تشكلات العلماني في المسيحية والحداثة والإسلام

تشكلات العلماني في المسيحية والحداثة والإسلام

المؤلف: طلال أسد

المترجم: محمد العربي

الناشر: دار جداول

لا يقع هذا الكتاب مباشرةً ضمن الأدبيات التـي تتناول ثنائيات العلمانية والدين، والدين والدولة الحديثة. فموضوعه الرئيس عن الكيفية التـي تشكّل ويتشكّل بها العلماني في سياقات زمانية ومكانية متباينة ومتشابكة في آنٍ. يبدأ طلال أسد بحثه عن العلماني بطرح سؤال تحريضـي عما يمكن أن تكون عليه أنثروبولوجيا العلماني. ومن هذا الأساس يستكشف الكتاب المفاهيم والممارسات والتشكُّلات السياسية للعلمانية، بالتأكيد على التحولات التاريخية التـي شكّلت التوجهات والحساسيات العلمانية في الغرب والشرق الأوسط الحديثين.

معاجم التمرد والرفض.. أعمال ضد الخلود

معاجم التمرد والرفض.. أعمال ضد الخلود

نبيل عبدالفتاح: أضاف للثورة وفجر قدرات تخييلية

شكل الغرافيتي أحد أهم طقوس الإيقاع الثوري في الانتفاضة الشعبية الكبرى في يناير، من حيث الأبعاد الجمالية للحالة الثورية وأبعادها التخييلية والإبداعية، في هذا الإطار يتعين التميير بين الأعمال الغرافيتية المختلفة على النحو التالي:

أولًا- الغرافيتي الاحترافي، ونقصد به الأعمال التي قام بها بعض الرسامين والفنانين التشكيليين المحترفين.

ثانيًا- الغرافيتي التلقائي غير الاحترافي الذي قام به بعض الأشخاص المشاركين في الفعل الثوري الانتفاضي استهداءً ببعض أعمال المحترفين، وهو ما نستطيع أن نصفه بتفجير بعض الطاقات الجمالية والفنية لدى بعض الفاعلين وتوظيفهم لها في إضفاء بعض السمات الجمالية الموازية والمتكاملة مع الفعاليات الثورية، التي حملت ملامحها العفوية وطاقتها الثورية وأشكالها المبتكرة على جماليات اليومي والعادي، فضلًا عن المخيلة في أحلام وآمال الفاعلين الثوريين في حركة الجموع الشعبية في الشوارع والميادين. إضافة إلى الانطباعية والتعبير الاحترافي في الخطوط وتوزيعاتها والنسب والتوازنات والاختيارات اللونية التي كشفت عن خيارات الفنانين المحترفين.

وأعتقد أن الغرافيتي أضاف للثورة العديد من الجوانب المهمة، بعضها غير ملموس في التاريخ للعملية الثورية في 2011م، وتتمثل فيما يلي:

أولًا- إضفاء الجوانب الجمالية على حركة الجموع الشعبية في ميدان التحرير والشوارع المحيطة به، وكذلك الأمر في العديد من المدن الثورية.

ثانيًا- المساهمة في تفجير بعض الطاقات الإبداعية لدى الذين تحولوا إلى فنانين تلقائيين من خلال لجوئهم إلى استلهام غرافيتي المحترفين، وإيجاد بعض الصيغ التعبيرية عما يفكرون ويشعرون به أثناء الحالة الثورية، وبعض هؤلاء استطاع في أعقاب هذه العملية أن يستكمل أدواته الفنية سواء بالدراسة أو بتطوير أدواته الفنية.

ثالثًا- ساعد الغرافيتي، من ناحية أخرى، على إمداد حركة الجموع الشعبية بالشعارات المبتكرة التي انتقلت من الرسوم الغرافيتية إلى الفعل الثوري، كشعارات تتسم بالبساطة والاختزال والقدرة.

باحث سياسي مصري

بطرس المعري: وطاويط الظلام

أول الكتابات التي رأيتها على الجدران غير تلك التي كان يكتبها الفتيان والمراهقون على حيطان المدرسة، هي تلك الكتابات التي كانت بمناسبة زيارة أنور السادات لإسرائيل، طبعًا كانت ضد الزيارة، كانت واحدة من تلك الكتابات تقول: «تسقط المؤامرة الاستسلامية الساداتية»، أو شيء من هذا القبيل. أعتقد أن الكتابة على جدران الأماكن العامة والأسوار والأبنية كانت موجودة من قديم الأزل مع سكن الإنسان الأول في كهفه البدائي، كانت كتابات بمجملها في الخفاء تعبر عن داخل الإنسان الخائف أو تعبير عن الحب أو الشتمية وهذه فيها احتجاج على صديق أو رفيق في الحارة. أيضًا الحب عندما لا يستطيع الإنسان التعبير عنه على الملأ سيحكيه في السر أو يكتبه على الجدران.

في السنوات القليلة الماضية تطور هذا الفن ورأينا العديد من الكتابات الاحتجاجية وما تابعناه كان متطورًا في مصر أكثر منه في أي دولة عربية أخرى شهدت أحداثًا واضطرابات. أيضًا لاحظت أن الكتابات على الجدران منتشرة في بيروت بشكل جيد، وفيها روح النكتة والدعابة أقرب إلى روح زياد الرحباني… تلك الكتابات التي تعكس السخرية المريرة الممزوجة بين التهكم والهجاء السياسي والاجتماعي، إضافة إلى مفارقات تعكس روح الشارع وطريقته في التعاطي مع حملات السياسيين وشعاراتهم. ما نراه اليوم أن العديد من الغرافيتيين العرب ليس من السهولة بمكان أن يعملوا بسرعة وبمهارة وقوة، فهم أشبه بوطاويط الظلام، لكونهم يعمدون إلى السرعة في طبع آثارهم وعلى التفريغ بوساطة بخاخات على قطع من الكرتون المُعد مسبقًا للكتابة والرسم على الجدران.

فنان سوري

محمد عبلة: استفدت من تقنيات الغرافيتي

الغرافيتي هو نقد اجتماعي وسياسي، فهو ينتقد سلبيات المجتمع، وابتُكر كي يقول صاحبه كلمته على الحائط ويجري، وإذا زاد على ذلك فإنه يصبح فن تزيين للحوائط، سواء في البيوت أو المقاهي أو غيرهما، ويصبح جداريات لها غرض غير الاعتراض السياسي أو النقد الاجتماعي، وأدواته هي الإسبراي وأفلام الأشعات الطبية وغيرهما، حيث تُفرَّغ على هيئة الشكل المراد رسمة، ثم توضَع على الحائط، ويملأ الفراغ إما بالإسبراي أو بالفرشاة، وصاحبه عادة ما يستخدم لونًا واحدًا فقط. عن نفسي أقمت معرضًا اسمه «كلام شوارع» كنت متأثرًا فيه بالغرافيتي، كانت رسوماته على القماش، وكانت لوحاته على شكل الغرافيتي، كان به احتجاج واضح، واستيحاء كامل لأفكار الغرافيتي وأدائه وعلاقته بالشارع، لكني ما زلت أتصور أن تطور وظيفة الغرافيتي سوف يخرجه من فكرته الأساسية، وهي الاعتراض والنقد، ويدخل به بتقنياته نفسها إلى عالم جديد، ومن ثم فإنه سيحمل اسمًا جديدًا ومختلفًا غير الغرافيتي.

فنان مصري

حمود شنتوت: فن الشعب

أعتقد أن الكتابة على الجدران هي فن الشعب، وهي طريقة لرفع الذائقة لدى المتفرج العادي من خلال احتلال جدران هامشية، وربما بعض الأحيان رئيسية يشاهدها جمهور الشارع العادي. بالنسبة لبلادنا العربية هناك فنانون قلائل قدموا الكتابة على الجدران بطريقة تجريدية متكئين على قوة الخط واللون وسلاسة التعبير، إذ أعتقد أن فن الخط لا يزال موضوعًا شائكًا لم توجد له حلول فنية وازنة. في بيروت شاهدتُ أعمالًا لافتة على جدران المدينة، وفي دمشق صاغ موفق مخول جداريات من النفايات، في حين شاهدتُ في باريس ازدحامًا من هذه النوعية من الأعمال في المترو والشارع والجدران القديمة، حققها فنانون غير معروفين يستخدمون البخاخات وتقنيات الطبع بقلم الرصاص، أما في سوريا فما زال فن الكتابة على الجدران نادرًا للغاية، في حين تنحصر أعمال الخط بمربع اللوحة عند منير شعراني ومحمد غنوم وسبهان آدم.

فنان سوري

مصطفى علي: فن لقيط

هو فن غير قانوني نشأ في أوربا وقد اخترعه الشباب للتعبير عن حراكهم المتمرد، بهذا المعنى هو فن لقيط لكنه مع الوقت أصبح اليوم فنًّا مهمًّا وتعمل فيه أسماء محترمة، بل هناك جهات ومؤسسات حكومية تدعو بعض هؤلاء ليرسموا على جدران معينة في قلب مدن أوربا، بعد أن انتشرت أعمالهم المشاكسة في أماكن غير مسموح بها. أذكر أنه قبل الحرب كنا بصدد إنجاز مشروع غرافيتي بتمويل من سويسرا مع شبان وشابات سوريين، ولكن المشروع لم يتحقق وهو حتى الآن لا يزال فنًّا غير قانوني في سويسرا! فقرصنة الجدران من جانب كتّاب وفناني الجدران تفعل فعلها في إيصال مانشيتات (عناوين) سياسية وثقافية واجتماعية عند مداخل ووسط أنفاق القطارات والمترو. فن ينفذ بطريقة الخطف حيث يتوضح أن الكتابة والرسم على الجدران فن أعزل، أدواته بسيطة. لكن اليوم سنلاحظ أنه دخل إلى المتحف عبر أعمال فنانين تشكيليين وظفوا تقنياته في اللوحة والمنحوتة والحفر والطباعة.

نحات سوري

كيزر: هوايات فنية متعددة

في البدء أود أن أوضح أن هناك فرقًا بين الغرافيتي وفن الشارع، فأنا من مدرسة فن الشارع، والفرق بينهما بسيط، فن الشارع فن هادف ويعتمد على الأفكار الإنسانية الفنية والاجتماعية والسياسية معًا أو بطريقة مستقلة، والهدف لديه هو تحريك العقول والقلوب عبر الفن غير المباشر الذي يتيح للمشاهد أن يفسر ويحلل الصورة كما يشاء، ومن أهداف فن الشارع إعادة الفن لحياتنا اليومية، واستعادة البيئة التي يقدم فيها الفن.

أما فن الغرافيتي فهو عبارة عن حروف وخطوط غالبيتها معدلة بالغة الإنجليزية، ولا توجد رسالة اجتماعية أو إنسانية في هذا النوع من الفن؛ لأن التركيز يكون على الألوان وأشكال الحروف والخطوط، ونادرًا ما نجد أفكارًا هادفة، لكن معظم السلطات العالمية تعتبر أن الغرافيتي عمل تمردي ومدمر وخطر على الشباب الصغار، وذلك بسبب تغطيته أماكن جميلة وتراثية ومقدسة من دون أي اعتبار لقيمة هذه المباني الجمالية والتاريخية. هنا، لا يمكنني التحدث سوى عن نفسي وتجاربي، فقد كنت أحتمي بغطاء الليل والساعات المبكرة من الصباح، فمن المعتاد أن أتفقد الحائط والشارع بمداخله ومخارجه. في البداية كنت أحضر معي صديقًا كي يراقب سيارات الشرطة أو أي شيء خارج المألوف، وهناك العديد من المواقف الحرجة التي مرت بسلام بسبب العناية الإلهية واستشعار الخطر قبل قدومه، وعدم الرغبة في المجازفة لدرجة أن أهين نفسي أو أدمر مستقبلي. مرة أوقفتني الشرطة في ليلة وأنا أعمل على فكرة على حائط في منطقة الجيزة، فكنت مندهشًا عندما انتهى الموقف بالحديث عن الفن وفكرة الرسمة، وكان رد فعلهم إيجابيًّا وتركوني أعمل! وفي أيام أخرى كنت أترك لهم أدواتي كلها في الشارع وأقفز على دراجتي هربًا منهم وهم يلاحقونني كأني سرقت شيئًا، وهذا يوضح أن المسألة عشوائية، وتجد نفسك كالعادة في مصر تحت رحمة أو مزاج أو شخصية الضابط أو المسؤول. من الصعب ألا توجد أية أثار لفن الشارع في أنحاء المدينة. من الواضح أن الشغف دائمًا هو القائد والوقود للفن الثوري… وهذا أحيانًا يمثل خطرًا بعد مدة معينة، وبعد أي هزة اجتماعية وسياسية كالثورة المصرية، يجد الفنان الثوري نفسه محصورًا في قالب سياسي منذ البداية، كأن الثورة لا تترك له فرصة لأن يخلق لنفسه هوايات فنية متعددة… فبعد انحدار شديد في الطاقة عقب الأحداث الكبيرة والمجهدة من الممكن أن يجد الفنان نفسه فاقد الأمل والحماس… ولأني دائمًا كنت أتوقع مجرى الأحداث فدائمًا ما كان فني مختلفًا وممزوجًا بمدارس فنية أتاحت لي أن أعبر عن نفسي بطرق فيها سخرية وتوعية اجتماعية وموضوعات مضحكة وأفكار تشكيلة وتجريدية أيضًا..

اسم حركي لفنان غرافيتي مصري

أكسم طلاع: الخيمة السوداء

أنا واحد من هؤلاء الذين يقولون بأن الجدران دفاتر العقلاء، ففي عام 1967م سكنتُ مع عائلتي اللاجئة من فلسطين المحتلة في مخيم، كانت الخيم متشابهة ومتلاصقة، وكان من الصعب التمييز بين خيمة وخيمة. وقتها كنتُ ذلك الطفل الذي لم يتعدَّ عمره سبع سنوات أرسم على جدار خيمتي بالسخام والشحار، حتى صارت خيمتنا سوداء، وكان على أمي أن تقوم بغسيل (شادر) الخيمة مرارًا بعد كل (معرض) أكتبه وأرسمه على جدار تلك الخيمة، حتى أن الأونروا خصصت لنا خيمة إضافية لأرسم عليها، وصار سكان المخيم يهتدون إلى عناوين أقربائهم ومن يقومون بزيارتهم بعد أو قبل «الخيمة السوداء» لقد صارت خيمتي نقطة إعلام، لم تكن الدفاتر تكفيني للكتابة والرسم. اليوم أتابع كتابتي على الجدران فالجدران تستحق الكتابة، نحن بالأصل قذرون من الداخل، ومن الجميل أن يكون للشارع الغرافيك الخاص به… كل أنواع الكتابة على جدران المراحيض وجدران المدارس ومقاعد الحافلات العامة فيها جرأة وشجاعة. إنه أدب الشتيمة، فكل إنسان له (غرافيكه) الخاص به، وهو غرافيك لا يحتاج إلى توضيح.

كانت شهوة الرسم والكتابة على الجدران والأرضيات بمثابة إعلان عن جيل أو مرحلة، فمثلًا كتبت وخططت ورسمت شعارات الفصائل الفلسطينية على جدران مخيم اليرموك، فالجدران صوتها عالٍ وهي منبر لا يرد، وأهم من إعلان التلفزيون، إن الإعلان على حائط يجعلك تشعر بالحميمية وبالقرب منه، على عكس ما يحدث اليوم على جدران الفيس بوك، حيث تشعر أن من يكتب عليها هي أشباح… هكذا وكغرافيتي أصيل وشعبي أنظر من كوة الحمّام إلى جدران الفيس بوك الغشاش.

فنان وناقد فلسطيني

بديع جحجاح: جدارية مجردة

الكتابة والرسم على الجدران فن جميل ومهم، ومساحة حرية لشباب اليوم، وهي كتابات ورسوم لا تخلو من نزعة الكاريكاتير والسخرية، أعتقد أنها منصة وعي نشأت مع فنون الجاز والروك والراب، فالموسيقا نمّت هذه الاتجاهات ومهدت لها لإنتاج الحركة والشعور بالفردية والانتصار على ضخامة المدينة وصرامة القانون. في دمشق وفي سوريا عمومًا لم تشهد نمو هذا الفن، وما نفذه الفنان موفق مخول كان عبارة عن جدارية مجردة مبتعدًا من نصوص وحروفيات ورسومات لها تأثير مباشر في حياة المجتمع، لكون الغرافيتي في الأصل فنًّا متصلًا بالشارع والناس. صحيح أن قيمته الجمالية لحظية وهي عابرة بسبب تأثير عوامل الطبيعة، لكن فن الفوتوغراف استطاع توثيق أعمال الغرافيتي والكتابة على الجدران في كل من بيروت ومصر وأوربا وأميركا، وذلك عبر لوحة متحولة وقابلة للتطوير والبناء على تقنياتها الأكثر انفلاتًا وتحررًا من اللوحة التقليدية ذات الحامل.

فنان سوري

شريف عبدالمجيد: الغرافيتي منبوذ من قاعات العرض الفخمة

دفعني شغفي لتوثيق فن الغرافيتي، الفن الذى كنت أقرأ عنه في الخارج وأتابع أعمال بانكسي، أشهر فنان غرافيتي في العالم، ولم أتصور أن أرى رسومات تشبه أعماله عن الحرية والإنسانية والعدالة في شوارع القاهرة، بل إن بعض الفنانين المصريين كانوا متأثرين برسوماته. كان ذلك هو دافعي الشخصي ولم يخطر في بالي أن يصدر ذلك في كتب بعد ذلك. (أصدر شريف ثلاثة ألبومات للغرافيتي: «أرض أرض.. حكاية ثورة الغرافيتي»، و«غرافيتي الألتراس»، و«مكملين»، وكتب سيناريو فلم وثائقي بعنوان: «حيطان» أنتجه التلفزيون المصري) الغرافيتي فن متمرد يصنعه شباب منبوذ من قاعات العرض الفخمة في الزمالك ووسط البلد، وهو شباب يريد أن يصل للشارع بينما القاعات تريد منه على الأكثر فنًّا يقلد اللوحات الزيتية لفان غوخ ورينوار ومحمود سعيد.

من هنا كان ميلاد صورة الغرافيتي متلازمًا مع الثورة على الواقع الضيق الثابت قصير النظر. لكن معظم فناني الغرافيتي لم يحصلوا على الشهرة التي يستحقونها؛ إما لأنهم ضد فكرة الشهرة نفسها، وضد تسليع الفن ودخوله في عالم المزادات والتجارة، وإما لأن الفعل الثوري جعل الأهمية ليست لأهم لوحات الغرافيتي الفنية، بل لأهمية الموضوعات التي تطرحها ولو على حساب الجودة الفنية نفسها… وبالتأكيد حدثت تحولات في مفهوم معظم فناني الغرافيتي المصري بعد أن هدأت الأحداث، فهناك من اتجه لعمله الأكاديمي مرة أخرى، وهناك من وظف الغرافيتي في مشروعات ثقافية وفنية مثل مشروع البُرُلُّس الذي تبناه فنانون تشكيليون. ولا يزال الغرافيتي قادرًا على التشكل والتلون وتقديم المزيد في الحياة الثقافية المصرية، وربما كانت كتبي عن الغرافيتي وسيلة مهمة لدراسة الطبيعة الفنية والثقافية التي صاحبت الثورة المصرية بكل مراحلها، ولدراسات أيضًا عن دور هذا الفن في السنوات الماضية.

فوتوغرافي

كريم سعدون: نشاط تخريبي

الغرافيتي من حيث النشأة، هو احتجاج شخصيّ حادّ وغاضب، وتعدُّه من المؤسّسات الرسميّة نشاطًا تخريبيًّا يستهدف الأماكن العامّة كما يعمل على تشويه البيئة ويستخدم نوعًا فنيًّا معينًا وبأدوات خاصّة تتيح لمنتجها سرعة في الإنجاز، تجده في أماكن يصعب الوصول إليها من الجسور أو الأماكن الطبيعية أو على منشآت مهجورة أو ممتلكات عامّة، وفي الغالب كان من ينتجها مجهولًا وتوقيعه عبارة عن حروف وأرقام لا تشي بهويّة منتجها للابتعاد من ملاحقة الشرطة، لكن في الألفية الثالثة جرى الاعتراف برسّامي الغرافيتي واعتبار نتاجاتهم قابلة للعرض في الصالات المتخصّصة. وأعتقد أنّ السلطات استطاعت امتصاص الاحتجاج الشخصي الذي كان يدفع صاحبه لتشويه المعالم العامّة، التي تكلّف المجتمع خسائر وجهودًا كبيرة لإزالتها، وأصبح منتجه يطلب الرخصة مقدمًا للرسم على الجدران، واختلفت وظيفة الرسم أيضًا وتطوّرت ونزل الرسام المعني إلى استخدام خامات صالحة للعرض، وأصبح اسمه ذائعًا. ويلفت سعدون إلى أن الغرافيتي أعيد استخدامه «كوسيلة لتجميل المباني المهجورة وإدخالها في بنية التصميم المديني، ولكن حين وصل هذا النوع من الرسم إلى منطقتنا في ظل الأحداث التي عصفت بها، أصبح وسيلة احتجاج مثيرة، وصار منتجها رسام شوارع ينتج رأيًا لحثّ الناس وتثويرهم، كما أصبح مطارَدًا من السلطات، وتعرّض بعضهم للاعتقال كما في مصر. إنّ بدايات ذلك في العراق كانت بعد عام 2003م، ولكنها على ما تابعته منها فقد كانت تقليدًا بسيطًا للنتاج الأول للغرافيتي العالمي، وبعدها شهد تحولًا وأصبح أكثر نضجًا في تحويل الشعارات والرسوم إلى وسائل احتجاج شعبيّة، كما حصل في حرف مسار بعض شعارات الحملات الانتخابية إلى كوميديا لاذعة».

فنان عراقي مقيم في السويد

تحسين الزيدي: عدم الثقة في القانون

الغرافيتي يحمل رسالة معيّنة، وغالبًا ما تكون احتجاجيّة لظاهرة ما أو لحدث سياسي أو اجتماعي.. في العراق خاصّة هناك سببان لانحسار هذا النوع من الفنون:

أولهما- لا توجد ثقة عند فنّان الغرافيتي في نظام وقانون يحميه عند التعبير عن رأيه في عمل ما يمسّ جهة معينة سياسيّة أو اجتماعية، أو حتّى في نقد ظاهرة سائدة؛ لأنّ الغرافيتي يكون مرئيًّا لأكثر عدد من الناس بمختلف انتماءاتهم، ليس كالعمل التشكيلي المحصور بلوحة كانفاس وبكاليري مغلق.. لذا ظلّ هذا الفنّ محدودًا جدًّا ولم يتوسّع إلا في حالات قليلة. السبب الثاني، هو أنّ الجدار يحتاج إلى رصيف لاشتغاله ومساحة كافية لرؤيته من مسافة تعطيه حقّه، وهذا صعب لكثرة العشوائيات والتجاوزات والبناء غير المدروس الذي أثر سلبًا في ذائقة الفنّان خصوصًا والإنسان العادي بشكل عام.

فنان عراقي يقيم في بيروت

علي محمود خضير: شوط آخر ينتظر الغرافيتي

«أعتقد أنّ شوطًا آخر ينتظر الغرافيتي ليُصبح وسيلة احتجاج وتعبير؛ ذلك لأنّ وسائل الفنّ الحديث بشكل عام تحتاج إلى قاعدة معرفيّة تنهض عليها، وهذه القاعدة الآن مهشّمة. تعرّض الوعي الثقافيّ لشريحة الشباب العراقيّ لتهديم مريع سببته الحروب والعنف الاجتماعي (لفظًا وفعلًا)، وإذا كانت الفنون والمعارف يتراجع موقعها في البلدان الغربية، فإنّ الوضع في الدول العربيّة يكاد يحوّل الفن والثقافة إلى التقاعد والمتاحف». ويقول: إن المحاولات التي يقوم بها فنّان الغرافيتي العراقيّ «مهمة شجاعة ونبيلة يمكن لها عبر الدأب والمثابرة أن تحدث خرقًا في الخراب، جهودهم تشبه دق عزف قيثارة في سهلٍ شاسع تلعب فيه الريح. لكنّ العزف سيُسمع والرسالة –وإن تأخرت- ستصل!

فنان عراقي

الأساطير المؤسسة لـ«الإسلام السياسي».. عبادة الماضي وتكفير المجتمع والبحث عن الإمبراطورية المفقودة

الأساطير المؤسسة لـ«الإسلام السياسي».. عبادة الماضي وتكفير المجتمع والبحث عن الإمبراطورية المفقودة

تتقدم جماعات الإسلام السياسي الأحزاب والتنظيمات السياسية، في استدراج جموع غفيرة من الناس واستقطابهم، ولم يعد تجاهل تأثيرها البالغ في الأوساط السياسية العربية والإسلامية خافيًا على أحد. هذا الأمر يدفع إلى تفكيك خطاب هذه الجماعات وطرح عدد من الأسئلة الشائكة حول مقولات هذا الخطاب ومداميكه الأساسية. وبحسب بعض الباحثين فإن جماعات الإسلام السياسي تنطلق في عملها من مجموعة مقولات، لا يمكن تحققها في الواقع، ويصفها بعضهم بالأساطير، بداية في الحث على قتال المخالفين تحت عناوين «الفريضة الغائبة – والميتة الجاهلية» وصولا إلى أن المجتمع كافر وفي حالة جاهلية كما كان المجتمع المكي في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنه لا بد من هجرته كما هاجر الرسول من مكة، إلى حين إعداد العدة والعودة لفتحه كما فتحه الرسول صلى الله عليه وسلم قديمًا.

هذه المقولات والتمثلات التاريخية، في رأي مهتمين بفكر هذه الجماعات، جعلت فكرهم أشبه بالأفكار الرومانسية الساذجة، وطبعت كل أفعالهم بنوع من السطحية سواء في قراءة النصوص أو تأويلها، ومن ثم الاستنتاجات المترتبة على ذلك، وهكذا في نهاية المطاف يقف الدارس أمام خطابات زائفة ومعادية للواقع وداعية في جملتها للانتحار الإنساني، إلا أنها من ناحية أخرى، جعلت من اختراق المجتمع والتلاعب بعواطفه ووجدانه هدفًا سهلًا لهذه الجماعات. يرى الراحل الدكتور محمد حافظ دياب في كتابه «سيد قطب.. الخطاب والأيديولوجيا» أن الخطاب لدى الجماعات الإسلامية يمارس قطيعته في صوغ أفكار ومفاهيم وفرضيات لا تقبل الجدال، فرضيات يكرسها ابتعاده كخطاب عن المنظومات المعرفية كافة، ورفضه الاعتراف بحجية أو شرعية مبادئها. ومن اللافت بقاء المعنى في فضائه الرمزي غير قابل للتجزئة أو الاقتحام أو التعيين (المنهج هو الإسلام، الأمة دار تحكمها العقيدة، الحاكمية لله، المجتمعات المعاصرة كلها جاهلية، البعث لن يتم إلا عن طريق عصبة مؤمنة).

تطرح «الفيصل» أسئلة حول هذه الأساطير أو المقولات التي يتأسس عليها ما يسمى جماعات الإسلام السياسي، وإلى أي حد هذه المقولات بعيدة من الواقع؟ وكيف يتم التسليم بها من شرائح واسعة في المجتمع؟ وإلامَ تسعى هذه الجماعات من خلالها؟ في محاولة لفهم هذه القضية، بوصفها شاغلًا رئيسًا لعدد من البلدان العربية.

عبدالمنعم الأعسم: الفشل والاستحالة

عبدالمنعم الأعسم

تنطلق جماعات الإسلام السياسي من اختزال التاريخ إلى مقولات انتقائية عن «التفويض» بحيث تعطي لنفسها الحق المطلق في تقرير مصاير الإسلام والمسلمين، كما تحتكر الفتوى فيما يتعلق بهوية الدولة التي تتطلع إلى إقامتها على أساس ديني، وتنأى عن كل مجادلة مع غيرها من التيارات المجتمعية. علينا دائمًا الأخذ في الاعتبار الفشل الذي واجهه قادة الحركة الإسلامية الباكستانية بعد الاستقلال عن الهند وإصرارهم على إقامة نظام ديني، وقد اعتقلت السلطاتُ أربعةً من كبار أولئك القادة، وفي المحكمة وجَّه قاضي المحكمة لهم سؤالًا عن شكل النظام الديني الذي يعتقدون أنه ملائم لباكستان، فكانوا مختلفين فيما بينهم في الإجابات اختلافًا هائلًا.

وإذ تجد جماعات الإسلام السياسي نفسها في استحالة إخضاع الواقع إلى الوصفة التي يسعون إلى فرضها على دولهم؛ فإنهم يلجؤون إلى اللاعقل في حساب تناسب التصورات مع احتياجات التنمية، ووضع الثروات قيد خطط واقعية، إنهم يجهلون دور القوى الذاتية في التنمية، وكيفية التعامل مع تلك القوى بما يجعلها ضامنة للمواكبة، وبناء اقتصاديات التنافس، ومواجهة شروط سباق السوق المحموم نحو الربح. بل إنهم يؤمنون بمعادلات غامضة ومضطربة لعملية تحقيق الأرباح وفق منظر الإسلام المسيّس. فمن جهة يناهضون منطق الربح كآلية اقتصادية رأسمالية، ومن جهة ثانية يضعون كل ثقلهم في عمليات تؤدي إلى الربح لكن عبر سلسلة من الإجراءات الشكلية التي تعطيها طابعًا دينيًّا تقليديًّا.

أما في السياسة فقد ارتكبت جماعات الإسلام السياسي شنائع في التنظير والممارسة والتطبيق لإنتاج قواعد للتطرف، عبر القفز فوق الحقائق الجديدة للعصر، وأهمها بطلان الحاجة إلى استخدام القوة والعنف في مواجهة المشكلات بين الدول، وأحلت مفهومًا غريبًا لـ«الجهاد» لا يعترف بحدود وسيادات الدول، ولا بحق الشعوب في اختيار الحكم الذي يناسبها، وبلغ الأمر بها أنْ كفّرت أُممًا وشعوبًا وحكومات، وفرضت عليها توصيفات من خارج قواعد المعاهدات والمواثيق الدولية.

كاتب وباحث عراقي

عمار علي حسن: رومانسية الرؤية والخيال

هناك العديد من الأفكار الفاسدة التي قامت عليها الجماعات الإسلامية، وذلك نظرًا لقراءتهم للتاريخ والأحداث بشكل خاطئ، فضلًا عن معاكستهم لمنطق الحياة، فبدلًا من السير إلى الأمام، يسيرون إلى الخلف، ومنطلقاتهم أسطورية بالفعل؛ إذ إنها تتمتع بمنطق رومانسي في الرؤية والخيال، فضلًا عن استحالة استحضار الماضي، فما بالنا بأن هذا الماضي لم يكن موجودًا، بل إنه لا يزيد على كونه نوعًا من الخيال في التدوين التاريخي، وذلك لأنه يخالف الطبيعة البشرية، أو يفوق قدرتها على الاحتمال، ولا ينطبق عليه مبدأ ابن خلدون في نقد التدوين التاريخي، هذا المبدأ القائل بقياس الشاهد على الغائب، أي أننا نقيس الأمور على قدر وطاقة الإنسان الحالي، فإن كان يحتمله فما قيل في الماضي محتمل، وإن كان بمقدور الإنسان أن يفعله، فبمقدور أهل الماضي أن يفعلوه، أما إن استحال ذلك فهو ضرب من الخيال، ومن ثم فالعديد من أفكار ومنطلقات الجماعات الإسلامية هي من قبيل الأساطير والأوهام.

عمار علي حسن

الأفكار والمنطلقات الفاسدة لدى الجماعات الإسلامية؛ أولها الشكل الإمبراطوري لتاريخ المسلمين، والتعامل مع الخلافة بوصفها فريضة غائبة ويجب إعادتها، وثاني هذه الأفكار هو تقسيم العالم إلى دار الإسلام ودار الحرب، أما المقولة الثالثة فهي اعتقاد كل جماعة منهم أنها تشكل صحيح الإسلام، ورابع أفكارهم الفاسدة هو الإسلام المخترع، أو ما يعرف بتاريخ المجتمعات الإسلامية، والاعتقاد بأن هذا التاريخ هو صحيح الدين، وخامسها هو الاعتقاد بأن المسلمين أفضل من غيرهم، وهو أسطورة يشترك فيها أصحاب الديانات الثلاث. فاليهود يقولون: إنهم شعب الله المختار، والمسيحيون يقولون: إنهم ملح الأرض ونور العالم، والمسلمون يقولون: إنهم خير أمة أُخرجت للناس، وهذا الاشتراك يدلنا على مدى أسطورية ورومانسية الفكرة، فكل أصحاب أي دين يسعون لتفضيل أنفسهم على الآخرين، جاعلين منهجهم هو الأصوب والأهم والأفضل، وما انسحب على فكرة اعتقاد كل جماعة داخلية أنها الوحيدة التي على صحيح الدين، ومثلما كفر كل أصحاب دين غيرهم، فقد كفرت كل فرقة غيرها، انطلاقًا من أن كل الفرق في النار وأن ثمة فرقةً واحدة هي الناجية.

الإيمان بالحتمية التاريخية إحدى الأفكار الأسطورية الفاسدة التي اخترعها الإسلام السياسي، وهم لا يختلفون فيها عن الشيوعيين الذين قالوا بحتمية ثورة البروليتاريا وقيام الدولة الشيوعية العظمى، وكذلك قال الليبراليون بنهاية التاريخ، وأن ما وصلت إليه الحضارة الغربية الآن هو نهاية التطور البشري، وكذلك قالت الجماعات الإسلامية بأن النصر حليفهم في النهاية، وأنهم سيعيدون إقامة المجتمع الإسلامي من جديد، فهو كفرَ وضلَّ وأَصبح بحاجة إلى إعادة فتحٍ مثلما فتح الرسول صلى الله عليه وسلم مكة. ومن ثم فقد عاشوا في الماضي، وتصوروا أن خطى التاريخ تسير نحو الانتصار الحتمي للخلف وليس للأمام، حيث يمكن استعادة التاريخ القديم، ومن ثم استعادة العالم الإسلامي، انطلاقًا من أن الحضارة العربية لم تقم إلا لأن السلف كانوا متمسكين بدينهم، وإذا تمسكنا بالدين وتمثلنا بمقولاتهم فإننا سوف ننهض ونقيم أمجاد الأمة وحضارتها من جديد.

باحث في شؤون الإسلام السياسي

قاسم الخطيب: مصطلح مسيء للإسلام

قاسم الخطيب

مصطلح «الإسلام السياسي» في حد ذاته كلمة مسيئة للإسلام، وقد خرجت في سوريا المظاهرات الشعبية العارمة من المساجد والجوامع والجامعات هاتفة بشعار «الحرية والمواطنة والمدنية ودولة القانون»، هؤلاء هم الثوار الباحثون عن التغيير السلمي والوصول إلى دولة عصرية جديدة لا مكان فيها للطائفيين والحاقدين والعنصريين. من أوجد داعش السنية هو نفسه من أوجد داعش الشيعية. وفي المحصلة اعتُقل طلاب الحرية وأُودعوا سجون الظلم والظلامية. ونحن دومًا نعوّل على توجهات أهل الثورة المدنيين الديمقراطيين التعدديين وهم الأغلبية بالمناسبة. ونتحدث بلسان حالهم، بل نمثلهم إذا تطلب الأمر؛ لأننا طلاب سلامٍ واستقرار وخلاص، ولسنا دعاة جهادٍ، وحق الدفاع عن النفس مشروع، وأقرَّته المواثيق الدولية، ناهيك عن الديانات السماوية كلها.

عضو الأمانة العامة لتيار الغد السوري

محمود إسماعيل: الحاكمية ورومانسية إحياء الماضي

أصحاب اليوتوبيات ينطلقون دائمًا من الواقع إلى رحاب اليوتوبيا، وهكذا فعلت جماعات الإسلام السياسي ومفكروها وتابعوها، ومن ثم فهم يعيشون في عالم غير الذي نعيش فيه، فهم ماضويون سلفيون، يريدون إحياء الماضي لإلباسه ثياب المستقبل، والأمر الأكثر شناعة هو أن الماضي الذي ينطلقون إليه ليعيشوا فيه لا يعرفونه، ولا يعرفون صحيح الدعوة من الأساس. الحاكمية مبدأ أكثر رومانسية من كل المبادئ، ففيه يذهبون إلى أنه لا حكم إلا لله، وعلينا أن نسأل أنفسنا عن النصوص الواضحة التي وردت فيها أحكام الله، وماذا عمّا لم يرد فيه نص واضح وصحيح؛ هل تتوقف الحياة أم نجتهد؟ وحين نجتهد فنحن نعمل بحاكمية الله أم أننا خرجنا عليها؟ وإذا كنا نعمل بها، فلِمَ نعطِّلها في أمور ونسيِّرها في أخرى؟ وكان الأشاعرة هم الذين ينطلقون من هذا المبدأ، ومن ثم كان ابن رشد يسميهم السفسطائيون.

محمود إسماعيل

توجد ضرورة لتجديد الفكر الديني وليس الخطاب الديني فقط؛ لأنه لا قيمة لخطاب لا تنطبق لغته على مضمونه ومغزاه. وإذا ما جرى تجديد الفكر يتجدد الخطاب تلقائيًّا، ثمة التباس في مفهوم مصطلحي «التجديد» و«الإصلاح»، فالتجديد لا يمس ثوابت العقيدة، بقدر ما يعني تجديد الشريعة، وذلك عبر تجديد علم أصول الفقه. لقد أسهم علماء أصول الفقه القدامى بجهد كبير في وضع أصول هذا العلم وقواعده، تلك القواعد هي التي يلتزم بها المشرِّع في استنباط الأحكام، ومن ثم فمن الضرورة تجديد تلك القواعد من خلال معطيات الواقع المتغير دومًا، وذلك عن طريق المراجعة والحذف والإضافة؛ كي يتسق مع الواقع الذي يتعامل معه. وهو ما جعل التجديد ضرورة عملية نصّ عليها الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة مَن يجدِّد لها دينها».
أما «الإصلاح» فيعني أن أمرًا ما قد اعوجّ، ومن ثم تدعو الحاجة إلى تقويمه بإعادته إلى سابق وجوده. هذا من حيث اللغة، أما من حيث المعنى «التاريخي» فالأمر أكبر من تقويم المعوجّ؛ ذلك أن حركة الإصلاح الديني في أوربا استهدفت إلغاء الأفكار والمفاسد التى عجت بها تفاسير اللاهوتيين برمتها لأمور العقيدة والشريعة في آنٍ. فالحركة البروتستانتية لم تكن مجرد إصلاح بقدر ما كانت ثورة على اللاهوت برمّته، وذلك بالعودة مباشرة إلى الكتاب المقدس، وهدم الفكر الكنسي برمته.

باحث مصري

سعادة أبو عراق: مصر أصل الشجرة

سعادة أبو عراق

أولًا- بعد أن أرسى رفاعة الطهطاوي أفكارًا حديثة في معنى الدولة والمجتمع، وراحت مصر تتجه نحو الدولة الحديثة في التصنيع والتقدم، وأصبحت جاذبة لكل المتنورين من العرب والمسلمين مثل: جورجي زيدان، والأفغاني، والكواكبي، ومحمد رشيد رضا وغيرهم، قبيل استعمارها عام 1882م، لم يكن الأزهريون قد تنبهوا إلى هذا التقدم في المجتمع، في المجالات السياسية والاقتصادية والعلمية والدينية، هنا شعر الأزهريون أن البساط قد سحب من تحت أرجلهم.

ثانيًا- لم يستطع الأزهريون أن يتفهموا المرحلة، فبدلًا من أن يسيروا معها ويطوروا مناهجهم الفكرية، راحوا يقاومون هذه التغريب الفكري، لا من خلال فكر مضاد، بل رفض مطلق لما جاء به الغرب، على أنه تشبه بالكفار.

ثالثًا- أنشئت جماعة الإخوان المسلمين التي كان دورها هو مقاومة التحديث، من خلال شتم وتسخيف كل من أسهم في تحديث مصر من أدباء وعلماء وسياسيين وفنانين وغيرهم، انظر كتاب الدكتور محمد محمد حسين «الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر». ولكنه لم يذكر عملًا جديرًا قام به الإسلاميون.

رابعًا- حينما اجتذب حسن البنا أعدادًا كبيرة من الإخوان، أصبح لهم قوة يجب استعمالها فاغتالوا النقراشي، وهنا تحولت الجماعة إلى حزب سياسي.

خامسًا- لكنهم كانوا يفتقدون إلى شخصية كاريزمية سياسية تجمع الناس وتقيم دولة، وهذا أبقاهم خارج الفعل السياسي؛ لذلك راحوا ينادون بدولة إسلامية يقيمونها بأنفسهم.

سادسًا- يعتقدون أن دولة الخلافة الإسلامية بنيت على الإسلام، لذلك يجب إعادة التاريخ وبناء دولة على الإسلام، ولم يعلموا أن الدول مرتبطة بالزمان والمكان وليس بالتاريخ.

سابعًا- لم يقنعنا سيد قطب بضرورة بناء دولة إسلامية، فهل الإسلام مزيف في مصر؟ لذلك راح يقول بجاهلية القرن العشرين، وهو كلام من السهل تفنيده.

ثامنًا- يتمسكون بارتباط الدين بالسياسة طمعًا في أن يكون الحاكم من الإسلاميين، فإن اعتقدوا بفصل الدين عن الدولة فمعنى ذلك أن يزاحمهم على السلطة آخرون، ومن هنا كانت معاداتهم للعلمانية.

تاسعًا- أساليب تفكيرهم القديمة تعتمد على النقل، لذلك لم يكن خطابهم يرتقي للطبقة المتعلمة الواعية؛ لأنهم لا يملكون مفكرين، بل شيوخ جوامع يتوجهون إلى طبقة العامة.

عاشرًا: استثمروا حب الناس وتوقيرهم الموروث لرجال الدين، ليَحتَموا به من الانتقادات التي توجه إليهم على أنها انتقاد للدين ذاته.

حادي عشر: استثمروا كره الشعوب العربية للحكام الانقلابيين، ليطرحوا أنفسهم بديلًا لهؤلاء، ويقولوا: جربونا فقد جربتم كل الأطياف.

هذه الأفكار الساذجة غير المدروسة جعلت من السهل إنشاء حركات إسلامية ممولة من الخارج؛ لتدمير الدول العربية مثل سوريا والعراق واليمن وليبيا باسم الإسلام.

باحث عراقي في شؤون جماعات الإسلام السياسي

شريف يونس: الإمبراطورية المفقودة

شريف يونس

كل مقولات وأفكار الإسلام السياسي تنطلق من أسطورة واحدة، وهي فكرة الإمبراطورية الموعودة من قبل الله لهم، والأمر يتوقف لديهم على السعي لإقامة هذه الإمبراطورية من خلال تنفيذ الأجندة نفسها التي قام بها السلف الصالح، فتحققت لديهم إمبراطوريتهم القديمة التي تمثلت في الخلافات سواء الرشيدة أو الأموية أو العباسية أو حتى العثمانية، فإذا التزموا بهذه الأجندة فسوف تستعاد تلك الإمبراطورية المفقودة منذ زمن العباسيين.

الرومانسية التي يتمتع بها الإسلاميون تهيئ لهم الأمر على أن العرب هم العالم، في حين أن تعداد المنطقة العربية كلها يُراوِح ما بين 300 مليون إلى 350 مليونًا، بينما تعداد الصين وحدها 1.4 مليار نسمة، والهند 1.1 مليار نسمة، وأميركا 350 مليونًا، ودخل المنطقة العربية كلها بما فيها من بترول وثروات أخرى لا يزيد على دخل بلد كفرنسا. الموضوع بالفعل رومانسي كثيرًا، ولا ينظر بواقعية إلى موازين القوى التي بيننا وبين المراكز الأخرى من العالم. مشكلة الإسلاميين أنهم اعتبروا الدين هو واعد بالإمبراطورية، ومن ثم فتدينهم وخطابهم وكل ما لديهم من أساطير ومنطلقات إنما جاءت لخدمة هذا الغرض.

باحث مصري في علم الاجتماع السياسي

رفعت السعيد: أساطير البنا

رفعت السعيد

المشكلة الحقيقية هي أن جماعات التأسلم السياسي تحاول أن تعطي أفعالها وآراءها نوعًا من الأسطورية التي تجعل التابعين لها مؤمنين بها ومصدقين بكل ما يقوله رؤساؤها، فحسن البنا مؤسس الإخوان المسلمين أحاط نفسه من اليوم الأول بهالة لا تصلح إلا للأنبياء، فقد ذكر أن والده قال له: (فلينجينك الله يا ولدي، إذ تركتك أمك وعادت لتجد أفعى كبيرة تنام على صدرك لتحميك، وعندما سقطتَ من الدور الثالث سقطتَ في بركة من الطمي اللين كي ينجيك الله). هكذا أحاط البنا نفسه بهالة وقداسة ونوعٍ من النذر الإلهي على نحو ما يحدث في الأساطير الإغريقية، وذلك ليقنع أتباعه أنه مشمول بالرضا الإلهي والإيمان الرباني، ومن ثم فقد قارنوا الأفغاني بالبنا قائلين: إن الأفغاني كان مؤذنًا، في حين أن البنا كان منبهًا عن حقيقة الإسلام. وظلوا يؤكدون على أن البنا شيء كبير حباه الله ما لم يعطه الآخرين. البنا حينما كان يريد أن يخدع المحيطين به فإنه كان يخدعهم بأكاذيب ترتدي ثيابًا دينية، فهو عمل لحساب هتلر وتلقى دعمًا منه ثلاث مرات، وكان في كل مرة يتقاضى خمسمئة جنيه، وهذا مثبت في وثائق وزارة الخارجية البريطانية الموضوعة في المتحف البريطاني، وحين سأله أتباعه عن ذلك قال لهم: لقد علمت أن ألمانيا وإيطاليا واليابان قررت أن تتجه إلى الإسلام، وأصبحت تدرس اللغة العربية كلغة رسمية، ومن ثم كتب إلى رؤساء هذه البلدان لتفهمهم طبيعة الإسلام. ومن أجل هذا سرت شائعة بأن هتلر أَسلمَ وأصبح اسمه محمد هتلر، وحين نجا من محاولة اغتيال قيل: إن الله قد نجاه لأنه آمن به وبكتبه.

والذي يؤكد هذه المقولة هو أن الله ناصر عباده، ومن ثم فإن الله سينصرهم قطعًا، ولك أن تتخيل أن صالح سرية في السبعينيات شكَّل تنظيمًا من 16 طالبًا (تخيل 16 طالبًا) وقرر أن يقوم بانقلاب أو ثورة على نظام السادات، وذلك انطلاقًا من أنه كم من فئة قليلة هزمت فئة كثيرة بإذن الله، وبالتالي جلس فكتب البيان الذي سيذيعه بعد أن يستولي على السلطة. وشكري مصطفى مؤسس التكفير والهجرة وقف أمام القاضي قائلًا: إنه سيقتله برصاصة في عينه اليسرى؛ لأن العين اليمنى مسلمة ولا يجوز إهانتها، وكان يرى أن المطبعة كفر؛ لأنها من عمل الكفار، ومن ثم كان يصرّ على كتابة كتبه ومقالاته بخط اليد، ويجعل الآيات بالزعفران والحبر الأحمر، بينما كلامه هو بالحبر الأسود، ولكن حين قرر اغتيال الشيخ الذهبي قتله بمسدس من صنع الكفرة وأدوات الكفرة، انطلاقًا من «وأعدُّوا لهم ما استطعتم». وحين قُبض عليه ودخل غرفة الإعدام جاءه شيخ ليُلقِّنه الشهادة حسب ما هو معتاد ومعمول به، فقال له الشيخ: اطلب من الله المغفرة، فرد عليه: اطلب منه أنت أيها الشيخ الكافر، أما أنا فعاصفة ربي ستأتي لتنجيني.

صالح سرية وشكري مصطفى هما الامتداد الحقيقي لسيد قطب، وحين تقرأ التحقيقات في اغتيال السادات تجد نفسك أمام أناس تتعامل بسذاجة نادرة، فحين قرر خالد الإسلامبولي قتل السادات أرسل طالبًا الإذن من عبود الزمر، فرفض الأخير قائلًا: إنهم لو قُبض عليهم سوف يجرون الجميع إلى الهاوية، لكن محمد عبدالسلام فرج قال له: إن الأمن سواء نجح الأمر أو فشل سوف يقتلونهم، ومن ثم سوف تختفي كل الخيوط المؤدية إلينا معهم، فوافقه الزمر، لكن رغم نجاح العملية ومقتل السادات لم يقتلهم الأمن، وقُبض عليهم، واعترفوا بكل شيء.

الرئيس السابق لحزب التجمع المصري

(أدلى بهذا الحديث لـ«الفيصل» قبيل رحيله)

أحمد زايد: الأساطير الخمس

أحمد زايد

الإسلام السياسي في شكل عام لديه خمس أساطير أساسية، أولها: تقديس الماضي، فمن المعروف أن التاريخ هو الخلفية التي يتربع عليها الحاضر الذي نعيش فيه، وينبني عليها المستقبل، ومن المعروف أيضًا أن أهم خصائص الحداثة هي الانعكاسية أو نقد المجتمع من أجل التوجه نحو المستقبل، لكن الإسلاميين قاموا بتقديم انعكاسية ماضوية، فأداروا ظهورهم للمستقبل وتوجهوا للسلف، وقد قمت بتحليل لمجموعة من الخطب فوجدت أن 85% منها يتحدث عن الآخرة، و15% عن الحياة الدنيا: 10% منها لا تتناول الدنيا بشكل مباشر، بل على النقيض أحيانًا يكون ساخرًا.

الأسطورة الثانية: الانتقائية التاريخية؛ إذ إنهم يصورون التاريخ على أنه مجموعة من الأبطال والانتصارات، أي أنه لا يوجد به هزائم ولا انكسارات، ويصورون مجتمع المدينة على أنه حالة من الوئام والمحبة والمثالية الزائدة والدائمة، وهذا منافٍ للطبيعة البشرية القائمة على الصراع، ورغم أن القرآن تمتع بالشفافية؛ إذ جاءت فيه إشارات إلى العديد من المواقف والصراعات، فإنهم لا يرون ذلك ويعتّمون عليه.

أما الأسطورة الثالثة: فهي استدعاء الكاريزما الفردية، مثل: عمر بن الخطاب، وعمر بن عبدالعزيز وغيرهما، وهذا الأمر على هذا النحو منافٍ لطبيعة الكاريزما في العصر الحديث حيث التجاور والتعدد والبطولة الجماعية، إلا أنهم لا يعترفون بذلك.

أما الأسطورة الرابعة: فإنهم يتجاوزون الوطن ومفهوم الدولة الوطنية إلى ما فوق الدولة الوطنية، حيث الدولة الإسلامية أو الخلافة أو غير ذلك، رغم أنه من المعروف أن المجتمعات المعاصرة تقوم على مفهوم الدولة الوطنية، وأن مفهوم الإمبراطوريات ذهب بغير رجعة، وأن النظام القائم هو الاتحادات المكونة من مجموعة دول وطنية تجمعها مصالح معينة. وقد دعا أبو الأعلى المودودي إلى فكرة الجامعة الإسلامية، تلك التي تسربت إلى كتابات سيد قطب وتلامذته أو تابعيه في صورة مفاهيم مشابهة.

أما الأسطورة الخامسة: فهي الآخر، هذا الذي ازداد وتعدد وتوسع مفهومه، لينتقل من الآخر البعيد مكانيًّا وزمانيًّا، إلى الآخر القريب المختلف فكريًّا أو أيديولوجيا، هكذا وجدنا الآخرين صاروا كُثرًا، وصارت نظرية المؤامرة هي العامل الحاسم، وبالتالي سيادة التقسيم والتمييز بين معسكر الإسلام ومعسكر الكفر الذي يشمل كل من ليس معهم.

باحث مصري وأستاذ في علم الاجتماع

ليست منظمة دينية ولا سياسية ولهذا خسرت في الحقلين

سليمان الضحيان – كاتب سعودي

سليمان الضحيان

أوضح الكاتب السعودي الدكتور سليمان الضحيان أنه لا يمكن فهم «جماعة الإخوان المسلمين»: «من دون إعادة قراءة تاريخ نشأتها، ففي بداية القرن العشرين كانت السلطة العثمانية تطرح نفسها خلافة إسلامية جامعة، وحامية للدين ومُـحكِّمة له، لكنها ما لبثت أن سقطت في نهاية الربع الأول من القرن العشرين ثم ألغيت الخلافة العثمانية، وقامت على أنقاضها دول قطرية تحت مظلة الاستعمار الغربي مع استبعاد الدين في تنظيم الدولة، وهنا شعرت النخب المتدينة بفراغ هائل، فلأول مرة في التاريخ الإسلامي يخلو الفضاء الإسلامي من أمرين؛ الأمر الأول: وجود سلطة سياسية جامعة ينضوي تحتها المسلمون، والأمر الثاني: غياب المشروعية الدينية للحكومات الناشئة، ومحصل هذين الأمرين غيابُ «الخلافة الجامعة»، و«غيابُ حاكمية الدين»، ومن هنا برزت محاولات إعادة هذين الأمرين، ومن تلك المحاولات قيام حسن البنا بتأسيس «جماعة الإخوان المسلمين»؛ وملخص مشروع جماعة الإخوان هدفه إعادة ذَيْنِكَ الأمرين: «الخلافة الإسلامية» و«حاكمية الدين»، ولا يمكن فهم حركة الإخوان والحركات الإسلامية التي خرجت من عباءتها بمعزل عن هذين الهدفين».

ويقول الضحيان: «ولأنها نشأت في بدايات صعود التنظيمات اليسارية فقد تأثرت بها في شكلها التنظيمي الهرمي المكون من خلايا حزبية متسلسلة، والالتزام الحزبي الصارم، والطاعة العمياء الشبيهة بالانضباط العسكري، والرؤية الأُممية لمشروعها الذي يجب أن يشمل العالم كله، والرؤية الشمولية في مشروعها الفكري والسياسي؛ إذ طرحت نفسها حركة شمولية تسعى لإصلاح (الدين وفهمه، والتربية والتعليم، والسياسة، والاقتصاد، والاجتماع)، ومحصل ذلك كله أن «جماعة الإخوان» محكومة بتلك الرؤية والأهداف منذ نشأتها إلى اليوم؛ هدف إعادة الخلافة، وهدف إعادة حاكمية الدين، والرؤية الشمولية في رؤيتها للإصلاح، ولقد ساهم هدفها إلى إعادة الخلافة الإسلامية في تكوين نظرتها ونظرة منتسبيها إلى السلطات والنخب السياسية المخالفة لها في كل العالم الإسلامي على أنها سلطات ونخب طارئة، وغريبة على الأمة، وغير معبرة عن إرادتها، وأن الواقع السياسي برمته من صنع الجاهلية، ولا إصلاح إلا بالبديل الجذري لكل الواقع السياسي». ويشير إلى أنها لهذا السبب «فهي تطرح نفسها على أنها بديل حضاري جذري يسعى لكنس الواقع السياسي بكل ما فيه من حكومات، وتيارات، ورموز، ومؤسسات لا تتفق معها، وهذا ما يفسر اتساع الجبهة المناوئة لجماعة الإخوان؛ إذ لا يعقل أن يقف خصومها في المجال السياسي موقف المتفرج، وهم يرونها تسعى لإلغائهم الجذري من الواقع السياسي».

ويرى الضحيان أن هذه الجماعة «تنتهج البراغماتية السياسية بكل ما فيها من انتهازية وتخلٍّ عن المبادئ الدينية ما دامت في صالح الجماعة»، في سبيل تحقيق مشروعها السياسي «إقامة الحاكمية»: «ولهذا فهي في سبيل مصلحتها السياسية تغض الطرف عن علاقات حلفائها مثل قطر وتركيا مع إسرائيل، ووجود قاعدة أميركية في قطر فيها 11 ألف أميركي ما بين عسكري وموظف مدني، ومنها انطلقت الطائرات الأميركية لقصف الجيش العراقي في بدء احتلال أميركا للعراق، وقصف حركة طالبان في أفغانستان، ومنها تنطلق الطائرات بدون طيار التي تلاحق أعضاء القاعدة في أفغانستان واليمن، وقد قتلت أكثر من 9 آلاف مدني مسلم، منهم الأطفال والنساء في أفغانستان واليمن في إصابات خاطئة أثارت ردود فعل كبيرة في الداخل الأميركي».

ويقول: «في مشروعها الديني «إعادة حاكمية الدين» طرحت نفسها على أنها ممثلة للدين، وكل خصومة معها هي خصومة للدين، وفرض عليها ذلك التعامل بالأدوات الدينية في الحقل السياسي، واستعارة قاموس «التضليل»، و«التكفير» للفرقاء السياسيين، ورفعت شعاراتها ورموزها السياسيين إلى مستوى التزكية الدينية، وجعلتهم فوق مستوى النقد، وفسرت إخفاقاتها السياسية بتفسيرات دينية كالابتلاء الرباني، والتمحيص الإلهي للصفوف، وهذا ما حصَّن زعماءها من أي مساءلة من المنتسبين للحركة نفسها في حالة الإخفاق. وهكذا فالجماعة في سبيل تحقيق هدفها بإقامة الخلافة وإعادة حاكمية الدين خلطت بين العمل الديني والعمل السياسي، فهي تتحصن بالدين من أي نقد يوجه إليها في ممارساتها السياسية؛ إذ تفسره ماكينتها الإعلامية على أنه هجوم على الدين ومعاداة للدعوة الإسلامية كما حدث في قضية عزل الرئيس المصري مرسي المنتمي إليها، إذ صَوَّرتْ ماكينتها الإعلامية أحداث عزله على أنها معركة بين الحق الباطل. وفي الوقت نفسه تتحصن بالرؤية السياسية، وأن المصلحة السياسية تملي عليها اتخاذ بعض المواقف حين يوجه إليها نقد ديني من خصومها السلفيين بسبب بعض مواقفها الدينية.
ومحصل هذا كله أنها ليست منظمة دينية خالصة تتعامل بأدوات الحقل الديني، وتلتزم بأدبيات الدين في مواقفها ورؤاها، وليست بمنظمة سياسية خالصة تتعامل بأدوات الحقل السياسي التي تفرضها البراغماتية السياسية في تكوين علاقاتها بالأوساط المحلية والإقليمية العالمية، وبهذا خسرت دينيًّا لدى جمهرة عريضة من المتدينين، وخسرت سياسيًّا لدى العاملين في الحقل السياسي من أحزاب ومنظمات المجتمع المدني في مصر وكثير من البلدان العربية.

الغرافيتي العربي! الجدران العربية تحتج

الغرافيتي العربي! الجدران العربية تحتج

أعلن الإنسان وجوده منذ اللحظة الأولى. كان الجدار أولًا، ثم كان الإنسان. جدار الكهف، حائط المعبد، ثم جدران العالم، تحولت دفاتر، وشاشات، وقماشة، يكتب عليها الإنسان الأطوار التي عاشها، ويرسم مواقفه من الأحداث المفصلية فيها. وكلما تطور الإنسان تطورت معه أساليب الكتابة والرسم على الجدار، وكلما أخذ وعيه في التعقيد تبعًا لتعقيد نظام الحياة نفسها، تعقدت معه وسائل التعبير ومضت شوطًا بعيدًا في التماهي مع راهنها.

تمددت أسماء الكتابة على الجدران إلى أن أصبحت تعرف باسم «الغرافيتي»، الذي  بدوره يعبر عن نفسه في أشكال متنوعة، ويجد في الفضاء العام بغيته، سواء تمثل في أمكنة مجهولة بعيدة من عيون مؤسسات العقاب، أو داخل محطات المترو وجدران المدن الكبيرة. في اللحظة العربية الراهنة، اللحظة التي تمتد منذ أعوام قليلة إلى الآن، قدم الغرافيتي بُعدًا آخر، ليس جديدًا لكن أكثر جذرية عندما يتحول من وسيلة لقول الوجود في لحظة بدائية أو طريقة لجعل المكان جميلًا عبر تزيينه في لحظة متقدمة نوعًا ما، أو للبوح والمشاكسة الساخرة في لحظة أخرى، إلى عنصر، وليس وسيلة فقط، في مواجهة البطش والظلم، في مقاومة الاحتلال والطائفية ورفض التهميش ومحو الوجود، في الموقف من تسليع الحياة وتهميش الإنسان.

تحدثت الجدران العربية خلال ما سمي بـ«الربيع العربي»، أكثر مما تحدث الإنسان العربي، وقالت هواجس الفرد، وأفشت مخاوف المجتمع ورعبه، وقادتهم إلى الطريق، بمعنى آخر. أصبحت هذه الكتابة أحد وجوه هذه الثورات، فواجهت الرشاش والبندقية حتى المدفع. تحولت الجدران في المدن العربية إلى ملاذات للتعبير عن أكثر القضايا حساسية. في الظلام ينطلق فنانون مجهولون، يخفون أسماءهم وهوياتهم خلف أقنعة مستعارة، ويقولون كتابةً ورسمًا على جدار، ما لا يمكن أن يقال علنًا، وهو ما يجعل الأنظمة تخشى على هيبتها وسلطتها فتسارع إلى محو الكتابة والرسم، لكن الكتابة نفسها تكون قد طارت وعرف بها الجميع. تكلمتْ كثيرًا الجدران العربية وهتفت بشعارات تندد بالسلطة الغاشمة مرةً، وتطالب بالحرية والعدالة والعيش الكريم مراتٍ.

اكتسب هذا الفن أهمية بالغة في العالم كله، وأصبح منطوق شرائح واسعة من البشر، من هنا جاء اختيار «الفيصل» له ليكون موضوع الملف في هذا العدد، الذي تحدث فيه نقاد وفنانون وباحثون عن أدوار الغرافيتي وتأثيره في المجتمع وفي الفن نفسه، منذ أن كان حفرًا ونقشًا حتى الرش بالبخاخ والرسم بالريشة والكتابة بكل ما له لون.

مقالات الملف

نصير شمة: طرائق الأداء تمكننا  أن نستشف أسلوبية  كل مُلحن أو عازف

نصير شمة: طرائق الأداء تمكننا أن نستشف أسلوبية كل مُلحن أو عازف

نال الموسيقي العراقي نصير شمة مؤخرًا درجة الماجستير عن دراسة بعنوان: «الأسلوبية موسيقيًّا»، وما دفعه إلى هذه الدراسة عدم وجود أسلوبية في الموسيقا كما هي في الأدب. ويقول شمة في حوار مع «الفيصل»: إن هناك أدوات وطرائق أداء يمكننا من خلالها أن نستشف أسلوبية كل ملحن أو عازف. وأوضح أنه خلال البحث والدراسة استطاع الوصول إلى عالم جديد، يمكنه من تفسير كثير من الأمور في عالم الموسيقا. ويعد نصير شمة العود الآلة الأولى والأهم في تاريخ حضارتي العراق ووادي النيل، من هنا كان لا بد أن يقيم من أجله كيانًا يهتمّ به وبعازفيه، مشيرًا إلى أنه في زمن هارون الرشيد كان المعهد به 40 طالبًا، «فهل من المعقول بعد ألف سنة لا نستطيع أن نصنع شيئًا يوازي هذه التجربة؟»، إلى نص الحوار:

لكل فنان أو كاتب أسلوبه، لكننا في الكتابة يمكننا أن نرصد من طرائق تركيب المفردات والجمل أسلوب كل كاتب أو شاعر، فكيف يجري ذلك في عالم الموسيقا؟

■ يحدث ذلك لكل ملحن أو عازف أو مؤلف موسيقي، وقد شرحت الأمر بتفصيل واضح داخل البحث، فهناك أدوات وطرائق أداء يمكننا من خلالها أن نستشف أسلوبية كل ملحن أو عازف، ففي الشعر لدى كل شاعر معجمه الشعري، وهناك شاعر معرفته موسوعية أكثر من آخر، وفي الأسلوبية الأدبية نقيس مفردات الكاتب وموسوعيته واستخداماته لحروف وكلمات أكثر من غيرها، ومدى استخدامه للمواربة والتصريح والتخييل، في الموسيقا أيضًا نقيس اختلاف الهارموني وشدته ومدى التلوين بالأداء في نبرات الأصوات لدى العازف، أو ضربات أنامله للبيانو، أو طريقة استخدامه للأيدي في التآلفات الجديدة.

لدينا في الموسيقا مجموعة من السلالم الموسيقية، كل سلم يجري التعامل معه بطريقة مختلفة، ومن ثم فإننا نتأمل كيف تعامل معه ملحن كبير مثل: رياض السنباطي أو محمد عبدالوهاب أو ناظم الغزالي، وندرس كيف تعامل كل منهم مع نفس المقام، ونستشف أسلوبيته من خلال تلك الفروقات البسيطة بين كل ملحن وآخر، يمكننا أيضًا أن نتعرف من خلال اللحن وطريقة أدائه على ثقافة وقدرة الملحن أو العازف من خلال توافق الأصوات، حيث إنه يسبغ على لحنه دون أن يدري ثقافته وألوانه الجديدة، في البحث وضعنا مجموعة من المقاييس، من خلالها يتضح لنا قدرة كل مؤلف على التمايز عن غيره، في مقدمة هذه المجموعة الثقافة التي ستنعكس على العمل الموسيقي، فمثلما تسُر الموسيقا كل سامع لها، فإنها تعكس مدى سعة اطلاع مؤلفها، هذا الذي يمكنه أن يأتي من شيء صغير بعمل كبير وفريد، كضربات القدر لبيتهوفن، تلك التي استوحاها من مجيء الشحاذين ليقرعوا باب بيته، فاختار إيقاعيتها من طريقة طرقهم الأبواب، هذه السيمفونية التي تعددت الروايات فيمن استوحى بيتهوفن موسيقاها منه، قال البعض: من شعوره بتزايد ضعف سمعه يومًا عن الآخر، وقال البعض الآخر: من حلم راوده، لكنني أميل إلى رواية الطرق على الأبواب.

ما الذي ألهمك فكرة تقديم دراسة أسلوبية في الموسيقا؟

■ من سنوات بعيدة أهداني الناقد الدكتور صلاح فضل كتابه عن الأسلوبية، وما إن شرعت في قراءته حتى شعرت أن الأسلوبية في الأدب عمل محكم وواضح، وتساءلت لماذا لا يجري ذلك لدينا في الموسيقا، فنحن نتحدث عن ملحن أو مؤلف ما بأنه شاطر أو ناجح من دون أن نعرف لماذا، حين بدأت في تأمل الأمر تأكد لي أنه لا بد من دراسة الأسلوبية موسيقيًّا، فبدأت أستنبط لماذا السنباطي عظيم في هذا وهذا، ولماذا عبدالوهاب كبير وعبقري في هذا، وبدأت أطوّر الأمر لمعرفة كيف أتى عبدالوهاب بهذه الجملة، ولماذا فعل السنباطي هذا ولم يفعل هذا، هكذا بدأ البحث.

هل الدرجة العلمية التي حصلت عليها نهاية المطاف أم إنه بداية طريق أكاديمي جديد؟

■ من خلال البحث والدراسة استطعت الوصول إلى عالم جديد، يمكنني أن أفسر من خلاله كثيرًا من الأمور في عالم الموسيقا، قبل منحي الدرجة الأكاديمية كنت أتحدث في أمور نظرية، وبعد أن أقر الرسالة أساتذة كبار مشهود لهم بالعلم والأستاذية في مجالات الفن والأدب والأسلوبية وتاريخ الموسيقا، صار الأمر الآن يستهويني لأن أكمل، وأن أبحر في مزيد من أعماقه، فالرسالة ستطبع في كتاب بالمجلس الأعلى للثقافة في مصر، وكنت حريصًا على أن تكون بلا زيادات، فحذفت منها أكثر من أربعين صفحة قبل المناقشة، فما لا يعود منها بالإضافة إلى النظرية الأسلوبية فلا أهمية لوجوده بها، وقد قال عنها الدكتور صلاح فضل: «أنا وزملائي نعمل في الأسلوبية منذ أربعين عامًا ولم نضف جديدًا، ولكن أنت بضربة ريشة أضفت الجديد والكثير». بالتأكيد سأكمل دراساتي في هذا الموضوع، علمًا بأن الشهادة لم تكن هدفًا لي، ولن أقدمها إلى أي مكان، ولن أحتاجها في شيء، لكنها كانت الفكرة.

في المناقشة اختلفت معك الدكتورة إيناس عبدالدايم حول مصطلح موسيقا الميكروباص الذي استخدمته للتدليل على أسلوبية الموسيقا الشعبية الراهنة، فكيف ترى واقع الموسيقا الآن في العالم العربي؟

نصير شمه يشهد حفل أوركسترا بيت العود العربي

جوابي للدكتورة إيناس كان أن علماء الاجتماع يدرسون هذه الظواهر، ولماذا وصلت إلى هذا المنحدر، ففي السبعينيات حين ظهر مطربون شعبيون حدثت ضجة عظيمة، لكننا الآن صرنا نرى ما قدمه هؤلاء المطربون في السبعينيات أعمالًا فنية مهمة إلى جانب ما يحدث الآن، ومصطلح الميكروباص لست صاحبه، لكن هكذا يستخدمه الناس.

ما رأيك في أغاني المهرجانات وما وصلت إليه؟

هناك مهرجانات قدمت فنًّا حقيقيًّا، هذه المهرجانات أحدثت حالة من التوازن، فعلى الأقل أصحاب الذوق الموسيقي يجدون من خلالها مساحة يستمتعون فيها بالموسيقا الراقية، وأعتقد أن مهرجان الموسيقا العربية الذي كانت تشرف عليه الدكتورة رتيبة الحفني قدم كثيرًا من التقاليد المهمة لتلك المهرجانات، ومن الصعب تغيير هذه التقاليد.

اختلفت مع الدكتور صلاح فضل رئيس لجنة المناقشة حول مصطلح التناص، فهل كنت مدفوعًا بتجريم أي محاولة لتضمين جمل موسيقية بطرائق غير مشروعه؟

■ هناك قانون لحقوق الملكية الفكرية لا يسمح باقتباس أكثر من أربعة موازير، أكثر من ذلك يصبح سرقة، ومن ثم أردت أن أفرق بين التناص والاقتباس وبين السرقات الفنية.

كنت أول من أقام بيتًا لآلة موسيقية وهي العود، فلماذا العود تحديدًا؟ ولِمَ سعيت إلى نقله إلى عدد من الأقطار العربية؟

لأنه الآلة الأولى والأهم في تاريخ حضارتي العراق ووادي النيل، وكان لا بد أن يقام من أجله كيان يهتم به وبعازفيه، ففي زمن هارون الرشيد كان المعهد به 40 طالبًا، فهل من المعقول بعد ألف سنة لا نستطيع أن نصنع شيئًا يوازي هذه التجربة.

قدمت في العود إضافة مهمة عبر تطويره بوصفه آلة موسيقية، فما القدرات الصوتية التي أتاحها ذلك التطوير للعود؟

■ التطوير جعل للعود صوتًا موازيًا للآلات العالمية المعروفة، حيث إن صناعة هذه الأدوات عالميًّا يجري على أسس علمية ومعروفة، وأخشابها تختار بطريقة علمية، وتعالج بطريقة علمية، وكان لا بد أن يجري هذا الأمر مع العود، بما يجعله آلة نابضة وحية وذات صوت لا يقل في جودته عن الأصوات العالمية الأخرى.

هناك تطوير على مستوى الأوتار؟

■ نعم العود المثمن، وقد كانت فكرته ورسمه في إحدى مخطوطات الفارابي، لكن الفارابيين يقفون ضد أي شيء يخص الفارابي، وكان من الممكن أن أنسبه لنفسي، وقد قدمته لأكثر من دولة في العالم، ولاقى نجاحًا رائعًا، ويأتينا طلاب من مختلف البلدان لدراسته والعزف عليه.

كيف تنظر الآن لما يجري في العراق؟

■ العراق الآن ملعب كبير لدول وأجهزة كثيرة نتيجة الغباء الأميركي في سياسته مع العراق، فقد ترك العراق لقمة سائغة لدول الجوار، هذا أحدث ذعرًا في مفاصل الدولة العراقية وكيانها، وجعلهم يعاملون العراق كمطبخ خلفي لمشكلاتهم، تعرف أن «داعش» ما جاءت من فراغ، وكل دولة لها داعش خاص بها، لكن الآن استطاع العراق أن يقضي عليها، إلا أن العراق الآن مليء بالقتلى والجرحى والثكلى واليتامى، ولا بد من البحث عن السلام، وإرساء مبدأ نبذ العنف.