بواسطة الفيصل | أغسطس 31, 2017 | فنون

فرقة المصريين وهاني شنودة
يعدّ واحدة من الظواهر الفنية التي عرفتها مصر منذ مطلع السبعينيات حتى الآن، وُلد عام 1943م بمدينة طنطا في وسط الدلتا، وتخرج عام 1966م من معهد الكونسرفتوار، أدخل على الموسيقا المصرية توزيع الألحان، واعتمد الأدوات الموسيقية الكهربائية، نال كثيرًا من الهجوم، وقدم كثيرًا من النجوم في مقدمتهم محمد منير وعمرو دياب الذي التقاه في حفلة ببورسعيد، فنصحه بنزول القاهرة وتعلم الموسيقا، وقدم له ألبومه الأول «يا طريق». هو الموسيقار هاني شنودة صاحب فرقة المصريين التي قدمت تراثا مهمًّا للموسيقا المصرية والعربية (بحبك لا. ماشية السنيورة. حرية. كتير. بنات كتير. أبدًا من جديد، حظ العدالة)، لحَّن الموسيقا التصويرية لأكثر من خمسين عملًا سينمائيًّا، من بينها: (اللومنجي، ونسيت أني امرأة، ومصيدة الذئاب تعالب وأرانب، وصعيدي في الجيش، وصراع الحسناوات، ومسجل خطر، والعذراء والعقرب، وصديقي الوفي، والمشبوه، والمطربون في الأرض).
«الفيصل» التقته وحاورته حول الموسيقا والفن وقضايا أخرى:
● ما الذي حققته فرقة المصريين للموسيقا العربية وللغناء في مصر؟
■ فرقة المصريين غيرت «المزيكا» في مصر ودول أخرى كثيرة، وحين تذهب إلى أي فرح تجد الناس يغنون أغانيها، وهذا يعني نجاحها وتحققها وارتباط الناس بها، فضلًا عن أنه لم يكن في الموسيقا المصرية هارموني أو باص غيتار أو كونتر بوينت. «المصريين» هي التي أدخلت العلوم الموسيقية، لم يكن هناك توزيع أو هارموني في الكورال، فالجزء الذي يجيء فيه ربع تون كان يُترَك بلا توزيع. وفي «المصريين» عملنا أول شريط كاسيت لمحمد منير، وعملنا له الموسيقا التي ما زال يغني وفقًا لإيقاعاتها حتى الآن.
● هاني شنودة من أكثر الموسيقيين الذين احتكوا وتعاملوا مع كتاب وشعراء، فما الذي جعلك قريبًا من الوسط الثقافي هكذا؟
■ أول شيء أنا مدين بكل ما أنا فيه لأستاذ اللغة العربية في مدرستي الإعدادية الذي علمني موضوعات الإنشاء، مؤكدًا أن كل موضوع له مقدمة ثم قمة ثم تذييل، سواء ببيت شعر أو آية قرآنية، كان يكلمنا في كل شيء، وعن كل شيء، فأثار خيالنا وأرواحنا نحو كل ما هو جديد، إضافة إلى ذلك فأنا من بيت جمع بين الثقافة والفن، فوالدي كان صيدلانيًّا لكن كانت لديه مكتبة كبيرة، وكان محبًّا للقراءة والاطلاع، وأمي كانت تجيد العزف على العود، ومن ثم فقد نشأت في بيت جمع بين الثقافة والفن.
نجيب محفوظ وحليم

نجيب محفوظ
● ما الذي غيرك لتنتقل من الأغاني الغربية إلى الأغاني المصرية؟
■ كنا فرقة غربي، نغني أغاني غربية تتميز بالإيقاعات السريعة والمدد القصيرة، وكنا نقدم موسيقانا في المنتزه بالإسكندرية، وكان يجيئنا نحو ثلاثة آلاف شاب وفتاة يرقصون على موسيقانا وأغنياتنا، فجاءنا نجيب محفوظ لإجراء حوار معنا لـ«آخر ساعة» أو «المصور»، وكان ذلك قبل أن يحصل على نوبل بسنوات طويلة، فقال لي: «أنتم عاملين زوبعة في فنجان، أنتم ما بتعملوش أغاني عربي ليه؟»، فقلت له: إن الأغنية العربية تأخذ وقت ثلاثة أو أربعة أغاني مما نغنيه، كما أنها تبدأ بتانغو وتنتهي بمقسوم «على واحدة ونص»، والشباب يرون أنه من العيب الرقص على إيقاعات شرقية، وظللت أسترسل في ملاحظاتي على الأغنية العربية، فقال لي: «لا تستبدل شهوة العمل بشهوة الكلام». وبدا على ملامحي أنني لم أستوعب ما قال، فأوضح قائلًا: «اللي أنت مؤمن أنه صح اعمله»، ومشى نجيب، لكن البذرة التي بذرها في رأسي لم تمشِ، ظلت باقية، وأثّرت فيّ حين طلبني عبدالحليم حافظ وقال لي: «عايزك تعملي فرقة صغيرة»، وكان عبدالحليم يعمل مع الفرقة الماسية، وهي فرقة كبيرة وشهيرة، فوافقت وأحضرت درامز، وبيست بلارمر، لكن عبدالحليم عاد وقال لي: إن قائد الفرقة الماسية وهو الموسيقار الشهير أحمد فؤاد حسن غاضب، ويردد أن عبدالحليم سيترك الماسية وسينضم إلى فرقة صغيرة، واقترح علي أن نضم ثلاثة عازفين من الماسية إلى فرقتنا، فانضم إلينا عازف الغيتار هاني مهنى، وعازف الأوكرديون مختار السيد، وحسين نور «رق». وبدأنا البروفات، فعملنا حفلة في نادي الجزيرة، كان الجزء الأول بقيادة أحمد فؤاد حسن، والجزء الثاني منها بفرقتي، وبعد الحفلة قال لي عبدالحليم: «إحنا لاقينا نفسنا؛ لأن حجز الأوتيلات هيبقى أقل، وحجز الطيران هيبقى أقل». وحين فكرت في الكلام علمت أن عبدالحليم فهم ما يفهمه كثيرون، فهو بما لديه من قدرة على الاستبصار علم أن المستقبل للآلات العالمية الجديدة، سواء البيست غيتار أو غيره، وبخاصة حين رأى هذا العدد من الشباب الذين يرقصون على الهارموني والعلوم الموسيقية الجديدة التي مكنتنا من تفجير طاقاتهم، حينها قلت: إنه حان الوقت كي أكوِّن فرقة خاصة.
ولما جاءني عبدالرحيم منصور قائلًا: إن عنده مغنيًا شابًّا صوته مميز لكن حظه يعانده، وإنه يريده أن يغني معي، كان هذا الشاب هو محمد منير الذي وزعت له ألبومه الأول، ولحَّنت له فيه أربع أغنيات، وفي أثناء تسجيلنا شريط منير وجدت أن من يلعب الدرامز والغيتار لديهما صوت جيد، فأضفت إليهما إيمان يونس أخت الممثلة إسعاد يونس، وكوَّنت منهم فرقة المصريين، وكان النجاح حليفنا في كثير من الأغاني، وعملنا لمنير شريطه الأول والثاني، ولنجاة «باعشق البحر»، ولعدوية «زحمة يا دنيا زحمة»، وآخرين من بينهم: فايزة أحمد، وعلي الحجار، ومحمد الحلو، لكن بالأسلوب الجديد.
هجوم كاسح

نجاة الصغيرة
● اتُّهمت بأنك أدخلت الموسيقا الغربية إلى الغناء المصري؟
■ هوجمنا هجومًا لا أستطيع وصفه، سواء من الصحافة أو التلفزيون أو غيرهما، لكن «بيني وبينك» أمام النجاح الكاسح يهون أي هجوم، فضلًا عن أن الكاسيت أعطى هامشًا كبيرًا من الحرية في السماع، فقبله كان ذوق لجنة الإذاعة المصرية هو الذي يتحكم في ذوق الناس، ثم جاء الكاسيت الذي خلق الحرية، فكل من لديه (135 قرشًا) يستطيع أن يشتري ما يحب، فلما شعروا أن السجادة تنسحب من تحت أقدامهم توقفوا عن مهاجمتنا. في هذا الوقت قدمنا ألبومات «بنات كتير» و«بتتولد» لمحمد منير، وغيرهما، الآن تقلصت مساحة الحرية، وعاد كل شيء إلى ما كان عليه، فأنت تسمع ما هو متاح على اليوتيوب، فللأسف السوشيال ميديا ضيقت حرية السماع، ربما تكون وسعت الحرية في إبداء الرأي أو غيره، لكن في الأغنية الأمر مختلف، فالأغنية كلفتها مثلًا نحو مئة ألف جنيه، ثم تُصوَّر بنحو مئة ألف أخرى، ثم تعرضها على اليوتيوب من دون مقابل، ومن ثم فلا أحد سيقدم على إهدار نحو مئتي ألف جنيه في أغنية كي يسمعها الناس على اليوتيوب، فعدنا من جديد إلى ذوق لجنة الإذاعة.
● ما الاتجاهات السائدة في الموسيقا بمصر الآن؟
■ الطاغي الآن هو أغاني المهرجانات، وأنا لست ضدها، لكني سأقول لك قبل أن تسأل: نحن في الموسيقا ليس لدينا نوت مؤدبة أو «قبيحة»، مؤمنة أو كافرة، لكن هناك توليفة من الإيقاعات، أما الكلام فله طريقتان، وكلمات أغاني المهرجانات «لمؤخذة سيئة ورديئة»، ولو كانوا عرضوها على المصنفات الفنية وسمحت لهم بغنائها فلا بد من جزاء الموظف الذي وافق عليها، أما إن كانوا غنوها من دون تصريح من المصنفات التي عليها أن تعطي تصريحًا لكل ما ينشر: رواية أو ديوان شعري أو أغنية، ومن ينشر شيئًا بلا تصريح منها يواجه عقوبات كبيرة، وإذا كانوا غنوها من دون تصريح ولم تقم المصنفات بمحاسبتهم فهناك مشكلة وتساؤل كبير.
● هل يدين هاني شنودة بالفضل لعصر شريط الكاسيت؟
■ أدين بالفضل لعنادي، فقد كنت أعرف أن هذا هو الاتجاه الصحيح؛ لأن بلدي والبلاد المجاورة تأخرت، وأنا ابن هرمس، أنا مولود مميز، ولا أستطيع أن أكون أقل من أجدادي الذين عملوا بالعلم، وأن أقول: إن الموهبة وحدها تكفي.
● ماذا تقول للموسيقيين الشباب؟
■ أسمع موسيقا تصويرية في المسلسلات، مستوى الصوت بها أعلى وأفضل مما كان متاحًا في الماضي لدينا، وهي موسيقا جميلة، لكن ينقصها الشخصية، ففي الماضي لو أخذت موسيقا فلم «شمس الزناتي» ووضعتها لفلم «المشبوه» فإنك لا تستطيع، ولا تستطيع أن تضع موسيقا أي منهما لفلم «لا عزاء للسيدات» أو العكس، لكن الآن يمكنك أن تضع موسيقا أي مسلسل لمسلسل آخر من دون أن تشعر بأدني خلل، ففكرة الشخصية في موسيقا المسلسلات وغيرها لم تعد موجودة، رغم أنها موسيقا حلوة، وأصحابها موسيقيون محترفون وموهوبون. ومن ناحية الأغنية فأريد أن أقول: إن الناس يرحِّبون بالأغنية الرومانسية والدينية والفكاهية، حتى أغنية الكلام الفارغ أو التي بلا رسالة كـ«يلا حالًا بالًا حيُّوا أبو الفصاد»، المهم أن تكون أغنية وليس إساءة للناس.
بواسطة الفيصل | أغسطس 29, 2017 | قضايا
يتطلع الأمين العام لمركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز الدولي لخدمة اللغة العربية الدكتور عبدالله الوشمي إلى مجموعة من المبادرات في خدمة اللغة العربية، من خلال إستراتيجيات تنظر إلى الشباب بوصفهم جزءًا رئيسًا من الحل وليسوا جزءًا من المشكلة، وتوظيف خبراتهم وطاقاتهم لخدمة اللغة العربية.
الوشمي يلفت في حوار مع «الفيصل» إلى أن الرهان على حركة تعليم العربية مهم ويجب أن يتوافر من أجله الأفراد والمؤسسات، وأن يتداخل فيه شرائح متنوعة، مشددًا على أن اللغة صانعة الإبداع، وأن الإنسان لا يفكر إلا باللغة، وأن اللغة التي لا يتحدثها الأطفال هي لغة تسير إلى الموت. إلى نص الحوار:
● ماذا قدم مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز الدولي لخدمة اللغة العربية حتى الآن؟
■ يتأسس مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز الدولي لخدمة اللغة العربية على مبادئ عامة أهمها أنه يجتهد في أن تكون اللغة العربية مسؤولية الجميع، وليست مسؤولية فرد أو مؤسسة، وتبعًا لذلك يطلق برامجه في مختلف المجالات، ويجتهد في أن يعمل مع الشركاء، وأن يفعِّل أدوارهم في خدمة اللغة العربية، بحيث لا يُظن أن العربية مسؤولية قسم النسخ والتحرير فقط! إنما هي رؤية وهوية، ويمكن أن نقول: إن أبرز مجالات العمل في المدة الماضية تركزت على:
أولًا: تأسيس وإطلاق مجموعة كبيرة من البحوث التي تعالج قضايا لغوية دقيقة يزيد عددها على ٤٠٠ مشروع علمي شارك فيها عدد كبير من المختصين.
ثانيًا: إطلاق برامج تبحث أحوال اللغة العربية في العالم؛ لأننا نتكلم عن اللغة ولا نملك إحصاءات دقيقة عنها، وتبعًا لذلك أطلقت قواعد البيانات (أكثر من ثلاث قواعد موجودة في موقع المركز) إضافة إلى مشروع اللغة العربية في العالم وسلسلة الأدلة.
ثالثًا: العمل على عقد الشراكات النوعية مع مختلف الجهات ذات الحضور الدولي من المنظمات وغيرها.
رابعًا: تأسيس ورعاية برامج لغوية متنوعة في آسيا وإفريقيا وأوربا من خلال شهر اللغة العربية في الصين وفي الهند وفي تركيا، وتأسيس معامل مثل: معمل اللغة العربية في جامعة إسطنبول، ودعم أقسام اللغة العربية، وإطلاق المنح في السنغال وأوغندا وجيبوتي، ودعم المكتبات في البلاد غير العربية، وغير ذلك.
خامسًا: العمل على تهيئة المؤسسات المتنوعة في بلادنا الغالية على إيجاد مسار رئيس لخدمة اللغة العربية ضمن أعمالها منطلقين من الرؤية الأولى حول مسؤولية الجميع في خدمة اللغة العربية.
● إلامَ يتطلع المركز؟
■ نتطلع إلى مجموعة من المبادرات في خدمة اللغة العربية إستراتيجيًّا، وأتمنى أن تتحقق قريبًا، ولا أعتقد أنها صعبة المنال، وطمعًا في التركيز فإني أشير إلى ثلاثة مسارات منها:
أولًا: التنسيق: نحن نلحظ من خلال الاستقراء العام وجود جهود لغوية متنوعة في بلادنا الغالية المملكة العربية السعودية وفي البلاد العربية، لكنها جهود متفرقة، ونتأسف حين نجد مشروعًا واحدًا في بلادنا تتنازعه عدة جهات وكلها تستهدف خدمة اللغة العربية، ولذلك نطالب بأن يكون هناك تنسيق نوعيّ بين الجهات المعنية باللغة العربية، والأفكار في المشروعات التي تخدم اللغة العربية، وأن تتولى المؤسسات العامة أو المرجعية مثل مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز الدولي لخدمة اللغة العربية إطلاق مبادرات للتعريف بالجهود المتنوعة.
ثانيًا: مكانة الشباب: يجب أن ننظر إلى الشباب بوصفهم جزءًا رئيسًا من الحل وليسوا جزءًا من المشكلة، وأن نوظف خبراتهم وطاقاتهم لخدمة اللغة العربية، ويمكنني أن أشير إلى أن تعريبًا واحدًا لأحد تطبيقات الهاتف الذكي قام به شاب يعادل جهدًا متنوعًا يقوم به بعض الأقسام أو الجهات اللغوية.

إحدى فعاليات المركز
ثالثًا: نحن في زمن تُشكلنا فيه التقنية، ويجب علينا جميعًا أن نكثف حضور المؤسسات اللغوية والمبادرات اللغوية في هذا المجال بهدف أن نصل إلى الصيغة الأنسب.
● ما آلية العمل داخل المركز؟
■ يقوم المركز بتحقيق أهدافه المنصوص عليها في تنظيمه الصادر من مجلس الوزراء، في سياق خطط تتكامل مع عمل الجهات المتنوعة، فيوجد في بلادنا أكثر من ستين قسمًا للغة العربية مع كثير من الجهات المعنية باللغة العربية أو بثقافتها، والمركز قد وضع خطة تكاملية للعمل مع الجهات المتنوعة في المملكة. وتردنا طلبات لتعليم العربية للناطقين بها، لكن المركز لا يقوم بهذا العمل بشكل مباشر، إنما يتيح ذلك لشركائه في المعاهد وفي الجامعات السعودية كيلا لا تتكرر الجهود، على حين تصدى المركز لعمل لقاءات التنسيق والشراكة بين الجهات والأقسام اللغوية لأول مرة ورشَد هذا اللقاء حتى انعقد منه أربعة لقاءات بحثت فيها المشروعات المشتركة، وما إلى ذلك.
● ما رأيكم في مجامع اللغة العربية بشكل عام؟ وما التحديات التي تعترضها؟ وكيف يمكن مواجهتها؟
■ مجامع اللغة العربية في البلاد العربية تقوم بوظيفة مهمة في خدمة اللغة العربية؛ ولئن كانت مرتبطة بالجانب القطري إذ تمثل دولها بشكل رئيس؛ فإننا يجب أن نشير إلى أنها تقوم بجهد نوعي في مجال المعاجم والتصحيح اللغوي وغير ذلك، وهي تواجه تحديات عدة؛ أهمها الصورة النمطية التي حوصرت المجامع بها من خلال النظر إلى أنها ثانوية، وأنها تترك الجوانب الرئيسة، علمًا بأن أنظمتها التي سنّتها لها الجهات التنظيمية في دولها هي التي حصرتها ضمن أُطر محددة، ولعل من أفضل السبل لمواجهة هذه التحديات:
أولًا: أن يهيأ لهذه المجامع إطار العمل الدولي وليس العمل القُطْري فحسب.
ثانيًا: استحداث أنظمة لدخول الشباب والنساء فيها من المتخصصين والمتخصصات.
ثالثًا: إلزام هذه المجامع بأن يكون لها شق تقني مماثل لشقها الواقعي؛ لأن الحياة تتجه نحو هذا الاتجاه، ويجب أن تكون جميع الخدمات التي تقدمها موجودة على الشبكة.
● كيف ترون الوضع الذي تعيشه اللغة العربية الفصحى مع أجيالها من الطلبة والمعلمين وغيرهم؟
■ هذا السؤال يحتاج إلى لقاءات حوارية متنوعة ودراسات دقيقة للوصول إلى صيغة من صيغ الإجابة، وهو مما تفتقده لغتنا، ولذلك نعمل الآن على مشروع «مؤشر اللغة العربية»، ويتعين هنا الإشارة إلى أن الرهان على حركة تعليم العربية هو رهان مهم، ويجب أن يتوافر من أجله الأفراد والمؤسسات، وأن تتداخل فيه شرائح متنوعة منهم المختصون باللغة، ومنهم المختصون بالتربية، ومنهم المعنيون في قطاعات التنمية والحضارة بشكل عام؛ إذ إن تعليم العربية في المدارس والجامعات ووسائل الإعلام المتنوعة هو نافذة مهمة لكي نصنع جيلًا يعتز بلغته، وينظر إليها بوصفها تقع في المنزلة العليا من اهتماماته، فاللغة صانعة الإبداع، والإنسان لا يفكر إلا باللغة، واللغة التي لا يتحدثها الأطفال هي اللغة التي تسير إلى الموت.
بواسطة الفيصل | يونيو 30, 2017 | إصدارات, كتب
في البدء لا بد من التنويه بأنني لا أنظر إلى محيي الدين ابن عربي في «موت صغير» للروائي محمد حسن علوان، الفائز بجائزة الرواية العربية «البوكر» إلّا كشخصيةٍ مُتَخَيَّلةٍ تُولَدُ وتحيا وتموت في عالمٍ تخييلي، لا علاقةَ لها بابن عربي الكائن الصوفي الحقيقي التاريخي. من هذه الفكرة المبدئية تنطلق محاولتي تحليل التقنية السردية في الرواية، بدءًا بتفحص السلوك السردي لابن عربي كأنا/ ذات ساردة، لغايةِ التعرف على شخصيته ومَوضِعِه في تصنيفات النظرية السردية للرواة، ثم النظر إلى طبيعة العلاقة بينه كذات ساردة وكأنا/ ذات مسرودة في عالم التجربة التخييلي في الرواية- وتقصي تأثير تلك العلاقة في تمثيله وتشكيل صورته.
في أثناء سرده قصة حياته، لا يظهر ابن عربي قط وهو يواجه، ولو للحظة خاطفة، أية موجة من الشك واهتزاز الثقة في تذكره للأحداث التي يرويها من قبل ولادته إلى ما بعد مماته؛ ولا يتوقف ثانيةً ليحكّ رأسه كيما يستحث محتوى ذاكرته على الانثيال، أو يقف مرتبكًا ومتلعثمًا بسبب ضبابية أو عتمة غَشَت ركنًا من ذاكرته، وحفرت فجوة في تتابع الأحداث، ليواجه بالتالي ضرورة التفكير في تجسير تلك الفجوة بشيء من الظن، أو التخمين، أو الاحتمال ليربط ما قبل تلك العتمة أو الضبابية بما بعدها. لا شيء من هذا القبيل يحدث، فابن عربي ساردٌ يحملُ في رأسه ذاكرةً ذات قوة غير عادية، حتى كأنما الأحداث التي يرويها كانت قد نَحَتَتْ نَفْسَها في ذاكرته نحتًا لا يطوله الانمحاء والتآكل مع تقادم الزمن به.
تكشف ذاكرةُ ابن عربي قوتها ونشاطها، على نحو خاص، في التقديمات المشهدية للحوارات بين الشخصيات التي يبسطها أمام أعين القارئ، كأنه سارد كلي المعرفة يخفي وجهه بقناع السارد بضمير المتكلم. ابن عربي ساردٌ بضمير المتكلم بَيْد أنه يختلف عن نظرائه بصفات وامتيازات السارد كلي المعرفة؛ لهذا السبب يختلف على سبيل المثال عن نظيره هاني محفوظ -الشخصية الساردة- الذي جاوره في رواية محمد عبد النبي «في غرفة العنكبوت» على قائمتي البوكر العربية الطويلة والقصيرة. هاني محفوظ سارد بضمير المتكلم ابتكره عبد النبي بمهارة إبداعية عالية على نموذج السارد بضمير المتكلم في التخييل السردي الواقعي التقليدي، فجاء متفقًا ومتسقًا في معرفته حجمًا وعمقًا مع مُحدِّدات ومواضعات السرد الواقعي؛ إذ ينحصر سرده في حدود ما يتهيأ له معرفته عبر تجربته الشخصية، وما يقع في مدار إدراكه، أو ما تسنح له فرصة معرفته عن طريق آخرين.
وزيادة في الإيضاح أضيف أن ابن عربي لا يشبه، مثلًا، ديفيد كوبرفيلد في رواية تشارلز ديكنز «ديفيد كوبرفيلد»، الذي يعزو كلَّ ما تحويه حكايته إلى دقة ملاحظته كطفل وإلى قوة ذاكرته. يُستشَفُّ من خلال تنويه ديفيد كوبرفيلد حرص ديكنز على تعزيز البعد المحاكاتي الواقعي لحكاية ديفيد ولضمان استمرار التزام القارئ بعقد «إيقاف عدم التصديق». وعلى الرغم من احتمال خروج ابن عربي من «المعطف» لنيكولاي غوغول، فإنه غير مسكون بالخشية من خذلان ذاكرته مثل السارد فيها حين يروي تاريخ ميلاد «بطلها»: «وهذا ما حصل: ولد أكاكي أكاكيفيتش في ليلة 22 مارس، إن لم تخني ذاكرتي» (ت. الخزاعي، 11). إن ابن عربي سارد غير عاديّ، وصوت من الأصوات السردية «الشاذة» والمتجاوزة للنمطين التقليديين (السارد بضمير الغائب، والسارد بضمير المتكلم)؛ تلك الأصوات التي يسميها برايان ريتشاردسون اصطلاحًا «أصواتًا غير طبيعية» في كتابه «أصوات غير طبيعية» (2006م). في هذا الكتاب، يتناول ريتشاردسون تنظيرًا وتحليلًا ما يُمَثِّلُ من زاويةِ رؤيتِهِ إحدى الخصائص الأكثر أهمية للسرد الحداثي المتأخر والطليعي وما بعد الحداثي: خاصية خلق الأصوات السردية، وتشظيها، ثم تركيبها (أو تكوينها) من جديد. بتعبير آخر، يُعنَى ريتشاردسون في «أصوات غير طبيعية» بتقصي تحولات السارد، وتحولات أدواره ووظائفه.
ابن عربي السارد في «موت صغير» مُرَكَّبٌ من السارد بضمير الغائب والسارد بضمير المتكلم؛ له وجهُ الأخير ولسانُه، ومعرفةُ الأول، وامتيازُ سردِ أحداثٍ لا يكون شاهدَ عيانٍ لها، كما لا يوجد في المتن الحكائي أدنى ما يوحي بأن أخبارها وصلت إليه عن طريق آخرين. بهويته المزدوجة غير الطبيعية هذه، يلتقي ابن عربي مع ما سميتها الساردة المركّبة في رواية بدرية البشر «غراميات شارع الأعشى»، التي تسرد بضمير المتكلم في خمسة من فصول الرواية، وتنفذ إلى أعماق الشخصيات ووعيها، كما ينفذ السارد العليم، لتُحَدِّثَ عمّا يَعْتَمِلُ في داخلها. إنها صوت سردي غير طبيعي، هي الأخرى، في ضوء تنظير ريتشاردسون؛ وربما هي كابن عربي، ممن خرجوا من «معطف» غوغول.
وتمثل العلاقة بين ابن عربي ساردًا ومسرودًا موضعًا تتجلى فيه سمة أخرى من سماته كصوت غير طبيعي؛ إذ يظهر في بعض المواقف السردية كسارد «غير ثقة» أو «غير جدير بالثقة»، وهو ما يستدعي الحذر وعدم الانخداع في بعض ما يقول. ومنشأ هذه الخاصية حالة التماهي والاتفاق شبه المطلق بين الذات الساردة والذات المسرودة. إن حالة التماهي هذه، تَحُولُ، إلا في مواقف قليلة، دون تشكل مسافة بين الذاتين تتيح للذات الساردة تأمُّلَ نظيرتها في عالم الرواية، وتقويمها، والحكم على تصرفاتها. إن انعدام هذه المسافة النقدية، إذا صح التعبير، واقترانها بحالة التناغم ورضا الخارج عن الداخل أدَّيَا إلى ظهور مفارقات وتناقضات بين تلفظات الذات الساردة وتصرفات وابن عربي وأفعاله في الداخل، إضافة إلى لجوء ابن عربي في الخارج إلى تبرير وتمويه بعض ما يحدث في الداخل. في هذا السياق أرى أن قصة زواج ابن عربي من مريم بنت عبدون وانهيار زواجهما مثال مهمّ ومناسب للبرهنة على تأثير العلاقة بين الخارج والداخل في السلوك السردي للأنا الساردة، وبالتالي في تشكل صورة ابن عربي كذات مسرودة.
الخروج من الخطاب السردي
بعد قرار مريم بنت عبدون الرجوع إلى بجاية (المغرب) من مكة، يُعلق السارد أن الحب أو بعضه لا ينمو في أي بلاد، محملًا بالتالي مكة المسؤولية عن افتراقهما «وهكذا أرادت لنا مكة»، من دون أن يفكر في التوقف لحظةً ليتساءل، مثلًا، عن دور موت ابنتها في فتور العلاقة بينهما، وعن دور عوامل أخرى مثل إدراك مريم أنها أقل أهمية في حياة زوجها من أوتاده، زوجها الذي كان ابتهاجه بحملها بزينب مضاعفًا لما وجد فيه ذريعة للسفر من إشبيلية إلى مراكش بمفرده، مرغمًا زوجته، رغم رغبتها في السفر معه، على البقاء من أجل الاعتناء بفاطمة بنت المثنى. لا يكتفي السارد بمكة سببًا للجفوة بين مريم وابن عربي، بل يتهم مريم بسحب حبها «مريم تسترد حبها وترحل بعيدًا»، ويوسّع دائرة الإسقاط لتشمل القدر «هكذا شاء الله». لا مناص من دور المشيئة الإلهية في الحدث، لكن السارد نفسه هو من يُخرِجُ مريم من الخطاب السردي ليضعها وراء ظهره. فبعد حديثه عن الوداع الخالي من القبلات، وغياب ناقة مريم وراء خط الأفق، يقفز السارد إلى المستقبل ليروي أنها ماتت بعد ست عشرة سنة في بجاية: «استأنفت الناقة سيرها بعد قليل وغابت في الأفق. ولم أرَ مريم بعد ذلك إلا في المنام. عادت إلى بجاية وأقامت مع أهلها ست عشرة سنة ثم ماتت وجاءني من يعزيني بها بعد أشهر طويلة».
بهذا الاستباق، يُفْرغ السارد مستقبلَ الخطاب السردي من مريم ومن موتها باستدعاء خروجها من الحياة إلى حاضر السرد ليتزامنَ ويتجاورَ في الخطاب مع خروجها من حياته كذات مسرودة. بكلمات أخرى، تتعرض مريم للكنس إلى خارج الخطاب ليخلو وجه السارد لنظام بنت زاهر والحديث عنها. يغيّب الأفقُ مريم، ويُخْرجُها السارد عبر الاستباق من الخطاب في لحظات. لا يستمر السارد إلى أن يصل في سرده إلى موتها في موقعه في التسلل الزمني/الكرونولوجي للأحداث، بل ينتزعه من سياقه ويجره إلى الحاضر ليروي عنه في سطور قليلة، لتصبح مريم بعد ذلك نسيًا منسيًّا إلا طيفًا في الحلم: «ولم أرَ مريم بعد ذلك إلّا في المنام».
قبل زواجهما، كان السارد يهيئ القارئ لحياة غنية أدبيًّا وعلميًّا بين فردين متوائمين بوصفه مريم على لسان فاطمة بنت المثنى بأنها «أديبة خلوقة عالمة أريبة، وأيضًا جميلة». بيد أن الحياة الغنية المثرية أدبيًّا وعلميًّا للطرفين على السواء لم تتحقق إطلاقًا. فما يتحقق بالفعل هو غياب مريم الأديبة والعالمة الأريبة، وحضور مريم، المرأة الجميلة والمهملة التي تسافر لمسافة طويلة بصحبة ابنتها وعبد سابق وآخر جديد إلى زوجها البعيد في مكة، وتفجع بموت ابنتها في الطريق؛ أو تحضر جسدًا يتغنى زوجها بجماله: «أحببت مريم. ذقنها الحاد وعيناها الوثابتان وجسدها المائل للامتلاء، وكفّاها السمينتان اللتان كانت تخجل منهما»، «ما أجمل جسد مريم وما أنعمه وأصفاه…جسمها ريّان بسمنة خفيفة». وبعد الْتِمام شملهما في مكة، وفي أول خلوة بينهما بعد انتهاء العزاء بموت زينب، يكون جسم مريم هدفًا لعيونه المتفحصة: «خلوت بها أخيرًا فإذا بها تغيرت علي. زادت شحومها وكأنها لم تسافر ولم تثكل». والكلام عن مريم خاتمة الكلام في هذه المقاربة التي ربما أصابت بعض النجاح في تحليل التقنية السردية في «موت صغير» واستكشاف طبيعة ابن عربي ساردًا، وتبيان خصائص أسلوبه السردي، وتأثير علاقته بالذات المسرودة في تشكيل صورة الأخير، وتحديد الملامح الفنية لسرده.