مثقفون عرب لـ”الفيصل”: احتفاء «اليونسكو» بالعويس.. اعتراف عالمي بقيمة ثقافية عربية مستقلة ومؤثرة

مثقفون عرب لـ”الفيصل”: احتفاء «اليونسكو» بالعويس..

اعتراف عالمي بقيمة ثقافية عربية مستقلة ومؤثرة

تحتفي منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم «اليونسكو» هذا العام بمرور مئة عام على ميلاد الشاعر ورجل الأعمال الإماراتي سلطان العويس (1925- 2000م). جاء ذلك بعدما تقدمت مؤسسة العويس بملف عن الشاعر وإنجازاته الأدبية والثقافية، ومؤسسته التي أوقف جانبًا كبيرًا من أمواله لاستمرار أنشطتها. ومن ثم يمكننا القول: إن هذا الاحتفاء موجه فقط لمسيرة سلطان العويس كشاعر فقط، أو رجل أعمال فحسب، ولكن لمسيرته كرجل أعمال رغب في تخليد اسمه من خلال رعاية الآداب والفنون. أنشأ العويس جائزة دائمة تحمل اسمه بتاريخ 17 ديسمبر 1987م، وذلك بهدف تكريم الأدباء والمفكرين العرب. وقد تشكلت أول أمانة عامة لها بإشراف من اتحاد الكتاب الإماراتيين عام 1992م، ثم تحولت إلى مؤسسة ثقافية مستقلة باسم «مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية» التي تمنح جائزتها لعدد من الشخصيات في مجالات أدبية وثقافية وإنسانية عدة.

ولعل هذا الاحتفاء يفتح القوس لأهمية الاحتفاء برجال الأعمال الذين يوقفون جانبًا من أموالهم على رعاية الآداب والفنون، سواء عبر إنشاء جوائز باسمهم، أو تقديم منح أو إقامة مكتبات أو دعم جمعيات ومراكز ثقافية أهلية، أو غيرها من الأنشطة، وبخاصة في مجتمعات لا تزال نسب الأمية الثقافية فيها مرتفعة، وتحتاج إلى تضافر جميع الجهود الخاصة والرسمية والأهلية لمجابهتها.

لكن غالبية هذه الجهود كثيرًا ما تخفق ولا تكتب لها الاستمرارية، وهو ما يجعلنا نتساءل عن الأسباب التي مكنت مؤسسة سلطان العويس من النجاح، وما الذي يجب على رجال الأعمال العناية به حين يقدمون على رعاية أو إنشاء مؤسسات ثقافية، وما الذي ينبغي على المثقف عمله كي لا يصبح ممتثلًا لتوجهات رجال الأعمال من جهة، ولا يتحول إلى معاديٍ لرغبة صادقة في تحريك الشأن الثقافي إلى الأمام، من جهة أخرى؟

«الفيصل» تشارك في هذا الاحتفاء، من خلال تكريس ملف لهذه المناسبة، تنشر فيه شهادات لعدد من الكتاب والمثقفين من الخليج والوطن العربي.

 إبراهيم الهاشمي:

سلطان بن علي العويس… مئوية تُكرّمها اليونسكو وتخلّدها الثقافة العربية

حينما أعلنت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» عن اعتماد عام 2025م عامًا للاحتفاء بمئوية الشاعر الإماراتي سلطان بن علي العويس، كانت تُكرّم أكثر من مجرد شاعر أو مثقف، بل تحتفي برؤية ثقافية رائدة تركت أثرًا عميقًا في المشهد الثقافي الإماراتي والعربي على مدى عقود، رؤية تحوّلت إلى عمل مؤسساتي عبر مؤسسة مستمرة التأثير والحضور بعد رحيله.

العويس، الذي غادر عالمنا عام 2000م، لم يكن شاعرًا وحسب، بل كان رجل فكر وعطاء من طراز فريد، تاجر وطني سخّر ماله وجهده لخدمة وطنه وأمته سواء اجتماعيًّا أو اقتصاديًّا أو تعليميًّا أو شخصيًّا، ثم بعين ثاقبة وفكر مستنير منطلقًا لخدمة وتقدير وتكريم رجال الأدب والعلم والثقافة. ولم يترك وراءه فقط قصائد خالدة، بل ترك مؤسسة ثقافية عربية مستقلة أصبحت بمرور الوقت واحدة من أهم الحواضن المعرفية في الوطن العربي؛ لذا لا يمكن وصف سلطان إلا بأنه شاعر بحجم أُمة.

تأسست مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية في دبي عام 1994م، بناءً على وثيقة قانونية دقيقة كتبها العويس بنفسه، ضمن فيها استمرارية عطائها واستقلالها الكامل عن أي تدخل سياسي أو شخصي، حتى من ورثته. وقبل ذلك أطلق في عام 1987م جائزة سلطان بن علي العويس الثقافية، لتكون أول جائزة عربية ممولة بالكامل من مال خاص، تمنح للمبدعين العرب في مجالات: الشعر، والقصة والرواية والمسرح، والدراسات الأدبية والنقدية، والدراسات الإنسانية والمستقبلية، وجائزة الإنجاز الثقافي والعلمي. هذا الحلم الفردي الذي سخر له سلطان المال والجهد تحول إلى صرح وواقع عربي لا يضاهيه مكان آخر عطاءً ونشاطًا وفاعليةً.

حملت الجائزة منذ دورتها الأولى مكانة استثنائية، سواء من حيث قيمة الجائزة المالية التي بدأت بـ 100 ألف دولار لكل فائز مرتفعة إلى 120 ألف دولار ثم إلى 150 ألف دولار لكل فائز، أو من حيث نزاهة معاييرها واستقلالية لجان التحكيم، ما أكسبها لقب «نوبل العرب» عن استحقاق. وقد كرّمت الجائزة حتى اليوم أكثر من 106 شخصيات ومؤسسات عربية تركت أثرًا في مجالاتها؛ لتصبح بذلك مرجعًا أدبيًّا وفكريًّا رفيعًا في المشهد الثقافي العربي.

لم تقتصر جهود المؤسسة التي أنشأها سلطان على الجائزة فقط، بل تحوّلت إلى مركز ثقافي حيوي يقدم أنشطة نوعية في الإمارات وخارجها، حيث نظمت أكثر من 140 فعالية ثقافية وفنية وموسيقية وفعاليات علمية متخصصة، ونشرت ما يزيد على 500 إصدار ضمن سلاسل إصداراتها «الفائزون – أعلام من الإمارات – الندوات»، وامتد نشاطها إلى مدن عربية عدة مؤكدة دورها العربي العابر للحدود، متحولة إلى منارة ثقافية متكاملة.

وفي عام 1990م، أسس العويس جائزة أخرى للإبداع المحلي الإماراتي حملت اسمه تحت مظلة ندوة الثقافة والعلوم بدبي، وهي جائزة العويس للإبداع، التي تُمنح سنويًّا للمبدعين الإماراتيين والعرب المقيمين في الإمارات في مجالات الثقافة والفكر والفنون والابتكار. وقد كرّمت الجائزة حتى الآن أكثر من 600 شخصية ومؤسسة، لتكون أوسع جائزة محلية شمولًا على مستوى الدولة.

تكريمات متعددة

تقديرًا لعطائه الكبير، نال العويس وسام زايد من الدرجة الأولى في عام 1996م من القائد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، فكان الوحيد الذي كرم من بين المكرمين الذي لا يحمل أي منصب حكومي، بل عطاء منقطع النظير لوطنه وأمته، وكرمته جامعة الدول العربية ضمن تكريمها للمبدعين العرب، ومنحه اتحاد كتاب وأدباء الإمارات عضويته الشرفية سنة 1987م، واختارته جائزة حمدان بن راشد للأداء التعليمي المتميز «شخصية العام» سنة 1999م على ما قدمه للتعليم في وطنه من خدمات جليلة، وأصدرت الجهات البريدية في الإمارات ثلاث مجموعات من الطوابع التذكارية تخليدًا لذكراه؛ أولها سنة 2001م تخليدًا لذكرى وفاته، والثانية سنة 2012م بمناسبة اليوبيل الفضي للمؤسسة الثقافية التي أنشأها، والمجموعة الثالثة بمناسبة مئويته سنة 2025م، وبذلك فهو الشخصية الإماراتية المجتمعية والأدبية الوحيدة التي يصدر لها هذا الكم من الطوابع. وأصدر كذلك مصرف الإمارات المركزي عملة تذكارية بمناسبة مئويته لتكون أيضًا أول عُملة تذكارية تصدر عن شخصية أدبية إماراتية في تاريخ الإمارات.

احتفاء «اليونسكو» بمئوية سلطان بن علي العويس ليس مجاملة دبلوماسية، بل هو اعتراف عالمي بقيمة ثقافية عربية مستقلة ومؤثرة، نجحت في أن تتحول من حلم فردي إلى مؤسسة مرموقة لا تزال تنتج وتكرم وتدعم وتؤثر.

إن سلطان العويس، الذي آمن بأن «الثقافة هي أساس وحدة الأمة ونهضتها»، هو اليوم وبرغم غيابه الجسدي ما زال حاضرًا فاعلًا في الحياة الثقافية والعمل الإنساني وشخصية عصية على الغياب بكل ما تحمله الكلمة من معنى، شخصية ما زالت تُكرم المثقفين وتحفز الإبداع وتضيء الدرب للأجيال، وهو أحد أبرز النماذج العربية في تكريس المال لخدمة الفكر والمعرفة والثقافة.

المدير التنفيذي لمؤسسة العويس الثقافة

أمين صالح:

أهم إنجازات العويس تخصيص جوائز سخيّة

أن يفوز الكاتب أو أي فنان بجائزة، أو يحظى بتكريم، أو ينال شيئًا من التقدير، سواء من جهات رسمية أو محلية، أو جمعيات ثقافية، أو حتى من نقاد وقراء، فهذا يعني الكثير لحامل عبء الكتابة (كما وصفه سان جون بيرس) أو عبء الإبداع.

في المقام الأول، يعني اعترافًا بموهبة الكاتب أو الفنان، بوجوده وحضوره، بدوره كمبدع، ويعني أيضًا تقديرًا لمنجزاته الأدبية والفنية والفكرية.

إن أسوأ ما يمكن أن يحدث لموهوب في الكتابة، أو في أي شكل فني، أن يظل سنوات طويلة سجين عتمة ومجهولية وهامش خانق، لا يقرأ له أحد، ولا يكتشفه أحد، ولا جهة تعترف به. لا أعني أن كل مبدع يتوق إلى الأضواء والشهرة والثروة واستثمار موهبته في مشاريع رائجة تجاريًّا، إنما أقصد أن كل مبدع يتوق إلى التواصل مع الآخر، التحاور معه، حتى لو كان العدد قليلًا والمساحة محدودة، المهم أن يكون الآخر فاعلًا ومرنًا وحيويًّا. ومثل هذا التواصل لا يتم إلا حين يكون الموهوب موضع اكتراث واهتمام واعتراف. ودائرة الاهتمام تتسع كلما حصل على التقدير وحظي بالتكريم وفاز بجائزة ونال من الحفاوة ما يستحقه.

إلى هذه الناحية، من وضع المبدع في المجتمع، انتبهت الأوساط الثقافية الرسمية، وتولت -بدرجات متفاوتة- رعاية ودعم الأديب والفنان، ماديًّا ومعنويًّا، عبْر أشكال ووسائل مختلفة. أيضًا ساهمت الجمعيات الثقافية المحلية في دعم الموهوبين وتكريمهم عبْر الفعاليات الفنية والأدبية.

لكن المساهمة الأكثر حضورًا وتأثيرًا وأهميةً، هي تلك التي انطلقت، بحوافز ثقافية وإنسانية بحتة، من دون نوازع منفعية أو استعراضية، أو بدافع التباهي والتفاخر والتنافس، وذلك عندما تبرّع عدد من الأثرياء ورجال الأعمال الكرماء في دول الخليج، وفي دول عربية أخرى، بتخصيص مبالغ نقدية سخيّة للاحتفاء بالتجارب الإبداعية في مجالات الأدب والفكر والفن، التي تثري المشهد الثقافي العربي بالنتاجات المتميّزة.

من بين هذه الأسماء، نذكر على سبيل المثال لا الحصر، مساهمات مؤسسة البابطين الثقافية، ومؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية، ورجل الأعمال السعودي عبدالمقصود الخوجة، والشاعرة الكويتية سعاد الصباح، والفلسطيني عبدالحميد شومان في الأردن… وغيرهم. أسماء عشقت الثقافة وأشكال الأدب والفن، وآمنت بدور الثقافة في تحصين الفرد والمجتمع، وحماية الإنسان وتنميته وتطويره وتعزيز قيمه وأصالته.

عندما نتوقف عند العويس، كنموذج، نجد أن سلطان العويس، إلى جانب التجارة، مارس كتابة الشعر، كما أدرك حاجة مثقفي بلاده إلى الدعم والتشجيع؛ لذلك أراد أن يستثمر جزءًا من ثروته في بناء المدارس والمكتبات والمراكز الثقافية، مساهمًا بذلك في محاربة الأميّة، ونشر الثقافة، ومساندة المشروعات الثقافية، ليس فقط داخل حدود وطنه بل خارجه أيضًا، ليشمل مختلف الأقطار العربية.

وكان أهم إنجازات العويس تخصيص جوائز سخيّة، تحمل اسمه، وتُمنح سنويًّا لعدد من المبدعين العرب في مجالات ثقافية متنوعة: في الشعر، والرواية والقصة والمسرح، والدراسات الأدبية والنقد، والدراسات الإنسانية.

وقد انطلقت هذه الجائزة القيّمة، والمستقلة، عبر اتحاد الكتّاب والأدباء في دولة الإمارات العربية المتحدة سنة 1987م. ومنذ ذلك الحين وهي تواصل، بلا تعثّر ولا تردّد، في تكريم المبدعين والاحتفاء بهم، وتوجيه الأنظار إلى منجزاتهم.

في حيثيات منح جائزة العويس، تشير إدارة المؤسسة إلى أن «جائزة سلطان بن علي العويس الثقافية تمنح للمبدعين الذين يعكسون أصالة الفكر العربي، وطموحات الأمة العربية، وهي جائزة مستقلة ومحايدة لا يخضع منحها لأية تأثيرات أو ضغوطات، ولا تخضع في معايير منحها إلا إلى الجانب الإبداعي دون النظر إلى الاتجاهات السياسية أو المعتقدات الفكرية للمرشحين، كما لا تميّز بين لون أو دين أو جنس».

روائي بحريني فائز بجائزة العويس

أمين الزاوي:

العويس والمواطنة وتثقيف المال العربي

يتميز تاريخ العلاقة لدينا بين رجال المال والأعمال، وبين رجال الفكر والإبداع، بحالة من التوتر المزمن، وهو ما جعل الكتاب يتحسسون من كل مال خاص قد يصب في باب تشجيع أو رعاية الأدب والفكر. في المقابل ظل رجال المال والأعمال يتأففون من الأدباء ويعتبرونهم أصواتًا نشازًا، وينظرون إليهم نظرة الريبة والحذر. وعلى مدى قرون طويلة، ظلت فكرة التبرع بالمال الخاص مقتصرة على بناء المساجد والجوامع والكتاتيب القرآنية، وهي ظاهرة منتشرة من المحيط إلى المحيط، فأول ما يفكر فيه رجل المال والأعمال حين يريد أن «يفعل خيرا»، هو التبرع لأمر ذي طابع ديني.

وهو سلوك جمعي سسيونفسي عريق وسائد في بلادنا، وفيه تنافس كبير وحاد، حتى إننا قد نجد في بعض الأحياء ثلاثة مساجد أو أكثر، لا يبعد الواحد عن الآخر إلا ببضعة أمتار. وفي المقابل قد لا نجد في الحي نفسه مكتبة أو عيادة طبية أو مركزًا ثقافيًّا أو صالة للعروض السينمائية. وقد وصل هذا التنافس بين المتبرعين أن بعض أصحاب النوادي الليلية أصبحوا هم أيضًا يلهثون لتشييد مساجد تحمل أسماءهم، أو يساهمون في بنائها في قراهم ومداشرهم، كل ذلك بغرض محو الذنوب و«غسل العظام»! وأحيانًا تبييض المال.

مراتب التبرع

تحتل الرياضة، وبالأساس أندية كرة القدم، المرتبة الثانية في سلم التبرعات والدعم الذي يقدمه رجال المال لمؤسسات المجتمع، فلعبة كرة القدم التي أصبحت عقيدة شعبية في عصرنا هذا، هي الأخرى تستحوذ على عقولهم؛ لأن التبرع في هذا المجال يبدو، من باب الرأي الساذج، أنه تبرع «للعب» و«التسلية» التي لا تحمل بعدًا أيديولوجيًّا؛ إذ ينسى الكثيرون أن كرة القدم هي ساحة أولى للاستثمار السياسي بعد الاستثمار في الدين، فملايين الشباب وغير الشباب يعشقون هذه اللعبة ويتابعون أنديتها بشغف يصل إلى حافة الجنون. وبالتالي فإن كل متبرع لصالح نادٍ من أندية كرة القدم هو محمي ولو رمزيًّا من قبل مناصري هذا النادي.

إلى فترة قريبة جدًّا ظلت الثقافة هي المشروع الملغم الذي يخيف أصحاب المال والأعمال، وباتت الثقافة والجمعيات الثقافية والنوادي الأدبية والمؤسسات الثقافية المرتبطة بالنشر والإبداع غير مرغوب فيها. فالمؤسسات الثقافية والنوادي الأدبية هي الأكثر فقرًا في العالم العربي وشمال إفريقيا، هذا الوضع سببه الخصوصية التي يتميز بها العمل الثقافي والإبداعي، وهو الإيمان بالدفاع عن التنوع وعن حرية الرأي والحرية الفردية والجماعية وتكريس العلاقة مع الآخر المختلف، إضافة إلى ذلك، يظل الأدب والفكر عملًا نخبويًّا لا يصنع شعبية كبيرة للمتبرع في هذا الباب. وأمام هذا الوضع السياسي والديني والاجتماعي فإن كل متبرع لصالح الثقافة والمثقفين والمبدعين يعد مواطنًا يتمتع بشجاعة واستقلالية في الرأي.

ظاهرة سلطان العويس

أن يظهر تاجر في بلاد تكاد تكون خالية من تقاليد رعاية الأدب من قبل أصحاب المال، تاجر يعيش في مجتمع خليجي تقليدي لا يمثل فيه الأدب همًّا مركزيًّا، ويقرر تخصيص جزء من ماله الخاص لإطلاق جائزة أدبية وفكرية كبيرة وجادة، تمنح للكتاب والمفكرين العرب على إنتاجهم في مجال القصة والرواية والمسرحية والشعر والدراسات الأدبية والنقد والدراسات الإنسانية، ويرصد لها قيمة مالية معتبرة؛ لتصبح أكبر جائزة عربية من ناحية قيمتها المالية، مُتحدِّيًا الفكر النمطيَّ الذي تُراوِحُ تبرعاتُه ما بين الديني والرياضي، بهذا الإقدام يمثل العويس حالةً متقدمة حضاريًّا وثقافيًّا وسياسيًّا ومؤسساتيًّا.

هذا الموقف الذي يسجله العويس يُعَدُّ سابقًا على عصره، سابقًا على المنظومة الفكرية التقليدية السائدة. إنه موقف تاريخي مفصلي يؤشر على دخول الوعي الجمعي والفردي للمال مرحلة من تجربة العقل الخليجي المعاصر والمجتهد.

إن التبرع لصالح الإبداع والفكر وتخصيص المال لدعم هذا القطاع والمشتغلين فيه تعد في حد ذاتها شجاعة فكرية وسياسية، لما للإبداع والمبدعين في مجتمعاتنا من صور نمطية سلبية صادرة عن أحكام مسبقة راكمتها القوى المعادية للفن والإبداع والفكر الحر.

إن تجربة سلطان العويس، من خلال الجائزة والمؤسسة الثقافية التي تحمل اسمه، تعتبر عملا فريدا ينم عن وعي فكري متقدم يراهن على دور الأدب والفكر في تغيير المجتمع وفي تغيير السياسة وفي تغيير العلاقة بين المال والإبداع، وفي تغيير الفرد العربي.

بمثل هذه الجائزة يرسل العويس، وبشكل غير مباشر، خطابًا تاريخيًّا مفصليًّا مفاده: كلما دخل رجال المال والأعمال مربع الثقافة التنويرية ووقفوا إلى جانبها ودعموها، مع المحافظة على استقلاليتها وحرية النخب التي تمارسها، فإنهم بمثل هذا السلوك يعلنون أن المجتمع قد بدأ دورة حضارية جديدة وأن المال العربي قد بدأ يتثقف؛ لأن الثقافة التنويرية هي التي تحصنه من الانحرافات التي قد تهدده.

تمثل حالة سلطان بن علي العويس في المشهد الثقافي العربي منعطفًا مميزًا في علاقة المال بالثقافة والإبداع والفكر، في علاقة المال بحرية الإبداع، وبمثل هذه المبادرة يعاد صياغة السلوك الفردي والجماعي عند الفرد العربي، ويُكَرَّس لمفهوم المواطنة، التي هي القاعدة الأساسية في بناء استقرار مجتمعي قائم على خصوصية ثقافية ولغوية، تفتخر بتاريخها، منفتحة على العالم ومتحررة في الوقت نفسه من أمراض التطرف والعيش في الجيتوهات المسيجة.

روائي وكاتب جزائري

محمد فاتح زغل:

أكتب وفاء لذكرى سلطان العويس

يدعوني الوفاء -عندما أتحدث عن جائزة سلطان بن علي العويس للثقافة والإبداع- أن أتحدث عن صديقه ورفيق عمره وأسفاره السيد جمعة الماجد الذي عملت عنده رئيسًا للقسم الثقافي والإعلامي؛ لأني أشعر أن ثمة وشائج كثيرة جمعتهما، أهمها اتجاههما لدعم الثقافة والمثقفين، كل في منحى مكمل للآخر. فبينما نحا جمعة الماجد لإنشاء مكتبة عريقة فيها أكثر من مليون و250 ألف مخطوط وعنوان، ذهب العويس إلى الجوائز الثقافية وتكريم المبدعين والعلماء العرب، فخصص جائزة دائمة باسمه لها استقلالية تحت اسم «مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية» بموجب المرسوم الأميري رقم 4 لسنة 1994م، بتاريخ 21/3/1994م، ويكون مقرها مدينة دبي، وخصص لها وقفًا لتأمين استدامتها.

مركز جمعة الماجد

أول لقاء جمعني والراحل سلطان العويس عندما زار مكتبة مركز جمعة الماجد للاطلاع على المكتبات الشعرية بوصفه شاعرًا، وكنت حينها رئيس القسم الثقافي والإعلامي في مركز جمعة الماجد بدبي، وعضو هيئة تحرير مجلة آفاق الثقافة والتراث التي تصدر عن المركز، وقد توقّف، رحمه الله، بابتسامته المعهودة أمام مكتبة حمد خليفة بوشهاب، وهو شاعر إماراتي ونسَّابة معروف (بالهزار الشادي)، ويعد من جيل سلطان العويس. حكى لي سلطان العويس وهو يقلب في مكتبة حمد خليفة بوشهاب عن شعرية حمد المبكرة؛ إذ بدأ في سن التاسعة، وأنه حافظ على القصيدة العمودية في شعره شأنه شأن كل شعراء هذا الجيل.

أهم ما توقف عنده في المكتبة تلك الوريقات التي كتب فيها الشاعر حمد ملاحظاته وتعليقاته على الكتب. وامتد الحوار إلى الحركة الشعرية العربية، وحكى عن إعجابه بشعر نزار قباني وأنه كان سعيدًا بمنح الشاعر نزار قباني جائزة الإنجاز الثقافي والعلمي في مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية، حيث حل نزار ضيفًا على سلطان الذي أخبره عن مركز جمعة الماجد وطلب منه زيارة المركز. وفعلًا زار نزار المركز وأعجب بالخدمات التي يقدمها المركز للباحثين، وكانت هذه الزيارة سببًا في شراء المركز مكتبة نزار قباني الشعرية التي ضمت 137 كتابًا من دواوينه المنشورة والدراسات التي أُجريَت حوله. لعل من أقدمها نسخة مصورة من كتاب «دنيا الحروب: ملحمة شعرية أوحتها نار الحرب الحاضرة وصدى أنين البشرية المعذبة المرهقة»، نُشِرَ سنة 1941م. وكتاب «قالت لي السمراء» الذي نُشِرَ سنة 1944م.

مئوية العويس

أسوق هذه الحكاية الجميلة النائمة في ذاكرتي اليوم وأنا أقرأ احتفاء اليونسكو برجل الأعمال الراحل سلطان العويس وجوائزه الثقافية. بوصفه من رجال الأعمال الناجحين الذي أولى اهتمامًا خاصًّا بإبداع المبدعين وتكريمهم. وها هي اليونسكو اليوم ترد الجميل لتحتفي بمئوية ميلاده 2025م بعد مُضِيّ 24 عامًا على رحيله والاحتفال بالذكرى المئة لمولد سلطان بن علي العويس (1925-2000م)، وجاء هذا الاعتماد بعد الاطلاع على ملف الشاعر الإماراتي الذي قدمته اللجنة الوطنية للتربية والثقافة والعلوم، في الدورة الثانية والأربعين للمؤتمر العام لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة. وتعد هذه المبادرة واحدة من أبرز مبادرات اليونسكو للاحتفال برموز الثقافة الأصيلة حول العالم في شتى مجالات الفكر والمعرفة والعلوم.

في الجوائز العالمية الكبرى لا مجال للعبث غالبًا. ومن خلال وجودي في مكان الجائزة وحضوري فعالياتها كلها أكاد أجزم أنه كان يفوز في كل سنة الأفضل ومن يستحقها غالبًا، ومن ينتصر لخياراته الإنسانية والجمالية. هذه المصداقية التي تحظى بها مؤسسة سلطان بن علي العويس من آليات الاستفادة من خبرات الجوائز العالمية، وما تمتعت به من قدر كبير من الاهتمام عالميًّا؛ كما أنها كانت تتفرد بشمولية الفنون الأدبية والإبداعية فضمت الشعر والقصة والرواية والمسرحية والدراسات الأدبية والنقد والدراسات الإنسانية والمستقبلية وجائزة مخصصة للإنجاز الثقافي والعلمي واختيار شخصية ثقافية أو علمية أو عامة أو مؤسسة تركت بصمة وأثرًا في الحياة الثقافية.

لا يبدو لي الحديث عن جائزة سلطان شبه محرج لما قد يفسره بعض على أنه نوع من المبالغة والمحاباة، ولكن الوقائع والتقييمات العالمية هي التي سبقتني في تأكيد هذه الرؤية.

من كان يتصور أن ملك الديناميت في العالم يصبح ظاهرة أصيلة ويترك وصية أن تبقى جائزته مدى الحياة كجائزة عالمية دائمة، بينما نحن ننكر على رجال أعمالنا الذين هم أولاد الأدب والشعر، وليس ذلك بدعًا، فلهم دواوينهم واهتماماتهم، وهي دافعهم في دعم الشعر والأدب والنقد والدراسات.

خوالد بلا جوائز

ثم ماذا سنقول عن أن أفضل الروايات الأميركية مثل «غاتسبي العظيم»، و«الحارس في حقل الشوفان»، و«الصخب والعنف»، و«وداعًا للسلاح»، و«لمن تقرع الأجراس»، و«لوليتا»، وغيرها من الأعمال الخالدة يكون القاسم المشترك الوحيد بينها، هو عدم فوز أيٍّ منها بجائزة بوليتزر للرواية. مع أن بعض هؤلاء الكُتّاب، مثل فوكنر وهمنغواي، فازوا بجوائز نوبل.

هذا النوع من الأخطاء ليس خللًا في النظام، بل هو النظام نفسه. الأدب العظيم، بحكم تعريفه، يُجبر على تغيير الشكل والذوق، ويُقدم على ما هو غير متوقع. والشيء المهم في جوائز سلطان أن السلطة لم تمنحها بصمتها، بل هي التي منحت السلطة البصمة فزادت من جمال دبي وتنوع نشاطها بروح دبي العالمية في استقبال الوافدين إليها من الشعراء والمبدعين العرب.

لمسة وفاء

رحل سلطان العويس وفي مخيلتنا ستظل صورته بابتسامة لم تفارقه، وستظل روحه الشاعرة تحوم كل سنة في مهرجان الإبداع والشعر والأدب العربي، شمعة لا يخبو ضوؤها، ونورًا يضيء طرق الموهبة للجميع.

سلطان العويس.. ما أكتبه عنك لا أستطيع كتابته من دون أن تسبقني عواطفي ومشاعري إليه، وهو بعض وفاء للرجل الكبير والشاعر الإنسان الذي قدم للثقافة والإبداع ما يبقيه حرًّا. سلطان العويس… كم تشتاقك منصات التكريم واسمك يملأ المكان، وكم ستشتاق إليك مهرجانات الشعر ومعارض الكتب، وكم سيتحدث المبدعون عن مآثرك؛ لأنك جسدت معنى الثقافة في مداها العميق بما يجعل من المرء إنسانًا بالدرجة الأولى أكثر منه عارفًا، وهذا هو الهدف الأسمى للقراءة والمعرفة والإبداع والجوائز.

باحث وناقد سوري

طالب الرفاعي:

جائزة تتجاوز الاحتفاء لتكرّس المعايير

بداية، يجب الإشارة إلى أن اعتماد منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، عام 2025م ليكون عامًا للاحتفال بالذكرى المئوية لمولد الشاعر الإماراتي سلطان بن علي العويس المولود عام 1925م ميلادية، إنما هو تكريم عالمي كبير ولافت، ليس لسلطان العويس، ولا لدولة الإمارات، بل لجميع المفكرين والأدباء العرب والدول العربية.

إن تداعي فرد أو أفراد أو مؤسسة رسمية أو أهلية لتأسيس جائزة لتكريم ودعم وتشجيع الفكر والإبداع هو عمل خير بامتياز، وهو عمل ثقافي اجتماعي نبيل بامتياز، وبخاصة أن المفكر والأديب العربي في حاجة ماسة للتكريم عبر الدعم والتشجيع. كما تجدر الإشارة إلى أن هناك الكثيرين في أوطاننا العربية ممن أنعم الله عليهم بخير كثير، وبالتالي أن ينبري نفرٌ من بين هؤلاء لتشجيع ودعم المفكر والمبدع العربي فهذا عمل يدلّ على درجة الوعي الإنساني والثقافي التي وصل إليها رجل الأعمال.

إن الوقوف عند تاريخ تأسيس مؤسسة الشاعر سلطان بن علي العويس، عام 1987م، يُظهر أن المؤسسة قاربت على الوصول لأربعة عقود في عملها، وهذا ما كرّس حضورها كمؤسسة/ جائزة ثقافية إماراتية/ عربية عريقة ورصينة، تعنى بتكريم وتشجيع المفكّرين والأدباء العرب. مع تأكيد أن المؤسسة، منذ انطلاقها وعبر مختلف دوراتها استطاعت أن تقدّم اختيارات مدروسة عبر تكريم شخصيات فكرية أو إبداعية وازنة، لا خلاف على استحقاقها للتكريم. وهذا ما خلق وكرّس مكانتها، وجعل منها هدفًا مشروعًا يسعى الكثير من المفكرين والأدباء العرب لنيل شرف الحصول عليه.

إن أهم ما يجب أن تقف أمامه أي جائزة عربية هو هدير سيل الإصدارات العربية المتدفّق في مختلف الأجناس الأدبية. وهذا الأمر يصعّب على أي أديب شاب تكريس نفسه، ورفع صوته بين مجايليه، وأرى أن هذا يصب في لب ما تفعله الجائزة في اختيارها لمواهب نابهة ومتفرّدة، ومن ثم تمهيد الطريق أمامها لتكمل مشوارها. لقد اختلط الحابل بالنابل، الكثير السطحي بالقليل العميق، وصارت وللأسف شللية شبكات التواصل الاجتماعي وعلاقاتها الشخصية هي من تقود المشهد الثقافي وتدفع بأسماء للظهور بالرغم من تواضع موهبتها وطبيعة ما تقدم من أعمال إبداعية. وهنا تبرز إحدى أهم مميزات جائزة العويس في إنها تمنح أي مفكر أو أديب جائزتها لمجمل نتاجه الإبداعي والفكري والثقافي. وبما يعني ابتعادها عن إعطاء جائزة لعمل واحد، فهناك الكثير من الأدباء، حول العالم، ممن كتب عملًا إبداعيًّا واحدًا، وانتهى عند هذا العمل.

وبالتالي لا يصح الإشادة بأديب له عمل يتيم، بينما النظر إلى مكانة أي مبدع إنما يستند إلى عموم نتاجه، وكيف أنه أكد حضوره الإبداعي الأدبي الثقافي عبر مراكمة الإنتاج والجودة والتجدد. واعتقد أن هناك فكرة يجب أن تكون أمام نظر وتبصّر إدارة أي جائزة، وهي ضرورة تجديد نفسها من خلال إعادة النظر في آلية عملها. ومن ذلك عدم مهنيّة أن تُختصر لجان التحكيم النهائية على ثلاثة أعضاء، بحيث يأتي اتفاق أي عضوين ليكون كافيًا لمنح الجائزة لمفكر أو أديب لا يستحقها على حساب آخر هو أجدر بها. ومن هنا أرى ضرورة تجديد لوائح لجان التحكيم في أي جائزة عربية بحيث لا يقل عدد أعضاء لجنة تحكيم الجائزة النهائية عن خمسة أعضاء. وهذا ما يضمن سلامة قرارها بعيدًا من المُحاباة والشللية والصداقات البائسة التي قد تؤثّر سلبًا في سمعة الجائزة. علمًا أن هفوة أي جائزة، في أي من دوراتها، تكون بمنزلة نقطة سوداء على ثوبها أبيض!

روائي كويتي

نايف رشدان:

بين تجارة اللؤلؤ والاستثمار الثقافي

يُعَدّ سلطان العويس واحدًا من أهم الأسماء الثقافية في مجتمعنا الخليجي، بل في عالمنا العربي؛ إذ لم يرث ولم يورّث العويس أبناء وبنات، ولكنه ورّثَ علمًا وأدبًا ومالًا ذكيًّا استطاع من خلاله أن يقدم صورة لذلك الرجل الأبي الشهم. هذا الرجل يعدّ اسمًا عظيمًا في ميزان العطاء الثقافي؛ إذ شكلت جائزة العويس رافدًا مهمًّا في تحريك المياه الشعرية والأدبية. صحيح أن جائزة العويس اقتصرت على العلوم الإنسانية، وعلوم الشعر والأدب والثقافة خاصة، ولكن ذلك لم ينقص من قدرها؛ إذ بلغت هذه الجائزة قيمة عالية باعتبارها الحضاري والعلمي، وليس باعتبارها المادي.

هناك من الجوائز ما هو أعلى قيمة مادية من جائزة العويس، ولكن جائزة العويس امتازت بأمرين؛ أما الأول فهي نوعية المحكمين الذين اختارتهم الجائزة، وهم من عِلية الأساتذة في المشهد الثقافي والعلمي، وهذا أمر مهم في ميزان العمل النقدي، الأمر الثاني أن هذه الجائزة لا ترتهن إلى المعارك والتصويت والتدخلات الخارجية، وإنما هي نتيجة البداهة العلمية الصادقة، مما يجعل الثقة بتتويج الفائزين بهذه الجائزة، ويُصادق على قيمتهم الفنية والأدبية.

العويس رجل أفنى عمره بين ميدانين؛ ميدان تجارة اللؤلؤ، والتجارة في الشعر، بمعنى دعم الشعر والاستثمار فيه بإنارة العقول ومنح المبدعين والواعدين والمثقفين كثيرًا من الطرق التي يسلكونها إلى العمل الشعري والأدبي المتميز. يقينًا أن العويس عندما رحل لم يكن ليرحل عن عمرٍ أفناه في التجارة فحسب، بل عمر أبقاه في العمل الثقافي الذي سيدوم. سحابة من الشكر ودعاء صادق بأن يرحم الله ذلك الرجل الأبي الذي حُرِمَ من الولد والأهل، ولم يحرم أبناء العربية من ماله وثرائه الذي اتخذ منه أبنية شامخة جعلها تدون اسم سلطان العويس في كل منتدى ثقافي وعلمي.

تأتي جودة هذه الجائزة إلى الطريقة في الاختيار، فهي ما إن تعلن عن الجائزة حتى يتوقف أنصاف الموهوبين عن المشاركة، ولا يجرؤ على المشاركة إلا من كان له قلب ثقافي فني يستطيع من خلاله أن يقدم بكل جرأة نصه أو كتابه؛ لأنه يعلم أن وراء ذلك محكمين أَكْفَاء من المجتمع العربي الثقافي الذي يؤذن بفوزٍ مستحق، وليس بفوز مستعار.

رجال الأعمال الذين اهتموا بإطلاق الجوائز الثقافية لم يفعلوا ذلك من باب الترف أو التفاخر، بل انطلقوا من صلة وثيقة تجمعهم بالشعر والأدب والثقافة. لقد وُسِمت أسماؤهم بقيم حضارية راقية، من خلال ما قدّموه من جوائز مالية تُمنح لمبدعين ومثقفين ونقّاد وغيرهم من العاملين في الحقل الثقافي. وهذا جانب جدير بالتنويه؛ إذ إن هؤلاء المانحين، من أمثال عبدالمقصود خوجة، وراشد المبارك، وعبدالله الفيصل، ومعتوق شلبي، وغيرهم، لم يأتوا إلى الثقافة من الهامش، بل كانوا جزءًا حيًّا منها. ونذكر أيضًا جوائز حملت أسماء رموز بارزة، مثل الجائزة التي أنشأها أبناء غازي القصيبي تكريمًا له، وجائزة الصباح للأعمال الثقافية، وجائزة عبدالعزيز البابطين. وكلها مبادرات انطلقت من المملكة العربية السعودية ودولة الكويت، وأسهمت في دعم الحياة الثقافية في العالم العربي.

أما إذا ذهبنا إلى الإمارات فسنجد جائزة سلطان العويس وجائزة جمعة الماجد، ولو ذهبنا إلى البحرين سنجد جائزة عبدالعزيز كانو، وهو أحد تجّار البحرين الذين تركوا جائزةً ولكنها توقفت. وإذا عدنا إلى السعودية فهناك جائزة عبدالعزيز التويجري، وكان محمد حسن عواد قد وضع جائزة ولا أعلم عنها، وأيضًا حسن قرشي كان قد وضع مشروعًا لجائزة، ولا أدري هل تمّ أم لا. وهناك جائزة وضعها محمد بن صالح باشراحيل، وقد شاركنا فيها قبل فترة. وبعض الأسماء التي تعد من أهم الأسماء في عالم التجارة والاقتصاد التي تفسح مجالًا للمبدعين والمثقفين من خلال إعطائهم هذه الجوائز.

جوائز ثقافية في قبضة المحكمين: بين النزاهة والتواطؤ

بالنسبة للإيجابيات فإن هذا الحراك الثقافي والشعري مهم جدًّا، فبعض الشعراء والأدباء يتحمس مع وجود هذه الجوائز، وبعضهم ينظر إليها من الجانب المادي، وبعضهم الآخر ينظر إليها على أنها نوع من التحدي مع الذات في أن يرى نتاجه في مستوى تقييمي تلوذ من خلاله هذه النصوص أو هذه الكتب التي أُلِّفَت وفازت. أما السلبيات فهي أن القائمين على بعض الجوائز -ولا أقول كلها- هم بعيدون من الثقافة، وهذه مشكلة ومعضلة كبيرة؛ لأنه لا يُقدِّر المثقفَ إلا من كان مثقفًا، الأمر الثاني أن بعض المحكمين ولعل هذا من أخطر ما يُسمع الآن لا يتمتع بأخلاق حضارية، وهم قلة، ولكن يحدث بعض الخيانة العلمية.

وقد وقفتُ على حالتين من تلك الحالات التحكيمية التي يُقسِم فيها المحكّم الجائزة مع الفائز، في ظاهرة خطيرة تستوجب الوقوف عندها بجدّية، وأتمنى ألا تتكرر. أما السلبية الثالثة، فهي تتعلق بانحياز بعض لجان التحكيم إلى الأسماء المعروفة على حساب النصوص الأفضل فنيًّا. فكثيرًا ما تُقدَّم كتب أو نصوص لمبدعين غير معروفين تتفوق، من حيث القيمة الفنية والإبداعية، على أعمال لأسماء مرموقة، ورغم ذلك يُمنح الفوز لتلك الأسماء لمجرد شهرتها. وهذا خلل ينبغي النظر إليه نظرةً حضارية ومنصفة؛ إذ لا ينبغي أن يكون الاسم سببًا في التتويج إذا كان النص لا يستحق. الانتصار يجب أن يكون للنص، لا لصاحبه. السلبية الرابعة، وهي أن هذه النصوص لا يمكن التحقق منها من خلال حضورها دون حضور أصحابها. فهناك من يرسل نصه دون حضور، والأهم من تحقق نسبة المصداقية في نسبة النص إلى صاحبه، هذا أمر مهم جدًّا.

 أما ماذا يحتاج رجال الأعمال من المثقفين أو من الدعم اللوجستي، وهو توثيق هذه الأعمال وإتاحة الفرصة لها. منح هذه المراكز قيمة رسمية أو لوجستية أكثر من كونها مجرد مراكز معزولة. ولنا في جائزة عبدالله الفيصل صورةً مؤكدة؛ لأن هذه الجائزة قورنت بجامعة الطائف، وهذا ملمح مهم جدًّا، فاتخذت الجائزة قيمة علمية، ومُنِحت فرصة إعلامية. ولكن الجوائز الأخرى ظلت تعانق الفرادة، وتتحد مع ذاتها، وكوّن رجلُ الأعمالِ مع جائزته نَسِيجَ وَحْدِهِ، لكنه بحاجة إلى كثيرٍ من الأيدي، ليس بالمال، وإنما بالأعمال، وليس بالأصوات، وإنما بالإعلام الذي يدعم هذه الجوائز وهذه المراكز. أنا أعتقد أن كثيرًا مما قدم من جوائز يصادق على جودة العطاء الأدبي في عالمنا العربي.

ناظم ناصر القرشي:

الاستمرار والاستقلال أهم عوامل النجاح

يشكّل الاحتفاء بشخصية رجل الأعمال الراحل سلطان العويس ومؤسسته الثقافية مناسبة ثمينة للتأمل في العلاقة المعقدة والمثمرة بين المال والثقافة، بين المبادرة الخاصة والمصلحة العامة. وفي ظننا أن استمرارية ونجاح مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية تعود إلى عوامل متداخلة عدة، في مقدمتها النية الصادقة والرؤية الواضحة. فلم تكن الجائزة محاولة دعائية أو استثمارًا في السمعة، بل بدت منذ انطلاقتها نابعة من قناعة عميقة بأهمية دعم الثقافة العربية، وثانيها الاستقلالية؛ فقد حافظت المؤسسة على مسافة واضحة من التوجيهات السياسية أو الضغوط الإعلامية، وهو ما أكسبها ثقة المثقفين. أما ثالث عوامل النجاح فهو الاحترافية المؤسسية؛ إذ بُنيت المؤسسة على نموذج إداري محكم، يجعل من الجائزة حدثًا دوريًّا موثوقًا به، لا يخضع للتقلبات أو المزاجيات. ورابعها هو تكريم القيمة لا الأسماء، فلم تنجرف الجائزة وراء الأضواء أو الأسماء الرائجة، بل ظلّت تنتصر للعمل الثقافي الجاد، مما عزّز من مكانتها الأدبية والفكرية.

ولعل التعاون المثمر بين المثقف ورجل الأعمال يقوم على الاحترام المتبادل، فرجل الأعمال يوفر الموارد، والمثقف يقدّم الرؤية والمحتوى، ولكل طرف منهما مجاله الحيوي. ولا بد من المأسسة لا الشخصنة؛ إذ يجب أن تتحول المبادرة إلى مؤسسة لها نظام ولوائح لا تتغير بتغير المزاج أو الأشخاص. ولا بد من الوضوح والشفافية في علاقة المثقف برجل الأعمال، وضرورة تحديد الأدوار والمسؤوليات بينهما منذ البداية، وأن تبقى المعايير الثقافية محمية من أي إملاءات. ولا بد من الفصل بين الطموح الشخصي والمصلحة العامة، ومن المهم أن يكون الهدف الأساسي هو خدمة الثقافة والمجتمع، لا بناء النفوذ أو شراء الولاءات.

في الختام، تبقى تجربة سلطان العويس نموذجًا نادرًا لرجل أعمال أدرك أن الثقافة ليست ترفًا، بل استثمارًا طويل الأمد في روح الأمة وعقلها. ومن هنا، فإننا نأمل أن تحفز هذه التجربة المزيد من رجال الأعمال على السير في الطريق نفسه، ولكن بالوعي والتواضع اللازمين.

شاعر وناقد عراقي

عباس يوسف الحداد:

مشروع يخدم الثقافة وليس المصالح الخاصة

جنح الراحل سلطان العويس (1925-2000م) نحو الثقافة يستثمر فيها ثروته، لإيمانه بأن المنجز الثقافي هو التجارة الرابحة، والعملة الرائجة في تجاوز الزمان والرسوخ في المكان. آمن بموهبته الشعرية، وبرؤيته الواضحة في إنشاء جائزة تحقق الأهداف النبيلة وتنأى عن الربحية، حيث أوقف جزءًا من ثروته للمؤسسة ليضمن استمراريتها وديمومتها في مواصلة مشوارها لما يقرب من أربعة عقود من الزمان. كما حافظ على النزاهة في التحكيم، وسعى إلى اختيار اللجان الموثوقة فكريًّا وثقافيًّا وعلميًّا، فلم يدع للمجاملات مكانًا يذكر، هذا فضلًا عن انتظامها منذ عقود في منح الجائزة مما منحها هيبة وثقة في الحضور في الذاكرة الثقافية.

غياب الرؤية الثقافية

وأحسب أن فشل بعض الجوائز وتعثرها وتوقفها مرتبط ارتباطًا كبيرًا في غياب الرؤية الثقافية الواضحة، وربما كان الدافع أحيانًا لإنشاء الجائزة شخصيًّا أو دعائيًّا أو له مآرب أخرى، ليس إيمانًا بالثقافة وسعيًا نحو خدمتها، كذلك غياب الاستدامة المالية التي هي عصب استمرارية الجائزة؛ إذ يتوقف الراعي عند الدعم للجائزة مع أول أزمة تطالعه أو أي تغيير في المصالح.

كما أن تسييس الجوائز أو تطييفها من خلال لجان التحكيم أو الاختيار يفقد الجائزة مصداقيتها، ويؤثر في استمراريتها، هذا إلى جانب منح أسماء بعينها لاعتبارات غير ثقافية وإبداعية يفقد احترام الجائزة ويقوض من استمراريتها، هذا فضلًا عن ضعف لجان التحكيم وانعدام الخبرة لديهم.

في ظننا أن الصدق هو عماد الدعم الثقافي الناجح لرجال الأعمال، فكلما كان رجل الأعمال صادقًا في نواياه، وشفافًا في أفعاله في منح الجائزة لمن يستحقها؛ كانت الجائزة ذات قيمة وتستمد استمراريتها من صدق صاحبها. كما أن وضع هدف ثقافي واضح للإسهام في خدمة الثقافة والارتقاء بالأدب والفنون ودعمها يسهم في دعم استمرارية هذه الجائزة والإقبال عليها وتفاعل الناس مع نتائجها.

صندوق مستقل

أرى أن إنشاء صندوق مستقل أو وقف للجائزة يضمن لها استمرارية التمويل، فضلًا عن استقلاليتها عن شركات رجل الأعمال. وأرى أن ينأى أي رجل الأعمال بنفسه عن إدارة جائزته، ولا يدع المحسوبية تدمرها، إنما يختار ثلة من المثقفين يحظون بالثقة لإدارة لجانها والإفادة من خبرتهم في تطويرها.

ومما يحفظ للجائزة استمراريتها أيضًا هو إنشاء أرشيف وقاعدة بيانات ومنشورات وأنشطة تفاعلية مصاحبة للجائزة. وأخيرًا، فإن سرّ نجاح أي مؤسسة ثقافية في منح الجوائز مثل مؤسسة السلطان العويس يقوم على الصدق في الرؤية، والاستقلال المالي، والنزاهة في الإدارة، والانفتاح على الوطن العربي.

نصيحتي التي أسديها لأي راعي ثقافة هي بناء مشروع يخدم الثقافة حقًّا، وليس بناء مشروعٍ يخدم مصالحه وحدها.

ناقد وأكاديمي كويتي

البشير عبيد:

مشروع ثقافي وليس حضورًا إعلاميًّا

لا يعود نجاح سلطان العويس فقط إلى قدرته على التمويل أو إلى وجاهته الاجتماعية، بل إلى وضوح رؤيته الثقافية وصدق انحيازه للمعنى. لقد فهم العويس أن الثقافة ليست ترفًا للنخبة ولا مجرّد ديكور اجتماعي، بل ضرورة وطنية وإنسانية. ولعل سرّ نجاحه أيضًا يكمن في أنه لم يجعل من الجائزة أداة للتلميع الذاتي، بل ترك المؤسسة تشتغل بمعايير فكرية مستقلة، منحازة للإبداع لا للولاء. كان بإمكانه أن يحوّل الجائزة إلى واجهة دعائية، لكنه اختار أن تكون منبرًا حرًّا، وهو ما منحها مصداقية وثقة في الأوساط الأدبية والثقافية العربية.

وتمثل ظاهرة رجال الأعمال الذين يطلقون جوائز وينشئون مؤسسات ثقافية، في ظاهرها، تقاطعًا محمودًا بين رأس المال والمعنى، وهي تحقّق نوعًا من التكافل بين الاقتصاد والثقافة. لكنها في عمقها تظلّ ظاهرة مزدوجة؛ لأنها قد تنقلب إلى ساحة نفوذ رمزي أو استثمار في الوجاهة بدل التنوير. إذا كانت المبادرة مدفوعة بوعي ثقافي حقيقي، فإنها تساهم في تحريك المشهد الثقافي العربي، وتمنح الكتّاب والمفكرين حدًّا أدنى من التقدير والدعم. لكن إذا كانت مجرّد مشروع علاقات عامة، فإنها تختزل الثقافة في حفلات توزيع الجوائز وتهمّش جوهر الإبداع. وبالتالي، فالنية والفلسفة الكامنة وراء كل مبادرة هي ما يصنع الفرق بين من يسند الثقافة ومن يستثمر فيها.

ولعل أهم سلبية يجب تفاديها هي تحويل الجائزة إلى أداة للهيمنة الرمزية أو الترويج الذاتي. الثقافة لا تُشترى ولا تُستعمل، بل تُخدم. وينبغي على رجال الأعمال ألا يتدخلوا في المحتوى أو في لجان التحكيم، وألا يخضعوا للمزاج السياسي أو التجاري؛ لأن ذلك يفرغ المشروع من روحه.

الخطر الآخر هو بناء مؤسسة ثقافية من دون رؤية طويلة المدى، وهو ما يجعلها هشة وقابلة للذوبان عند أول أزمة. الرهان الحقيقي هو تأسيس كيان مستقل، مؤمن بقيمة الإبداع، قادر على الصمود والتأثير بعيدًا من الأهواء والولاءات.

شاعر وكاتب تونسي

عبد الله مليطان:

سلطان العويس مثقف عضوي

سر نجاح أي مشروع هو سمو الهدف، ونبل الرسالة، والإصرار على الإنجاز الذي يتحدى الواقع، ويتطلع إلى المستقبل، ولا سيما عندما يكون المشروع معني بالثقافة والفكر، مثل ما عمد إليه رجل الأعمال الإماراتي، وقبل ذلك الشاعر، الراحل سلطان العويس (عليه رحمات الله). ولد العويس وترعرع في أحضان أسرة تعشق الأدب وتتعاطى فنونه بحب كبير، لتحقيق هدف أسمى من مغانم الحياة، ذلك أن العويس ليس تاجرًا يمتهن التجارة، بل ممارس للأدب والابداع. وظف العويس ثرواته المادية لما هو أنفع للناس وأجدى للحياة، من خلال الاستثمار في الشأن الثقافي وتوظيف جانب من ثروته في مجال الفكر والابداع، ليس لكونه شاعر، بل لأنه مثقف عضوي، يرى أن دوره أسمى من أن تقتصر مكاسبه على منافعه الشخصية، بل أن يسهم في بناء مجتمعه الإنساني عامة، وليس فقط اسهامًا في إطار محيطه؛ لأنه يرى أنه ليس معنيًّا ولا مسؤولًا عن نفسه فحسب، بل عن الناس أيضًا.

يسعى العويس لخلق وعي مجتمعي بهدف الارتقاء بالحضارة الإنسانية وإرساء ثقافة الحياة، لمواكبة التطور الفكري، والتفاعل مع المتغيرات التي يشهدها عالمنا المعاصر، وهو ما مكن لمشروع مؤسسته الديمومة والتواصل عبر ما يقارب أربعة عقود من الإنجاز الثقافي الفاعل والمؤثر في مسيرة الحياة الثقافية العربية. وكان الحافز والمشجع لعدد من رجال الأعمال العرب الذين ساروا على نهجه، مساهمين في العمل الثقافي العربي (الأهلي/ المدني) في ظل العجز الذي يعانيه كثير من المؤسسات الثقافية الرسمية. هناك دول ترصد ميزانيات ضخمة، دون أن تحدث من الأصداء ما أحدثته مؤسسة العويس على مستوى الفعل الثقافي من أمسيات ثقافية، وندوات علمية، ومجالس فكرية وورش تنموية ومهرجانات أدبية وجوائز إبداعية ذات صدى وأثر بالغ ومؤثر.

ولكي يتحقق النجاح لرجال الأعمال في إدارة مشاريع مؤسساتهم الثقافية، على نحو النجاح الباهر الذي حققته مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية، يتطلب الأمر أن يحافظ رجال الأعمال على سمو رسالتهم؛ بهدف تحقق الغاية من مسايعهم نحو الاقتراب من وجدان الإنسان وعقله، وحَفْز المبدع على إنجاز ما يرتقي بالمجتمع وينير دروب الحياة.

انحياز المثقف

وإذ نشيد برجال الأعمال ورأس المال العربي المسخر للفعل الثقافي والفكري وترسيخ قيم الهوية الثقافية لأمتنا العربية وتراثها المجيد، فإن المثقف العربي مطالب بأن ينحاز وبلا حدود، ودون تردد، إلى صفوف رجال الأعمال التي آثرت أن تستثمر في الثقافة (ذات النفع المعنوي المستقبلي)، موظفة أموالها لتنمية العقول، وإغناء الفكر بقيم الحرية والحق والجمال، نائية عن المكاسب المادية (المباشرة والآنية)؛ لتحقيق رسالتها وبلوغ أسمى الأهداف النبيلة التي تعم بمنافعها كل فئات المجتمع بكل طبقاته وشرائحه.

المعاني والدلالات التي يتطلع إلى تحقيقها المال الموظف لخدمة الثقافة وإنارة العقول تستوجب الالتفاف حولها ودعمها بالمشاركة الفاعلة والمشجعة، ضمانًا لاستمرارها ومواصلة سيرها نحو بلوغ أهدافها التي ستنعكس بشكل إيجابي على المجتمع برمته. من خلال انتعاش حركة الإبداع الأدبي والفكري، وبخاصة إذا ما ابتعدنا عن اصطياد ما يعكر مسيرة عمل مؤسساتنا الثقافية والفكرية التي أقل ما يمكن أن يقال عنها: إنها استطاعت أن تجمعنا بشكل دوري، في ظل ما يعانيه مجتمعنا العربي من تأزم، ضمن مواسمها الثقافية التي تتيح لنا أن نلتقي معًا لنناقش أفكارنا ورؤانا مباشرة. لعلنا نخلص إلى صياغة رؤية موحدة تنمي قيم الانتماء وروحه لتراثنا العريق وثقافتنا العربية الواحدة، وهو ما نتطلع إليه جميعًا ويسعى إليه المخلصون من رجال الأعمال بإنشاء مؤسساتهم الثقافية التي تأتي في مقدمتها مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية. على مؤسسها الراحل سلطان العويس رحمات الله تعالى.

مفكر وأكاديمي ليبي

الحسن بنمونة:

الثقافة ليست مسألة فردية

أن تشتغل بالكتابة، فتبدع فيها، لتصبح ذا مكانة في عالم الأدباء أو الشعراء، هي مسألة تنبع من رغبة في أن تقول كلمة تخلدها في هذه الحياة، أو هي بصيغة أخرى، مسألة فردية ينجزها فرد واحد في كتب؛ لأنه يؤمن بأن الكتابة صناعة كغيرها من الصناعات، إلا أنها ثقافية، تساهم في بناء مجد الأمة. ولكن أن تكون ميسورًا، وناجحًا في التجارة، أو في أي شكل من أشكال الاستثمار، الذي يدرّ أموالًا، وفاعل خير على مستوى الوطن العربي، وشاعرًا لامعًا في الوقت عينه، يُشهد له بالتفرد والألمعية، فهذا يجعلنا نعيد النظر في كثير من التصورات القبلية، التي ورثناها أبًا عن جدٍّ، وهي تخص رجال المال والأعمال.

 هذا ما يمثله بامتياز رجل الأعمال والشاعر الإماراتي سلطان العويس، الذي أنشأ جائزة سنوية مستديمة، منذ سنة 1987م؛ لتكريم مفكرين وأدباء وشعراء، حاملي لواء صناعة الثقافة العربية. لقد أحيا هذا الشاعر تقليدًا أدبيًّا، كان معروفًا في التاريخ العربي القديم؛ إذ كان الخلفاء في الدول المتعاقبة، ينشئون مجالس أدبية في القصور، تثار فيها مناظرات ونقاش بالمعنى المعاصر، وتتلى فيها قصائد، ثم ينتهي الأمر بتكريم الأدباء والشعراء بعطايا. إذن يحق لهذا الشامخ أن يفتخر بما قدم من خدمات للمجال الأدبي والفكري.

لا بأس في أن نثير هنا التساؤل الآتي: لماذا انتشرت ظاهرة تأسيس رجال الأعمال جوائز ومؤسسات فكرية في عالمنا العربي؟ وهل هي نابعة من رغبة حقيقية في تطوير الأدب والفكر؟ الشائع في الثقافة العربية، هو أن الأدباء يمثلون دور المعارض للسلطة؛ أي سلطة. فكيف يتقبلون فكرة تكريمهم من أغنياء عن طيب خاطر؟

 ما ينبغي لنا التركيز عليه، هو أن العصر يفرض على رجال الأعمال الإسهام في صناعة الثقافة، بوصفها رافدًا من روافد التطور. هي رأسمال معنوي حقًّا، ولكنه مهم جدًّا، في بناء العقلية العربية الجديدة؛ في بناء الخيال والإبداع، لندخل عالم التقدم الفكري، منفعلين وفاعلين في الوقت عينه.

لا أحد ينكر أن للدعم المالي الذي يتلقاه الأدباء، إن حالفهم الحظ بنيل جائزة أدبية أو فكرية، دورًا في تحقيق ما يمكن تسميته بالشعور بالأمان، في مواجهة أعباء الحياة اليومية؛ لأن الكاتب مرغم على ملاحقة التغيرات الثقافية التي تحدث في ثقافته، وفي ثقافة الأمم الأخرى، وبخاصة في عصرنا هذا، وهو عصر يتطلب المواكبة المستمرة. ولكن، هل نيل جائزة وسيلة أو غاية؟ الجواب هو: إن اعتبرناها غاية، فهي تمثل هنا مقدارًا من المال، يكتسب لقضاء أغراض خاصة، وهذا يسيء إلى جوهر الجوائز برمتها، ولا يخدم قيمتها النبيلة؛ لأنها وسيلة لتطوير التفكير والخيال، ودعم المسيرة الأدبية. نقول هذا؛ لأن كثيرًا من الكتب التي تظفر بجوائز، لا تثير أي ضجة أو تأثير.

قد يبدو أن هذا الكلام مجانب للصواب؛ لأن الجوائز أنشئت لينالها أشخاص، فينتفعون بها، ورجال الأعمال والمستثمرين في مجالات المال والأعمال، يقدمون أموالًا، ليشار إليهم بالبنان، فهذا في الواقع يمثل إساءة للأدب ولهؤلاء في الوقت عينه. يلتقي العنصران عند نقطة الانتفاع؛ انتفاع الأدباء بالمال، وانتفاع رجال الأعمال بالشهرة، لتحقيق مآرب شخصية ربما. صحيح أن تطوير الأدب والفكر يحتاج إلى المال، ولكن ما يُنتقى لينال الحظوة، لا بد أن نتمثل فيه خصائص الجدة والتأثير، وما أكثر الكتب التي انتهى بريقها بإسدال ستار حفل توزيع الجوائز. نريد رجال أعمال، يساهمون في تأسيس مدارس وجامعات للبحث العلمي، ومجلات وجرائد جادة، وتكريم أدباء بذلوا جهودًا جبارة في صناعة الثقافة العربية، بعد أن أفنوا عمرهم في الكتابة والتفكير، وهذا لعمري، ليس بمستحيل.

كاتب مغربي

حسين جلعاد:

أسباب نجاح أي مبادرة ثقافية

ما جعل مؤسسة العويس الثقافية ناجحة ومستمرة حتى اليوم يعود إلى ثلاثة عناصر أساسية: أولها وضوح الرؤية الثقافية لدى المؤسِّس، فلم تكن مبادرة العويس مجرد رعاية خيرية عابرة، بل كانت مشروعًا ثقافيًّا متكاملًا ينبع من إيمان صادق بدور الأدب والفكر في نهضة المجتمعات. كان سلطان العويس رجل أعمال، لكنه كان أيضًا قارئًا، محبًّا للشعر، على صلة بالوسط الثقافي، وهذا الوعي هو ما ضمن أن تكون الجائزة نابعة من الداخل لا مفروضة من الخارج.

أما ثاني عناصر النجاح فهي استقلالية المؤسسة وثقة المجتمع الثقافي بها. فمنذ انطلاقتها حافظت جائزة العويس على درجة عالية من الاستقلالية والنزاهة، وظلت منبرًا للأدب العربي الجاد، وملتقى لأصوات متنوعة من المحيط إلى الخليج، وهذا منحها احترام الكُتّاب وثقة الجمهور. وثالث عناصر النجاح والاستمرارية هو اتساع الأفق العربي في الجائزة. فعلى الرغم من أنها إماراتية المنشأ، فإن الجائزة لم تنغلق على الجغرافيا أو اللهجة أو الاتجاه، بل احتفت بأدباء من مختلف التيارات والبلدان. هذه الروح الوحدوية العابرة للحدود جعلت من العويس مؤسسة ثقافية عربية بامتياز، وليست مجرد جائزة محلية.

ينبغي على رجال الأعمال عند إنشاء مؤسسات أو جوائز ثقافية تجنب الخلط بين النفوذ الثقافي والنفوذ المالي، فلا يجب استخدام الثقافة كوسيلة للوجاهة أو التسويق. فحين يُستخدم الاسم الثقافي لتلميع صورة المموّل أو للدخول في لعبة العلاقات العامة، تفقد الجائزة معناها، ويتحول المثقف إلى أداة، والمؤسسة إلى واجهة، لا روح فيها ولا أثر. الثقافة ليست ديكورًا، بل فعلٌ جاد يتطلب الصدق والتواضع أمام الكلمة والمعنى.

من جهة أخرى، يجب أن يبتعد المموّل عن التسييس أو التطييف. فالجائزة الناجحة لا تكون أداة لتمرير توجهات ضيقة أو لإعادة إنتاج خطاب سياسي معين. ما تحتاجه الجوائز هو الانفتاح على التعدد، لا تكريس الأيديولوجيات أو النزعات القُطرية، أو الطائفية، أو الحزبية. كما أنه يجب عدم فرض الذوق الشخصي أو شبكة العلاقات الخاصة على آلية الاختيار. فمن الأخطاء الشائعة أن يُدير رجل الأعمال مؤسسته الثقافية كما يدير شركته التجارية، متدخّلًا في الترشيحات، أو مفضلًا أسماء يعرفها أو ترتبط به. المؤسسة الثقافية تنجح حين تُفوِّض لجانًا نزيهة ومحترفة، وتمنحها الثقة والحرية الكاملة.

وأخيرًا ينبغي الانتباه إلى الاستدامة؛ لأن النجاح ليس في منح الجائزة الأولى، بل في استمراريتها على مدى عقود؛ لذا يجب التفكير منذ البداية في بناء كيان مؤسسي له موارد، لا أن تبقى المبادرة رهينة مزاج صاحبها أو أحواله المالية.

ويمكن للمثقفين أن يلعبوا دورًا حاسمًا في إنجاح مشاريع رجال الأعمال الثقافية، لكن هذا يتطلب علاقة متوازنة تقوم على الاحترام المتبادل والتفاهم العميق حول طبيعة العمل الثقافي. الجانب المهم والأساسي في هذه العلاقة هي أن المثقفين شركاء في الرؤية، لا منفذون مأجورون. ينبغي ألا يُستدعى المثقف ليؤدي دور «الخبير الزخرفي» أو يبارك المشروع فقط. عليه أن يكون شريكًا حقيقيًّا في وضع الأسس الفكرية، والحوكمة الثقافية، ومعايير الجودة. المشروع الثقافي لا ينجح بالتبرع وحده، بل بالمعرفة والتخطيط طويل الأمد.

أما الركن الثاني في العلاقة، فهي أنه يجب على المثقفين احترام حدود التمويل، وعلى الممول احترام حدود الثقافة. فلا ينبغي للمثقف أن يحمّل الممول رؤاه الأيديولوجية أو السياسية أو حساباته الشخصية، كما لا يحق للممول أن يُصوّب ذائقة المثقف أو يُعيد صياغة اختياراته. أرى أن التفاهم الناجح يقوم على هذا التوازن: المال يُمكّن، والثقافة تُوجّه.

أما ثالث أركان العلاقة بين المثقف ورجل الأعمال، فهي حتمية كتابة العقود الأخلاقية قبل العقود المالية. أي ينبغي وضع ميثاق -مكتوب إن أمكن- يتضمن احترام استقلال اللجنة الثقافية، وآليات التقييم، وحق الاختلاف، وتحديد المسؤوليات بوضوح. المشاريع التي لا تضع هذا الإطار منذ البداية تقع غالبًا في سوء الفهم وسوء الظن.

أما رابع أركان العلاقة بين المال والثقافة، فهو أنه على المثقف أن يحذر من التحوّل إلى مروّج، وعلى الممول أن يحذر من التحوّل إلى وصي. إن هذه العلاقة لا تنجح إلا حين تحافظ على المسافة الآمنة، فلا تملق من المثقف، ولا استعلاء من رجل الأعمال. وبينهما، تنشأ مؤسسات محترمة، تكرّم الأدب والفكر، وتُكتب لها الحياة.

في نهاية المطاف، ربما لا تزال العلاقة بين المال والثقافة حذرة، وهي ليست متوازنة. لكن هذه العلاقة ينبغي أن تستعيد التوازن ويجب ألّا يسودها التنافر، بل يمكن أن تكون علاقة تكامل، شرط أن تُبنى على الوضوح والاحترام. يستطيع المال أن يُشيّد البنية، ويوفّر الاستمرار، ويمنح الفكرة جناحين، لكن الثقافة هي التي تمنح المعنى، وتحدّد الاتجاه. حين لا يتقدّم أحدهما على حساب الآخر، وحين يعرف كل طرف حدوده ودوره، تولد مشاريع ثقافية أصيلة، تتجاوز الذوات وتبقى للأجيال القادمة.

شاعر وصحفي أردني

محمد إبراهيم يعقوب:

كل جائزة هي نافذة تطلّ على مبدعين يستحقون التكريم

في البدء، إنّ أيّ فعلٍ ثقافيٍّ يسهم في خدمة المشهد الثقافي بشكلٍ ما، هو جهد مرحب به لا شكّ. وفكرة إنشاء مؤسسات ثقافية باسمٍ ثقافي سواء كان مبدعًا أو مهتمًّا بالشأن الثقافي ليست فكرة جديدة، وليست فكرة تخص الثقافة العربية وحدها أيضًا.

وقبل إطلاق الجوائز عبر هذه المؤسسات الثقافية يبدو لي أنّ هذه المؤسسات يناط بها أو من ضمن أهدافها تفعيل النشاط الثقافي من تسليط الضوء على إنتاج المبدعين أو دعم طباعة هذا الإنتاج أو إقامة ندوات حول قضية ثقافية أو إبداعية. وهذا كله لا شك عملٌ يصبّ في صالح الثقافة، وهو دورٌ منتظر من الذين يملكون القدرة المالية والرؤية الثقافية، سواء من مثقفين أو رجال أعمال، بحيث يشكلون رافدا ثقافيًّا بالإضافة إلى ما تقوم به المؤسسات الرسمية.

أما ما تطلقه مثل هذه المؤسسات من جوائز ثقافية وإبداعية، فكل جائزة تُطلق هي نافذة تطلّ على مبدعين يستحقون التكريم أو مبدعين جدد يحتاجون مثل هذه النوافذ لضوءٍ ما. وأنا مع ذلك تمامًا. يبقى أن ندرك أن هذه المؤسسات، بما أنها تنتمي لشخصٍ ما أو من يمثله من القائمين على هذه المؤسسة، لا شك أنهم ينطلقون من أفكار تخصهم، وأهداف تمثّلهم مما ينعكس على نوعية هذه الجوائز واشتراطاتها ولجان تحكيمها، وسوف تظلّ المعايير شخصية مع كل مؤسسة، ومع كل جائزة.

لكن، ولمَ لا! هذا يضمن تنوعًا يحتاجه المشهد الثقافي ويبني عليه، فالأجناس الأدبية لكل جائزة، وشروط التقدم، وأعمار المشاركين، كل هذه العوامل تضمن تنوعًا يغني ويُثري. وأنا شخصيًّا أرى أن يُفصل بين الجوائز التكريمية، لروادٍ وتجارب رائدة ومتحققة، وبين الجوائز التنافسية للشباب؛ كي نقدّم أسماء جديدة للمشهد الثقافي. وهذا في ظني من أكثر الأهداف نُبلًا، ويدفع المشهد إلى المستقبل، فالرهان من أي مشهد ثقافي أن يحتفي بما مضى، لكنه يراهن على المستقبل. هكذا تستمر الثقافة، ونذهب بها بعيدًا.

شاعر سعودي

جاسم الصحيح:

الاستثمار الثقافي ومعضلة الاستمرار

كان المثقفون في السابق يشتكون من تقصير رجال الأعمال في دعم الحركات الأدبية والفنية، وعدم اضطلاعهم بالدور الثقافي الذي يجب عليهم القيام به من أجل نشر الوعي في المجتمع. هذه الشكوى سبَّبت في يومٍ ما خللًا في العلاقة بين المثقفين ورجال الأعمال. ولم تكن المسألة مسألةَ استجداءِ رجال الأعمال للتبرع بأموالهم، وإنما كانت مسألةَ تشجيعهم على الاستثمار في مشاريع الثقافة، وهو الأمر الذي قد يعود عليهم بالفائدة المادية، لكنهم لم يكونوا مؤمنين بالاستثمار الثقافي ظنًّا منهم أنه لن يعود عليهم بالربح، نظرًا لأن ثقافة الناس ثقافة تقليدية بسيطة لا يمكن أن تتحوَّل إلى سلعةٍ استثمارية تحقِّق المصالح التجارية لهم. ورغم هذه المقدمة، لا بدَّ أن نشير إلى نقطةٍ مضيئة في تاريخنا الثقافي القريب بخصوص تكوين المؤسسات الثقافية وهي تتمثَّل في المنتديات والصالونات الأدبية التي تقيمها العوائل الثرية، تجسيدًا لحبِّها للثقافة وتعميقًا لحضورها الاجتماعي من خلال هذه الصالونات والمؤسسات والجوائز.

أمَّا في الفترة الأخيرة، وبعد أن انطلقت الإستراتيجية الثقافية الحديثة لدينا في المملكة العربية السعودية، حسب رؤية ولي العهد الأمير محمد بن سلمان حفظه الله ورعاه، فقد بدأت الـمُدُنُ تتحوَّل باتجاه الحداثة في مبانيها ومعانيها، من أجل عصرنة هذه المدن، وبدأ الوعي الحداثي يتسلل حتى إلى التفكير التجاري. وهنا اقتنع رجال الأعمال بأن الاستثمار في الحياة الثقافية المدنية ذو جدوى وعوائد مادية، فانطلقت المؤسسات الثقافية بشكلٍ كبير للمشاركة في تطوير الجانب الإبداعي للمجتمعات، على صعيد السينما والأفلام والمسرح وغيرها.

ولا يمكن لأحد أن ينكر أن هناك رجالَ أعمال أنعشوا الوسط الثقافي في كلّ أنحاء الوطن العربي عبر عطاءاتهم، وقد تجلَّى اهتمامُهُمْ بالأدب عن إصدارِ جوائز أدبية قَيِّمة وإقامةِ صالونات ثقافية مثل (جائزة البابطين في الكويت)، (جائزة العويس في الإمارات)، (جائزة محمد حسن فقي في مصر)، (إثنينية عبدالمقصود خوجة في جدة)، (جائزة باشراحيل للإبداع الثقافي في مكة المكرمة) وغير ذلك من الجوائز والصالونات التي كان لها الأثر الكبير في إبراز المواهب الشابة، وتكريم الأدباء الكبار، وطباعة منجزاتهم الإبداعية.

أمّا ما يخصّ سلبيات المؤسسات والجوائز، فأنا أعتقد أنَّ المعضلة الكبرى التي تواجهها هذه المنشآت الثقافية الأهليَّة هي استمراريَّتها، خصوصًا بعد رحيل مؤسِّسيها. فلو ضربنا مثلًا عن عدم الاستمرار، لن نتجاوز (إثنينية عبدالمقصود خوجة، رحمه الله تعالى)، فهي قد توقَّفت بعد رحيله، وقد كانت خلال فترة حياته رائدةً في الاحتفاء برموز الشعر والأدب والفكر والعلم السعودية ومن أنحاء الوطن العربي، واستمرَّت أربعين عامًا تقريبًا. ولنا أن نضرب مثلًا آخر عن الاستعداد المبكِّر لاستمرار الجائزة بعد غياب المؤسس، وأمامنا (جائزة البابطين الثقافية) التي كانت عامرةً بفعالياتها على امتداد العام خلال فترة حياة الأستاذ عبدالعزيز البابطين رحمه الله تعالى، وما زالت عامرةً بعد وفاته من خلال أبنائه، فقد أعلن ابنُهُ سعود عن مضاعفةِ قيمة الجائزة لكلِّ الفائزين ابتداءً من العام الماضي، تأكيدًا منه أنَّ الجائزة مستمرَّة إلى أجل غير مسمّى.

شاعر سعودي

ميسون أبوبكر:

الثقافة بخير ما دام لها رُعاة

في الخليج العربي حظيت النشاطات والفعاليات الثقافية بدعم مادي سخي لم يقتصر على دعم الثقافة والمثقف في الدول الخليجية فحسب، بل امتد أثره للمثقف حيثما وجد في عالمنا العربي الممتد على مساحة قارتين.

لقد أسهم رجال الأعمال في دعم المشاريع الثقافية أو تبني الكثير من الأنشطة والفعاليات والجوائز وكراسي البحث؛ شعورًا منهم بالمسؤولية الاجتماعية وضرورة دعم المشهد الثقافي والاعتناء بالإبداع والمبدعين، وإيمانًا منهم بأن الشعوب ترتقي بالفن وتسمو بالإبداع وأن المثقف عمود المجتمعات الناهضة وعليه دور كبير في مجتمعه.

هناك نماذج كثيرة وقصص تحكى عن أشخاص نذروا ثرواتهم لصناعة مشهد ثقافي يشار له بالبنان، وهناك أمثلة كثيرة لمؤسسات وجدت لها موطئًا ثقافيًّا في هذا الزحام، مثل جائزة العويس، التي تعتني بالكتاب وتشجع الكُتّاب والمفكرين وتكرمهم اعتزازًا بدورهم في النهوض الفكري والعلمي في مجالات الثقافة والعلم والأدب في الوطن العربي. جائزة العويس هي إحدى منصات الإبداع التي لها عرس سنوي في تكريم أهل الفكر والثقافة منذ انطلاقها عام ١٩٨٧م تخليدًا للشاعر الإماراتي ورجل الأعمال سلطان العويس.

من جهة أخرى أشرقت مؤسسة الشاعر الكويتي عبدالعزيز سعود البابطين، الذي غادرنا قبل عام، والتي مضى بها الآن أبناؤه وأسرته الكريمة تخليدًا لذكراه ومواصلة لمشوار طويل، حيث اجتمعت من خلالها قوافل الشعراء والنقاد لتجوب دول العالم في لقاءات الشعر والنقد، ثم مشروع حوار الثقافات والحضارات، ومعجم البابطين للشعراء. وقد أنشأ الراحل مكتبته في وسط العاصمة الكويتية التي يرتادها الزوار وتقام بها المهرجانات الثقافية المختلفة.

ومن المملكة العربية السعودية انطلقت الجائزة التي فاز الفائزون بها بنوبل العالمية، وهي جائزة الملك فيصل العالمية، التي خصصت أحد فروعها الخمسة للأدب وتمنحها مؤسسة الملك فيصل الخيرية للأفراد والمؤسسات الذين قدموا إسهامات بارزة في مجال اللغة العربية والأدب. على النطاق الفردي أيضًا احتضنت إثنينية عبدالمقصود خوجة، التي تُعَدّ منتدى ثقافيًّا كبيرًا، أدباءَ وعلماءَ عربًا، ولم يُوقف مشوارها إلا وفاة صاحبها رحمه الله، بعد جهود متواصلة لدعم المشهد الثقافي. وقد عرف عن الكثير من رجال الأعمال، في المملكة، المبادرة والمشاركة. أذكر منهم الأستاذ سعيد العنقري، الذي قدم ١٤ مليونًا لدعم نادي الباحة الأدبي وأعمال أخرى نهضت بالمشهد الثقافي في جدة والباحة.

الإبداع الأدبي يتيم، حتى وإن كثر داعموه ومحبوه؛ فهو لا يشبه المشاريع التي تدرّ دخلًا ماديًّا على أصحابها، ولا تلك التي يتزاحم عند نوافذها عشاق الربح وسعاة الترفيه. فما زال الرياضي يحظى بشعبية عارمة لم يفلح المثقف في نيلها، وما زالت الملاعب تختنق بالجماهير، بينما تخلو قاعات الشعر من جمهورها؛ لذلك ألوّح بكفّ القلب لكل من نذر جهدًا أو مالًا أو وقفًا من أجل مشروع ثقافي ينهض بفكر المجتمع، ويمنح الشعراء والأدباء وأهل الفكر بعض ما يستحقونه من التقدير.

شاعرة ومذيعة فلسطينية

فاطمة الشهري:

أهداف أخرى غير مادية

الثقافة، مثل أي مجال آخر، بحاجة إلى دعمٍ وإلى رعايةٍ، وإلى أنشطة هادفة تسمو بها وتحيي فيها روح المنافسة التي بدورها تحفز على الإبداع والسعي الحثيث للتفرد والتميز. والمؤسسات الثقافة التي نشأت على أيدي بعض رجال الأعمال، وما نتج عنها من مسابقات وجوائز، أعطت الأدب والشعر قيمةً إضافية، وهي قيمة التنافس الشريف، والسعي لنيل تلك الجوائز التي تُقدم للمتنافسين.

ومن أبرز هذه الجوائز وأكثرها مصداقية (جائزة سلطان العويس الثقافية)، التي منذ تأسيسها، على يد مؤسسها الشاعر سلطان العويس، وهي تفتح آفاق التنافس وتقدم وتخلق بيئة تتنامى في روح الإبهار والإبداع والتميز. وما يثبت لنا ذلك بوضوح هي النتائج المبهرة التي تمخضت عن هذه المسابقة. وهذا يثبت أن هذه الجائزة حققت الأهداف التي كانت تطمح للوصول إليها، والتي على رأسها تشجيع وتكريم الأدباء والكتاب والمفكرين والعلماء العرب اعتزازًا بدورهم في النهوض الفكري والعلمي في مجالات الثقافة والأدب والعلم في الوطن العربي.

لا بد أن نشير إلى أنه ليس بالضرورة أن يكون الهدف من المشاركة في مثل المسابقات هدفًا ماديًّا، بل هناك أهداف أخرى كأن يستطيع الشاعر والأديب والمفكر من خلالها أن يثبت لنفسه ولجمهور الأدب أن إنتاجه الأدبي جدير بالاحترام، ويستحق أن ينافس على اعتلاء منصات التتويج. ومن ذلك نصل إلى أن مثل هذه المؤسسات والقائمين عليها قد خدموا المشهد الثقافي وأسهموا في الارتقاء به. ومهما اعترى تلك المؤسسات من سلبيات، فلا بد أن ندرك أن العمل الإنساني لا بد أن يعتريه النقص، ولكن لا ينفي ذلك أنها دفعت بعجلة الأدب والثقافة إلى الأمام، وأشعلت جذوة التنافس بين الأدباء والشعراء، وهو ما جعلنا نرى مثل هذه الغزارة في الإنتاج وهذا التطور المستمر في مجال الثقافة والفكر.

ومن هنا لا بد أن نوجّه كلمة شكر وإجلال وتقدير لأصحاب تلك المؤسسات وتلك الجوائز التي نراها حققت خلال سنوات عدة من العطاء ما لا يُحصى من الإنجازات، وقدمت للساحة الثقافية الكثير من الأسماء اللامعة في سماء الفكر والشعر والأدب.

شاعرة سعودية

محمد سليم شوشة:

المعايير والموازنة

أي مؤسسة مشتغلة بالمجال الثقافي تكتسب قيمتها من إيمان الجمهور بنزاهتها واشتغالها على العمل في مسار تشكيل جمالي عام يسعى للتأثير الثقافي الإيجابي دون تحيزات، وفي ضوء رؤية أو معايير إنسانية عامة، وأيضًا معايير حضارية تقدمية. وهذا ما تحقق في جائزة ومؤسسة سلطان العويس. فالمؤسسات الخاصة لرجال الأعمال يجب أن تكون نموذجًا في الإدارة والاستقلال والعمل وفق خطة أو رؤية واضحة لخدمة الثقافة العربية، وكلما كان هذا متحققًا، اكتسبت المؤسسة ثقة الجماهير وإيمانهم بها وبدورها الإيجابي في حياتهم.

لا بد أن تكون هناك معايير جمالية وإنسانية، حتى وإن كانت الجائزة غير مشتغلة على العلم بشكل مباشر، لكنها في النهاية تشتغل على خطاب مؤثر في العقل الجمعي العربي، وهكذا يتعين عليها أن تكون طليعية وتقدمية وتدعم الإنتاج الأدبي الذي يسهم في تنمية هذه المسارات العلمية والفكرية التقدمية لدى المواطن العربي، وألا تميل إلى الرجعية أو التخلي عن التراث، فيتعين على مثل هذه الجوائز الناجحة أن توازن بين الماضي والحاضر والمستقبل، وتنطلق من القديم والمشترك والموروث لدعم المستقبل.

أما المثقف العربي فيجب في رأيي أن يكون هو الرائد والقائد الفكري لمثل هذه المؤسسات، إن كان أصحابها ليسوا من ذوي الإبداع، وإن كان كثير من الجوائز العربية يرعاها بالأساس رجال أعمال أغلبهم أدباء وشعراء. فإذا كانت هناك مؤسسة اقتصادية تريد أن تعمل في المجال الثقافي وتؤسس جوائز أدبية وثقافية، يجب على المثقف أو الأديب العربي أن يتعامل معها بنزاهة وأمانة، ويسهم في تحديد خطتها لتكون واضحة ومعلنة وفي ضوء معايير واضحة. فأي جائزة تكتسب قيمتها ومصداقيتها من معايير اختيار لجانها ومعايير تحكيم أعمالها الفائزة أو الشخصيات المكرمة، فالمعايير والشفافية هي أهم ما تحتاج له ثقافتنا بشكل عام.

ناقد وأكاديمي مصري

«مهرجان الطار»: إيقاعات سعودية تُلهم الواقع وترتقي بالتراث هيئة الموسيقا تحتفي بالطار والرياض تستعيد نبضها الإيقاعي

«مهرجان الطار»: إيقاعات سعودية تُلهم الواقع وترتقي بالتراث

هيئة الموسيقا تحتفي بالطار والرياض تستعيد نبضها الإيقاعي

في أجواء نابضة بالإيقاع، عاشت الرياض تجربة فنية استثنائية مع انطلاق النسخة الأولى من «مهرجان الطار»، الذي نظمته هيئة الموسيقا على مسرح أبو بكر سالم في منطقة البوليفارد بالرياض، على مدى أربعة أيام، من 20 إلى 23 أغسطس. وقد تزامن المهرجان مع بطولة كأس العالم للرياضات الإلكترونية؛ ليضيف إلى العاصمة مشهدًا ثقافيًّا متنوعًا يجمع بين الفنون والرياضة والترفيه.

انبثقت فكرة المهرجان لتلقي الضوء على آلة الطار بوصفها واحدة من الرموز الراسخة في الثقافة الموسيقية السعودية، ولما تحمله من قيمة وجدانية متجذرة في الذاكرة الشعبية. فقد ارتبطت هذه الآلة، منذ قرون، بالمناسبات الاجتماعية والاحتفالات الشعبية، حتى غدت جزءًا من الهوية الفنية للمملكة. وقد نجح المهرجان في تقديم الطار برؤية معاصرة تجمع بين الحفاظ على الأصالة والانفتاح على الإبداع الحديث.

على مدار أربع ليالٍ متتالية، احتضن مسرح أبو بكر سالم ثمانية من أبرز نجوم الغناء السعودي الذين قدّموا أمسيات مبهرة، امتزجت فيها الأصوات الطربية مع الإيقاعات الأخاذة للطار. ولم يقتصر البرنامج على الغناء، بل شمل عروضًا أدائية حيّة، وتجارب موسيقية تفاعلية، وأركانًا للحرف اليدوية التي أظهرت للزوار كيفية صناعة الآلات الموسيقية التقليدية. وكان المشهد في السوق المصمم على هيئة «سوق الحلة» الشهير لافتًا؛ إذ استحضر ماضي الرياض في صناعة وبيع الآلات الموسيقية، لكن بروح عصرية تُلائم جيل اليوم.

منصة ثقافية

لم يقتصر المهرجان على الحفلات الموسيقية فحسب، بل شكل منصة ثقافية متكاملة جمعت بين الفنون والتراث والتفاعل الجماهيري. فقد أتيحت للزوار مساحات مفتوحة للالتقاء بالفنانين والموسيقيين، والتعرف إلى مسارات صناعة الموسيقا من خلال الورش المباشرة وتجارب الأداء الحي. كما أُتِيحَتْ أجنحة لبيع الآلات الموسيقية والمنتجات المستوحاة من هوية المهرجان، وهو ما أضفى على التجربة طابعًا تسويقيًّا ثقافيًّا يعزز مفهوم «السياحة الثقافية» في المملكة.

هذا المزج بين الطابع الفني والبعد التراثي حوَّل المهرجان من مهرجان غنائي، إلى نموذج للاحتفاء بالذاكرة الفنية الثقافية للمجتمع السعودي، من خلال إبراز مكانة الطار كواحد من الركائز الأساسية للموروث الموسيقيّ. وقد عكس المهرجان رؤية هيئة الموسيقا بتمكين المواهب السعودية، وإبراز قدراتهم أمام جمهور واسع محلي ودولي، وبخاصة مع الحضور اللافت للبطولة العالمية المصاحبة التي استقطبت زوارًا من مختلف دول العالم.

وقد أوضح الرئيس التنفيذي لهيئة الموسيقا باول باسيفيكو، بأن الهدف من المهرجان هو وصل الماضي بالحاضر، وتقديم الطار كجسر يلهم الأجيال الجديدة من الفنانين والموسيقيين، داعيًا إلى توظيف هذه الآلة في إنتاجات موسيقية مبتكرة تحافظ على أصالتها وتفتح لها آفاقًا جديدة. ومن هذا المنطلق، بدا المهرجان فرصة حقيقية لتعزيز الحراك الموسيقيّ في المملكة، ودعم الصناعات الإبداعية المرتبطة به، بما ينسجم مع رؤية المملكة 2030 التي تسعى إلى تنويع المشهد الثقافي والفني.

شغف المجتمع وتفاعله

وقد عكس الحضور الجماهيري الكثيف شغف المجتمع بهذه التجارب التي تتيح تفاعلًا مباشرًا مع الموسيقا الحيّة، وتفتح آفاقًا جديدة أمام المواهب السعودية. وعبر كثير من الزوار عن سعادتهم بتخصيص مهرجان متكامل للاحتفاء بآلة الطار، مؤكدين أن مثل هذه المبادرات تسهم في حفظ التراث الموسيقيّ ونقله للأجيال المقبلة.

لم يكن مهرجان الطار حدثًا عابرًا، بل تجربة تركت أثرًا سيظل حاضرًا في الذاكرة الثقافية والفنية للرياض. لقد نجح المهرجان في إعادة صياغة العلاقة بين المجتمع والموسيقا، وأثبت أن الآلات الشعبية ليست مجرد إرث من الماضي، بل مصدر إلهام حيّ قادر على العطاء والتجدد. ومع التطلعات لنسخ قادمة أكثر اتساعًا وثراءً، يظل المهرجان علامة فارقة في مسيرة إبراز الهوية الموسيقية السعودية، ونافذة تنفتح من الرياض على العالم لتقول: إن الموسيقا جزء لا يتجزأ من ملامح هذه الأرض.

تارا الدغيثر: عندما أكون الصوت المحرّك في العرض لا بد أن أستحوذ على المسرح بكامله لأتمكن من جذب الجمهور

تارا الدغيثر: عندما أكون الصوت المحرّك في العرض

لا بد أن أستحوذ على المسرح بكامله لأتمكن من جذب الجمهور

تكشف الفنانة السعودية المميزة تارا الدغيثر عن تجربة أدائية مركّبة، جمعت بين الموسيقا الحيّة وحركة الجسد والنص الأدبي، ضمن عمل فني عُرض في بينالي الشارقة 16 ومناسبات فنية أخرى. ومن خلال عمل «التقاء الأنهار على سلم ميّ الصغير»، تسعى الفنانة إلى التعبير عن التقاء الثقافات والجغرافيات، مستلهمة من تاريخ الأهوار العراقية وتراث الحضارة السومرية، ومُفعّلة حضور المرأة في الذاكرة والخيال الجمعي.

التجربة لا تقف عند حدود الأداء الصوتي والموسيقي، بل تنفتح على الجسد بصفته وسيطًا تعبيريًّا؛ إذ تؤكد تارا الدغيثر في حوار لـ«الفيصل»، أن حضورها على المسرح لا ينفصل عن العمل ذاته، بل يُذيب الحواجز بين الواقع والخيال؛ لتصبح المساحة المسرحية امتدادًا لطاقتها ورؤيتها. وفي خضم هذا التفاعل، يؤدي الفريق الفني دورًا أساسيًّا؛ إذ تتحدث عن تناغمها مع موسيقيين من خلفيات متنوعة، اختارتهم بعناية لتجسيد رؤيتها التجريبية.

وتبرز أهمية التعاون في مشروعها «صوت الصورة»، الذي يركّز على توثيق الأداء النسائي وتجسيد السرديات المهمّشة، خصوصًا في منطقة الخليج. وتؤكد ضرورة استقلال الفنانات وعدم انتظار الدعم المؤسسي، بل الانطلاق من شغف داخلي لبناء تجارب فنية ناضجة.

حوار تارا الدغيثر، الغني بالمضامين العميقة، يسلط الضوء أيضًا على تحديات الفنون الأدائية النسائية في المجتمع، وعلى دور المؤسسات الثقافية مثل مؤسسة الشارقة للفنون وبينالي الدرعية، في دعم المشروعات النوعية. وتختم الفنانة حديثها برؤية متفائلة لمستقبل الفنون في السعودية؛ إذ تلتقي مشروعاتها مع التحولات الثقافية العميقة التي تشهدها المملكة ضمن رؤيتها 2030.

الانغماس في كل عرض

  يجمع العرض الذي قدَّمتِه، ضمن مفكرة إبريل، البرنامج الذي يناقش الأعمال التي عرضت في بينالي الشارقة 16، بين الموسيقا وحركة الجسد والإلقاء. كل ذلك جعل العمل مركبًا وشديد الكثافة وهو يستكشف كنه المرأة؛ المرأة باختلاف مدلولاتها… ما الذي حاولت التعبير عنه بأكثر الطرائق تركيبًا؟

  بطبيعة الأداء الموسيقي الحي، خصوصًا المرتجل منه، فإن التعبير يرتبط بالزمان والمكان لحظة الأداء ذاته. وعلى الرغم من محاولات الفنان أو المؤلف الموسيقي ضبط فكرة أو قصة أو سلّم موسيقي محدد، فإن كل أداء يصبح، نوعًا ما، عملًا منفردًا بمجرد التفاعل الحي مع الفنانين الآخرين، ومع الجمهور، وما يحملونه من رؤى وتجارب مختلفة. كان القصد من مقطوعة «التقاء الأنهار على سلم مي الصغير»، هو السعي للتعبير عن نقطة التقاء نهري دجلة والفرات بالخليج العربي، عند منطقة الأهوار، قرب شط العرب، التي كانت مركزًا للحضارة السومرية. كثير من مكونات المقطوعة انطلقت من بحث أدبي وشعري مكثف لتلك الحقبة ولتفاعل المرأة مع الدلالات المرتبطة بها.

  لم تظهرِي بصفتك مجرد مؤدية لعمل، أو مجرد عضو في فريق، كنتِ منغمسة تمامًا وأنت تؤدين العمل الفني. بدوتِ وكأنك العمل نفسه! حدثينا عن هذه الحالة وآلية تقديم القدر نفسه من الانغماس في كل عرض؟

  قوة الأداء الحي تكمن في قدرة الفنان على إسقاط خياله على الواقع. عندما أكون الصوت المحرّك في العرض، لا بد أن أستحوذ على المسرح بكامله لأتمكن من جذب الجمهور. من الجميل أنك شعرت بذلك؛ لأنه بالفعل كان شعورًا مشتركًا بيننا خلال الأداء. يصعب شرح ما يحدث بدقة، لكن يمكنني القول: إن ستار ما يُعرف بـ «الواقع» يسقط، وتصبح المساحة امتدادًا لخيال الفنان، مرحبة بالجمهور ضمن العمل. هذه الحالة لا تتحقق إلا عبر الأداء الحي، بخلاف التمثيل في الأفلام أو الأداء المسجّل؛ إذ يتطلب الحضور الحي ثقة عالية وحضورًا متكاملًا.

  إلى أي حد تشعرين بالتناغم والتوافق مع بقية الفريق، الذين قدموا أداءات فاتنة بآلاتهم الموسيقية، وكأنما كانت تلك الأداءات تتصادى أو تعكس حيوية حركتك في فضاء المكان؟

  اخترت الفريق بعناية لأنهم فنانون موهوبون وآلاتهم تتناغم مع رؤية العمل. علاقتي بهم تتجاوز التعاون الموسيقي إلى فهم عميق ومشترك. لم تكن الاختيارات عشوائية، بل كنت محظوظة بوجود فنانين متحمسين للفكرة، ومتفرغين للحوار منذ المراحل الأولى، وهو ما خلق تناغمًا حقيقيًّا في الأداء.

  هل أنتم فريق واحد يقدم عملًا، أم إنك تستعملينهم، أي تستعملين خبراتهم، لإنجاز مشروعك النوعي والمتفرد؟

  لسنا فريقًا دائمًا، فالفنانون الذين أعمل معهم يعيشون في مدن وقارات مختلفة. في هذه المقطوعة حظيت بمشاركة الفنانة السعودية أروى العبيد على الكمنجة، والفنان الياباني شاتوري شيموزي على آلة الشو العريقة، والفنان الأميركي زاير شيرمان على آلة الساكسفون والإلكترونيات، وأما دوري فكان على البيانو، الغناء والدف. التعاون بيننا مبني على الصداقة والتفاهم الفني، وهو قائم على مشروعات محددة تتطلب مواهب نادرة، خصوصًا تلك المنفتحة على التجريب والتجديد؛ لذلك لا أستعمل خبراتهم بقدر ما أدعوهم للمشاركة في تجربة إبداعية مشتركة.

جسد يتكلم: الأدب يقود اختيار الآلات

  لمن تعود فكرة اللجوء إلى بعض تلك الآلات الموسيقية التي أثثت فضاء العمل بطيف متنوع من الأصوات الموسيقية؟

  المقطوعة من تأليفي، لكنها لم تتبع النمط التقليدي في التأليف. بدأت بتكوين عالم سردي مستلهم من الأدب والبحث في تاريخ المكان، ثم اخترت الآلات والفنانين القادرين على ترجمة هذا العالم صوتيًّا، خصوصًا أولئك المنفتحين على الموسيقا التجريبية. وقد تحقق اللقاء بدعم كريم من مؤسسة الشارقة للفنون.

  في العمل الذي عرض ضمن بينالي 16، اتخذت من حركة الجسد أسلوبًا للتعبير لأقصى حد… إلى أي حد تطاوعك حركة الجسد لتقولي، من خلالها، كل ما تريدين؟

  هذه هي المرة الأولى التي أستخدم فيها حركة الجسد للتعبير، وقراري جاء من ملاحظتي لأهمية الحركة في طقوسنا وتراثنا الشعبي المرتبط بالعمل، ومن رغبتي في تقديم عرض فني مبني على المدلولات التي وجدتها أثناء البحث. وقد ساعدني كثيرًا في هذا القرار دعم مؤسسة الشارقة، وثقة القيّمة أمل خلف، والفنانة مروة المقيط التي تعمل من سنين على إخراج وتصوير الحركة.

كما استند المشروع إلى بحوث مهمة قامت بها زميلتي زينب حسون التي وثقت تاريخ الثقافة العراقية، وهو ما عزز أهمية الأرشفة وتنظيم المعرفة في مشروع «حدود الجسد الحالم». المصممة رازان مسلم وفريقها من أستوديو OTKYTUR أضافوا بزي متفاعل مع الحركة، وهو ما دعم التباين بين البطء والسرعة. وساهمت الفنانة حياة أسامة في تصميم الزي بجلد قابل للتحلل الحيوي، صُنع ليشكّل الطبقة الخارجية للفستان. وقد ساعدتني كل هذه المساهمات في الاستعداد لهذا العرض.

شخصيًّا، جاءت هذه التجربة في وقت واجهت فيه تحديات جسدية، فحولت ذلك إلى قوة تعبيرية عبر الاعتراف بالحدود الداخلية والخارجية. من المهم تأكيد وجود اتجاهات عديدة في فنون الأداء؛ بعضها يعبّر الفنان من خلالها عن حالته العاطفية، وبعضها الآخر يُوظّفه لتجسيد شخصية أو أداء دور معين. في هذا العمل، كان هناك مزيج من الاثنين. وفي جميع الحالات، يتطلب الأداء حضورًا كاملًا وتركيزًا عاليًا، إضافة إلى الشجاعة والثقة بالنفس. الأهم بالنسبة لي في هذا المشروع هو تسليط الضوء على الدور المحوري للتعاون وروح الجماعة في الفنون النسائية، وهذا هو الجوهر الحقيقي لما تمثّله «صوت الصورة». لن نصل بعيدًا عندما نعمل بمفردنا، ورؤية الأفق تتطلب تضافر عيون وآذان متعددة تعمل معًا باستمرار.

النسيج الثقافي المتنامي في السعودية

  النصوص التي تصاحب وتنساب في أعمالك، كيف تختارينها؟

  النصوص المستخدمة في مشروعات «صوت الصورة» هي نتيجة بحث عميق في الأدب والأداء الصوتي النسائي. سواء في أعمالي أو تلك التي أوكلها لفنانات أخريات، فالنصوص تُختار بعناية وتُعاد كتابتها أو تخيلها؛ لتكون جزءًا من حوار فني داخلي. العلاقة مع النص تتحول إلى سرد شخصي يثري العمل ويحييه فكريًّا وعاطفيًّا.

  أعمالك تبدو ناضجة ومفعمة بأسئلة شائكة، حدثينا عن البدايات، عن الشرارات الأولى؟

  خلفيتي في تنسيق المعارض والدراسات الثقافية في لندن أثارت فضولي حول الفجوات في توثيق التاريخ الفني الناقد، خاصة المتعلق بالنساء والفنون الشعبية في الخليج. بدأت بمبادرة فنية توثيقية قبل ست سنوات، شكلت نواة مشروع «صوت الصورة»، الذي كُتب عنه كثيرًا، وكان وسيلتي لسد هذا النقص وإعادة تصور السرديات النسائية.

  كيف ترين مستقبل الفنون الأدائية؟

  في رأيي، التحديات التي تواجه الفنانات في الفنون الأدائية هي تحديات مجتمعية في الدرجة الأولى، وليست مؤسسية. الدولة تقدم دعمًا كبيرًا ومتنوعًا، لكن التشجيع المجتمعي لا يزال محدودًا. كثير من النساء يواجهن صعوبات في التعبير الفني، وبخاصة في وسائط مثل الصوت أو الحركة. لذا يجب إيجاد مساحات آمنة، وبناء شبكات دعم متينة؛ لأن هذه الفنون تحتاج حضورًا شجاعًا ومتكاملًا.

  هل تشعرين أن توجهك هذا جاء في وقته المناسب، بالنظر إلى التحول الذي تشهده السعودية؟

  مشروعي بدأ منذ ست سنوات، بدافع إيماني العميق برؤية المملكة 2030 وبرامجها المتينة الداعمة للفنون وتعميق هويتنا الثقافية وأنا مؤمنة إيمانًا كاملًا بمستقبل الفنون في المملكة. لا أرى سببًا للتوقف، بل أحرص على الاستمرار في بناء مساري الفني والبحثي؛ ليكون جزءًا من النسيج الثقافي المتنامي في السعودية.

  كيف تنظرين إلى التوجه للاحتفاء بالفنون الجديدة، في بينالي الدرعية وغيره؟

  أرى أن هذه المنصات تساهم في إثراء المشهد الفني، وتضيف صوتًا عالميًّا مهمًّا، وأتمنى أن نرى مبادرات أكثر من القطاع الخاص، وخصوصًا غير الربحي منه، تدعم الفنون من منظور تعليمي واجتماعي. لا يكفي أن نضع المملكة على خريطة الفن العالمية، بل نحتاج أيضًا إلى بناء برامج داخلية تُعنى بالتنمية الثقافية المستديمة. الاستقلالية والدعم المجتمعي ضروريان، ومشروعات مثل «صوت الصورة» و«مغرس» مثالان على هذا التوجه الواعد.

وأود أن أسلط الضوء على مشروع «مغرس»، الذي نشأ من شغف مستقل لدى القيمتين سارة العمران ولولو المانع؛ إذ شكّلا فكرة مزرعة بحث تجريبية لتمثيل الجناح السعودي في بينالي العمارة في ميلانو هذا العام. يهدف المشروع ليكون مكانًا مستديمًا للتفاعل المجتمعي
في الأحساء.

شاركت من خلال تصميم ورش عمل للنساء المحليات حول ذاكرة الجسد والتاريخ الشفهي الجماعي، وقدّمناها بصفتها موضوعًا صوتيًّا ضمن المعرض، إلى جانب أعمال محمد الفرج ولين عجلان وبحث الفريق الأكبر. وقد حظي المشروع بدعم لجنة العمارة والتصميم وبرمجة مؤسسة عبدالمنعم الراشد الإنسانية، وهو نموذج يُبرز كيف يمكن للثقافة والفن أن ينموا بتعاون الجهات الحكومية والخاصة غير الربحية.

تحديات، وتعاون، وآفاق

  هناك فنانات سعوديات يحاولن تقديم أداءات وأعمال جديدة، كيف تتلقين أعمالهن؟ وهل من انطباعات حولها؟

  لم أحظَ بفرصة كافية للاطلاع على عددٍ كافٍ من الأمثلة في الساحة، وهو ما يصعّب تقديم رأي نقدي متكامل. ومع ذلك، يمكنني الإشارة إلى الفنانة سارا إبراهيم، التي بدأت دراسة فن الحركة منذ سن مبكرة، واستطاعت أن تقدم عملًا فنيًّا لافتًا في السعودية. أسلوبها يتميز بالفرادة والعمق، ويستحق الاهتمام والمتابعة.

كما أود أن أؤكد أهمية ألا تنتظر الفنانات الدعم المؤسسي دائمًا، حتى إن كان متاحًا في محيطهن؛ بل من الضروري أن ينطلقن بشغفهن، ويعملن على تطوير ذواتهن باستقلالية؛ ليصلن إلى مرحلة النضج الفني التي تفتح لهن الأبواب وتخلق لهن الفرص.

  في العمل الذي عرضته في بينالي الشارقة 16، شاركتك فنانات سعوديات، وفي العرض الجديد أيضًا شاركتك أروى العبيد؛ ما شعورك وأنت محاطة بفنانات من جيلك؟

  من الرائع أن نتقاطع نحن الفنانات في مساحة واحدة، ونتشارك التعبير معًا. أشعر بالفخر للتعاون مع أروى العبيد في «التقاء الأنهار»، وأعتز بوجود الفنانة سارا عبدالله، التي أتابع مسيرتها منذ سنوات، وأرى فيها شغفًا حقيقيًّا. هذه المشاركات تجعلني أشعر أنني جزء من حركة فنية نسائية ناضجة تُبنى بثقة.

  أخيرًا، كيف تنظرين إلى بينالي الشارقة، واحتفائه بتجارب فارقة من أنحاء العالم؟

  بينالي الشارقة كان مدخلي إلى عالم الفن المعاصر عندما كنت طالبة في الجامعة الأميركية في الشارقة. أقدّر هذه المنظومة كثيرًا، وأرى في الشيخة حور القاسمي نموذجًا نادرًا لقيادة حوار فني أخلاقي وإنساني عالمي. هذا العام تميز بحضور منسقات رائدات مثل أمل خلف، ناتاشا جينوالا، وعالية سواتسكا، اللواتي كان لهن دور كبير في إثراء تجربتي وتطوير رؤيتي وسعدت جدًّا بالمشاركة مع نخبة من الفنانين والمفكرين الذين أعتز بهم كثيرًا.

إسبانيا تشهد تدشين «رياض الشعراء في قصور الحمراء» تركي الفيصل: ما أحوجنا اليوم إلى قيم التعايش التي سادت في الأندلس

إسبانيا تشهد تدشين «رياض الشعراء في قصور الحمراء»

تركي الفيصل: ما أحوجنا اليوم إلى قيم التعايش التي سادت في الأندلس

في قلب الحضارة الأندلسية تقف الحمراء شامخة، حيث يتشابك الشعر مع المعمار، ويهمس الحرف العربي لجدران القصور، كما لو كان صدى خالدًا. في مدينة غرناطة جرى تدشين كتاب «رياض الشعراء في قصور الحمراء»، الذي كان خلاصة تعاون علمي وثقافي بين الدكتور عبدالعزيز ناصر المانع، أستاذ اللغة العربية بجامعة الملك سعود بالرياض، والبروفيسور خوسيه ميغيل بويرتا فلتشث، أستاذ تاريخ الفن بجامعة غرناطة وعضو الأكاديمية الملكية للفنون الجميلة.

الكتاب، الذي تُرجم وطُبع بدعم من جائزة الملك فيصل، وبالشراكة مع هيئة قصر الحمراء وجنة العريف ودار النشر «Edilux»، يجمع لأول مرة نحو مئة قصيدة نُظمت لتُخلَّد على جدران قصر الحمراء، لم يبقَ منها اليوم سوى الثلث المنقوش، فيما تلاشت بقيتها مع تعاقب الأزمنة. لكن هذا الكتاب لم يكتفِ بجمع النصوص، بل قدم دراسة تحليلية شاملة، تضمنت خرائط توضيحية وصورًا عالية الجودة ونصوصًا شارحة، إضافة إلى تعليقات لغوية وإحالات إلى المصادر العربية التي وثقت هذا الإرث الفني الفريد، في محاولة لفهم كيف تماهت القصيدة العربية مع جدران الحمراء، وكيف ظلّ الشعر حيًّا في الحجر، ناطقًا بلغة الجمال.

شعرٌ يتكئ على التاريخ

شهد حفل تدشين الكتاب، الذي أقيم في مايو الماضي، كلمة لصاحب السمو الملكي الأمير تركي الفيصل، رئيس مجلس إدارة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية. أشار في مستهلها إلى رمزية المكان الذي احتضن الحفل؛ إذ قال: «يسعدني اليوم أن أكون معكم في هذا الصرح العالمي، نادر المثال في هذا العالم، وأحد معالم تراثه، ليس لجماله، وفن هندسته، وعراقة تاريخه فحسب؛ بل لما يُمثله من رمزية ثقافية، جمعت بيننا نحن العرب والمسلمين وإسبانيا. وأشكر بهذه المناسبة جائزة الملك فيصل، وإدارة الحمراء، وجنة العريف الذين أتاحوا لنا فرصة هذا اللقاء لتدشين صدور كتاب «رياض الشعراء في قصور الحمراء». وأضاف الأمير أن الكتاب الذي يستحق عقد مثل هذه المناسبة العزيزة، «يستحضر عبق هذا القصر، وتاريخه الثقافي، من خلال الشعر الذي ازدانت به جدرانه وقاعاته». ويلفت الأمير تركي أن «الكتاب يقدم لمحة عن تاريخ الحمراء وقصور الحمراء وبُنَاتها، والأشعار الجدارية لقصور الحمراء؛ أحوالها وشعرائها، إلى جانب نبذة عن تاريخ قراءة النقوش الشعرية للحمراء». وأوضح الفيصل «أن هذا اللقاء كان يمكن أن يكون في الرياض ليتم التدشين، ولكن لما استشارني الدكتور عبدالعزيز السبيل أمين عام جائزة الملك فيصل، واقترح أن يكون اللقاء في غرناطة، رأيت أن يكون هذا الحفل في مدينة غرناطة العزيزة، وفي هذا القصر خاصةً، تقديرًا للجهود التي تبذل للحفاظ على وهج هذا الإرث المجيد المشترك فيما بيننا، الذي يزوره الملايين من سكان هذا العالم، ويرون قيمة هذا الإرث المشترك».

وتابع الأمير تركي قائلًا: «منذ خمسة وستين عامًا، وقعت عيناي على هذا الصرح الأسطوري في جماله، والتاريخي ببهائه، فرأيت تلك الجنة التي تغنى بها العرب ماضيًا وحاضرًا، لكنها في ذلك الوقت كانت لا تزال تحتاج إلى العناية التي تليق بها. ولا يزال العرب يتغنون بشعر لسان الدين ابن الخطيب العلَّامة الأندلسي والغرناطي البارز وهو الشاعر، والكاتب، والفقيه، والمؤرخ، والفيلسوف، والطبيب، والوزير في هذا القصر، وشوقه لغرناطة بعد أن هاجر منها إلى فاس؛ إذ يقول في إحدى قصائده:

جادَكَ الغيْثُ إذا الغيْثُ هَمى

يا زَمانَ الوصْلِ بالأندَلُسِ

وهذا قد انطبق عليَّ؛ إذ زرتها بعد ذلك مرات عدة، وقد ازدانت، واعتُني بها وبالإرث الذي عليه قامت، وتقوم اليوم، على نحو يليق بها، كما نراه اليوم. وها نحن اليوم نستمر بالوصل بالأندلس الذي لم يتمكن منه ابن غرناطة لسان الدين ابن الخطيب؛ إذ اغتيل في سجنه في فاس سنة 776هـ/ 1374م، لكنه خلدها في شعره. وما زلت أُوخَذُ بروعة المعمار الفني، وبرقة البراعة التي أتت بالماء من الأسفل إلى الأعلى لتروي جنانه، وبمد أنابيبها إلى تحفة قاعة الأسود الاثني عشر التي يصبُّ من كل واحد منها الماء كل ساعة من اليوم».

وتطرق الفيصل في كلمته إلى البعد العمراني لهذا القصر والإبداعات التي فيه، حيث عدّه الشعراء العرب لؤلؤة في زمردة، وهو ما أكده الروائي الأميركي الشهير واشنطن أيرفنغ الذي ألَّف كتاب «حكايات الحمراء» في عام 1832م؛ حيث وصف أيرفنغ هذه الزمردة، أي غرناطة بأنها: مدينة بالغة الفتنة والجمال، تقع في أروع موقع طبيعي رآه في حياته، فأضفى في حكاياته التي جمعت بين الوصف، والأسطورة، والأحداث التاريخية الحقيقية، بُعدًا رومانسيًّا لفت نظر العالم لهذه التحفة البشرية، بأبطالها العرب والإسبان.

كما تحدث الأمير تركي أيضًا عن الجانب القيمي الذي مثله هذا القصر؛ إذ امتزجت فيه القيم الإنسانية باندماج الفئات المجتمعية كافة في غرناطة، مؤكدًا أن «قصر الحمراء ليس مجرد هيكل مادي مع أهميته، ولكنه شهادة حية على تاريخ غرناطة المتنوع والمتعدد الثقافات. إنه مكان تلاقت فيه في حقبة ازدهاره الثقافات المختلفة. عاش فيه المسلمون والمسيحيون واليهود جنبًا إلى جنب. وقد أثر هذا التعايش في جميع جوانب الحياة اليومية. فعلى الرغم من الخلفيات الثقافية المختلفة، فقد نجح مجتمع الحمراء في إيجاد بيئة غنية بالابتكار والفنون. تتجلى مظاهر هذا التسامح في الفن والموسيقا والعمارة والأدب، في جو من الانفتاح الفكري. وتُعَدّ الزخارف والنقوش الموجودة في قصر الحمراء دليلًا على تأثير الثقافات المتنوعة في إنشاء الفنون العربية الإسلامية، وهو ما يؤكد أن التبادل الثقافي هو أحد عوامل نجاح ازدهار الثقافات والحضارات». ويمضي الأمير تركي قائلًا: «ما أحوجنا اليوم إلى تلك الروح التي تعايشت من خلالها الثقافات المختلفة، لقد كانت قيم التعايش والتسامح التي سادت في الأندلس قرونًا عدة هي ما ينبغي استعادتها في عالمنا اليوم. ولهذا لا غرابة في أن المملكة وإسبانيا كانا شريكين رئيسين في الدعوة إلى الحوار بين الأديان والثقافات والحضارات التي أدت إلى تأسيس تحالف الحضارات، وفي تأسيس مركز الملك عبدالله العالمي للحوار بين أتباع الديانات والثقافات؛ إذ إن إرث الدولتين ومواقفهما يقوم على ترسيخ مثل هذه القيم الإنسانية».

وحول واقع العلاقات بين المملكة العربية السعودية وإسبانيا، أشار الفيصل إلى أنه «لا حاجة هنا لتأكيد عمق العلاقات بين المملكة العربية السعودية وإسبانيا، فهي علاقة تاريخية راسخة، تقوم على التفاهم والتعاون المشترك بين البلدين في المجالات كافة؛ السياسية، والاقتصادية، والعسكرية، والاستثمارية، والثقافية، والإنسانية. وتؤكد قيادات البلدين على الدوام، أهميةَ هذه العلاقات، وأهميةَ تعزيزها، على نحو يخدم مصالح الشعبين والبلدين». واختتم الأمير كلمته بطرفة لطيفة؛ إذ قال: «لقد تعلمت من صديقي الكوبي، وهو من أصل إسباني واسمه جوستافو دي لوس رييس، عبارة باللغة الإسبانية كان يمازحني بها وهي: «HAY MoRosen la costa»، وهي العبارة التي كان يطلقها الإسبان عندما كانوا يرون المحاربين العرب ينزلون على شواطئ إسبانيا، وذلك في السنين الغابرة، ولكننا اليوم ها نحن العرب قَدِمنا إلى تلك الشواطئ لنُحيي ذكرى التعايش الحضاري الذي رسم الوجود العربي ذلك الحين، والذي يتجدد اليوم، ليس فقط في قصر الحمراء وإنما في كل إسبانيا».

احتفاء بالتاريخ والجغرافيا والثقافة

الأمين العام لجائزة الملك فيصل الدكتور عبدالعزيز السبيل، استهل كلمته في حفل تدشين الكتاب، بتحية الحضور، ناقلًا تحيات صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل رئيس هيئة جائزة الملك فيصل، الذي يوجه دومًا إلى مواصلة العمل من أجل تحقيق أهداف الجائزة التي تحتفي بالعلم والعلماء، وتُعلي من قيمة منجزهم العلمي وتقدمه للأوساط الأكاديمية والثقافية. وأشار السبيل إلى أن الجائزة، وخلال مسيرتها التي امتدت سبعة وأربعين عامًا، كرمت نحو ثلاث مئة فائز وفائزة من خمس وأربعين دولة، في فروعها الخمسة: خدمة الإسلام، والدراسات الإسلامية، واللغة العربية والأدب، والطب، والعلوم، مؤكدًا أن هذا الاحتفاء لا يتوقف عند حدود التكريم بل يتجاوزه إلى توثيق مسيرة هؤلاء العلماء وإيصال أثرهم إلى الإنسانية.

وأعرب الأمين العام عن سعادته بهذا الحضور النخبوي، مثمنًا لسفيرة خادم الحرمين الشريفين لدى إسبانيا وفريق السفارة، تعاونهم الكبير. وأثنى السبيل على هيئة حماية قصور الحمراء ومديرها السيد رودريغو رويث خيمنث؛ لما قدموه من تسهيلات أثناء إعداد الكتاب والتحضير للمناسبة، وخص بالذكر السيد أغوسطين نونييث الذي صوَّر الكتاب ونشره، معبّرا عن امتنانه العميق للبروفيسور خوسيه ميغيل الذي قدّم جهودًا استثنائية خلال مراحل العمل كافة.

وفي حديثه عن مضمون الكتاب، شدد الأمين العام على أن الاحتفاء بـ«رياض الشعراء في قصور الحمراء» هو احتفاء بالتاريخ والجغرافيا والثقافة معًا، «حيث يستمد قيمته من أنه تعانق جغرافي ثقافي بين الرياض عاصمة المملكة العربية السعودية وقصور الحمراء، هذا الأثر الذي بقي شامخًا لقرون عديدة، يروي لنا حكاية التاريخ والثقافة والتواصل بين الشرق العربي والأندلس، أسلاف بناة هذه القصور خرجوا من الجزيرة العربية، التي غدت الرياض اليوم قلبها النابض، وتحضر الرياض في غرناطة. ففي قصور الحمراء يوجد قصر الرياض السعيد الذي يحتضن نافورة الأسود، وفي المنطقة الممتدة من جنوب قصر الحمراء حتى نهر شنيل كان يوجد قصر نجد الذي سجلته المصادر التاريخية، وقصائد الشعراء». واستحضر السبيل نصًّا شعريًّا لابن الجياب الغرناطي يصف فيه قصر نجد، هنا مقطع منه:

بوأتهم من قصر نجد منزلًا

كالشمس نورًا واعتلاءَ مكانِ

يا قصر نجد، أنت أكرم منزلًا

فلقد شفعت الحسن بالإحسانِ

فافخر على كل القصور، وإن تشأ

فافخر على الأمصار والبلدانِ.

وأكد السبيل أن هذا الامتداد الحضاري «لم يكن مجرد عمارة وجمال فحسب، بل كان أيضًا عقلًا مشتغلًا بالعلم والفكر والفلسفة والطب والنجوم، فمن رحم هذا المكان خرج الزهراوي، وابن البيطار، وابن رشد، وابن طفيل، وعباس بن فرناس، ولسان الدين ابن الخطيب. وفي هذا الامتزاج بين المشرق والأندلس نشأ فن شعري فريد هو فن الموشحات الأندلسية، الذي شكّل جسرًا بين ثقافتين، وتحوّل إلى لغة عالمية تتكامل فيها المعرفة والذوق. ولم يكن زرياب مجرد موسيقيٍّ من بغداد، بل كان حاملًا لفن رفيع نما وازدهر في الأندلس حين التقى بثقافة جديدة، فابتكر منها طرازًا عالميًّا». وشدد السبيل على أن الحاضر لا يُبنى دون وعي عميق بالتاريخ. «ورغم ما شهدته هذه الأرض من صراعات، فإن الحكمة تقتضي أن نتجاوز الماضي بآلامه، ونَتَّجِه إلى المستقبل بآماله، ونبني ثقافة إنسانية تقوم على التفاهم والاحترام والتعاون، ثقافة تدرك أن الحضارات تتكامل لا تتفاضل، وأن الإنسانية تصعد حين يتعاون أهل الفكر والعدل والجمال».

وفي ختام كلمته، وجّه شكره الكبير للمؤلفَين البروفيسور عبدالعزيز المانع والبروفيسور خوسيه ميغيل، اللذين قاما بتوثيق تاريخ هذه القصور وآثارها الأدبية. وأكد أن كل من يقرأ هذا الكتاب أو يزور هذه القصور، سيدرك أن ملوك غرناطة كانوا يتطلعون إلى الخلود؛ «ولذلك نقشوا أسماءهم وقصائدهم على الجدران والنوافير، وكأنهم يطلبون من التاريخ أن يذكرهم. وقد تحقق لهم ذلك، فها هي أسماؤهم تُستعاد، ومنجزهم يُحتفى به، وذاكرتهم تُروى». كما جدد الشكر لصاحب السمو الملكي الأمير تركي الفيصل، «على دعمه المستمر وتوجيهاته الحكيمة لمسيرة الجائزة».

الخلود في القصائد

الكلمة التي ألقتها صاحبة السمو الأميرة هيفاء بنت عبدالعزيز بن عياف آل مقرن، سفيرة خادم الحرمين الشريفين لدى مملكة إسبانيا، خلال حفل تدشين الكتاب، عكست عمق العلاقة بين المكان والشعر في هذه التحفة الفنية. فهي تحدثت عن قصر الحمراء الذي لا يزال يهمس بشعرٍ خالد، فقالت: «في هذا المكان الساحر، في قلب الحمراء التي لا تزال تهمس بالشِّعر، وتروي للعالم سيرة حضارةٍ عظيمةٍ نُسجت من ضوء الكلمة، وعبقرية المعمار، نحتفي اليوم بتدشين كتاب «رياض الشعراء في قصور الحمراء»، وهو ليس مجرد كتاب، بل هو عودة نابضة إلى ذاكرة المكان، وإحياء لجماليات الشعر العربي، المنقوش على جدران التاريخ. هذا العمل البديع هو ثمرة تعاون علمي وثقافي بين قامة عربية أدبية متمثلة في الأستاذ الدكتور عبدالعزيز بن ناصر المانع، الفائز بجائزة الملك فيصل، وبين العالم الإسباني البارز الأستاذ الدكتور خوسيه ميغيل بويرتا فلتشث، عضو الأكاديمية الملكية للفنون الجميلة بغرناطة، والمتخصص في فنون الحمراء وتاريخها»، وتابعت: «استطاع المؤلفان، بتكامل معرفتهما، أن يعيدا ترتيب المشهد الشعري، داخل قصور الحمراء، فربطا النص بالمكان، والحرف بالحجر، والمعنى بالتاريخ. فجاء الكتاب عملًا توثيقيًّا بصريًّا وعلميًّا بالغ الدقة، يقدم لأول مرة خرائط شعرية، توضح مواقع النقوش الأصلية، مفسّرةً ومدعومة بصور فنية عالية الجودة».

ومضت الأميرة هيفاء قائلة: «حين نفتح صفحات رياض الشعراء، فإننا لا نقرأ قصائد منقوشة فحسب، بل نفتح نوافذ على زمنٍ كانت فيه الكلمة منارة، والشعر قانونًا للجمال، والقصور مرآةً لأرواح من سكنوها ومرّوا بها، ولعلي أستحضر هذين البيتين اللذين أثَّرا في قلبي شخصيًّا عندما قرأتهما:

فلم نَرَ قصرًا منه أعلى مظاهرا

وأوضح آفاقًا وأفسح ناديا

ولم نَرَ روضًا منه أنعم نظرة

وأعطر أرجاءً وأحلى مجانيا

فلتكن هذه المناسبة انطلاقةً جديدة نحو مزيد من الشراكات الثقافية بين المملكتين الصديقتين، ومزيد من المبادرات التي تُعيد للكلمة مكانتها، وتوثّق ذاكرتنا الحضارية، حيثما وُجدت، وأن نواصل المسير في خدمة الثقافة الإنسانية التي توحّد ولا تفرّق».

كما عبرت عن تقديرها لكل من دعموا هذا المشروع ليرى النور، فقالت: «نخصّ هنا بالشكر والتقدير صاحب السمو الملكي الأمير تركي الفيصل، رئيس مجلس إدارة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، على رعايته الدائمة للمشروعات العلمية والمعرفية التي تسهم في خدمة التراث العربي والإسلامي، وتوثيق جسور الحوار الحضاري بين الشرق والغرب». كما توجهت بجزيل الشكر والعرفان إلى سعادة الدكتور عبدالعزيز السبيل، الأمين العام لجائزة الملك فيصل، «على احتضانه لهذا المشروع منذ بدايته، ومتابعته الحثيثة التي مهدت الطريق لإنجازه بهذا المستوى الرفيع». وشكرت أيضًا السيد رودريغو رويث، مدير هيئة حماية قصور الحمراء، «على جهوده المخلصة وتعاونه المثمر الذي كان له الأثر الكبير في تسهيل الوصول إلى هذا التراث الفني الفريد، وتقديمه للعالم بلغة جديدة».

قصة الكتاب

أعقب الكلمات، جلسة حوارية، شارك فيها الدكتور عبدالعزيز المانع، والدكتور خوسيه ميغيل بويرتا فلتشث، والدكتور صالح عيظة الزهراني، وأشرفت على إدارتها الدكتورة باربرا بولويك غاياردو التي قالت في مستهل تقديمها للجلسة الحوارية: إن هذا الكتاب «يعدّ جوهرة تعبر عن الحمراء وقصورها وجنانها، كما أنه تحفة ازدانت بها الحمراء في عهد دولة بني الأحمر، وتكريم للغة العربية وجمالها». خلال مداخلته، قال الدكتور المانع: إن «لهذا الكتاب قصة، ففي عام 2016م أتحفني صديق عزيز بنسخة من كتاب (Reading the Alhambra) «قراءة قصر الحمراء»، ألّفه البروفيسور خوسيه ميغيل، وقد اعتنى فيه بكل دقائق النقوش في الحمراء، من أحاديث وقرآن وحِكَم وأمثال، لكنه عندما جاء إلى الشعر؛ ذكر أمثالًا منه فقط، وقد لفت نظري وأثار انتباهي في هذا الكتاب أنه يحتوي على مادة علمية جديرة بالنشر بعد استكمال تلك الدواوين والمصادر الأدبية الأندلسية. ولكن قبل البدء في هذا العمل، الذي كنت سأقوم به وحدي، وجدت أمامي عائقين قانونيين؛ أولهما أخذ الإذن من المؤلف، وثانيهما أخذ إذن ناشر الكتاب، فشرعت في إيجاد وسيلة للتواصل بهما لأخذ الإذن منهما من خلال الدكتور صالح الذي قال لي: «إن البروفيسور خوسيه سيأتي للرياض خلال الأسبوع القادم، فسعدت سعادةً لا حد لها». وأوضح المانع أن البروفيسور خوسيه قد سمح له باستعمال كل المادة العلمية الموجودة بالكتاب، وأنه وعده بإرسال إذن الناشر عندما يعود إلى غرناطة، وقد فعل. وقد ظل المانع على تواصل مستمر مع البروفيسور خوسيه لأخذ رأيه في بعض الأمور، لكن الأمر تجاوز ذلك إلى حد الاشتراك في العمل، وشدد على استفادته منه كثيرًا، وصولًا إلى خروج هذا الكتاب إلى النور. وأكد المانع أن شعر الحمراء يختلف كثيرًا عن غيره؛ لأنه شعر عصره المتأخر، وكان الأمير يأمر الشعراء بنقش الشعر على جدران الحمراء. هناك قصائد مديح لأجل العطاء والمنح، وهناك قصائد في الرثاء. أي فسيفساء شعرية متنوعة.

مرجع علمي ورمز للمحبة

البروفيسور خوسيه ميغيل بويرتا فلتشث أشار خلال مداخلته، إلى أنه قد نشر فقط 44 قصيدة في كتابه «قراءة قصر الحمراء» فيما نشر المؤلفون السابقون الذين تناولوا هذا الموضوع 30 قصيدة فقط، وذلك بسبب تلاشي القصائد من بعض الأماكن الرئيسية للقصور، إضافة إلى انهيار ودمار بعض المباني مما حال دون وصولها إلينا. وأوضح أنه قد توصل بمساعدة الدكتور المانع إلى 70 قصيدة بعد مراجعة الوثائق والدواوين المنشورة في مختلف البلدان العربية، مشددًا على أهمية الكتاب الذي يعدُّه مرجعًا للباحثين، «ناهيك عن كونه رمزًا للمحبة بين البلدين؛ إسبانيا والسعودية، إضافة إلى إمتاع القراء الباحثين شعريًّا، وكذلك جمال الخط العربي؛ لأن في الحمراء بعض نقوش وأساليب الخط العربي غير المنتشرة في مناطق أخرى». ولفت البروفيسور خوسيه إلى أن الشعراء في غرناطة آنذاك «قد تعلموا -بلا شك- الشعر الجاهلي والشعر العربي الكلاسيكي مثل شعر المتنبي وأبي تمام، ولكنهم عندما جاؤوا لتطبيقه، فإنهم خلقوا لأنفسهم شعرًا جديدًا وهو شعر القصور، مختصرًا ويمكن نقشه على الجدران، فكانت أطول قصيدة منقوشة في قصور الحمراء مؤلفة من 25 بيتًا شعريًّا فقط. وكما أبدعوا في العمارة فإنهم أبدعوا في الشعر، مما خلق مزيجًا نادرًا في الفن يجمع بين العمارة والأدب».

أما الدكتور صالح عيظة الزهراني، أستاذ الأدب العربي والخبير في الدراسات الأندلسية، فقد أشاد بالكتاب الذي يُعَدّ أحدث الكتب المنشورة عن قصور الحمراء، ولفت إلى أن قيمته «تكمن في أنه يعطي للباحثين والأكاديميين مرجعًا علميًّا ذا قيمة عالية ودقيقة؛ لأنه أُنجِزَ على مدار سنوات طويلة، كما يعطي رؤية عامة عن كل الشعر الذي ازدانت به جدران قصور الحمراء آنذاك، كما يساعدنا على استرجاع جزء كبير من هذا الإرث الشعري والأدبي الذي كاد أن يختفي». كما تحدث الزهراني عن أهم المظاهر التي ميّزت الشعر في تلك الحقبة، وأن أهم المظاهر في رأيه هي تأنيث الجمال، حيث كان الأندلسيون يعتبرون المرأة منبع الجمال.