الإصدارات – مارس إبريل ٢٠١٨م

الإصدارات – مارس إبريل ٢٠١٨م

الكتاب: مواجهات السلطة
المؤلف: سعد البازعي
الناشر: المركز الثقافي العربي

يقترح هذا الكتاب رؤية ومقاربة للعلاقة بين السلطة والثقافة من خلال أمثلة مستمدة من تاريخ الفكر والإبداع في عدد من اللغات أو السياقات الثقافية. الرؤية التي تشكل جزءًا من أطروحة البحث. هي أن التأثير المشار إليه يستثير ردود أفعال تتضمن مواقف وإجراءات تتيح لصاحب النصّ مجابهة القوة الماثلة أو المتخيلة التي يتوقع أن يستفزها ما يحمله النص من دلالات أو إيحاءات. تلك المواقف والإجراءات هي، بتعبير آخر، إستراتيجيات وأساليب تكتيكية تعبّر عن موقف مُنشئ النص أو توضح طريقته في تفادي آثار السلطة أو نتائج مجابهته لها، أو تبرز أسلوبه في الرد عليها بمراوغتها والتحايل على هيمنتها لقول ما يريد قوله.

الكتاب: التصوف في سياق النهضة
المؤلف: محمد حلمي عبدالوهاب
الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية

يبحث هذا الكتاب في الـمنحى الصوفي في فكر روَّاد النَّهضة العربية الإسلامية (من محمَّد عبده إلى سعيد النُّورسي). ويتضمن الكتاب فصولًا خمسة يُركِّز الفصل الأول على دراسة الـمنحى الصوفي في فكر الإمام محمَّد عبده؛ نظرًا لما له من رمزية وحضور طاغٍ على ممثلي الاتجاهات الفكرية في عصره، ويتناول الفصل الثاني طبيعة محمَّد رشيد رضا ومواقفه من التصوف من خلال مقالاته بمجلة الـمنار. أمَّا محمَّد مصطفى حلمي، فقد أَوْلَى التصوف عنايةً فائقة في بحوثِه واهتماماته؛ على نحو ما يوضِّح الفصل الثالث. لكن على النقيض من ذلك تمامًا كان موقف زكي نجيب محمود الذي حاكَمَ التجربة الصُّوفية وفق أُسس عقلية، وحكم على التصوف كليَّة باللامعقولية!…؛ على نحو ما يبيِّن الفصل الرَّابع. ويبحث الفصل الـخامس في «مركزية التَّربية الرُّوحية وفاعليتها في فكر بديع الزَّمان سعيد النُّورسي»، بوصفه من أواخر الـمصلحين الـمجدِّدين الذين أسهموا في تكوين وعي جديد لأجيال النُّور ممن تربوا على رسائله رُوحيًّا.

الكتاب: قضايا المادية التاريخية
المؤلف: أنطونيو غرامشي
ترجمة: فواز طرابلسي
الناشر: منشورات المتوسط

اختار المترجم مقالة للمفكر ريجيس دوبريه عنوانها «تصميم لدراسة عن غرامشي»، لتكون مدخلًا للكتاب، ومنها نقرأ: «يشرع غرامشي في تعيين طبيعة الماركسية بتمييزها عن النزعة المادّيّة الميكانيكية التي كانت سائدة في القرن الثامن عشر؛ أي أنه يخوض معركة. ولذا؛ فقد اتسم نشاطه النظري بالسمة السجالية، بالدرجة الأولى؛ كما أن نشاطه العلمي – بوصفه مناضلًا [شيوعيًّا] – كان يرتكز على هذا النشاط النظري. ويخطئ كل مَن يحاول «تبرئة» بعض صيغ غرامشي النظرية – مهما تكن هذه الصيغ مثيرة للدهشة والاستغراب – بالقول: إنها ناجمة عن دوره كمناضل عملي (…)».

الكتاب: جدة.. مساء الثلاثاء: «مجتمع في صالون»
المؤلف: حمود أبو طالب
الناشر: الدار العربية للعلوم ونادي جازان الأدبي

في هذا الكتاب يُدوِّن المؤلف أحداث صالون أدبي عريق يمتد عمره أربعين عامًا، له حضوره في المشهد الثقافي السعودي، ويشكل علامة فارقة في تاريخ مدينة جدة خاصة، وفي التاريخ الاجتماعي الوطني، وذلك لتنوع موضوعات «الثلوثية» وانفتاحها على كل الأطياف الفكرية واستقطابها لاهتمام المتابعين لحراكها من كل مناطق الوطن وخارجه. ومن ثم فالصالون يعكس حيوية المجتمع وتنوع قضاياه، من خلال الموضوعات التي يثابر على طرحها للنقاش. كما يكتب المؤلف بأسلوب سلس وشائق عن علاقاته ببعض المثقفين والأدباء والإعلاميين.

الكتاب: اللعبة المتاحة
المؤلف: محمد العريان
الناشر: كتب خان

يحلل المؤلف الأزمات التي تحيط بالاقتصاد العالمي وكيف يؤثر ذلك في اقتصاديات مختلف الدول من جوانب عدة، مثل تباطؤ النمو، وارتفاع معدلات عدم المساواة. تقول آن ماري رئيس ومديرة مؤسسة أميركا الجديدة : ربما يكون «اللعبة المتاحة» هو الكتاب الوحيد الذي تحتاج أن تقرأه للاطلاع على كيفيّة عمل النظام الماليّ العالميّ، والمشكلات الحقيقيّة التي نواجهها، وما الذي يجب فعله لتجنبها. إن موهبة العريان في التوضيح واستخدام أمثلة جليّة تجعل القضايا الاقتصاديّة المهمة سهلة الفهم والوصول إليها. أما كينيث روجوف أستاذ علوم الاقتصاد والسياسة العامة بجامعة هارفارد وكبير خبراء الاقتصاد السابق لدى صندوق النقد الدوليّ، فيذكر أن «اللعبة المتاحة» لا غنى عنه لكل من يهتم بما سيؤول إليه الاقتصاد العالميّ في خمس السنوات المقبلة.

الكتاب: ابنة البابا
المؤلف: داريو فو
المترجم: معاوية عبدالمجيد
الناشر: دار التنوير

في هذه الرواية يكشف داريو فو، بحسب الصحف الإيطالية، عن إنسانية لوكريسيا ويحررها بالتالي من التعامل النمطي معها كامرأة غير سوية، ويستبدل بذلك محتوى تاريخيًّا أصيلًا يدخلنا إلى عالم حياتها اليومية. كما تقدم الرواية، وفقًا لصحيفة واشنطن بوست، ردَّ اعتبارٍ لشخصية لوكريسيا وحياتها؛ إذ تعيد كتابة قصتها بشكل درامي، وتسقط الاعتبارات القديمة التي تنظر إليها كوحش وشخصية سامة… ويعيد فو، لوكريسيا بورجيا المشهورةَ إلى الحياة، كما جاء في «عالم الأدب» عبر خياله الواسع عبر استحضار سلوكياتها وتعاملاتها المضحكة والفضائحية.. فهو يلغي اختصارها إلى مجرد ضحية أو مغوية شريرة ويعيد سرد حكايتها بطريقة مقنعة وكوميدية يعلق فيها بأسلوبه الساخر على سلوكيات وأفعال عائلة بورجيا.

هل من أفق للحل في أطول صراع يشهده التاريخ الحديث؟

هل من أفق للحل في أطول صراع يشهده التاريخ الحديث؟

وقفت‭ ‬العام‭ ‬الماضي‭ ‬رئيسة‭ ‬الوزراء‭ ‬البريطانية‭ ‬تيريزا‭ ‬ماي‭ ‬في‭ ‬قصر‭ ‬لانكسترهاوس‭ ‬بلندن‭ ‬قائلة‭: ‬‮«‬هناك‭ ‬مناشدات‭ ‬بضرورة‭ ‬اعتذارنا‭ ‬عن‭ ‬وعد‭ ‬بلفور،‭ ‬لكن‭ ‬بكل‭ ‬تأكيد‭ ‬أقول‭: ‬لا،‭ ‬فنحن‭ ‬فخورون‭ ‬بدورنا‭ ‬الذي‭ ‬لعبناه‭ ‬لتأسيس‭ ‬دولة‭ ‬إسرائيل،‭ ‬فرسالة‭ ‬بلفور‭ ‬كان‭ ‬لها‭ ‬الفضل‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬دولة‭ ‬غير‭ ‬عادية،‭ ‬رسالة‭ ‬فتحت‭ ‬بابًا‭ ‬ساعد‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬وطن‭ ‬يهودي‮»‬،‭ ‬هكذا‭ ‬احتفلت‭ ‬تيريزا‭ ‬ماي‭ ‬بمرور‭ ‬مئة‭ ‬عام‭ ‬على‭ ‬وعد‭ ‬بلفور،‭ ‬غير‭ ‬مصغية‭ ‬لأصداء‭ ‬أصوات‭ ‬الضحايا‭ ‬والمشردين‭ ‬من‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬بلدان‭ ‬العالم‭ ‬وهم‭ ‬يطالبونها‭ ‬بالاعتذار‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬الوعد‭ ‬وما‭ ‬نتج‭ ‬منه‭ ‬من‭ ‬حروب‭ ‬ومذابح‭ ‬وتهجير‭ ‬وإبادة‭.‬

كان‭ ‬وعد‭ ‬بلفور‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬رسالة‭ ‬مكونة‭ ‬من‭ ‬67‭ ‬كلمة‭ ‬أرسلها‭ ‬في‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬نوفمبر‭ ‬عام‭ ‬1917م‭ ‬وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬البريطاني‭ ‬آرثر‭ ‬جيمس‭ ‬بلفور‭ ‬إلى‭ ‬اللورد‭ ‬اليهودي‭ ‬ليونيل‭ ‬وولتر‭ ‬دي‭ ‬روتشيلد‭ ‬معلنًا‭ ‬فيها‭ ‬تأييد‭ ‬الحكومة‭ ‬البريطانية‭ ‬إنشاء‭ ‬وطن‭ ‬قومي‭ ‬لليهود‭ ‬في‭ ‬فلسطين‭… ‬لتبدأ‭ ‬الترتيبات،‭ ‬ليس‭ ‬لميلاد‭ ‬دولة‭ ‬غير‭ ‬عادية‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬ولكن‭ ‬لواحد‭ ‬من‭ ‬أطول‭ ‬الصراعات‭ ‬التي‭ ‬عرفها‭ ‬التاريخ‭ ‬الحديث‭. ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬أكدت‭ ‬فيه‭ ‬تيريزا‭ ‬ماي‭ ‬فخرها‭ ‬بإنجازها‭ ‬وعد‭ ‬بلفور،‭ ‬فإن‭ ‬الرئيس‭ ‬الأميركي‭ ‬دونالد‭ ‬ترمب‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬أقل‭ ‬انحيازًا‭ ‬منها‭ ‬للجانب‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬وسعى‭ ‬لتحقيق‭ ‬ما‭ ‬يمكنه‭ ‬أن‭ ‬يفخر‭ ‬به‭ ‬أيضًا‭ ‬أمام‭ ‬اليهود؛‭ ‬إذ‭ ‬قرر‭ ‬نقل‭ ‬سفارة‭ ‬بلاده‭ ‬من‭ ‬تل‭ ‬أبيب‭ ‬إلى‭ ‬القدس،‭ ‬ليدفع‭ ‬بالصراع‭ ‬العربي‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬إلى‭ ‬تحول‭ ‬نوعي‭ ‬جديد‭ ‬أكثر‭ ‬إظلًاما‭ ‬وإضعافًا‭ ‬للجانب‭ ‬العربي‭. ‬يتجدد‭ ‬هذا‭ ‬للصراع‭ ‬باستمرار‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬خيبة‭ ‬يُمنَى‭ ‬بها‭ ‬العرب‭ ‬جراء‭ ‬تعلقهم‭ ‬بصناع‭ ‬القرار‭ ‬في‭ ‬الغرب‭. ‬اللافت‭ ‬أن‭ ‬إسرائيل‭ ‬ذاهبة‭ ‬في‭ ‬الإجرام‭ ‬والتوسع‭ ‬الاستيطاني،‭ ‬ولا‭ ‬تقدم‭ ‬أي‭ ‬تنازل‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬أي‭ ‬تسوية،‭ ‬وفي‭ ‬المقابل‭ ‬يمكن‭ ‬رؤية‭ ‬العرب‭ ‬وهم‭ ‬يتنازلون‭ ‬شيئًا‭ ‬فشيئًا‭ ‬حتى‭ ‬لم‭ ‬يبق‭ ‬هنالك‭ ‬شيء‭ ‬يمكن‭ ‬لهم‭ ‬أن‭ ‬يتنازلوا‭ ‬عنه‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إقناع‭ ‬إسرائيل‭ ‬بتسوية‭ ‬ما،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬باتت‭ ‬الدول‭ ‬العربية،‭ ‬من‭ ‬اليأس‭ ‬في‭ ‬الحلّ‭ ‬وتحت‭ ‬ضغط‭ ‬الواقعية‭ ‬السياسية،‭ ‬تتعامل‭ ‬كما‭ ‬يرى‭ ‬باحثون‭ ‬عرب،‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬الصراع‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬مصالحها‭.‬

‮«‬الفيصل‮»‬‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الملف،‭ ‬الذي‭ ‬يشارك‭ ‬فيه‭ ‬نخبة‭ ‬من‭ ‬الباحثين‭ ‬والكتاب‭ ‬العرب،‭ ‬تطرح‭ ‬الأسئلة‭ ‬الآتية‭: ‬كيف‭ ‬يرى‭ ‬المثقفون‭ ‬العرب‭ ‬والكتاب‭ ‬الفلسطينيون‭ ‬هذا‭ ‬الصراع؟‭ ‬هل‭ ‬يوجد‭ ‬إمكان‭ ‬لتسوية‭ ‬عادلة؟‭ ‬أيمكن‭ ‬الإذعان‭ ‬للواقعية‭ ‬السياسية‭ ‬ولموازين‭ ‬القوى‭ ‬أم‭ ‬الرفض‭ ‬والاستمرار‭ ‬في‭ ‬المقاومة؟‭ ‬وتحت‭ ‬الضغط‭ ‬الأميركي‭ ‬والدول‭ ‬الداعمة‭ ‬لإسرائيل‭ ‬هل‭ ‬لا‭ ‬مفر‭ ‬للدول‭ ‬العربية‭ ‬من‭ ‬التطبيع‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬علني‭ ‬وواضح‭ ‬أم‭ ‬مقنع؟

موضوعات الملف

موازين القوى هل تدحض سطوة التاريخ؟

موازين القوى هل تدحض سطوة التاريخ؟

أما زال حل الدولتين قائمًا، ولدى العرب أوراق ضغط يمكن أن تغير في موازين القوى،أم أن سياسة الأمر الواقع هي التي ستحدد المصير؟ هنا، باحثون وكتاب وشعراء يقاربون هذه التساؤلات من زوايا مختلفة.

خالد زيادة: نزاعات لا حل لها

بعد حرب حزيران ١٩٦٧م صدر قرار مجلس الأمن رقم ٢٤٢ الذي ينص على انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي العربية المحتلة التي احتلت في النزاع الأخير. والنص الإنجليزي للقرار يستخدم كلمة أراضي، وينص القرار أيضًا على إنهاء حالة الحرب. هذا القرار يتجاوز قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم ١٩٤ بتاريخ ١١/١٢/١٩٤٨م الذي ينص على حق اللاجئين في العودة إلى ديارهم. ويقول القرار في مادته الأولى: تعرب الجمعية العامة عن تقديرها للجهود الحميدة التي بذلها وسيط الأمم المتحدة في سبيل تعزيز تسوية سلمية مستقبلية في فلسطين، تلك التسوية التي ضحى من أجلها بحياته. ومن المعلوم أن العصابات الصهيونية بقيادة مناحيم بيغِن وإسحاق شامير هي التي اغتالته لأنها لم تقبل بشروط التسوية التي اقترحها. في تلك المدة بين ١٩٤٨ و١٩٦٧م كان الفلسطينيون والعرب عامة يتحدثون عن (الحق) العربي في فلسطين في حين تتحدث القرارات الأممية عن (التسوية)، إننا إزاء معضلة فكرية وقانونية ناجمة عن ثقافتين أو عقلانيتين، ثقافة تنطلق من مبدأ الحق الذي لا يموت بالتقادم، وفكرة تنطلق من الوقائع التجريبية. فالتسوية تنطلق من الأمر الواقع وتسعى إلى إيجاد تفاهمات وتنازلات من أجل الوصول إلى حل. كان العقل العربي يرفض مبدأ التسوية ويطالب بالحق في فلسطين عربية، وكانت السياسة الإسرائيلية تنكر الحق العربي وترفض التسويات التي تقترحها الجهة الدولية، في عام ٢٠٠٢م وفي القمة العربية المنعقدة في بيروت اقترح ولي عهد المملكة العربية السعودية (آنذاك) الأمير عبدالله (الملك لاحقًا) مبادرة تتضمن القبول بمبدأ التسوية، تقوم المبادرة على مبادلة الأرض بالسلام. ومنذ ذلك الوقت تثبت إسرائيل أنها لن تقبل بهذه المبادرة ولا سواها، الأمر يتعلق بموازين القوى، وطالما أن إسرائيل تحظى بدعم الولايات المتحدة الأميركية وخصوصًا الإدارة الراهنة، وإزاء الضعف والتشتت العربيين المتماديين، فإن شيئًا لن يجبر إسرائيل على قبول أي تسوية، حتى لو تُوُصِّل إلى تسوية تهدف إلى إقامة السلام، فإن العقل الإسرائيلي لن يقبل إلا بالهيمنة والسيطرة، ومن الجهة العربية فإن المتمسكين بالحق العربي في فلسطين، سيعتبرون أن أي تسوية هي شأن مؤقت. هناك نزاعات لا حل لها، وأولها على الإطلاق النزاع العربي الإسرائيلي.

كاتب لبناني.

فريدة النقاش: دولة واحدة.. مشروع للنضال

طبعًا الصورة القائمة الآن في الوطن العربي وكل البلدان العربية صورة لا تبشر بالخير، هناك ضعف شديد وخلل فادح في توازن القوى مع إسرائيل التي تعتمد اعتمادًا كليًّا على الولايات المتحدة الأميركية، وضعف الجانب العربي، وليس فقط الأسلحة والمال الأميركيين، هي البلد الوحيد في المنطقة الذي ليس به تهديدات مباشرة، باستثناء المقاومة الضعيفة من الفلسطينيين، وهي البلد الوحيد المحمي ضد أي انفجارات أو أعمال إرهابية، الإسلاميون يتوعدون إسرائيل دائمًا في خطاباتهم، لكنهم لا يفعلون شيئًا لها، وهي معتمدة على الحليف الأميركي والضعف العربي. أتصور أن هذا الصراع من الممكن أن يحل في المستقبل حين ينجح العرب في تعديل ميزان القوى، وحل الدولتين أصبح بعيدًا وغير ممكن، فالمستوطنات التهمت الأراضي في الجزء الذي يخص الفلسطينيين، 22% من الأرض الفلسطينية، ومن ثم فالمطروح الآن هو فكرة دولة ثنائية القومية يتعايش فيها المسلمون واليهود والمسيحيون على أساس المواطنة وليس الديانة، حتى هذا عمل نضالي أيضًا، بحيث أن تكافح من أجله بتعبئة أوسع رأي عام عالمي، على أن يحقق هذا هدف الدولة الواحدة التي تضم كل سكانها، وأن تحل قضايا اللاجئين وعودتهم إلى ديارهم. إسرائيل وضعت شروطًا متعسفة تمنع عودتهم، إذا حققنا تعديلًا في ميزان القوى تتعدل شروط المياه، فإسرائيل تنزح مياه الفلسطينيين لتنشئ حمامات سباحة، في حين يعاني الفلسطينيون العطش، لن تكون هناك مشكلات حدود، لأنها دولة موحدة. أما قضية القدس، فلا بد أن تتراجع أميركا عن القرار الأخير الذي اتخذه ترمب، وتصبح القدس عاصمة للدولة كلها، الفلسطينيين والإسرائيليين والمسيحيين، هذا تصور نضالي أي أنه تصور موضوع للصراع.

هناك خطوات لا بد أن تتخذها إسرائيل نفسها، أولًا لا بد أن نطرح هذا الحل وننشئ علاقات معها، وهذا جوهر الورقة العربية عام 2002م التي قالت بالانسحاب الكامل في مقابل التطبيع الكامل، لكن لا بد من شروط وعلى رأسها تفنيد القوانين الإسرائيلية التي تجعل الفلسطينيين حتى الذين من عرب 48 مواطنين من الدرجة الثانية، حتى يهود الفلاشا الإثيوبيين الذين أتت بهم خوفًا من التغير الديموغرافي لصالح الفلسطينيين، فهي تمارس ضدهم كل أشكال العنصرية وهم يشكون في يهوديتهم لأنهم سود.

كاتبة مصرية.

 

 

محمد بكري في مسرحية المتشائل (مسرح المدينة في بيروت)

منذر مصري: ضد التطبيع

أنا مع الوقوف ضد سياسة إسرائيل. أو قل ضد كل سياسات إسرائيل البارحة واليوم وغدًا. هذا ليس فقط واجبنا كعرب، وكإخوة للشعب الفلسطيني، بل أيضًا كبشر، كجنس بشري، كإنسانية. إسرائيل، وكأنه هناك داعٍ للتذكير، قامت على العسف والظلم وظلت عليه وزادت فيه. تتمسك بيهوديتها وتشترط على الآخرين الاعتراف بها كدولة دينية. بالنسبة لي لا مشكلة من التعامل مع الإسرائيليين حضاريًّا وثقافيًّا وإنسانيًّا ولكن بصيغة المواجهة لا الانصياع. لولا الوجود الإسرائيلي ولولا سياسات إسرائيل الاستعمارية بكل معنى الكلمة، وعملها الدائم على دفعنا نحن العرب للمزيد من التدهور والتفتت، لما وصلنا لحالتنا اليوم. عشرات الفرص التاريخية التي كانت إسرائيل تستطيع فيها أن تقبل بمعاهدة السلام مع الفلسطينيين، وإقامة حل شبه عادل، فهم لا يطلبون أكثر. وأن تقف مع تطلعات العرب لحياة أفضل ولمستقبل أفضل. وكانت هي الجدار الذي يمنع ذلك. فيصير السؤال: هل من الممكن بأية حال التصور، مجرد التصور، أن تغير إسرائيل سياساتها، وربما الأفضل أن أقول نواياها.. حيالنا نحن العرب؟ وقد أثبتت طوال هذه السنين أنها تعتبر سلامتها في تفتت العرب وتخلفهم وصراعهم مع بعضهم ومع جيرانهم، ودمارهم. لا.. أنا ضد التطبيع مع إسرائيل وضد الاستعانة بها لمواجهة إيران أو سواها. كما لا أرى أنه علينا الآن أن نختار. إما إسرائيل وإما إيران. ما أراه هو أن على الأنظمة العربية أن تعمل لصالح شعوبها كأولوية مطلقة، وأن تعمل بالأساليب الديمقراطية في الحكم. وتطور عمل مؤسسات الدولة، التشريعية والتنفيذية.. مع إعطاء حرية التعبير. كل ذلك تحت سقف القانون الذي هو فوق الجميع.

شاعر سوري.

شريف يونس: لا أنتظر تسوية

لا أنتظر تسوية حقيقية للصراع العربي الإسرائيلي في هذه الآونة، فلو وضعنا أنفسنا مكان إسرائيل، فعلينا أن نتساءل عما يمكن أن يقدمه الفلسطينيون من تنازل في هذه المرحلة، فالثابت تاريخيًّا أن الإسرائيليين كانوا يتنازلون منذ 48 وما قبلها، في حين كان الفلسطينيون هم الذين يرفضون، حتى تسوية كامب ديفيد، لكن الموقف تغير بعد خروج مصر من الصراع بشكله المباشر، وتوقيع اتفاقية كامب ديفيد، أصبح الفلسطينيون هم الذين يتنازلون، في حين الإسرائيليون يتشددون، ويتهربون من الوصول إلى تسوية حقيقية، وكان آخر تسوية معروفة هي أوسلو في سبتمبر 1993م، وبعدها لا شيء؛ لأن موازين القوى ليست في الصالح الفلسطيني، وليس هناك ما يجبر الإسرائيليين على الجلوس والتنازل أو الوصول إلى تسوية حقيقية.

ومن المستحيل أن يحدث ما تردد في بعض دوائر الإعلام حول توطين اللاجئين الفلسطينيين في سيناء؛ لأن مصر دولة ذات سيادة وحدود معترف بها، ولكي تصل إلى هذا الأمر فلا بد من الإنهاء على الجيش المصري، وهذا غير وارد، حتى إذا حدث فإن المطلوب الآن بعد الفوضى الخلاقة التي نشرها السيد أوباما أن تتم تهدئة المنطقة، ولو كان هناك رغبة حقيقية لتوطين الفسلطينيين كما يشاع فما الذي يمنع من توطينهم في الأردن، وهي ليست قوة عسكرية ضخمة، لكن الأردن مملكة معترف بحدودها ولا أحد يرغب الآن في تفجير الصراع أو إعطاء إسرائيل أكثر مما ينبغي، لكن ذلك أيضًا لا يعني أن أحدًا سيعطي العرب أو الفلطسينيين ما لم ينهضوا من أجله، فتسويات الصراعات تقوم على توازن القوى وليس المجاملة والاستجداء.

كاتب مصري.

جمال جلاصي: احتمالات عدة

الحكومات العربية عودتنا على الانقسام الثنائي بين ما يسمى بجبهة الممانعة وجبهة المهادنة، وأن هذا الانقسام هو دليل أساسي على غياب أيّ موقف مبدئي من هذا الصراع الحيوي في المنطقة، وعلى ارتباط هذه المواقف بالمصالح «الوطنية» الضيقة، بعيدًا من ارتباطها بمصلحة القضية الفلسطينية والفلسطينيين بالداخل والخارج، وهناك عدد من الاحتمالات المتوقعة في الصراع العربي الإسرئيلي وهي:

استمرار موازين القوى في المنطقة على حالها، واستمرار الصراع على حاله مع إدارته بأنماط مباشرة في ظل حال الخلل الهيكلي الراهن مع تحقيق الحد الأدنى من التفاهم عبر صيغ للمفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، أو نجاح دول المواجهة في الخروج من الأزمات الداخلية المتصاعدة، وبناء مرحلي وجزئي للمؤسسات واستقرار الأوضاع السياسية، وتحقيق الحد الأدنى من المتطلبات الاقتصادية بما ينجح معه مسار التحول وعودة التوافق العربي، على الأقل، على مستوى المواجهة مع إسرائيل، مع التنسيق في التعامل مع التهديدات الإقليمية الأخرى. وثالث الاحتمالات، هو أن التعامل مع إسرائيل ليس ضرورة إنما هو قضية مرحلية، ولا تأتي على الأولويات الراهنة، إذ لا تبرر المتطلبات الملحّة للتعامل مع الصراع في ظل حالة الخلل الإستراتيجي والأمني الراهنة، وأن إسرائيل لن تبادر بالمواجهة ولن تتبنى المواجهة على أساس أن أمن إسرائيل يتحقق من دون مواجهات. ومن الصعب القول بفكرة التقارب الثقافي مع إسرائيل ضدّ ذلك بشكل قطعي، فالتقارب بمعنى التبادل الثقافي والمشاركة في ملتقيات ومهرجانات هو تطبيع وإعطاء فرصة للقاتل أن يبرّر أفعاله، وأن يحرّض على مزيد من القتل. أمّا قراءة الأدب العبريّ ومشاهدة السينما العبرية فهذه مسألة أخرى مختلفة تمامًا وهو أمر ضروريّ وليس ممكنًا فقط.

شاعر ومترجم تونسي.

محمد فريد أبو سعدة: انتفاء حل الدولتين

أعتقد أن حل الدولتين سقط، فما قيمة دولة لا تستطيع التنفس، دولة تآكلت بالمستوطنات الإسرائيلية ولم يبق لها سوى 13% من أرض فلسطين التاريخية، دولة مشطورة بصحراء إسرائيلية، ولا تقاوم هذا الاعتداء إلا بمناشدات المنظمات الدولية، والضمير العالمي في عصر لم تعد فيه الأمم المتحدة سوى ديكور من بقايا الحرب العالمية الثانية ولم تفلح الجهود المتباعدة في إعادة هيكلتها بإدخال أعضاء جدد في مجلس الأمن ـ لعمل توازن معقول أمام الخمسة الكبار المنتصرين في الحرب الثانية – لهم أيضًا حق الفيتو، لم يعد أمام العرب سوى حل من اثنين؛ إما الحرب الشاملة لاستخلاص الحق الفلسطيني وهذا مستبعد لأسباب كثيرة ومعروفة بالقطع، وإما العودة إلى حل الدولة الواحدة، دولة ديمقراطية علمانية ذات قوميتين، المواطنون فيها متساوون في الحقوق والواجبات. وإعمالًا للولولة العربية – غير المجدية – ستروج بالطبع ورقة التطبيع الثقافي للحفاظ على القدس.

شاعر مصري.

من المسرح الفلسطيني «وتبدو رندة غزالة»

عدنان فرزات: نوعان من التطبيع

في العقد الأخير من الزمن، لم يعد مصطلح «الصراع» مرتبطًا بالصراع العربي الإسرائيلي، فمن المفارقات المؤسفة أن مصطلح الصراع أصبح يأخذ تفكيرنا إلى الصراع العربي الداخلي في بلد واحد، وإلى الصراع الطائفي والمذهبي. القصد من هذه المقدمة أن صراعاتنا أنستنا الصراع الأكبر والأهم، حتى إن المفهوم الجديد للصراع تكرس في وسائل الإعلام، وفي داخل فلسطين نفسها، يكاد مصطلح «الصراع الفلسطيني الإسرائيلي» يتلاشى ويحل مكانه مصطلح «الصراع الفلسطيني- الفلسطيني» بين المنظمات والفصائل الفلسطينية أنفسها.

ولو نظرت إلى المحيط الإقليمي لإسرائيل ستجد أنها جغرافية مشتعلة ومنشغلة بشؤونها الداخلية، سواء عبر حروب داخلية أو ملاحقة خلايا إرهابية تهدد الأمن والاستقرار، وهذا ناجم عن استثمار لئيم للربيع العربي من بعض المجتمع الدولي الذي أراد لهذه البلاد أن تدفع ثمن أحلامها. وبالتالي فمستقبل التسوية لصالح إسرائيل التي تنعم باستقرار أكبر من أي دولة محيطة بها، فعلى الرغم من حدوث أخطر قرار في تاريخ فلسطين والعرب من الولايات المتحدة الأميركية باعترافها بالقدس عاصمة لإسرائيل، فإن الانتفاضة الفلسطينية لم تكن بحجم هذا الحدث، ولم يبرز منها سوى الطفلة عهد التميمي التي صفعت جنديًّا إسرائيليًّا ليس إلا، أما الفصائل فاكتفت بتصريحات فقط، وربما سبب ذلك يعود إلى أن الشعب الفلسطيني شعر بالخذلان من بعد انتفاضة الحجارة التي جرى استثمارها لصالح زعامات سياسية. وهذا كله يرجح الكفة الإسرائيلية في أية تسوية محتملة.

من ناحية، هناك نوعان من التطبيع الثقافي مع إسرائيل، النوع الأول هو الصريح مثل الذي أقدم عليه بعض المثقفين في التسعينيات بزيارة صريحة وواضحة لإسرائيل وترويجهم علانية للتطبيع من خلال مقالات أو أعمال أدبية أو فنية، والنوع الثاني من التطبيع هو الأفضل لإسرائيل، ويتمثل إما في الصامتين أو في الذين يدسون عبارات التطبيع على استحياء في كتاباتهم، وهذا النوع لا يكلف إسرائيل حتى تذكرة سفر للمثقف، وهذا النوع من التطبيع هو الصمت أو التجاهل أو التلميح بشكل من أشكال السلام غير العادل. وهؤلاء المثقفون طبّعوا وانتهوا من دون أن يضطروا لزيارة إسرائيل. وقد أصبحنا نسمع في الآونة الأخيرة عبارات مثل: «الفلسطينيون هم الذين باعوا أرضهم فلماذا نقف معهم؟»، أو عبارات: «فلسطين كلها لم تكن موجودة أصلًا كدولة قبل عام 1948م، حتى اضطر بعض المتعاطفين مع فلسطين لنشر صور مناهيل مياه عليها كتابات تشير إلى فلسطين قبل هذا التاريخ أو مراسلات وطوابع إنجليزية. هذان النوعان يقولان: إن آلية التطبيع الثقافي بدأت فعلًا لكن بقي فقط أن يتهشم الحاجز الزجاجي الأخير أمام الجرأة من المثقفين بالإعلان عن هذا التطبيع الثقافي، وبالتاكيد ليس كل المثقفين، فهناك شريحة لا تزال تقف ضد هذا التطبيع وضد أن تكون القدس عاصمة لإسرائيل.

كاتب سوري.

أحمد بهاء الدين شعبان: مركزية القضية

أتصور أنه لا بد من إعادة التأكيد على اعتبار القضية الفلسطينية هي قضية العرب المركزية بما يوجبه من التزامات تجاهها، وبما يستتبعه من مقاومة الاعتداء عليها، ولا بد أن يأخذ مؤتمر القمة المقبل كل ما يدين الاعتداء على الفلسطينيين، ونقل السفارة الأميركية في إسرائيل إلى القدس. ولا بد من رفض كل أشكال التطبيع، وربط أي تقدم في العلاقات العربية مع إسرائيل بالإيفاء بحقوق الشعب الفلسطيني والوعود التي قطعت بشأنها، كما يجب توسيع الاتصال بالدول التي اتخذت مواقفَ إيجابية ورفضت نقل أميركا سفارتها إلى القدس، والعمل على تقوية هذه المواقف. اعتبر أبو مازن أن أميركا وسيط غير نزيه، والدعوة لوساطة دولية جديدة، وفي رأيي أنه لن نستطيع إزاحة أميركا من الوساطة، لكن وجود وسطاء آخرين سيضمن أن تكون الوساطة أكثر موضوعية، وأتصور أن حل الدولتين يتداعى، لكن سيظل حتى الآن حلًّا قائمًا، فنحن ليس لدينا بدائل، فحل الدولة الواحدة له شروط غير متحققة، لكن على مستوى الشعب العربي لا بد من تنشيط المقاطعة، وحصار جماعات التطبيع وكشفها والتوعية بأهداف المشروع الصهيوني، وأنه لا توجد دولة بمنأى عن أهدافه. فيما يخص الطرف الفلسطيني فلا بد من إتمام المصالحة وإكمال النضال، فطالما استمر الانقسام سيكون الطرف الفلسطيني هو الأضعف، ولا بد من التوافق على الموقف الذي أعلنه أبو مازن بتجميد التنسيق الأمني مع إسرائيل، والقائم على حصار كل عناصر المقاومة، واستمرار التمسك بالأرض والتمسك بالثوابت الفلسطينية والاهتمام بتربية الأجيال الجديدة على التمسك بالحق الفلسطيني.

كاتب مصري.

صبري موسى يفضح «فساد الأمكنة» ويفتح أبواب الحداثة لأجيال من الكتاب

صبري موسى يفضح «فساد الأمكنة» ويفتح أبواب الحداثة لأجيال من الكتاب

حين صدرت رواية «فساد الأمكنة» لصبري موسى عدها النقاد أحد الأعمال الأدبية المؤسسة لكتابة جديدة مفارقة لرؤية جيل الرواد، حتى إنها بحضورها الثقافي والإبداعي الذي احتفى به الجميع كانت المعبر الذي دخل منه كتاب الستينيات والسبعينيات إلى عالم الحداثة، فقد أعطت المكان حضورًا ثقافيًّا وروحيًّا وأسطوريًّا جعله ضلعًا أساسيًّا في إنتاج فكر ورؤى وبناء عالم العمل الإبداعي، وليس مجرد مسرح تدور عليه الأحداث، وهو الأمر الذي تكرر في روايتيه (حادث النصف متر- الرجل من حقل السبانخ)، وأعماله القصصية (القميص- حكايات- مشروع قتل جارة)، حتى أعماله للسينما (البوسطجي- الشيماء- قاهر الظلام- قنديل أم هاشم- رغبات ممنوعة- أين تخبئون الشمس).

في عام 1963م بزغت في ذهن صبري موسى فكرة رائعته «فساد الأمكنة»، وذلك حين أمضى ليلة في جبل «الدرهيب» بالصحراء الشرقية، على مقربة من الحدود المصرية السودانية، لكن الأمر استدعى منه بعد عامين زيارة قبر الصوفي الكبير أبي الحسن الشاذلي في الجبل نفسه ليرسم خطة روايته، بعدها حصل على تفرغ من وزارة الثقافة المصرية ليقيم في جبل الدرهيب عامي 1966 و1967م متشربًا روح الجبل ومناخه الفكري، لكنه لم يبدأ في الكتابة إلا عام 1968، وأخذ في نشر هذه الرائعة على حلقات في مجلة صباح الخير، التي كان يعمل بها، خلال عامي 1969 و1970، لكن لم تصدر طبعتها الأولى سوى عام 1973م في سلسلة «الكتاب الذهبي»، ليفوز عنها عام 1974 بجائزة الدولة التشجيعية، وليحصل أيضًا على وسام الجمهورية للعلوم والفنون من الطبقة الأولى عام 1975م، ثم الميدالية الذهبية التي تمنحها بيغاسوس الأميركية للأعمال الأدبية المكتوبة بغير اللغة الإنجليزية عام 1978م، ثم تتوقف مسيرة تكريمه نحو سبعة عشر عامًا، ليحصل بعدها عام 1992م على وسام الجمهورية للعلوم والفنون من جديد، ثم جائزة الدولة للتفوق عام 1999م، وجائزة الدولة التقديرية عام 2003م. عاش صبري موسى منذ نهاية التسعينيات رحلة طويلة من المرض والعزلة التي لم يرافقه فيها سوى زوجته الصحافية أنس الوجود رضوان، فقد أغلق على نفسه رافضًا أن يزوره أي من الأدباء أو الصحافيين إلا في أضيق الحدود، وفضل عدم استجداء الدولة لعلاجه أو المتاجرة بمرضه، راسمًا نموذجًا للباحث في الصحراء عن التوحد مع عزلته وتخليه عن عالمه القديم، تمامًا كما فعل نيكولا في رائعته «فساد الأمكنة»، لكن فساد الأمكنة لم يتركه لحاله؛ إذ غيبه الموت في صباح الثامن عشر من يناير 2018م.

موهبة كبيرة

تقول الناقدة إعتدال عثمان عن صاحب «فساد الأمكنة»: «صبري موسى موهبة كبيرة أهم ما يميزها أنه استطاع أن يشق لنفسه مسارًا مميزًا رغم قلة أعماله، إلا أنها علامات تركت تأثيرًا كبيرًا في مجال السرد، وبخاصة أنه أول من التفت إلى جماليات المكان وكتب رواية الصحراء «فساد الأمكنة»، هذا الرواية فتحت أفقًا أمام كُتاب آخرين لكتابة رواية الصحراء مثل إبراهيم الكوني وغيره، وقد استطاع أن يكتب بطريقة نستطيع أن نسميها نوعًا من الواقعية العجائبية الصحراوية». وتذكر إعتدال عثمان أن الكاتب الراحل «طرح في «فساد الأمكنة» أسئلة الوجود الكبرى، وبحث الإنسان عن التوحد بالطبيعة في الوقت الذي تتمتع فيه الطبيعة بالعنفوان والبكارة، خصوصًا المنطقة التي كتب عنها وهي جبل الدرهيب، فقد حاول بطلها نيكولا التوحد بالطبيعة وأن يشيد فردوسًا أرضيًّا في هذا الجبل النائي، لكن لأن الإنسان محدود فقد أخفق في مسعاه؛ بسبب فساد الأمكنة التي هرب منها البطل. وهناك شخصية بها إشارة إلى الصوفي أبي الحسن الشاذلي الذي استطاع أن يحقق ما أخفق فيه نيكولا، والسبب أن نيكولا حمل معه عالمه القديم فأخفق في التوحد مع المكان الجديد».

سحرية غريبة على الأدب العربي

في حين يرى الكاتب سعيد الكفراوي صبري موسى بصفته أحد أهم مؤرخي حقبة الستينيات والسبعينيات الأدبية، وقال: «أنظر لصبري موسى كواحد من أهم كتاب جيل الوسط الذي بين يوسف إدريس وجيل الستينيات، وأعتبر هذا الجيل دفع ثمنًا فادحًا في سيرته الأدبية بسبب ظل يوسف إدريس الثقيل، ومن كتاب هذا الجيل غالب هلسا وأبو المعاطي أبو النجا وسليمان فياض وعبدالله الطوخي وعلاء الديب وصبري موسى». ويلفت إلى أن كتاب الستينيات يرون أن هذا الجيل «هو المعبر الذي عبرنا من خلاله للحداثة، وكان صبري أحد الأبواب المهمة التي دخلت منها الكتابة في الستينيات. صبري مثقف معاصر، قرأ كثيرًا الآداب العالمية وطوّر قراءاته لإبداع نص مصري في رواياته الخلابة والساحرة». وعن أعمال صبري موسى يوضح الكفراوي أن البطل في «فساد الأمكنة» كان البطل، «في سحرية كانت غريبة على الكتابة في ذلك الحين، والصحراء مع الخواجات القادمين كفضاء لسؤال إنساني، كما كانت إضافته في رواية «حادث النصف متر»، الرواية القصيرة التي تعلمنا منها الكثير. صبري كان متعدد المواهب وصاحب رؤى تعددت في إنتاج أشكال كثيرة من الفنون، فهو سيناريست صنع أفلامًا تظل شاهدة عليه، أخذ من الأدب إلى السينما «البوسطجي» و«قنديل أم هاشم» ليحيى حقي، و«المستحيل» عن قصة لمصطفى محمود، وغيرها من الأعمال التي ما زالت علامات في السينما المصرية والعربية».

أما الكاتب يوسف القعيد فأكد على حضور صبري موسى، ضمن فكرة جيل الوسط، فهو يقول: «صبري موسى واحد من الجيل الذي أسماه محمد حامد النساج جيل الحلقة المفقودة الذين كانوا بين الرواد الأوائل وجيل الستينيات، ومن رموزها أبو المعاطي أبو النجا، وإقبال بركة، ومحمد مستجاب، وفوزية مهران، وعبدالله الطوخي ومجموعة كبيرة، من ثم تكونوا في الستينيات والسبعينيات، وهذا جيل ظلم بنقاده ومبدعيه، تميز عنهم صبري موسى بوصفه صحافيًّا في «صباح الخير»، وأنه كان يكتب سيناريوهات أفلام لأعمال مهمة مثل «البوسطجي» و«قنديل أم هاشم». ويذهب القعيد إلى أن لكل كاتب بصمة «وبصمة صبري موسى كانت في روايته الصغيرة «حادث النصف متر» وليس كما يتصور الكثيرون في «فساد الأمكنة»، فـ«حادث النصف متر» بتركيزه واختصاره ولمحيته يعد عملًا فريدًا في الثقافة العربية، وهي نوفيلا، والنوفيلا فن عصيّ في الكتابة. ولو عدنا إلى حقبة السبعينيات والثمانينيات سنجد مدى تأثير هذا العمل في هذين الجيلين». ويضيف القعيد أن صبري موسى مبدع، «لغته شعرية، كان يعيد كتابة عمله أكثر من مرة حتى يخرج العمل جيدًا، وله أعمال نصفها قصص ونصفها أدب رحلات مثل «في البحيرات»، و«في الصحراء»، و«رحلتان في باريس واليونان». وصبري ذهب إلى العراق قبل هوجة الذهاب إلى العراق، ولعب دورًا في إنجاز سينما عربية وليدة هناك، انتبه كسيناريست حاد الذكاء إلى أهمية وثراء عالم يحيى حقي في الوقت الذي كان الجميع يلهث وراء نجيب محفوظ وأدبه.