بواسطة الفيصل | أغسطس 31, 2017 | تشكيل, فنون
ترى الفنانة السعودية منال الضويان الفن نوعًا من الحوار المتطور، وتؤكد في حوار لـ«الفيصل» أن القول بالحضور الواضح للفنانة السعودية «مُسَيَّس». وتشدد على الحاجة إلى نقد الذات سعيًا للتطور. الضويان في تجربتها المتنوعة تستعمل الرمز البسيط من أجل التعبير عن قضية كبيرة، بدأت مشوارها الفني من خلال التصوير الفوتوغرافي، ثم طوَّرت هذا الفن إلى ما يعرف بفن الـ installation وصممت أفكارًا فنية ثلاثية الأبعاد كبيرة الحجم تحتلّ مساحات تعبر عن الفكرة بأشكال متعددة. وقد شاركت الضويان في معارض دولية واقتنى عدد من المتاحف العالمية أعمالها مثل: المتحف البريطاني، ومتحف لا كونتي، والمتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة، وهيئة أبو ظبي للثقافة والتراث وغيرها. وثَّقت منال الضويان مجموعات اجتماعية مثل: «رجال ونساء النفط في المملكة العربية السعودية» في مشروع فني حمل عنوانًا: «إذا نسيتك فلا تنساني»، وفي مشروعها «صدمة» تناولت تأثير وسائل الإعلام في ممارسة المحو المتعمد للهويات. إلى نص الحوار:
بدأتِ عملك مبرمجة نظم معلوماتية بناء على تخصصك في البكالوريوس بعلوم الحاسوب، ثم حصلت على درجة الماجستير في تحليل النظم وتصميمها، إذن، كيف تبلور اهتمامك بالفن والتصوير؟
– منذ الطفولة وأنا أرسم وكنت مهووسة بالتصوير، وقد عدت من الجامعة وأنا في سن صغيرة أحمل بمعيتي ثلاثة عشر صندوقًا مليئة بالصور. كانت رغبتي في دراسة الفن قديمة، لكن كانت دراسة الفن آنذاك في المنطقة غير متاحة، ولم تكن هناك أية حركة فنية على الرغم من وجود فنانين، ومع ذلك قررت دراسة الماجستير في تحليل النظم المعلوماتية نهارًا، أما في المساء فقد كنت أدرس فن الطباعة وأحصل على كورسات في جامعات فنية في لندن. عندما عدت من الدراسة التحقت بأرامكو. أول معرض لي أقيم في شمال إسبانيا، ثم صار الفن شغلي الشاغل، وبعد خمس سنوات من هذا التغيير في حياتي تركت عملي، وتفرغت للفن وتخصصت فيه.
وثَّقتِ مجموعات اجتماعية، مثل «رجال ونساء النفط في السعودية» في مشروعك الفني «إذا نسيتك فلا تنساني»، وتناولتِ تأثير وسائل الإعلام في نشر محو متعمد للهويات في مشروع «صدمة»؛ هل تعتقدين أن رسالة الإعلام العربي كانت سلبية تجاه قضايا مجتمعه وبخاصة المرأة؟
– بالنسبة لي أحاول الابتعاد من علاج المشكلة، وأعتقد أن دور الفن جعل المشاهد ينظر إلى مشهد أو قضية أو صورة بطريقة مختلفة، فإذا اعتادت عيناك على النظر إلى المشهد من اليمين فأنا أجعلك تنظر إليه من اليسار، وهذه الحالة في تغيير الرؤية من شأنها أن تنتشل المتلقي من الخمول وربما تجعله يغير من طريقة طرحه الأسئلة. وأما الإعلام العربي فلن أعلِّق على موقفه، لكن سأحيل إلى خطورة تكرار الصورة في الإعلام بما لها من قوة، فتكرارها في الصحافة خمسًا وعشرين عامًا في حوادث سيارات المعلِّمات مثلًا أعده خطرًا أو نوعًا من تثبيت قصة وإهمال القصص الأخرى، فنشر صور سيارات مدمرة من دون أي جثث أو توضيح أسماء النساء اللائي توفين في هذه الحوادث هو نمط من المحو للإنسان الذي ذهبت روحه. وأعلم أن النية هي الحفاظ على الخصوصية لكن التكرار بهذا الشكل محو لإنسانية النساء اللائي ذهبت أرواحهن سدى في تلك الحوادث من دون فجيعة من المجتمع الذي ينتمين إليه. فمسؤولية الإعلام تقحمه في مثلبة التكرار التي تدخل حس أفراده في نوع من الخمول والغفوة. وأحاول معالجة هذه القضية في مشروعي «حالة من الاختفاء». ولقد جمعت صورًا من تلك الحوادث عن النساء نُشرت خلال ثلاثة أعوام في جريدة واحدة، ووجدت أنهم لا يقومون بنشر صور جديدة عن تلك الحوادث بل يستعملون الصور ذاتها، ولقد استعملت في بضعة شهور، تقدر بأربعة أشهر، الصور ذاتها ثماني مرات، وهي صور تشمل عددًا وفيرًا من النسوة، ولا تنشر صورة امرأة بمفردها، مخفيات الشكل والوجه والتكوين، الأمر الذي يشعر معه المرء بأن المرأة ليس لها تكوين وليس لها شكل محدد. لذلك أحاول في أعمالي التأكيد على أن المجموعات الكبيرة تساعد على محو هوية الشخص وفردانيته، وهذا شكل من التجاهل لذات المرأة وهويتها.
تضمَّن بعض مشاريعك الفنية تساؤلًا عن: ماذا يحدث لذاكرة لا يوجد لها قصة؟ وربما اضطررتِ إلى استخدام أرشيف صورك الشخصية لإعادة نشر قصتك من خلال ذكريات شخص آخر لبناء اتصال متخيَّل. كيف استطعتِ تكوين هذا التصور القصصي والإنساني وتجميعه وتضمينه من خلال أرشيف من الصور؟ وما الذي دفعك إلى الاستعانة بأرشيفك الشخصي لهذه الغاية الفنية البحتة؟
– منذ مدة وأعمالي تعالج قضية الذاكرة وبخاصة أن والدي كان متأثرًا بسبب مرض الزهايمر أواخر سبع سنوات من عمره قبيل وفاته. وبصفتي شابة وجدتْ والدها لا يتذكر اسمها ولا وجهها ولا يتذكر ما حوله، كانت تجربة صعبة جدًّا، ولقد عالجت هذه التجربة من خلال عملي في الفن. فكثير من أعمالي تدور حول والدي وتجربته مع هذا المرض، ففي هذا المشروع الذي سميته «أنا هل أنسى؟». كنت في عمر اثني عشر عامًا أعطاني والدي صندوقًا فيه ثلاث مئة نيغاتيف، وكنت ألعب بها وأتسلى وأضع عليها تكوينات، وصنفتها في صور عن الماء، وأخرى عن الجبال، وصور في أوربا وأميركا وهكذا، لكنني حينما كبرت وبعد وفاة والدي نظرت إلى تلك الصور بنظرة مختلفة لأن جميع من فيها توفي والأماكن الموجودة في تلك الصور ليس لها قصة، فبدأت أطرح فكرة: ماذا يحدث للذاكرة أو للقصة حينما لا تكون لها ذاكرة؟ ولقد أخذت صوري إلى فلوريدا في مكان إقامة فنية في جزيرة كابتيفا التي تتبع الفنان روشان بيرغ فاونديشن، وهذا الفنان معروف في أميركا، ولقد كنت أول عربية تشارك في تلك الإقامة الفنية، وبدأت إنتاج أعمال وأفكر في أن تلك الصور إذا فقدت قصتها وذاكرتها فسوف أصنع لها ذاكرة وقصة وتاريخًا هي قصتي، وبتلك التجربة أكون قد بعثت فيها روحًا جديدة برؤية وفكر جديدين وأحييتها، وهذه تجربتي التي قمت فيها بإحياء الذاكرة بعد المحو.
استمددتِ إلهامك في مجموعة «أنا» من الخطاب الذي ألقاه الملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز يوم تولّيه العرش، ودعا فيه يومها السعوديّين كلّهم ليتعاونوا على بناء وطننا. كما شدّد على أهمية مشاركة المرأة. وفي الصور الفوتوغرافية من مجموعة «أنا» نساء صورتهن وهن يرتدين تفاصيل توحي بوظائف عدة، ما الذي دفعك إلى إعداد هذه المجموعة؟
– كان للملك عبدالله -يرحمه الله- خلال حكمه خطابات عدة وأهمها عند توليه الحكم، والثاني لما عيّن المرأة في مجلس الشورى. وتحدث عن النساء البارزات وتأثير النساء في حياته، وتكلم عن أم سلمة وبعض نساء النبي صلى الله عليه وسلم. ولكوني موظفة في أرامكو آنذاك كنت محاطة بنساء ناجحات في مجالات عملهن، وحين ألقى الملك عبدالله ذلك الخطاب وغيره جرى حوار شديد في المجتمع السعودي وعلى مستوى إعلامي كذلك، عن الوظائف التي يمكن للمرأة شغرها، وقيل يومها: إن المرأة ستعمل في الوظائف المناسبة لطبيعتها بصفتها امرأة، وكنت أتساءل بحيرة: ما الذي يناسب طبيعة المرأة من الوظائف؟ ومن سيحدد ما الذي يتناسب وطبيعتها؟ ومن خلال طرح هذين السؤالين على نفسي انطلقت بعمل هو من أوائل أعمالي في هذا المجال قبل ثلاثة عشر عامًا. فلقد طلبت من عدد من النساء اللائي يعملن أن يحضرن إلى الأستوديو الخاص بي لتصويرهن بزي المهن التي يعملن فيها: أنا معلمة، أنا مهندسة بترول، أنا كاتبة، أنا سفيرة في الأمم المتحدة، وما إلى ذلك. فكان لكل صورة نقاش وحوار لأنني عددتُ ذلك العمل عملًا تشاركيًّا.
تميز عملك «في الهوا سوا» ببساطته التعبيرية الفنية، فهو عبارة عن سرب من الحمام الأبيض بعدد 200 حمامة معلَّقة بحبال شفافة ملاصقة لسقف يحدّ من حريتها. وعبر بعمق عن رسالته المجتمعية الرافضة للحد من حرية حركة المرأة السعودية والقيود المفروضة عليها. ترى أين تكمن مسؤولية الفن في المجتمع؟ وكيف يمكن للفنان إنشاء حوار اجتماعيّ صحّيّ على الصعيدين المحلّيّ والعالميّ؟
– أعدّ الفن نوعًا من الحوار، وأعتقد أن النقد الذاتي مهمّ في كل المجتمعات، ولا بد أن ننتقد أنفسنا كمجتمع لنتطور بدل التقبل على مضض أو الابتعاد وترك المساحة للعابثين في الأرض فسادًا، فقضية الحمام تلامس قضية الولاية على المرأة وأنا بصفتي فنانة أستخدم رمزًا بسيطًا ليعبِّر عن قضية كبيرة، ففي عملي «الصدمة» وفلم «لم يكن لدي أجنحة» كان الطرح يناقش قضية السياقة ومسؤولية المجتمع في الحفاظ على سلامة المرأة، و«في الهوا سوا» تكلمت عن الولاية وخطورة ظلم المرأة على المجتمع برمته.
الملاحظ أنه على الرغم من الوضع الذي تعيشه المرأة السعودية في مجتمعها فإن الفنانات السعوديات حاضرات وبقوة في ساحة الفن السعودي المعاصر؛ في رأيك ما الذي يدفع الفنانة السعودية إلى تجاوز إحباط الداخل من خلال الفن الذي يحمل رسالة التغيير؟
– نعم هناك حضور واضح للفنانة السعودية لكنني أعتقد أن هذا الكلام مُسَيَّس من ناحية دفعنا إلى القول بأن المرأة بصفتها فنانة لم تظلم أو أخذت حقها من الانتشار والوجود. أنا أعتقد أن الحركة الفنية في السعودية فيها توازن بين الرجل والمرأة غير موجود في أي مجال آخر في التجربة الاجتماعية السعودية، ولذلك تبرز المرأة التي تكاد تكون أثرًا مختفيًا فيغير ذلك من المجالات الأخرى، فهما في حال مساواة تقريبًا؛ إذ إن مجال الفن خاص جدًّا يتكلم عن قصة الفنان الخاصة والحوار يحترم الرأي الآخر. أما الإحباط للفنانة والفنان فهو يأتي من عدم القدرة على إنتاج الفن أو عدم القدرة على التعبير.
عرضتِ بعض أعمالك بشكل دائم في مجموعات المتحف البريطاني، والمتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة، ومؤسسة عبداللطيف جميل، ومؤسسة دلفينا في لندن، وهيئة أبو ظبي للثقافة والتراث، ومؤسسة الناظور في ألمانيا ومؤسسة بارجيل في الشارقة؛ فهل لك أعمال معروضة في السعودية؟
– عرضت كثيرًا من أعمالي في السعودية منها صالة أثر وكان اسم المعرض «رحلة الانتماء». وشاركت في مهرجان جدة الفني قبل أربع سنوات. وفي كل عام يختار المنسقون لي عملًا للمشاركة به، ولقد شاركت هذا العام بعملي «الصدمة» في المتحف الوطني بالرياض، وفي معرض بالسفارة الفرنسية، وفي أرامكو أقمت معرضين. وفي البحرين كثير من السعوديين يحضرون هناك لتلقي أعمالي، بل إن أغلب من يقتني أعمالي سعوديون، وكثير منها في البيوت السعودية. ومن المتاحف التي أتواصل معها في المنطقة متحف الدوحة، والمتاحف الموجودة في أبو ظبي، ومتحف البرجيل في الشارقة، وكذلك متحف بالأردن.
بواسطة الفيصل | أغسطس 31, 2017 | فنون

فرقة المصريين وهاني شنودة
يعدّ واحدة من الظواهر الفنية التي عرفتها مصر منذ مطلع السبعينيات حتى الآن، وُلد عام 1943م بمدينة طنطا في وسط الدلتا، وتخرج عام 1966م من معهد الكونسرفتوار، أدخل على الموسيقا المصرية توزيع الألحان، واعتمد الأدوات الموسيقية الكهربائية، نال كثيرًا من الهجوم، وقدم كثيرًا من النجوم في مقدمتهم محمد منير وعمرو دياب الذي التقاه في حفلة ببورسعيد، فنصحه بنزول القاهرة وتعلم الموسيقا، وقدم له ألبومه الأول «يا طريق». هو الموسيقار هاني شنودة صاحب فرقة المصريين التي قدمت تراثا مهمًّا للموسيقا المصرية والعربية (بحبك لا. ماشية السنيورة. حرية. كتير. بنات كتير. أبدًا من جديد، حظ العدالة)، لحَّن الموسيقا التصويرية لأكثر من خمسين عملًا سينمائيًّا، من بينها: (اللومنجي، ونسيت أني امرأة، ومصيدة الذئاب تعالب وأرانب، وصعيدي في الجيش، وصراع الحسناوات، ومسجل خطر، والعذراء والعقرب، وصديقي الوفي، والمشبوه، والمطربون في الأرض).
«الفيصل» التقته وحاورته حول الموسيقا والفن وقضايا أخرى:
● ما الذي حققته فرقة المصريين للموسيقا العربية وللغناء في مصر؟
■ فرقة المصريين غيرت «المزيكا» في مصر ودول أخرى كثيرة، وحين تذهب إلى أي فرح تجد الناس يغنون أغانيها، وهذا يعني نجاحها وتحققها وارتباط الناس بها، فضلًا عن أنه لم يكن في الموسيقا المصرية هارموني أو باص غيتار أو كونتر بوينت. «المصريين» هي التي أدخلت العلوم الموسيقية، لم يكن هناك توزيع أو هارموني في الكورال، فالجزء الذي يجيء فيه ربع تون كان يُترَك بلا توزيع. وفي «المصريين» عملنا أول شريط كاسيت لمحمد منير، وعملنا له الموسيقا التي ما زال يغني وفقًا لإيقاعاتها حتى الآن.
● هاني شنودة من أكثر الموسيقيين الذين احتكوا وتعاملوا مع كتاب وشعراء، فما الذي جعلك قريبًا من الوسط الثقافي هكذا؟
■ أول شيء أنا مدين بكل ما أنا فيه لأستاذ اللغة العربية في مدرستي الإعدادية الذي علمني موضوعات الإنشاء، مؤكدًا أن كل موضوع له مقدمة ثم قمة ثم تذييل، سواء ببيت شعر أو آية قرآنية، كان يكلمنا في كل شيء، وعن كل شيء، فأثار خيالنا وأرواحنا نحو كل ما هو جديد، إضافة إلى ذلك فأنا من بيت جمع بين الثقافة والفن، فوالدي كان صيدلانيًّا لكن كانت لديه مكتبة كبيرة، وكان محبًّا للقراءة والاطلاع، وأمي كانت تجيد العزف على العود، ومن ثم فقد نشأت في بيت جمع بين الثقافة والفن.
نجيب محفوظ وحليم

نجيب محفوظ
● ما الذي غيرك لتنتقل من الأغاني الغربية إلى الأغاني المصرية؟
■ كنا فرقة غربي، نغني أغاني غربية تتميز بالإيقاعات السريعة والمدد القصيرة، وكنا نقدم موسيقانا في المنتزه بالإسكندرية، وكان يجيئنا نحو ثلاثة آلاف شاب وفتاة يرقصون على موسيقانا وأغنياتنا، فجاءنا نجيب محفوظ لإجراء حوار معنا لـ«آخر ساعة» أو «المصور»، وكان ذلك قبل أن يحصل على نوبل بسنوات طويلة، فقال لي: «أنتم عاملين زوبعة في فنجان، أنتم ما بتعملوش أغاني عربي ليه؟»، فقلت له: إن الأغنية العربية تأخذ وقت ثلاثة أو أربعة أغاني مما نغنيه، كما أنها تبدأ بتانغو وتنتهي بمقسوم «على واحدة ونص»، والشباب يرون أنه من العيب الرقص على إيقاعات شرقية، وظللت أسترسل في ملاحظاتي على الأغنية العربية، فقال لي: «لا تستبدل شهوة العمل بشهوة الكلام». وبدا على ملامحي أنني لم أستوعب ما قال، فأوضح قائلًا: «اللي أنت مؤمن أنه صح اعمله»، ومشى نجيب، لكن البذرة التي بذرها في رأسي لم تمشِ، ظلت باقية، وأثّرت فيّ حين طلبني عبدالحليم حافظ وقال لي: «عايزك تعملي فرقة صغيرة»، وكان عبدالحليم يعمل مع الفرقة الماسية، وهي فرقة كبيرة وشهيرة، فوافقت وأحضرت درامز، وبيست بلارمر، لكن عبدالحليم عاد وقال لي: إن قائد الفرقة الماسية وهو الموسيقار الشهير أحمد فؤاد حسن غاضب، ويردد أن عبدالحليم سيترك الماسية وسينضم إلى فرقة صغيرة، واقترح علي أن نضم ثلاثة عازفين من الماسية إلى فرقتنا، فانضم إلينا عازف الغيتار هاني مهنى، وعازف الأوكرديون مختار السيد، وحسين نور «رق». وبدأنا البروفات، فعملنا حفلة في نادي الجزيرة، كان الجزء الأول بقيادة أحمد فؤاد حسن، والجزء الثاني منها بفرقتي، وبعد الحفلة قال لي عبدالحليم: «إحنا لاقينا نفسنا؛ لأن حجز الأوتيلات هيبقى أقل، وحجز الطيران هيبقى أقل». وحين فكرت في الكلام علمت أن عبدالحليم فهم ما يفهمه كثيرون، فهو بما لديه من قدرة على الاستبصار علم أن المستقبل للآلات العالمية الجديدة، سواء البيست غيتار أو غيره، وبخاصة حين رأى هذا العدد من الشباب الذين يرقصون على الهارموني والعلوم الموسيقية الجديدة التي مكنتنا من تفجير طاقاتهم، حينها قلت: إنه حان الوقت كي أكوِّن فرقة خاصة.
ولما جاءني عبدالرحيم منصور قائلًا: إن عنده مغنيًا شابًّا صوته مميز لكن حظه يعانده، وإنه يريده أن يغني معي، كان هذا الشاب هو محمد منير الذي وزعت له ألبومه الأول، ولحَّنت له فيه أربع أغنيات، وفي أثناء تسجيلنا شريط منير وجدت أن من يلعب الدرامز والغيتار لديهما صوت جيد، فأضفت إليهما إيمان يونس أخت الممثلة إسعاد يونس، وكوَّنت منهم فرقة المصريين، وكان النجاح حليفنا في كثير من الأغاني، وعملنا لمنير شريطه الأول والثاني، ولنجاة «باعشق البحر»، ولعدوية «زحمة يا دنيا زحمة»، وآخرين من بينهم: فايزة أحمد، وعلي الحجار، ومحمد الحلو، لكن بالأسلوب الجديد.
هجوم كاسح

نجاة الصغيرة
● اتُّهمت بأنك أدخلت الموسيقا الغربية إلى الغناء المصري؟
■ هوجمنا هجومًا لا أستطيع وصفه، سواء من الصحافة أو التلفزيون أو غيرهما، لكن «بيني وبينك» أمام النجاح الكاسح يهون أي هجوم، فضلًا عن أن الكاسيت أعطى هامشًا كبيرًا من الحرية في السماع، فقبله كان ذوق لجنة الإذاعة المصرية هو الذي يتحكم في ذوق الناس، ثم جاء الكاسيت الذي خلق الحرية، فكل من لديه (135 قرشًا) يستطيع أن يشتري ما يحب، فلما شعروا أن السجادة تنسحب من تحت أقدامهم توقفوا عن مهاجمتنا. في هذا الوقت قدمنا ألبومات «بنات كتير» و«بتتولد» لمحمد منير، وغيرهما، الآن تقلصت مساحة الحرية، وعاد كل شيء إلى ما كان عليه، فأنت تسمع ما هو متاح على اليوتيوب، فللأسف السوشيال ميديا ضيقت حرية السماع، ربما تكون وسعت الحرية في إبداء الرأي أو غيره، لكن في الأغنية الأمر مختلف، فالأغنية كلفتها مثلًا نحو مئة ألف جنيه، ثم تُصوَّر بنحو مئة ألف أخرى، ثم تعرضها على اليوتيوب من دون مقابل، ومن ثم فلا أحد سيقدم على إهدار نحو مئتي ألف جنيه في أغنية كي يسمعها الناس على اليوتيوب، فعدنا من جديد إلى ذوق لجنة الإذاعة.
● ما الاتجاهات السائدة في الموسيقا بمصر الآن؟
■ الطاغي الآن هو أغاني المهرجانات، وأنا لست ضدها، لكني سأقول لك قبل أن تسأل: نحن في الموسيقا ليس لدينا نوت مؤدبة أو «قبيحة»، مؤمنة أو كافرة، لكن هناك توليفة من الإيقاعات، أما الكلام فله طريقتان، وكلمات أغاني المهرجانات «لمؤخذة سيئة ورديئة»، ولو كانوا عرضوها على المصنفات الفنية وسمحت لهم بغنائها فلا بد من جزاء الموظف الذي وافق عليها، أما إن كانوا غنوها من دون تصريح من المصنفات التي عليها أن تعطي تصريحًا لكل ما ينشر: رواية أو ديوان شعري أو أغنية، ومن ينشر شيئًا بلا تصريح منها يواجه عقوبات كبيرة، وإذا كانوا غنوها من دون تصريح ولم تقم المصنفات بمحاسبتهم فهناك مشكلة وتساؤل كبير.
● هل يدين هاني شنودة بالفضل لعصر شريط الكاسيت؟
■ أدين بالفضل لعنادي، فقد كنت أعرف أن هذا هو الاتجاه الصحيح؛ لأن بلدي والبلاد المجاورة تأخرت، وأنا ابن هرمس، أنا مولود مميز، ولا أستطيع أن أكون أقل من أجدادي الذين عملوا بالعلم، وأن أقول: إن الموهبة وحدها تكفي.
● ماذا تقول للموسيقيين الشباب؟
■ أسمع موسيقا تصويرية في المسلسلات، مستوى الصوت بها أعلى وأفضل مما كان متاحًا في الماضي لدينا، وهي موسيقا جميلة، لكن ينقصها الشخصية، ففي الماضي لو أخذت موسيقا فلم «شمس الزناتي» ووضعتها لفلم «المشبوه» فإنك لا تستطيع، ولا تستطيع أن تضع موسيقا أي منهما لفلم «لا عزاء للسيدات» أو العكس، لكن الآن يمكنك أن تضع موسيقا أي مسلسل لمسلسل آخر من دون أن تشعر بأدني خلل، ففكرة الشخصية في موسيقا المسلسلات وغيرها لم تعد موجودة، رغم أنها موسيقا حلوة، وأصحابها موسيقيون محترفون وموهوبون. ومن ناحية الأغنية فأريد أن أقول: إن الناس يرحِّبون بالأغنية الرومانسية والدينية والفكاهية، حتى أغنية الكلام الفارغ أو التي بلا رسالة كـ«يلا حالًا بالًا حيُّوا أبو الفصاد»، المهم أن تكون أغنية وليس إساءة للناس.
بواسطة الفيصل | أغسطس 31, 2017 | كاريكاتير
بواسطة الفيصل | أغسطس 31, 2017 | مقالات

بواسطة الفيصل | أغسطس 29, 2017 | قضايا
يتطلع الأمين العام لمركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز الدولي لخدمة اللغة العربية الدكتور عبدالله الوشمي إلى مجموعة من المبادرات في خدمة اللغة العربية، من خلال إستراتيجيات تنظر إلى الشباب بوصفهم جزءًا رئيسًا من الحل وليسوا جزءًا من المشكلة، وتوظيف خبراتهم وطاقاتهم لخدمة اللغة العربية.
الوشمي يلفت في حوار مع «الفيصل» إلى أن الرهان على حركة تعليم العربية مهم ويجب أن يتوافر من أجله الأفراد والمؤسسات، وأن يتداخل فيه شرائح متنوعة، مشددًا على أن اللغة صانعة الإبداع، وأن الإنسان لا يفكر إلا باللغة، وأن اللغة التي لا يتحدثها الأطفال هي لغة تسير إلى الموت. إلى نص الحوار:
● ماذا قدم مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز الدولي لخدمة اللغة العربية حتى الآن؟
■ يتأسس مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز الدولي لخدمة اللغة العربية على مبادئ عامة أهمها أنه يجتهد في أن تكون اللغة العربية مسؤولية الجميع، وليست مسؤولية فرد أو مؤسسة، وتبعًا لذلك يطلق برامجه في مختلف المجالات، ويجتهد في أن يعمل مع الشركاء، وأن يفعِّل أدوارهم في خدمة اللغة العربية، بحيث لا يُظن أن العربية مسؤولية قسم النسخ والتحرير فقط! إنما هي رؤية وهوية، ويمكن أن نقول: إن أبرز مجالات العمل في المدة الماضية تركزت على:
أولًا: تأسيس وإطلاق مجموعة كبيرة من البحوث التي تعالج قضايا لغوية دقيقة يزيد عددها على ٤٠٠ مشروع علمي شارك فيها عدد كبير من المختصين.
ثانيًا: إطلاق برامج تبحث أحوال اللغة العربية في العالم؛ لأننا نتكلم عن اللغة ولا نملك إحصاءات دقيقة عنها، وتبعًا لذلك أطلقت قواعد البيانات (أكثر من ثلاث قواعد موجودة في موقع المركز) إضافة إلى مشروع اللغة العربية في العالم وسلسلة الأدلة.
ثالثًا: العمل على عقد الشراكات النوعية مع مختلف الجهات ذات الحضور الدولي من المنظمات وغيرها.
رابعًا: تأسيس ورعاية برامج لغوية متنوعة في آسيا وإفريقيا وأوربا من خلال شهر اللغة العربية في الصين وفي الهند وفي تركيا، وتأسيس معامل مثل: معمل اللغة العربية في جامعة إسطنبول، ودعم أقسام اللغة العربية، وإطلاق المنح في السنغال وأوغندا وجيبوتي، ودعم المكتبات في البلاد غير العربية، وغير ذلك.
خامسًا: العمل على تهيئة المؤسسات المتنوعة في بلادنا الغالية على إيجاد مسار رئيس لخدمة اللغة العربية ضمن أعمالها منطلقين من الرؤية الأولى حول مسؤولية الجميع في خدمة اللغة العربية.
● إلامَ يتطلع المركز؟
■ نتطلع إلى مجموعة من المبادرات في خدمة اللغة العربية إستراتيجيًّا، وأتمنى أن تتحقق قريبًا، ولا أعتقد أنها صعبة المنال، وطمعًا في التركيز فإني أشير إلى ثلاثة مسارات منها:
أولًا: التنسيق: نحن نلحظ من خلال الاستقراء العام وجود جهود لغوية متنوعة في بلادنا الغالية المملكة العربية السعودية وفي البلاد العربية، لكنها جهود متفرقة، ونتأسف حين نجد مشروعًا واحدًا في بلادنا تتنازعه عدة جهات وكلها تستهدف خدمة اللغة العربية، ولذلك نطالب بأن يكون هناك تنسيق نوعيّ بين الجهات المعنية باللغة العربية، والأفكار في المشروعات التي تخدم اللغة العربية، وأن تتولى المؤسسات العامة أو المرجعية مثل مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز الدولي لخدمة اللغة العربية إطلاق مبادرات للتعريف بالجهود المتنوعة.
ثانيًا: مكانة الشباب: يجب أن ننظر إلى الشباب بوصفهم جزءًا رئيسًا من الحل وليسوا جزءًا من المشكلة، وأن نوظف خبراتهم وطاقاتهم لخدمة اللغة العربية، ويمكنني أن أشير إلى أن تعريبًا واحدًا لأحد تطبيقات الهاتف الذكي قام به شاب يعادل جهدًا متنوعًا يقوم به بعض الأقسام أو الجهات اللغوية.

إحدى فعاليات المركز
ثالثًا: نحن في زمن تُشكلنا فيه التقنية، ويجب علينا جميعًا أن نكثف حضور المؤسسات اللغوية والمبادرات اللغوية في هذا المجال بهدف أن نصل إلى الصيغة الأنسب.
● ما آلية العمل داخل المركز؟
■ يقوم المركز بتحقيق أهدافه المنصوص عليها في تنظيمه الصادر من مجلس الوزراء، في سياق خطط تتكامل مع عمل الجهات المتنوعة، فيوجد في بلادنا أكثر من ستين قسمًا للغة العربية مع كثير من الجهات المعنية باللغة العربية أو بثقافتها، والمركز قد وضع خطة تكاملية للعمل مع الجهات المتنوعة في المملكة. وتردنا طلبات لتعليم العربية للناطقين بها، لكن المركز لا يقوم بهذا العمل بشكل مباشر، إنما يتيح ذلك لشركائه في المعاهد وفي الجامعات السعودية كيلا لا تتكرر الجهود، على حين تصدى المركز لعمل لقاءات التنسيق والشراكة بين الجهات والأقسام اللغوية لأول مرة ورشَد هذا اللقاء حتى انعقد منه أربعة لقاءات بحثت فيها المشروعات المشتركة، وما إلى ذلك.
● ما رأيكم في مجامع اللغة العربية بشكل عام؟ وما التحديات التي تعترضها؟ وكيف يمكن مواجهتها؟
■ مجامع اللغة العربية في البلاد العربية تقوم بوظيفة مهمة في خدمة اللغة العربية؛ ولئن كانت مرتبطة بالجانب القطري إذ تمثل دولها بشكل رئيس؛ فإننا يجب أن نشير إلى أنها تقوم بجهد نوعي في مجال المعاجم والتصحيح اللغوي وغير ذلك، وهي تواجه تحديات عدة؛ أهمها الصورة النمطية التي حوصرت المجامع بها من خلال النظر إلى أنها ثانوية، وأنها تترك الجوانب الرئيسة، علمًا بأن أنظمتها التي سنّتها لها الجهات التنظيمية في دولها هي التي حصرتها ضمن أُطر محددة، ولعل من أفضل السبل لمواجهة هذه التحديات:
أولًا: أن يهيأ لهذه المجامع إطار العمل الدولي وليس العمل القُطْري فحسب.
ثانيًا: استحداث أنظمة لدخول الشباب والنساء فيها من المتخصصين والمتخصصات.
ثالثًا: إلزام هذه المجامع بأن يكون لها شق تقني مماثل لشقها الواقعي؛ لأن الحياة تتجه نحو هذا الاتجاه، ويجب أن تكون جميع الخدمات التي تقدمها موجودة على الشبكة.
● كيف ترون الوضع الذي تعيشه اللغة العربية الفصحى مع أجيالها من الطلبة والمعلمين وغيرهم؟
■ هذا السؤال يحتاج إلى لقاءات حوارية متنوعة ودراسات دقيقة للوصول إلى صيغة من صيغ الإجابة، وهو مما تفتقده لغتنا، ولذلك نعمل الآن على مشروع «مؤشر اللغة العربية»، ويتعين هنا الإشارة إلى أن الرهان على حركة تعليم العربية هو رهان مهم، ويجب أن يتوافر من أجله الأفراد والمؤسسات، وأن تتداخل فيه شرائح متنوعة منهم المختصون باللغة، ومنهم المختصون بالتربية، ومنهم المعنيون في قطاعات التنمية والحضارة بشكل عام؛ إذ إن تعليم العربية في المدارس والجامعات ووسائل الإعلام المتنوعة هو نافذة مهمة لكي نصنع جيلًا يعتز بلغته، وينظر إليها بوصفها تقع في المنزلة العليا من اهتماماته، فاللغة صانعة الإبداع، والإنسان لا يفكر إلا باللغة، واللغة التي لا يتحدثها الأطفال هي اللغة التي تسير إلى الموت.