عبدالله الوشمي: اللغة التي لا يتحدثها الأطفال تسير إلى الموت

عبدالله الوشمي: اللغة التي لا يتحدثها الأطفال تسير إلى الموت

يتطلع الأمين العام لمركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز الدولي لخدمة اللغة العربية الدكتور عبدالله الوشمي إلى مجموعة من المبادرات في خدمة اللغة العربية، من خلال إستراتيجيات تنظر إلى الشباب بوصفهم جزءًا رئيسًا من الحل وليسوا جزءًا من المشكلة، وتوظيف خبراتهم وطاقاتهم لخدمة اللغة العربية.

الوشمي يلفت في حوار مع «الفيصل» إلى أن الرهان على حركة تعليم العربية مهم ويجب أن يتوافر من أجله الأفراد والمؤسسات، وأن يتداخل فيه شرائح متنوعة، مشددًا على أن اللغة صانعة الإبداع، وأن الإنسان لا يفكر إلا باللغة، وأن اللغة التي لا يتحدثها الأطفال هي لغة تسير إلى الموت. إلى نص الحوار:

● ماذا قدم مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز الدولي لخدمة اللغة العربية حتى الآن؟

■ يتأسس مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز الدولي لخدمة اللغة العربية على مبادئ عامة أهمها أنه يجتهد في أن تكون اللغة العربية مسؤولية الجميع، وليست مسؤولية فرد أو مؤسسة، وتبعًا لذلك يطلق برامجه في مختلف المجالات، ويجتهد في أن يعمل مع الشركاء، وأن يفعِّل أدوارهم في خدمة اللغة العربية، بحيث لا يُظن أن العربية مسؤولية قسم النسخ والتحرير فقط! إنما هي رؤية وهوية، ويمكن أن نقول: إن أبرز مجالات العمل في المدة الماضية تركزت على:

أولًا: تأسيس وإطلاق مجموعة كبيرة من البحوث التي تعالج قضايا لغوية دقيقة يزيد عددها على ٤٠٠ مشروع علمي شارك فيها عدد كبير من المختصين.

ثانيًا: إطلاق برامج تبحث أحوال اللغة العربية في العالم؛ لأننا نتكلم عن اللغة ولا نملك إحصاءات دقيقة عنها، وتبعًا لذلك أطلقت قواعد البيانات (أكثر من ثلاث قواعد موجودة في موقع المركز) إضافة إلى مشروع اللغة العربية في العالم وسلسلة الأدلة.

ثالثًا: العمل على عقد الشراكات النوعية مع مختلف الجهات ذات الحضور الدولي من المنظمات وغيرها.

رابعًا: تأسيس ورعاية برامج لغوية متنوعة في آسيا وإفريقيا وأوربا من خلال شهر اللغة العربية في الصين وفي الهند وفي تركيا، وتأسيس معامل مثل: معمل اللغة العربية في جامعة إسطنبول، ودعم أقسام اللغة العربية، وإطلاق المنح في السنغال وأوغندا وجيبوتي، ودعم المكتبات في البلاد غير العربية، وغير ذلك.

خامسًا: العمل على تهيئة المؤسسات المتنوعة في بلادنا الغالية على إيجاد مسار رئيس لخدمة اللغة العربية ضمن أعمالها منطلقين من الرؤية الأولى حول مسؤولية الجميع في خدمة اللغة العربية.

● إلامَ يتطلع المركز؟

■ نتطلع إلى مجموعة من المبادرات في خدمة اللغة العربية إستراتيجيًّا، وأتمنى أن تتحقق قريبًا، ولا أعتقد أنها صعبة المنال، وطمعًا في التركيز فإني أشير إلى ثلاثة مسارات منها:

أولًا: التنسيق: نحن نلحظ من خلال الاستقراء العام وجود جهود لغوية متنوعة في بلادنا الغالية المملكة العربية السعودية وفي البلاد العربية، لكنها جهود متفرقة، ونتأسف حين نجد مشروعًا واحدًا في بلادنا تتنازعه عدة جهات وكلها تستهدف خدمة اللغة العربية، ولذلك نطالب بأن يكون هناك تنسيق نوعيّ بين الجهات المعنية باللغة العربية، والأفكار في المشروعات التي تخدم اللغة العربية، وأن تتولى المؤسسات العامة أو المرجعية مثل مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز الدولي لخدمة اللغة العربية إطلاق مبادرات للتعريف بالجهود المتنوعة.

ثانيًا: مكانة الشباب: يجب أن ننظر إلى الشباب بوصفهم جزءًا رئيسًا من الحل وليسوا جزءًا من المشكلة، وأن نوظف خبراتهم وطاقاتهم لخدمة اللغة العربية، ويمكنني أن أشير إلى أن تعريبًا واحدًا لأحد تطبيقات الهاتف الذكي قام به شاب يعادل جهدًا متنوعًا يقوم به بعض الأقسام أو الجهات اللغوية.

إحدى فعاليات المركز

ثالثًا: نحن في زمن تُشكلنا فيه التقنية، ويجب علينا جميعًا أن نكثف حضور المؤسسات اللغوية والمبادرات اللغوية في هذا المجال بهدف أن نصل إلى الصيغة الأنسب.

● ما آلية العمل داخل المركز؟

■ يقوم المركز بتحقيق أهدافه المنصوص عليها في تنظيمه الصادر من مجلس الوزراء، في سياق خطط تتكامل مع عمل الجهات المتنوعة، فيوجد في بلادنا أكثر من ستين قسمًا للغة العربية مع كثير من الجهات المعنية باللغة العربية أو بثقافتها، والمركز قد وضع خطة تكاملية للعمل مع الجهات المتنوعة في المملكة. وتردنا طلبات لتعليم العربية للناطقين بها، لكن المركز لا يقوم بهذا العمل بشكل مباشر، إنما يتيح ذلك لشركائه في المعاهد وفي الجامعات السعودية كيلا لا تتكرر الجهود، على حين تصدى المركز لعمل لقاءات التنسيق والشراكة بين الجهات والأقسام اللغوية لأول مرة ورشَد هذا اللقاء حتى انعقد منه أربعة لقاءات بحثت فيها المشروعات المشتركة، وما إلى ذلك.

● ما رأيكم في مجامع اللغة العربية بشكل عام؟ وما التحديات التي تعترضها؟ وكيف يمكن مواجهتها؟

■ مجامع اللغة العربية في البلاد العربية تقوم بوظيفة مهمة في خدمة اللغة العربية؛ ولئن كانت مرتبطة بالجانب القطري إذ تمثل دولها بشكل رئيس؛ فإننا يجب أن نشير إلى أنها تقوم بجهد نوعي في مجال المعاجم والتصحيح اللغوي وغير ذلك، وهي تواجه تحديات عدة؛ أهمها الصورة النمطية التي حوصرت المجامع بها من خلال النظر إلى أنها ثانوية، وأنها تترك الجوانب الرئيسة، علمًا بأن أنظمتها التي سنّتها لها الجهات التنظيمية في دولها هي التي حصرتها ضمن أُطر محددة، ولعل من أفضل السبل لمواجهة هذه التحديات:

أولًا: أن يهيأ لهذه المجامع إطار العمل الدولي وليس العمل القُطْري فحسب.

ثانيًا: استحداث أنظمة لدخول الشباب والنساء فيها من المتخصصين والمتخصصات.

ثالثًا: إلزام هذه المجامع بأن يكون لها شق تقني مماثل لشقها الواقعي؛ لأن الحياة تتجه نحو هذا الاتجاه، ويجب أن تكون جميع الخدمات التي تقدمها موجودة على الشبكة.

● كيف ترون الوضع الذي تعيشه اللغة العربية الفصحى مع أجيالها من الطلبة والمعلمين وغيرهم؟

■ هذا السؤال يحتاج إلى لقاءات حوارية متنوعة ودراسات دقيقة للوصول إلى صيغة من صيغ الإجابة، وهو مما تفتقده لغتنا، ولذلك نعمل الآن على مشروع «مؤشر اللغة العربية»، ويتعين هنا الإشارة إلى أن الرهان على حركة تعليم العربية هو رهان مهم، ويجب أن يتوافر من أجله الأفراد والمؤسسات، وأن تتداخل فيه شرائح متنوعة منهم المختصون باللغة، ومنهم المختصون بالتربية، ومنهم المعنيون في قطاعات التنمية والحضارة بشكل عام؛ إذ إن تعليم العربية في المدارس والجامعات ووسائل الإعلام المتنوعة هو نافذة مهمة لكي نصنع جيلًا يعتز بلغته، وينظر إليها بوصفها تقع في المنزلة العليا من اهتماماته، فاللغة صانعة الإبداع، والإنسان لا يفكر إلا باللغة، واللغة التي لا يتحدثها الأطفال هي اللغة التي تسير إلى الموت.

التقنية السردية والصوت غير الطبيعي في «موت صغير»

التقنية السردية والصوت غير الطبيعي في «موت صغير»

في البدء لا بد من التنويه بأنني لا أنظر إلى محيي الدين ابن عربي في «موت صغير» للروائي محمد حسن علوان، الفائز بجائزة الرواية العربية «البوكر» إلّا كشخصيةٍ مُتَخَيَّلةٍ تُولَدُ وتحيا وتموت في عالمٍ تخييلي، لا علاقةَ لها بابن عربي الكائن الصوفي الحقيقي التاريخي. من هذه الفكرة المبدئية تنطلق محاولتي تحليل التقنية السردية في الرواية، بدءًا بتفحص السلوك السردي لابن عربي كأنا/ ذات ساردة، لغايةِ التعرف على شخصيته ومَوضِعِه في تصنيفات النظرية السردية للرواة، ثم النظر إلى طبيعة العلاقة بينه كذات ساردة وكأنا/ ذات مسرودة في عالم التجربة التخييلي في الرواية- وتقصي تأثير تلك العلاقة في تمثيله وتشكيل صورته.

في أثناء سرده قصة حياته، لا يظهر ابن عربي قط وهو يواجه، ولو للحظة خاطفة، أية موجة من الشك واهتزاز الثقة في تذكره للأحداث التي يرويها من قبل ولادته إلى ما بعد مماته؛ ولا يتوقف ثانيةً ليحكّ رأسه كيما يستحث محتوى ذاكرته على الانثيال، أو يقف مرتبكًا ومتلعثمًا بسبب ضبابية أو عتمة غَشَت ركنًا من ذاكرته، وحفرت فجوة في تتابع الأحداث، ليواجه بالتالي ضرورة التفكير في تجسير تلك الفجوة بشيء من الظن، أو التخمين، أو الاحتمال ليربط ما قبل تلك العتمة أو الضبابية بما بعدها. لا شيء من هذا القبيل يحدث، فابن عربي ساردٌ يحملُ في رأسه ذاكرةً ذات قوة غير عادية، حتى كأنما الأحداث التي يرويها كانت قد نَحَتَتْ نَفْسَها في ذاكرته نحتًا لا يطوله الانمحاء والتآكل مع تقادم الزمن به.

تكشف ذاكرةُ ابن عربي قوتها ونشاطها، على نحو خاص، في التقديمات المشهدية للحوارات بين الشخصيات التي يبسطها أمام أعين القارئ، كأنه سارد كلي المعرفة يخفي وجهه بقناع السارد بضمير المتكلم. ابن عربي ساردٌ بضمير المتكلم بَيْد أنه يختلف عن نظرائه بصفات وامتيازات السارد كلي المعرفة؛ لهذا السبب يختلف على سبيل المثال عن نظيره هاني محفوظ -الشخصية الساردة- الذي جاوره في رواية محمد عبد النبي «في غرفة العنكبوت» على قائمتي البوكر العربية الطويلة والقصيرة. هاني محفوظ سارد بضمير المتكلم ابتكره عبد النبي بمهارة إبداعية عالية على نموذج السارد بضمير المتكلم في التخييل السردي الواقعي التقليدي، فجاء متفقًا ومتسقًا في معرفته حجمًا وعمقًا مع مُحدِّدات ومواضعات السرد الواقعي؛ إذ ينحصر سرده في حدود ما يتهيأ له معرفته عبر تجربته الشخصية، وما يقع في مدار إدراكه، أو ما تسنح له فرصة معرفته عن طريق آخرين.

وزيادة في الإيضاح أضيف أن ابن عربي لا يشبه، مثلًا، ديفيد كوبرفيلد في رواية تشارلز ديكنز «ديفيد كوبرفيلد»، الذي يعزو كلَّ ما تحويه حكايته إلى دقة ملاحظته كطفل وإلى قوة ذاكرته. يُستشَفُّ من خلال تنويه ديفيد كوبرفيلد حرص ديكنز على تعزيز البعد المحاكاتي الواقعي لحكاية ديفيد ولضمان استمرار التزام القارئ بعقد «إيقاف عدم التصديق». وعلى الرغم من احتمال خروج ابن عربي من «المعطف» لنيكولاي غوغول، فإنه غير مسكون بالخشية من خذلان ذاكرته مثل السارد فيها حين يروي تاريخ ميلاد «بطلها»: «وهذا ما حصل: ولد أكاكي أكاكيفيتش في ليلة 22 مارس، إن لم تخني ذاكرتي» (ت. الخزاعي، 11). إن ابن عربي سارد غير عاديّ، وصوت من الأصوات السردية «الشاذة» والمتجاوزة للنمطين التقليديين (السارد بضمير الغائب، والسارد بضمير المتكلم)؛ تلك الأصوات التي يسميها برايان ريتشاردسون اصطلاحًا «أصواتًا غير طبيعية» في كتابه «أصوات غير طبيعية» (2006م). في هذا الكتاب، يتناول ريتشاردسون تنظيرًا وتحليلًا ما يُمَثِّلُ من زاويةِ رؤيتِهِ إحدى الخصائص الأكثر أهمية للسرد الحداثي المتأخر والطليعي وما بعد الحداثي: خاصية خلق الأصوات السردية، وتشظيها، ثم تركيبها (أو تكوينها) من جديد. بتعبير آخر، يُعنَى ريتشاردسون في «أصوات غير طبيعية» بتقصي تحولات السارد، وتحولات أدواره ووظائفه.

ابن عربي السارد في «موت صغير» مُرَكَّبٌ من السارد بضمير الغائب والسارد بضمير المتكلم؛ له وجهُ الأخير ولسانُه، ومعرفةُ الأول، وامتيازُ سردِ أحداثٍ لا يكون شاهدَ عيانٍ لها، كما لا يوجد في المتن الحكائي أدنى ما يوحي بأن أخبارها وصلت إليه عن طريق آخرين. بهويته المزدوجة غير الطبيعية هذه، يلتقي ابن عربي مع ما سميتها الساردة المركّبة في رواية بدرية البشر «غراميات شارع الأعشى»، التي تسرد بضمير المتكلم في خمسة من فصول الرواية، وتنفذ إلى أعماق الشخصيات ووعيها، كما ينفذ السارد العليم، لتُحَدِّثَ عمّا يَعْتَمِلُ في داخلها. إنها صوت سردي غير طبيعي، هي الأخرى، في ضوء تنظير ريتشاردسون؛ وربما هي كابن عربي، ممن خرجوا من «معطف» غوغول.

وتمثل العلاقة بين ابن عربي ساردًا ومسرودًا موضعًا تتجلى فيه سمة أخرى من سماته كصوت غير طبيعي؛ إذ يظهر في بعض المواقف السردية كسارد «غير ثقة» أو «غير جدير بالثقة»، وهو ما يستدعي الحذر وعدم الانخداع في بعض ما يقول. ومنشأ هذه الخاصية حالة التماهي والاتفاق شبه المطلق بين الذات الساردة والذات المسرودة. إن حالة التماهي هذه، تَحُولُ، إلا في مواقف قليلة، دون تشكل مسافة بين الذاتين تتيح للذات الساردة تأمُّلَ نظيرتها في عالم الرواية، وتقويمها، والحكم على تصرفاتها. إن انعدام هذه المسافة النقدية، إذا صح التعبير، واقترانها بحالة التناغم ورضا الخارج عن الداخل أدَّيَا إلى ظهور مفارقات وتناقضات بين تلفظات الذات الساردة وتصرفات وابن عربي وأفعاله في الداخل، إضافة إلى لجوء ابن عربي في الخارج إلى تبرير وتمويه بعض ما يحدث في الداخل. في هذا السياق أرى أن قصة زواج ابن عربي من مريم بنت عبدون وانهيار زواجهما مثال مهمّ ومناسب للبرهنة على تأثير العلاقة بين الخارج والداخل في السلوك السردي للأنا الساردة، وبالتالي في تشكل صورة ابن عربي كذات مسرودة.

الخروج من الخطاب السردي

بعد قرار مريم بنت عبدون الرجوع إلى بجاية (المغرب) من مكة، يُعلق السارد أن الحب أو بعضه لا ينمو في أي بلاد، محملًا بالتالي مكة المسؤولية عن افتراقهما «وهكذا أرادت لنا مكة»، من دون أن يفكر في التوقف لحظةً ليتساءل، مثلًا، عن دور موت ابنتها في فتور العلاقة بينهما، وعن دور عوامل أخرى مثل إدراك مريم أنها أقل أهمية في حياة زوجها من أوتاده، زوجها الذي كان ابتهاجه بحملها بزينب مضاعفًا لما وجد فيه ذريعة للسفر من إشبيلية إلى مراكش بمفرده، مرغمًا زوجته، رغم رغبتها في السفر معه، على البقاء من أجل الاعتناء بفاطمة بنت المثنى. لا يكتفي السارد بمكة سببًا للجفوة بين مريم وابن عربي، بل يتهم مريم بسحب حبها «مريم تسترد حبها وترحل بعيدًا»، ويوسّع دائرة الإسقاط لتشمل القدر «هكذا شاء الله». لا مناص من دور المشيئة الإلهية في الحدث، لكن السارد نفسه هو من يُخرِجُ مريم من الخطاب السردي ليضعها وراء ظهره. فبعد حديثه عن الوداع الخالي من القبلات، وغياب ناقة مريم وراء خط الأفق، يقفز السارد إلى المستقبل ليروي أنها ماتت بعد ست عشرة سنة في بجاية: «استأنفت الناقة سيرها بعد قليل وغابت في الأفق. ولم أرَ مريم بعد ذلك إلا في المنام. عادت إلى بجاية وأقامت مع أهلها ست عشرة سنة ثم ماتت وجاءني من يعزيني بها بعد أشهر طويلة».

بهذا الاستباق، يُفْرغ السارد مستقبلَ الخطاب السردي من مريم ومن موتها باستدعاء خروجها من الحياة إلى حاضر السرد ليتزامنَ ويتجاورَ في الخطاب مع خروجها من حياته كذات مسرودة. بكلمات أخرى، تتعرض مريم للكنس إلى خارج الخطاب ليخلو وجه السارد لنظام بنت زاهر والحديث عنها. يغيّب الأفقُ مريم، ويُخْرجُها السارد عبر الاستباق من الخطاب في لحظات. لا يستمر السارد إلى أن يصل في سرده إلى موتها في موقعه في التسلل الزمني/الكرونولوجي للأحداث، بل ينتزعه من سياقه ويجره إلى الحاضر ليروي عنه في سطور قليلة، لتصبح مريم بعد ذلك نسيًا منسيًّا إلا طيفًا في الحلم: «ولم أرَ مريم بعد ذلك إلّا في المنام».

قبل زواجهما، كان السارد يهيئ القارئ لحياة غنية أدبيًّا وعلميًّا بين فردين متوائمين بوصفه مريم على لسان فاطمة بنت المثنى بأنها «أديبة خلوقة عالمة أريبة، وأيضًا جميلة». بيد أن الحياة الغنية المثرية أدبيًّا وعلميًّا للطرفين على السواء لم تتحقق إطلاقًا. فما يتحقق بالفعل هو غياب مريم الأديبة والعالمة الأريبة، وحضور مريم، المرأة الجميلة والمهملة التي تسافر لمسافة طويلة بصحبة ابنتها وعبد سابق وآخر جديد إلى زوجها البعيد في مكة، وتفجع بموت ابنتها في الطريق؛ أو تحضر جسدًا يتغنى زوجها بجماله: «أحببت مريم. ذقنها الحاد وعيناها الوثابتان وجسدها المائل للامتلاء، وكفّاها السمينتان اللتان كانت تخجل منهما»، «ما أجمل جسد مريم وما أنعمه وأصفاه…جسمها ريّان بسمنة خفيفة». وبعد الْتِمام شملهما في مكة، وفي أول خلوة بينهما بعد انتهاء العزاء بموت زينب، يكون جسم مريم هدفًا لعيونه المتفحصة: «خلوت بها أخيرًا فإذا بها تغيرت علي. زادت شحومها وكأنها لم تسافر ولم تثكل». والكلام عن مريم خاتمة الكلام في هذه المقاربة التي ربما أصابت بعض النجاح في تحليل التقنية السردية في «موت صغير» واستكشاف طبيعة ابن عربي ساردًا، وتبيان خصائص أسلوبه السردي، وتأثير علاقته بالذات المسرودة في تشكيل صورة الأخير، وتحديد الملامح الفنية لسرده.

أحمد الجنايني: مهمتنا ألا يتحول أتيليه القاهرة إلى مركز ثقافي إسرائيلي

أحمد الجنايني: مهمتنا ألا يتحول أتيليه القاهرة إلى مركز ثقافي إسرائيلي

لا تكاد تشعر به، لكن أثره موجود في كل مكان، تراه في مقدمة صفوف الفنانين التشكيليين، حيث يشغل منصب رئيس مجلس إدار أتيليه القاهرة للفنانين والأدباء، هذا المكان الذي أسسه المصور المصري الكبير محمد ناجي عام 1953م، ليصبح منارة ثقافية تدافع عن التشكيل والأدب معًا، إنه الفنان المصري أحمد الجنايني (1954م) الذي تتلمذ على يد الفنان المصري الكبير حامد عويس عام 1978 – 1979م، وبعدها درس الفن في ألمانيا في المدة 1980 : 1981م، وكتب الشعر والرواية، وصمَّم أغلفة العديد من سلاسل الكتب، وأنشأ دار نشر، ورأس تحرير مجلة «الخيال» المعنيَّة بالفنون البصرية، وهو القائل: إن تاريخ مصر التشكيلي في خطر. «الفيصل» حاورته حول تجربته إضافة إلى قضايا أخرى.

مارسْتَ الفن التشكيلي والشعر والكتابة الروائية؛ فما رؤيتك الأساسية للفن؟

كنتُ واضحًا منذ البداية مع نفسي في أنه لا يوجد غرف مغلقة للصنوف الإبداعية، لكن كل الإبداعات تشكيلية أو موسيقية أو شعرية أو مسرحية،… جميعها يشتبك معًا، كان هذا عمود أستند إليه في رؤيتي لمشروعي الإبداعي، كما أن مثلث الإبداع لا بد أن يكون موهبة – خبرة – ثقافة، وأنه لا يمكن حذف أو إلغاء أي من العناصر الثلاثة، ولا يمكن أن يقدَّم عمل إبداعي بضلعين من دون الثالث.

لا تنتمي اللوحة لديك إلى سياق مدرسة فنية بعينها، وربما تكون مزيجًا من مدارس مختلفة، فما المؤثرات التي تدفعك لذلك؟

ممارسة العمل الإبداعي تشكيليًّا تعتمد على ماهية اللغة البطل، وماهية لغة التشكيل هي اللون – الخط – الكتلة – الفراغ – المساحة. أي جميع العناصر المرئية بصريًّا، لذا سيكون البطل دائمًا بصرِيًّا، رغم إمكانية اشتباكه مع الموسيقا أو الشعر. وبالنسبة لي فإنني أعتمد الجسد الإنساني، أو بمعنى أدق، الإنسانَ بطلًا للغتي التشكيلية، أحمله بكل المضامين التشكيلية سواء أكانت لونًا أو خطًّا أو مسافةً أو كتلةً أو فراغًا، لكن الهم الإنساني يكون حافزًا لطاقتي التشكيلية، وأنا ممن يؤمنون بموسيقا اللون، وبالتالي فإن لغة اللون عندي تعتمد كلية على فهمي الواعي للعلاقات اللونية سواء أكانت التضاد أو الهارموني أو غيرهما، المهم عندي أن أرى الموسيقا من خلال اللون، وهذا يمنح العمل جاذبية للتلقي، ويأخذ المشاهد إلى أبعاد أخرى ترتبط جميعها رغم مضامينها المختلفة بجماليات المشهد، ولكي أحقق هذا كان لا بد لي أن أمارس التشكيل بعيدًا من صناديق المدارس التشكيلية الجاهزة، فأنا أومن بحرية التعبير وحرية استخدام الفنان للغته الخاصة؛ إذ ليس من الضروري أن يكون واقفًا داخل صندوق مدرسة معينة، ويغلق على نفسه هذا الصندوق، من هنا كانت تجاربي مزجًا بين مدارس تشكيلية مختلفة، فالتجريد امتزج بسوريالية اللون، والتعبيرية امتزجت بدراما التجريد، وهكذا.

كيف تشكلت الذاكرة البصرية لدى أحمد الجنايني؟

أنا ابن قرية تنام في حضن النيل، حيث فرع دمياط؛ لذا فمنذ طفولتي كنت أشكل الطمي وأتعامل مع مفردات النهر ومفردات الطبيعة بوصفها المخزون الوجداني والثقافي والبصري، ورغمًا عني مارست ذلك من دون أن أفهم ذلك بوعي، ابن القرية الذي رسم بالطبشور على جدران المنزل وأبواب الغرف، وتعامل في «حصة» التربية الفنية في المرحلة الإعدادية مع الطبيعة، حيث كان يطلب منا مدرس الرسم على السبورة أمام الزملاء، وهذا ما شجعني على ممارسة التشكيل.

هناك جانب آخر مهم وهو مكتبة أخي الأكبر التي كانت تضم كتبًا مهمة منها كتاب التشريح للفنانين -مؤلفه يوجن وولف- الذي استفدت منه كثيرًا في المراحل الأولى من تكويني، فإذا أضفنا ذلك إلى حكايات القرية وألعاب الأولاد والبنات الشعبية التي كنا نمارسها بحب وفرح رغم ظلمة الشوارع التي لم تكن تعتمد إلا على المصابيح النفطية في ذلك الوقت، كل هذا شكَّل جزءًا كبيرًا من ذاكرتي البصرية.

مارستَ فن تصميم الأغلفة لعدد من سلاسل الكتب، فإلى أي مدى أسهم الكمبيوتر وما أتاحه من خيال جديد وبرامج عديدة في تشكيلك اللوحة وعالمها؟

لا تربطني أي علاقة بما نسميه فن الكمبيوتر أو العمل الفني من خلال الكمبيوتر، أنا أمارس الفن التشكيلي بأطراف أصابعي معتمدًا اللون بمختلف خاماته، سواء أكانت زيتية أو أكريلِك أو ألوانًا مائية، وأنا من الفنانين الذين لا يؤمنون بتحضير اللوحة من خلال رسم إسكتشات ثم بعد ذلك نقل الإسكتش ليكون لوحة، أنا أومن منذ بداياتي بأن الشخصية الأولى هي اللوحة؛ لذلك تكون علاقتي مباشرة مع سطح اللوحة، من دون الاتكاء على عمل إسكتشات، ضربة الفرشة الأولى في اللوحة هي بمنزلة الطلقة الأولى التي تفتح لي سردابًا لا أعرف ما الذي يسكنه، لكنني أعرف تمامًا أنني لا بد أن أعبُر من هذا السرداب، هذه هي علاقتي الحقيقية بالعمل التشكيلي.

كيف ترى واقع الحركة التشكيلية في مصر الآن؟

الحركة التشكيلية يشوبها الكثير من العلاقات التي غيَّبت المفهوم الحقيقي للإبداع، وأقصد بها علاقة وزارات التربية والتعليم والثقافة والإعلام بمفهوم التشكيل والثقافة البصرية وأهميتهما، لقد اختلطت هذه المفاهيم عند القنوات الثلاث، فغابت المفاهيم الحقيقية في المراحل التعليمية، وهمشت في الثقافة، وتكاد تكون ألغيت في الإعلام، وبالتالي فهذه الجزر المنعزلة والمنوط بها رفع مستوى الثقافة البصرية لا تقدم شيئًا حقيقيًّا لتنمية الثقافة البصرية، ولم يعد بالإمكان القبض على مفاهيم جمالية تقدم على أرضية حقيقية للمواطن العادي، ومن ثم انفصل المجتمع بكليته عما يسمى الفن التشكيلي، وبالتالي فالفنان التشكيلي الحقيقي لا يستطيع في المجتمع المصري بل العربي ككل أن يمارس حياته بصفته فنانًا، ممارسة الفن لن تكون داعمة له لممارسة حياته بشكل طبيعي، من ناحية أخرى، وهي الأهم، إنه لكي تُقدِّم عملًا إبداعيًّا من خلال كونك فنانًا لا بد أن تمتلك رؤية لهذا العمل، وهذا ما نفتقده في كثير من الأحوال، نحن في حاجة ماسّة إلى الثقافة الإبداعية سواء أكانت إبداعًا أو ممارسة.

قلتَ في مقال: إن تاريخ التشكيل المصري في خطر؛ فكيف ذلك؟

التاريخ المصري يضع مصر رغمًا عن أي شيء في مقدمة الدول التي تمتلك تاريخًا إبداعيًّا حقيقيًّا، لكن ما يحدث الآن ربما يؤثر بشكل كبير في هذا التاريخ، حيث إن هناك «لوبي» -وأعني بها معناها الحقيقي- يعمل ضد الفن بتبنِّيه أعمالًا لا قيمة لها؛ كي تكون في سوق المزادات رهانًا على تشويه وتشويش الإبداع. ويتواصل مع ذلك الترويج للأعمال الفنية المزيفة التي شاع التسويق لها، مما أفقد المتاحف الفنية الكثير من هيبتها، فأعمال مزيفة لرموز فنية كبيرة من رواد الفن في مصر منهم: محمود سعيد، وسيف وانلي، والجزار، وحامد ندا وغيرهم، يفقد الفن التشكيلي في مصر مصداقيته وجلاله، وهذه مشكلة كبيرة طرحت وفاحت رائحتها في معرض السورياليين الذي أقيم في قصر الفنون بدار الأوبرا بالتعاون بين وزارة الثقافة وجهات خاصة أتت بكم هائل من اللوحات المزيفة، وحشرتها داخل المعرض فقط لتأخذ مشروعيتها في المزادات التي يقوم بها هذا اللوبي.

بوصفك رئيس أتيليه القاهرة، ما حقيقة الصراع الدائر على المقرّ منذ سنوات؟

بدأ الصراع في أتيليه القاهرة حين تواطأ مجلس إدارة الأتيليه الأسبق عام 2008م مع من يمتلكون عقار أتيليه القاهرة، وهم ورثة ليندا كوهينكا اليهودية، وذلك بعدم دفعهم إيجار المقرّ مدة أربع أو خمس سنوات، على أن يقاضي الورثة مجلس الإدارة ويُستَصدَر قرار من المحكمة بطرد جمعية الأتيليه، وتسليم العقار للورثة، كان هذا أساس المشكلة، وأُوقِفت هذه الإجراءات وعُزل هذا المجلس بقرار من وزارة التضامن الاجتماعي، ثم فصلهم من الأتيليه بقرار من الجمعية العمومية، لكن بعد خمس سنوات تغيرت الخريطة، وفوجئ مجلس الإدارة الحالي بخطابات تَرِدُ إليه من مدير التضامن الاجتماعي تُطالِب المجلس بإعادة الأعضاء المفصولين بوصفهم لم يفصلوا، وبدا المشهد مأساويًّا حين تَكشَّفت خيوط التعاون بين إدارة التضامن وعناصر من المجلس المفصول، لنكتشف أن كل ما تسعى له وزارة التضامن هو إعادة الوضع إلى ما كان عليه، بحيث يتمكَّن المجلس المعزول من تسليم المقرّ إلى الورثة، وهذا ما وقفنا ضده، وقاضينا وزيرة التضامن ومحافظ القاهرة السابق، ونحن في انتظار حكم القضاء، ولا يهمّنا إلا أن نحافظ على كيان أتيليه القاهرة من أيدي العابثين الذين يسعون لتحويله إلى مركز ثقافي إسرائيلي، أو على أقل تقدير إطفاء شعلته الثقافية التي أسسها المصوِّر المصري الكبير محمد ناجي في مارس 1953م، ولا يؤسفني في نضالنا هذا إلا تخاذل الكثير من المثقفين عن الدفاع عن هذا الصرح وتاريخه، وعلى رأسهم وزير الثقافة الذي لم يحرِّك ساكنًا رغم أنني وضعت الملف كاملًا على مكتبه، لكنه آثر الصمت البليغ.

مقهى صغير لأرامل ماركس.. محنة الشعر.. أم محنة الأيديولوجيا؟

مقهى صغير لأرامل ماركس.. محنة الشعر.. أم محنة الأيديولوجيا؟

بقدر ما أنتجت الرمزية من التباسات، فإنها أنتجت في المقابل نظامًا للعلامات خفضَ من سطوع الواقعية وغباء المحاربين باسمها. وفي الديوان الضخم (464 صفحة) «مقهى صغير لأرامل ماركس» للشاعر أشرف يوسف الصادر بالتعاون بين داري العين وشرقيات، يبدو أمر الرمزية أكثر تعقيدًا مما تصوره مالارميه صاحب أبرز بياناتها. فيوسف الذي استفاد تقريبًا من المذاهب الشعرية كافة في ديوانه يبدو على وعي تام بمرجعية تلك الهلوسات التي سارت شعرية الديوان تحت وطأتها، فتشكلت على هيئة زمن دائري قوامه اللغة الهشة والمناخات الغرائبية، لكن هذا الزمن الدائري الذي يبدأ منه الألم ولا ينتهي لا يسعى لعلاج مرضاه، بل يستقصي طاقات لوعتهم وبقايا ظلالهم التي تركوها في أماكن غارقة في عتمتها السحرية.

وتبدو رسالة الشاعر هنا بين أعلى التعبيرات الكاشفة للكثير من زيف لحظته. فالعصر الذي بدا متصالحًا مع قضاياه الكلية بدا في الديوان كواحد من عشرات الحقائق العارية. وقد شكلت شعرية الديوان أكبر افتضاح ممكن للمأزق الإنساني عبر تلك التمثيلات التي استغرقها ضمير المؤنث الذي غلب على معظم قصائد الديوان. وربما كانت درجات السخرية المتفاوتة من الأيديولوجيا واحدة من أبرز تلك التعبيرات. فالمقهى الصغير ذو الملامح الاعتيادية، الذي حمل الديوان اسمه، تجوهر حول صورة مفارقة عندما ربطه الشاعر بأنه مقهى «لأرامل ماركس» على ما تحمله التسمية من انتهاك لعصر كامل من الحروب العقائدية، ومع ذلك لم تتجاوز تعبيرات تلك الحروب كونها أحد تمثيلات انهيار اليقين. المقهى هنا لم يعد ملائمًا للاعتراف بالحب ص382، كما أنه يمثل «ذلك الركن المعتم» الذي يبدو الذهاب إليه قدرًا مقدورًا ص 232، وفي موضع أكثر جلاءً يقول أشرف يوسف: «كيف أقتل اشتياقي الحار/ لصوته في مقهى صغير يدعى أرامل ماركس/ ولست مهتمة على الإطلاق بهذا الماركس ولا بأرامله» وسيتبدى ذلك أيضًا في قصيدته «امرأة يهودية» التي يتعامل فيها بخفة مماثلة مع ليون تروتسكي ص 199.

مضامين أكثر سوداوية

أشرف يوسف

لذلك ليس غريبًا أن يكون المفتتح الفاتن للديوان نعيًا لـ«مؤلف الكتب» الذي يخاطبه الشاعر ممتلئًا بالازدراء: «تعالَ يا مؤلف الكتب/ أيها الرجل المغرور/ سآخذك معي في صياعة منتصف الليل/ وسأسليك بتلك الخواطر التي يقال: إنها حياتي». إن انعدام الثقة في مؤلف الكتب هنا تجد معادلاتها في مشاهد عدة تعكسها معرفية تناثرت في أرجاء الديوان بين أسماء تمثل نوعًا من الغوث بالنسبة للشاعر مثل بول شاؤول، ومحمود درويش، وإدوارد سعيد، جان دمو، وغيرهم، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى بدت مضامين السرد الشعري أكثر سوداوية من أن تحتويها لغة، فتحولت تلك الاستغاثات إلى نوع من الرفض المطرد للعالَم المعيش ولتعبيراته الثقافية التي تبدت في رفض الكثير من مقولاته، وتبرز تلك التجليات بشكل ظاهر في تلك التناصات المستخفة غالبًا، بنصوص تاريخية مثل التوراة والإنجيل وبعض المأثورات المنقولة عن فقهاء ووُعَّاظ وكُتاب وعوامّ، وسنرى ذلك في المفارقة التي يرصدها الشاعر ص 290 عندما يقول: لا زال لديّ رأس يفكر / وقلب لشاعرة من بلاد فارس كأنه خريطة / ويؤمن على طريقته أن لويز فيديليو عاهرة / بخمسة فرنكات ولديها طريق واحدة لكسب المال / بالإكثار من الحديث عن الأخلاق في الفن».

تتراوح شعرية ديوان أشرف يوسف بين السردية المحضة في قصائد ليست قليلة حتى بدا بعضها كأعمال قصصية رفيعة السرد والأبنية لا سيما في «أتون وردة لأنثاه الافتراضية»، و«وجوه يناير» وقصائد أخرى، فبدت جزءًا فاعلًا في متواليته الشعرية، كذلك تبدت تلك المراوحات في الغنائية التي غلفت أجزاء ليست قليلة من الديوان لا سيما في النشيد الثاني وفي قصيدته أساطير التي يقول في مطلعها: «يا جبلنا العظيم أنا إيزيس العاشقة، جئت لأمسح رأسي في ترابك وأشفي» ثم في قصيدة الفتى حيث التناص التوراتي «يا ابنة جبل الأطياب، ياحبيبتي، يا جميلة وزنجية.. كوني تقية»، وكذلك أنسنة التشيؤ في قصيدته «كتالوج لغسالة كهربائية»، ثم الاجتراءات اللغوية الفريدة في قصائد عدة أبرزها في قصيدة «نبية الليل» ص 178، وهي تمثل واحدة من مراتب التماهي في مدارج القدسية بالمعنى الصوفي. في الوقت نفسه بدت الأجزاء التي خلصت إلى الشعرية المحضة أكثر من فاتنة، يتبدى ذلك في القسم الأول من الديوان وبعض القصائد الأخرى مثل: «قري، حلم بداخل فلم، النشيد الـأول والنشيد الثاني».

رمزية النص الجديد

ولا شك أن الشعرية الطافرة، الغنية والمكتنزة في ديوان «مقهى صغير لأرامل ماركس» في تجاوزاتها وقفزاتها خارج الأسوار الواطئة التي ارتضتها لنفسها قصيدة النثر تبدو تعبيرًا عن قيمتين رئيستيْنِ لدى الشاعر أشرف يوسف. الأولى: إدراكه أن رمزية النص الجديد لا تعني تحويل الكائنات الشعرية إلى أوثان، بل تعني الاستفادة من معظم القيم التاريخية على امتداد التراث الإنساني، من هنا بدا الديوان مستفيدًا من غالبية المذاهب الشعرية دون أن يعني ذلك فقدانه للرؤية.

ثانيًا: تبدو قناعات أشرف يوسف بوظيفة الفن مرتبطة بشكل ما بوظيفته الاجتماعية رغم المناخات الإنسانية المضطربة التي تعكسها حركة السرد الشعري؛ لذلك لم تتخلَّ تلك الشعرية عن قارئها، أعني أنها لم تمتهن حواسّه، من هنا بدا وعي الشاعر متجاوزًا للكثير من التصورات المجانية التي أشاعها شعراء يؤمنون بمذهب الفن للفن. وبقي القول: إن تلك المجانية التي بدت عليها استطرادات التخييل وكثافات الصور الشعرية في القصائد التي مالت إلى النثرية المحضة أكثر إخلاصًا للرمزية في صيغتيها الغربية والشرقية، ولعل نموذجها البارز لدينا يمثله نص الشاعر اللبناني وديع سعادة لكنها شعرية، على أية حال، لم تكن ناجزة لخصائص مؤثرة في مسارات قصيدة النثر لارتباطها بحالة تطهرية أقرب إلى اللاهوتية التي عرفتها لغة النثر الفرانكفوني في القرن الثامن عشر، وربما لذلك تجوهرت شعرية هذا الديوان المهمّ في مواقع بعيدة من تلك القصائد.