للإبداع، وأقصد بها علاقة وزارات التربية والتعليم والثقافة والإعلام بمفهوم التشكيل والثقافة البصرية وأهميتهما، لقد اختلطت هذه المفاهيم عند القنوات الثلاث، فغابت المفاهيم الحقيقية في المراحل التعليمية، وهمشت في الثقافة، وتكاد تكون ألغيت في الإعلام، وبالتالي فهذه الجزر المنعزلة والمنوط بها رفع مستوى الثقافة البصرية لا تقدم شيئًا حقيقيًّا لتنمية الثقافة البصرية، ولم يعد بالإمكان القبض على مفاهيم جمالية تقدم على أرضية حقيقية للمواطن العادي، ومن ثم انفصل المجتمع بكليته عما يسمى الفن التشكيلي، وبالتالي فالفنان التشكيلي الحقيقي لا يستطيع في المجتمع المصري بل العربي ككل أن يمارس حياته بصفته فنانًا، ممارسة الفن لن تكون داعمة له لممارسة حياته بشكل طبيعي، من ناحية أخرى، وهي الأهم، إنه لكي تُقدِّم عملًا إبداعيًّا من خلال كونك فنانًا لا بد أن تمتلك رؤية لهذا العمل، وهذا ما نفتقده في كثير من الأحوال، نحن في حاجة ماسّة إلى الثقافة الإبداعية سواء أكانت إبداعًا أو ممارسة.
قلتَ في مقال: إن تاريخ التشكيل المصري في خطر؛ فكيف ذلك؟
التاريخ المصري يضع مصر رغمًا عن أي شيء في مقدمة الدول التي تمتلك تاريخًا إبداعيًّا حقيقيًّا، لكن ما يحدث الآن ربما يؤثر بشكل كبير في هذا التاريخ، حيث إن هناك «لوبي» -وأعني بها معناها الحقيقي- يعمل ضد الفن بتبنِّيه أعمالًا لا قيمة لها؛ كي تكون في سوق المزادات رهانًا على تشويه وتشويش الإبداع. ويتواصل مع ذلك الترويج للأعمال الفنية المزيفة التي شاع التسويق لها، مما أفقد المتاحف الفنية الكثير من هيبتها، فأعمال مزيفة لرموز فنية كبيرة من رواد الفن في مصر منهم: محمود سعيد، وسيف وانلي، والجزار، وحامد ندا وغيرهم، يفقد الفن التشكيلي في مصر مصداقيته وجلاله، وهذه مشكلة كبيرة طرحت وفاحت رائحتها في معرض السورياليين الذي أقيم في قصر الفنون بدار الأوبرا بالتعاون بين وزارة الثقافة وجهات خاصة أتت بكم هائل من اللوحات المزيفة، وحشرتها داخل المعرض فقط لتأخذ مشروعيتها في المزادات التي يقوم بها هذا اللوبي.
بوصفك رئيس أتيليه القاهرة، ما حقيقة الصراع الدائر على المقرّ منذ سنوات؟
بدأ الصراع في أتيليه القاهرة حين تواطأ مجلس إدارة الأتيليه الأسبق عام 2008م مع من يمتلكون عقار أتيليه القاهرة، وهم ورثة ليندا كوهينكا اليهودية، وذلك بعدم دفعهم إيجار المقرّ مدة أربع أو خمس سنوات، على أن يقاضي الورثة مجلس الإدارة ويُستَصدَر قرار من المحكمة بطرد جمعية الأتيليه، وتسليم العقار للورثة، كان هذا أساس المشكلة، وأُوقِفت هذه الإجراءات وعُزل هذا المجلس بقرار من وزارة التضامن الاجتماعي، ثم فصلهم من الأتيليه بقرار من الجمعية العمومية، لكن بعد خمس سنوات تغيرت الخريطة، وفوجئ مجلس الإدارة الحالي بخطابات تَرِدُ إليه من مدير التضامن الاجتماعي تُطالِب المجلس بإعادة الأعضاء المفصولين بوصفهم لم يفصلوا، وبدا المشهد مأساويًّا حين تَكشَّفت خيوط التعاون بين إدارة التضامن وعناصر من المجلس المفصول، لنكتشف أن كل ما تسعى له وزارة التضامن هو إعادة الوضع إلى ما كان عليه، بحيث يتمكَّن المجلس المعزول من تسليم المقرّ إلى الورثة، وهذا ما وقفنا ضده، وقاضينا وزيرة التضامن ومحافظ القاهرة السابق، ونحن في انتظار حكم القضاء، ولا يهمّنا إلا أن نحافظ على كيان أتيليه القاهرة من أيدي العابثين الذين يسعون لتحويله إلى مركز ثقافي إسرائيلي، أو على أقل تقدير إطفاء شعلته الثقافية التي أسسها المصوِّر المصري الكبير محمد ناجي في مارس 1953م، ولا يؤسفني في نضالنا هذا إلا تخاذل الكثير من المثقفين عن الدفاع عن هذا الصرح وتاريخه، وعلى رأسهم وزير الثقافة الذي لم يحرِّك ساكنًا رغم أنني وضعت الملف كاملًا على مكتبه، لكنه آثر الصمت البليغ.
بواسطة الفيصل | يونيو 30, 2017 | إصدارات, كتب
بقدر ما أنتجت الرمزية من التباسات، فإنها أنتجت في المقابل نظامًا للعلامات خفضَ من سطوع الواقعية وغباء المحاربين باسمها. وفي الديوان الضخم (464 صفحة) «مقهى صغير لأرامل ماركس» للشاعر أشرف يوسف الصادر بالتعاون بين داري العين وشرقيات، يبدو أمر الرمزية أكثر تعقيدًا مما تصوره مالارميه صاحب أبرز بياناتها. فيوسف الذي استفاد تقريبًا من المذاهب الشعرية كافة في ديوانه يبدو على وعي تام بمرجعية تلك الهلوسات التي سارت شعرية الديوان تحت وطأتها، فتشكلت على هيئة زمن دائري قوامه اللغة الهشة والمناخات الغرائبية، لكن هذا الزمن الدائري الذي يبدأ منه الألم ولا ينتهي لا يسعى لعلاج مرضاه، بل يستقصي طاقات لوعتهم وبقايا ظلالهم التي تركوها في أماكن غارقة في عتمتها السحرية.
وتبدو رسالة الشاعر هنا بين أعلى التعبيرات الكاشفة للكثير من زيف لحظته. فالعصر الذي بدا متصالحًا مع قضاياه الكلية بدا في الديوان كواحد من عشرات الحقائق العارية. وقد شكلت شعرية الديوان أكبر افتضاح ممكن للمأزق الإنساني عبر تلك التمثيلات التي استغرقها ضمير المؤنث الذي غلب على معظم قصائد الديوان. وربما كانت درجات السخرية المتفاوتة من الأيديولوجيا واحدة من أبرز تلك التعبيرات. فالمقهى الصغير ذو الملامح الاعتيادية، الذي حمل الديوان اسمه، تجوهر حول صورة مفارقة عندما ربطه الشاعر بأنه مقهى «لأرامل ماركس» على ما تحمله التسمية من انتهاك لعصر كامل من الحروب العقائدية، ومع ذلك لم تتجاوز تعبيرات تلك الحروب كونها أحد تمثيلات انهيار اليقين. المقهى هنا لم يعد ملائمًا للاعتراف بالحب ص382، كما أنه يمثل «ذلك الركن المعتم» الذي يبدو الذهاب إليه قدرًا مقدورًا ص 232، وفي موضع أكثر جلاءً يقول أشرف يوسف: «كيف أقتل اشتياقي الحار/ لصوته في مقهى صغير يدعى أرامل ماركس/ ولست مهتمة على الإطلاق بهذا الماركس ولا بأرامله» وسيتبدى ذلك أيضًا في قصيدته «امرأة يهودية» التي يتعامل فيها بخفة مماثلة مع ليون تروتسكي ص 199.
مضامين أكثر سوداوية

أشرف يوسف
لذلك ليس غريبًا أن يكون المفتتح الفاتن للديوان نعيًا لـ«مؤلف الكتب» الذي يخاطبه الشاعر ممتلئًا بالازدراء: «تعالَ يا مؤلف الكتب/ أيها الرجل المغرور/ سآخذك معي في صياعة منتصف الليل/ وسأسليك بتلك الخواطر التي يقال: إنها حياتي». إن انعدام الثقة في مؤلف الكتب هنا تجد معادلاتها في مشاهد عدة تعكسها معرفية تناثرت في أرجاء الديوان بين أسماء تمثل نوعًا من الغوث بالنسبة للشاعر مثل بول شاؤول، ومحمود درويش، وإدوارد سعيد، جان دمو، وغيرهم، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى بدت مضامين السرد الشعري أكثر سوداوية من أن تحتويها لغة، فتحولت تلك الاستغاثات إلى نوع من الرفض المطرد للعالَم المعيش ولتعبيراته الثقافية التي تبدت في رفض الكثير من مقولاته، وتبرز تلك التجليات بشكل ظاهر في تلك التناصات المستخفة غالبًا، بنصوص تاريخية مثل التوراة والإنجيل وبعض المأثورات المنقولة عن فقهاء ووُعَّاظ وكُتاب وعوامّ، وسنرى ذلك في المفارقة التي يرصدها الشاعر ص 290 عندما يقول: لا زال لديّ رأس يفكر / وقلب لشاعرة من بلاد فارس كأنه خريطة / ويؤمن على طريقته أن لويز فيديليو عاهرة / بخمسة فرنكات ولديها طريق واحدة لكسب المال / بالإكثار من الحديث عن الأخلاق في الفن».
تتراوح شعرية ديوان أشرف يوسف بين السردية المحضة في قصائد ليست قليلة حتى بدا بعضها كأعمال قصصية رفيعة السرد والأبنية لا سيما في «أتون وردة لأنثاه الافتراضية»، و«وجوه يناير» وقصائد أخرى، فبدت جزءًا فاعلًا في متواليته الشعرية، كذلك تبدت تلك المراوحات في الغنائية التي غلفت أجزاء ليست قليلة من الديوان لا سيما في النشيد الثاني وفي قصيدته أساطير التي يقول في مطلعها: «يا جبلنا العظيم أنا إيزيس العاشقة، جئت لأمسح رأسي في ترابك وأشفي» ثم في قصيدة الفتى حيث التناص التوراتي «يا ابنة جبل الأطياب، ياحبيبتي، يا جميلة وزنجية.. كوني تقية»، وكذلك أنسنة التشيؤ في قصيدته «كتالوج لغسالة كهربائية»، ثم الاجتراءات اللغوية الفريدة في قصائد عدة أبرزها في قصيدة «نبية الليل» ص 178، وهي تمثل واحدة من مراتب التماهي في مدارج القدسية بالمعنى الصوفي. في الوقت نفسه بدت الأجزاء التي خلصت إلى الشعرية المحضة أكثر من فاتنة، يتبدى ذلك في القسم الأول من الديوان وبعض القصائد الأخرى مثل: «قري، حلم بداخل فلم، النشيد الـأول والنشيد الثاني».
رمزية النص الجديد
ولا شك أن الشعرية الطافرة، الغنية والمكتنزة في ديوان «مقهى صغير لأرامل ماركس» في تجاوزاتها وقفزاتها خارج الأسوار الواطئة التي ارتضتها لنفسها قصيدة النثر تبدو تعبيرًا عن قيمتين رئيستيْنِ لدى الشاعر أشرف يوسف. الأولى: إدراكه أن رمزية النص الجديد لا تعني تحويل الكائنات الشعرية إلى أوثان، بل تعني الاستفادة من معظم القيم التاريخية على امتداد التراث الإنساني، من هنا بدا الديوان مستفيدًا من غالبية المذاهب الشعرية دون أن يعني ذلك فقدانه للرؤية.
ثانيًا: تبدو قناعات أشرف يوسف بوظيفة الفن مرتبطة بشكل ما بوظيفته الاجتماعية رغم المناخات الإنسانية المضطربة التي تعكسها حركة السرد الشعري؛ لذلك لم تتخلَّ تلك الشعرية عن قارئها، أعني أنها لم تمتهن حواسّه، من هنا بدا وعي الشاعر متجاوزًا للكثير من التصورات المجانية التي أشاعها شعراء يؤمنون بمذهب الفن للفن. وبقي القول: إن تلك المجانية التي بدت عليها استطرادات التخييل وكثافات الصور الشعرية في القصائد التي مالت إلى النثرية المحضة أكثر إخلاصًا للرمزية في صيغتيها الغربية والشرقية، ولعل نموذجها البارز لدينا يمثله نص الشاعر اللبناني وديع سعادة لكنها شعرية، على أية حال، لم تكن ناجزة لخصائص مؤثرة في مسارات قصيدة النثر لارتباطها بحالة تطهرية أقرب إلى اللاهوتية التي عرفتها لغة النثر الفرانكفوني في القرن الثامن عشر، وربما لذلك تجوهرت شعرية هذا الديوان المهمّ في مواقع بعيدة من تلك القصائد.
بواسطة الفيصل | يونيو 30, 2017 | تحقيقات, قضايا
كشف الغزو الأميركي للعراق عام 2001م عن الدور البارز الذي لعبه الاستشراق الجديد في تشكيل مخيلة الغرب نحو المنطقة العربية، فعبر عدد من مراكز الأبحاث وأقسام الجامعات ووسائل الإعلام صدَّق العالم أن العراق مقبل على إبادة البشرية. يومها وقف وزير الخارجية الأميركي كولن باول يستعرض أمام مجلس الأمن علبة صفيح قديمة بوصفها دليلًا على مدى تطور البرنامج النووي العراقي، مطالبًا بتشكيل تحالف دولي لانتزاع قوى الشر من مكمنها. هكذا صنعت أفكار برنارد لويس وصمويل هنتنغتون وجيوش من صحفيين وباحثين عاملين في مضمار ما يعرف بالاستشراق الجديد رأيًا عامًّا بارَكَ احتلال العراق، فضلًا عن إلقاء آلاف الأطنان من المتفجرات على رؤوس أطفاله وشيوخه.
سهَّلت القنوات الفضائية والشبكة العنكبوتية ومواقع التواصل الاجتماعي وأدوات الاتصال الحديثة للمستشرقين الجدد عملهم في إنتاج مزيد من التصورات الخاطئة عن الإسلام ومنطقة العالم العربي، بدءًا من أن انعدام الديمقراطية في الشرق هو الذي أدى إلى خروج الإسلاميين من بلدانهم لتهديد المجتمعات الغربية، مرورًا بأن الحل يكمن في إحلال الديمقراطية الأميركية ووصول الإسلام السياسي إلى سدة الحكم؛ كي لا تتكرر مأساة تفجير بُرجَيِ التجارة العالمي من جديد.. هذه الأفكار روَّجت لإعادة تقسيم المنطقة العربية على أسس طائفية وعرقية، وعجَّلت بخلق جماعات تؤكد وجهة نظر الغرب في الإسلام.
لكن السؤال: ما ملامح الاستشراق الجديد؟ ما الذي يختلف به عن الاستشراق الذي فنده المفكِّر الراحل إدوارد سعيد؟ ما غايات هذا الاستشراق وأهدافه التي أطلتْ برأسها مع احتلال العراق في مطلع الألفية الثالثة؟ أسئلة تطرحها «الفيصل» على عدد من الباحثين والكتاب.
يقول الباحث العراقي فاضل الربيعي في كتابه «ما بعد الاستشراق»: إن غزو العراق كشف عن الدور المتنامي لمراكز البحوث والجامعات ووسائل الإعلام الغربية والأميركية في صياغة وعي الجمهور العام وآرائه ومواقفه، كما كشف عن الدور المذهل الذي لعبه الاستشراق الجديد في تكريس صورة نمطية لا سابق لها، وهي جميعها، كما يذكر الربيعي، عناصر أساسية ساهمت في شيطنة مجتمعات بأكملها، من بينها العراق الذي كان قبل غزوه طوال سنوات الحصار الجائر موضوعًا أثيرًا لدى جيل جديد من المستشرقين. ويرى الربيعي أن على العرب الذين أصبحوا موضوعًا دراسيًّا للاستشراق الجديد أن يقدموا تعريفًا دقيقًا لذلك الكم الهائل من الكتب والمقالات والدراسات التي اهتمت بالعالم العربي السياسي والثقافي، ورؤية طبيعة صلتها بما أنتجه الاستشراق القديم الكلاسيكي من مواد شبيهة مماثلة.
محمد عمري: لماذا يكرهوننا؟
لا أعتقد أن الاستشراق الجديد موحّد أو أنه استطاع إنتاج معرفة جديدة حول المنطقة بعد 2011م. وإذا أخذنا الاستشراق الجديد بمعنى الخبرة الأكاديمية في خدمة القرار السياسي الغربي، فأغلب المجهود اتجه نحو كيفية المحافظة على المصالح في منطقة متقلبة. كما تواصل التركيز على ما يسمى بالحرب على الإرهاب ومحاولة إيجاد مواقع للتأثير في واقع متقلب، كسوريا مثلًا. وتدعمت فكرة البحث في سؤال: «لماذا يكرهوننا؟»، وبخاصة في الولايات المتحدة، بالإجابة عنها بعودة الشعبوية وتقديم المصلحة القومية أولًا، كما ظهر في الخطاب الذي أوصل دونالد ترمب للرئاسة. وإلى حد مهم دعم مصير الثورات العربية فكرة الاستثناء العربي وعدم قدرة المنطقة على استيعاب الديمقراطية لدى من كان يحملها قبل 2011م. ولذلك تواصلت الدعوات إلى الحلول الأمنية والتدخل العسكري ومساندة «الحكام الأقوياء» بدلًا من تدعيم الديمقراطية والمراهنة على القوى المعارضة. أما في الغرب فلعل صعود اليمين المتطرف والخطاب المعادي للهجرة، وبخاصة في البلدان الإسلامية، دليل على قوة الفكر الاستشراقي الجديد وفعله في صنع الرأي العام والقرار.
أكاديمي تونسي أستاذ الأدب المقارن بجامعة أكسفورد.
عبد الله الوهيبي: من الاستشراق إلى التسطيح
«الاستشراق الجديد» -وهو مصطلح لا يخلو من غموض؛ لقلة تداوله ولضبابية حدوده- تحوَّل تدريجيًّا لحالة سيولةٍ وتذرٍّ وتفتُّتٍ. ففي الحقبة الاستشراقية التي امتدت قرابة القرنين حتى أواخر القرن المنصرم كان الإنتاج المعرفي الغربي تجاه المشرق يتمحور في الإنتاج في اللغويات والرحلات، ثم تطور لدراسات أنثروبولوجية وسسيولوجية واقتصاد سياسي وغيرها من المنهجيات، وكان ذلك في العموم يصدر عن الأكاديميات الغربية بالدرجة الأولى، ومن المراكز العلمية والبحثية السياسية والمستقلة في مرحلة تالية، ثم مع الانتشار الهائل لشبكات الاتصال الحديثة ابتداء من ذيوع القنوات، ثم الإنترنت، ثم الشبكات الاجتماعية، تحولت المعرفة الاستشراقية لأنواع جديدة تسطيحية وكليشيهات ساذجة يصرح بها «خبير» في الجماعات الإسلامية أو «معلّق» يعمل في مركز راند أو ما شابه، كما صار من السهل مشاركة العربي والمسلم في إنتاج هذه المعرفة، لظروف كثرة الباحثين من أصول عربية في الغرب عمومًا، ولظروف تزايد الهجرة و… إلخ. فالتحول الأحدث في المعرفة المنتجة عن الشرق العربي هي هذه السمة التسطيحية والتفتيتية، فلم تعد الأبحاث الجادة أو الأطروحات العميقة هي المؤثرة أو لها الأولوية في تكوين الصور والمواقف العمومية عن حوادث المشرق وتداعيات الأحداث في المنطقة العربية، بل الخبير/ المعلق/ الصحفي الذي يقدم معرفة للاستهلاك العاجل.
باحث سعودي أصدر كتاب
«حول الاستشراق الجديد – مقدمات أولية»
عمار علي حسن: الاستغراب في مواجهة الاستشراق
الاستشراق هو المؤسسة المشتركة للتعامل مع الشرق، بإصدار تقارير حوله، وإجازة الآراء فيه وإقرارها، ووصفه، وتدريسه، والاستقرار فيه، وحكمه، وهو أسلوب غربي للسيطرة على الشرق، واستبنائه، وامتلاك السيادة عليه… وهو إنشاء استطاعتْ به الحضارة الغربية أن تتدبر الشرق – بل حتى تنتجه، سياسيًّا واجتماعيًّا وعسكريًّا وعقائديًّا وعلميًّا وتخيليًّا، حتى أصبح صعبًا على أي إنسان أن يكتب عن الشرق، أو يفكر فيه، أو يمارس فعلًا متعلقًا به، من دون أن يأخذ بعين الاعتبار الحدود المعوقة التي فرضها الاستشراق على الفكر والفعل، ولا يعني هذا أن الاستشراق، بمفرده، يقرر ويحتم ما يمكن أن يقال عن الشرق، بل إنه يشكل شبكة المصالح الكلية التي يستحضر تأثيرها بصورة لا مفر منها في كل مناسبة، يكون فيها الشرق موضعًا للنقاش.
أما «الاستغراب» فهو دعوة حالمة متفائلة لدراسة الغرب، وتفكيك ثقافته وتوجهاته، وفهمها وهضمها، لامتلاك آليات فاعلة للتعامل معها. لكن هذه الدعوة لم تنتج تيارًا عريضًا متدفقًا مثل الذي أنتجه الاستشراق، وهي ليست سوى جهود فردية متناثرة، تضرب يمينًا ويسارًا، بلا هدف محدد، ولا خطة ناظمة. لكنها في كل الأحوال لا تقوم على تشويه الغرب، اللهم إلا في بعض كتابات أتباع التيار الإسلامي، مثل ما كتبه سيد قطب ومحمد قطب، بل تنطوي في أغلبها على الإعجاب به، ومحاولة تمثله، والاقتداء بما أنجزه في المعارف التطبيقية والإنسانية والفنون، وفي العمران البشري، لا سيما في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان. ويحتاج حوار الحضارات إلى تصحيح الصور النمطية المغلوطة، وإلا ظل مجرد ترف نخبوي، ورتوش مزيفة، وخطابات علاقات عامة، تظهر وقت الأزمات، وتُستَخدم مطية لأحوال السياسة وتقلباتها.
باحث مصري في علم الاجتماع السياسي.
عبدالكريم المقداد: في مقعد الجواسيس
لا أرى في الاستشراق الجديد إلا نسخة أحط وأبشع من الاستشراق القديم، الذي كرّس للشرق صورة نمطية لا تعكس سوى الجهل والهمجية وعبادة الشهوات. لطالما نظر إلينا المستشرقون بنظرة المتعالي، ووضعونا في خانة الأدنى. ولست أجافي الحقيقة إذ أقول: إن أغلبهم لم يبرح موقع الجاسوس في رصده للشرق، وتركيزه على مسارب الضعف التي تمكن الغرب من التسلل منها للاستحواذ على مواردنا وإرادتنا وقرارنا بصور خادعة زخرفها بمنمنمات فنية تحرف النظر عن خبث تلك الصور. لم تفلح كل المحاولات العربية والإسلامية من خلال التواصل والتعايش مع الغرب بعد ذلك في تغيير تلك الصورة، التي التصقت في وعي ولا وعي الغرب، وصارت مُسَلَّمة لا تُدحَض. كان الغرب يوارب ويلفّ ويدور لعدم الجهر علنًا بمفاهيمه عن الشرق، لكن ما أن تلقى صدمة الملك فيصل بن عبدالعزيز في وقفه تصدير النفط له في عام ١٩٧٣م حتى جهر بما كان يداري، فاكتظ إعلامه بصور وأوصاف للمسلمين والعرب أهون عناوينها الهمجية والتوحش والبداوة والجِمال والرّقّ! حاول المستشرقون بعد ذلك تغليف هذه النظرة بغِلالة جديدة، فكان الاستشراق الجديد، وظهر صموئيل هنتنغتون وبرنارد لويس وأضرابهما.
تمت «مكيجة» الوسيلة فقط، أما الهدف فلم يتغير: الاستحواذ على الشرق وثرواته وعدم تمكينه من أمره وقراراته، وإغراق مواطنيه في دوامة الركض خلف رغيف الخبز، والحرص على جعل الحرية والعدالة والكرامة مجرد كماليات لا يستطيع اقترافها حتى في الأحلام. تماهى المستشرقون مع القادة فخلقوا (القاعدة)، وابتكروا بعدها فزاعة الإرهاب، ثم شرعوا بشيطنة الإسلام، وراحوا يؤدلجون المسلمين بتقسيمهم إلى معتدلين ومتطرفين، وبدأ اللعب على أوتار المذهبية والإثنية، وسهلوا لإيران أن تلعب دورًا رئيسًا في المسرحية، فغرق شرقنا العتيد بالدماء. فهل نرجو من هذا الغرب الذي بنى أيديولوجياته على أفكار المستشرقين الجدد الأخطبوطية أن يسمح بنجاح الربيع العربي، فنملك أمرنا وموقفنا ونصبح أحرارًا؟ التجارب ماثلة أمامنا، وما زالت تتفاعل في مصر والعراق وتونس واليمن وسوريا وليبيا، وما زال نهر الدم يتدفق بغزارة منذ سنوات، أما الغرب، الذي يثور إذا ما عثر كلب في أحد أزقته، فيواصل الاستمتاعَ بمشاهدة مسلسل الإبادة في الشرق.
ناقد وباحث سوري.
فخري صالح: استشراق ذو أغراض وغايات أيديولوجية فاقعة

إذا نظرنا إلى ما قدمه الاستشراق خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، والنصف الأول من القرن العشرين، في دراسة تاريخ الشرق ولغاته وتراثه، فسنجد أن من الصعب تجاوز هذا الميراث الهائل من المعرفة الاستشراقية حول العالمين العربي والإسلامي. وبغض النظر عن نقد الاستشراق الذي مارسه مفكرون مثل أنور عبدالملك، وإدوارد سعيد، وطلال أسد، وضياء الدين ساردار وآخرين غيرهم، فإن الاستشراق الكلاسيكي قام بدور عظيم في دراسة الشعوب الشرقية وميراثها. أما ما سميته في كتابي الأخير «الاستشراق الجديد»، أو بالأحرى «الاستشراق الراهن»، ممثلًا في كتب برنارد لويس الدعويَّة الأخيرة، وتنظيرات صمويل هنتنغتون، وسياحة الكاتب الترينيدادي الأصل، والبريطاني الجنسية والثقافة: في. إس. نايبول في العالم الإسلامي، فهو يتسم بالسطحية، وتغلب عليه الصور النمطية، والتحليلات المستمدة من مصادر ثانوية.
إنه «استشراق» ذو أغراض وغايات أيديولوجية فاقعة ومفضوحة. فإذا كان الاستشراق الكلاسيكي واقعًا في شرك العلاقة المعقدة بين المعرفة والخطاب والسلطة فإنه سعى، في أعمال المستشرقين الكبار مثل المجري إغناتس غولدتسيهر أو الألماني كارل بروكلمان، إلى دراسة الميراث الإسلامي العظيم، وقراءة هذا الميراث في تاريخيته. أما النسل الجديد من المستشرقين الجدد لوزارة الخارجية الأميركية، وللسي آي إيه، ومراكز صنع القرار في أميركا والغرب، فوجدوا لتوفير معرفة نظرية يمكن من خلالها اتخاذ قرارات التدخل وشن الحروب على مناطق ذات أهمية حيوية بالنسبة للولايات المتحدة. لا شك أن بعض الاستشراق القديم كان في خدمة الإمبراطورية، لكنه لم يكن كذلك في معظمه، أما ما كتبه برنارد لويس وتلامذته، الأقل منه شأنًا ومعرفة دون أي شك، منذ ثمانينيات القرن الماضي، فلا قيمة معرفية له، بل هو دعاية تشبه الدعاية الغربية ضد الاتحاد السوفييتي أيام الحرب الباردة. إنها مجرد مواد إعلامية دعوية هدفها اصطناع عدو جديد للغرب وأميركا لغايات إستراتيجية، وكذلك هوياتيَّة في مواجهة الآخر: المسلم، الذي يعتقد هؤلاء أنه يهدد هوية الغرب المسيحي –العلماني– الديمقراطي. يمكننا أن نرى الآن هذا الجنون القومي –الهوياتي– المعادي للأجانب (وهم في الأغلب: المسلمون) الذي يجتاح أميركا وأوربا، لنفهم إلى أي حد أساء هؤلاء المستشرقون الجدد إلى أميركا والغرب قبل أن يسيؤوا إلى العرب والمسلمين. إننا مُقبِلون على كارثة بعد أن أصبحت كراهية الإسلام سياسة يعتنقها الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترمب ومساعدوه في البيت الأبيض. ولا شك أن ذلك ينسحب على أوربا التي ستعاني كثيرًا بسبب السياسة الأميركية الجديدة التي تتجه بسرعة صاروخية إلى التقوقع حول هويتها البيضاء البروتستانتية الديانة، الإنجليزية الثقافة، وهو ما نظَّر له صمويل هنتنغتون في آخر كتبه «من نحن؟» (2004م)، وهو الذي نبه من قبلُ إلى خطر المسلمين، ثم أضاف في كتابه الأخير المهاجرين من أميركا اللاتينية الذين رأى أنهم يهددون هوية أميركا في بدايات القرن الحادي والعشرين. هذه الرؤى النظرية، إذا اعتُنِقت، قد تقود إلى حروب أهلية ومواجهات كونية، وربما حروب عالمية. وها نحن نرى دونالد ترمب يوقع مراسيم سياسية بإقامة جدار بين المكسيك والولايات المتحدة، ويمنع دخول المسلمين إلى أميركا؛ لأنهم في نظره إرهابيون. ومع أنني لا أومن أن الأفكار وحدها يمكن أن تقود إلى صناعة السياسات، فثمة عوامل اقتصادية وسياسية وجيو-إستراتيجية وثقافية، فإن أفكار لويس وهنتنغتون والمحافظين الجدد، إضافة إلى صحفيين وكتاب رأي وباحثين في بيوت الخبرة الأميركية، قد صنعت رأيًا عامًّا في الأوساط اليمينية المتطرفة كانت نتيجته انتخاب رئيس أميركي شعبوي، جاهل، معادٍ للثقافة، معادٍ للتجربة الديمقراطية الأميركية، كاره للأجانب، محتقر للنساء، قد يجرُّ العالم إلى كارثة، وربما مواجهة نووية.
ناقد ومترجم فلسطيني مؤلف كتاب «كراهية الإسلام..
كيف يصور الاستشراق الجديد العرب والمسلمين»
بواسطة الفيصل | يونيو 30, 2017 | الملف
تنشغل أروقة الصحافة منذ سنوات بنقاشات معلنة وأخرى خفية، يدور معظمها حول مستقبل المؤسسات الصحافية كبيرها وصغيرها، ومع انبلاج فجر الهواتف الذكية والإعلام الاجتماعي ووقوع أولى الضحايا الصحافية بدأت القصص في المكاتب المغلقة تتحول إلى مقالات وتقارير، ثم صارت نداءات واستغاثات، أعقبها إغلاق مؤسسات صحافية أبوابها، ثم توقف مطابع صحافية عريقة عن الهدير، حيث لم تعد رائحة الحبر تُشَمّ، ولا أحد ينتظر مانشيت صفحةٍ أولى، أو يفكر بعمود في الأخيرة.
هكذا فجأة انتهت الحوارات الخجولة حول المستقبل المهني وتحولت التنبؤات الشعرية في الغد المجهول ومغامرات الصحافيين في الميادين؛ إلى حقيقة مُرة…
الصحيفة لم يعد لديها معلن ولا قراء.. والمموّل والداعم رحل إلى وسائل أخرى، وقرار الاستغناء عن الصحافي والصحيفة لم تستغرق كتابته سوى ثوانٍ عبر هاتف محمول.
هذه حقيقة دهمت صحفًا دولية وصحفًا عربية. ارتبكت لأول وهلة. ارتدت زيًّا ورقيًّا جديدًا. تعثّرت.صدرت إلكترونية. عادت ورقية وإلكترونية. راهنت على الموقع. ثم غابت إلى الأبد.
واليومَ للقارئ الذي كانت الصحف تخطب ودّه أن يختار أو يحتار. أن يؤكد أو ينفي، له أن يقول: إنه يحب صحيفته اليومية مع فنجان الصباح كما تعوّد، وله أن يقول: إن صحيفته أو صحفه وأخباره العاجلة في جيبه، له أن يشارك الصحافيين الأمل بعمر مديد، وله أيضًا أن يكبّر على الصحافة أربعًا.
ولك أيها القارئ أن تختار معسكرك بين الورقيين أو الإلكترونيين، أن تتفاءل بتجربة الواشنطن بوست الأميركية التي جددت نفسها، وما زالت تهدد الرؤساء منذ ووترغيت/ نيكسون حتى روسيا/ ترمب، أو تلتفت إلى صحيفة السفير اللبنانية ووداعها المرير بعد أكثر من أربعة عقود صاخبة.
أهو احتضار بطيء سرعان ما سيتكشّف عن حقيقة الموت المؤجل؟ أم هو «قصة موت معلن» كما يختار صحافي من روايات ماركيز، أم أن الصحافة تبدو آفلة لكن بانتظار تجددها وانبعاثها بشكل جديد، أم هي «عقلية الورق» التي يجب القفز فوقها إلى عصر الشاشات الصغيرة؟
هذا ما تضعه «الفيصل» بين أيدي قرائها في ملف هذا العدد، وبأقلام الصحافيين العرب أنفسهم.. ستطالع في هذا الملف آراء متنوعة، وكثيرًا ما ستجد بعضها ينقض بعضًا، هذا هو واقع الصحافة العربية اليوم، إنه مفترق طرق، بين عهد السيادة والمانشيتات والزوايا والأعمدة وتحريك الشارع، وواقع البوست المؤثر والتغريدة الصاخبة والخبر العاجل الذي لا يحتاج صياغة ولا تدقيقًا ولا حبرًا ولا مطبعة.
بواسطة الفيصل | يونيو 30, 2017 | مقالات
