بواسطة الفيصل | مايو 1, 2021 | الملف
لم يبالغ الأديب الكويتي محمد الشارخ عندما وصف مواطنه الروائي والقاص طالب الرفاعي بـ«المؤسسة»، ذات لقاء في منزله ضم عددًا من المثقفين والأدباء العرب. المؤسسة بما تعنيه من جهود لا يقوم بها عادة فرد أو حتى مجموعة أفراد، جهود على مقدار كبير من دقة التنظيم ووضوح الرؤية ونبل الأهداف. ذلك هو طالب الرفاعي، كاتب الرواية والقاص الذي ربما لا يمضي يوم من دون أن يكتب قصة قصيرة، طالب ينشر مقالًا أسبوعيًّا، ويُدَرِّس تقنياتِ الكتابة للطلاب في أكثر من جامعة أهلية مرموقة في بلده، طالب الذي ينظم ملتقًى ثقافيًّا في منزله، الذي أول من سيستقبل الزائر فيه زوجة وبنات تميزهم رحابة صدر نادرة، كما يدير ويشرف على جائزة الملتقى للقصة العربية، التي أسسها بالشراكة مع الجامعة الأميركية، ثم جامعة الشرق الأوسط الأميركية في الكويت، وأضحت واحدة من أهم الجوائز التي تحتفي بنوع أدبي يكاد يندثر، فأعادت له الاعتبار، وأصبح كتابه يسعون إلى نيلها.
في رواياته وقصصه لن يخفى على القارئ، انحياز صاحب «سمر كلمات» إلى العمال، بسبب مهنة الهندسة المعمارية التي كان يزاولها، وجعلته قريبًا من هذه الشريحة من العمالة العربية، التي عملت ولا تزال تعمل في دول الخليج، تحت ظروف صعبة. أيضًا تعكس أعماله الأدبية في شكل أوسع التصاقه بقضايا مجتمعه، تلك التي تطرأ على السطح، أو تبقى متخفية في انتظار كاتب يتحلى بجسارة وجرأة غير مسبوقة ليسلط الضوء عليها ويخرجها إلى العلن، تمثل أعماله الحالات القصوى في تشريح المجتمع.
قارَبَ طالب الرفاعي، الذي تحتفي «الفيصل» بتجربته، قضايا إشكاليةً وموضوعاتٍ مسكوتًا عنها، مثل تفكك الأسرة وتداعي المجتمع في الكويت، بفعل ضربات عدة قاسية؛ منها «الاحتلال»، ومنها التشدد الديني، والطائفية، وسيادة قيم الاستهلاك. يفعل صاحب «النجدي» كل ذلك، من دون أن يبارح جمالية الرواية وتقنيات القص، ومن دون أن يتخلى عن نزعة التجريب في هذا العمل أو تلك القصة. متنقلًا، داخل سياقٍ تَحكمُه رؤيةٌ عميقة لماهية العمل الأدبي، من التخييل الذاتي إلى التوثيق الروائي والسِّيَر الروائية.
يمارس صاحب «حاجي» فِعْل الكتابة بانتظام، ففي كل ثلاث سنوات تقريبًا يصدر رواية أو مجموعة قصصية، تمثل علامة بارزة في تجربته الممتدة، وجعلته هذه الأعمال أحد الأسماء العربية البارزة، التي تراكم مشروعًا ينطوي على تنوع وتفرد لافتيْنِ. حاز صاحب «الكراسي» و«رمادي داكن» أكثر من جائزة مرموقة في بلده، وتناول النقاد العرب منجزه الأدبي في دراسات مطولة، واحتفت بتجربته ملتقيات السرد وندوات الرواية التي تُنظَّم في أكثر من بلد عربي، كما تُرجِمتْ بعض أعماله إلى عدد من اللغات. وفي الآونة الأخيرة تَحوَّل طالب الرفاعي إلى وجهة، لا بد من المرور بها، لكل مثقف عربي يزور الكويت.
لا أعرف عيشًا آخر!
طالب الرفاعي
هو عيش البشر، يسعون فيختارون دربًا، وتقتنصهم دروب كثيرة ترتع في أيام أعمارهم القصيرة. الآن وقد تجاوزت الستين بقليل، يبدو لي واضحًا أن محطات كثيرة في حياتي لم تكن كما بدا على وجهها لحظة التقيتها للمرة الأولى! بينما محطات أخرى جاهدتُ وحلمتُ بالوصول إليها، وتكشفت لي حين وطئت عتبتها عن أذى مسَّ ومضَّ في قلبي وروحي. ومحطات ثالثة قد تكون مرّت ببالي، لكن ما إن دخلت دربها حتى انفتحت لي آفاق كثيرة مُلوّنة ومتشعّبة، لم تكن بأي شكل من الأشكال قد وردت بذهني.
ومحطات خيرٍ لا جاهدتُ ولا سعيتُ ولا مرت ببالي، جاءتني بمحض قدرية الحياة، تقصدني لتأخذني لحضنها، وكم ارتاحت روحي في فيء ظلالها الوارفة! لذا إذا كان لي من وقوف أمام أهم المحطات الأدبية في حياتي، فسأقول:
قراءة أول رواية في حياتي: «الأم» للكاتب الروسي مكسيم غوركي، بترجمة سامي الدروبي، وكنتُ وقتها في الصف السادس الابتدائي، كانت بمنزلة فتح نافذة عريضة على لوحة حياة ملوّنة، ومتحركة، وآسرة. نافذة ما زلتُ أقف خلفها بدهشتي الأولى لأعاين آلاف الحيوات التي تدور في كل مكان، وما زالتْ تسحرني بألوانها وإبداع أصحابها المفكرين والكتّاب والفنانين!
المحطة الثانية جاءت يوم نشرتُ أول قصة قصيرة لي بعنوان «إن شاء الله سليمة» في جريدة الوطن الكويتية صباح يوم الأربعاء 17 يناير 1978م، ولحظتها وقفتُ لأخطو خطوتي الأولى على درب الكتابة والنشر. مؤمنًا بأن الكتابة مسؤولية كبيرة؛ لأنه يراد لها أن تكون إضاءة وسؤالًا وعونًا لقارئ على فهمِ واقعه وبيئته. وقبل هذا وذاك تسلية رفيعة تساعده على احتمال مرارة ولا عدالة واقعه! بدأتُ المشوار منذ قرابة ثلاثة وأربعين عامًا، حتى اللحظة تحيّرني وتحتويني كتابة القصة، وكطفل أدندن بلحن راقص لحظة أنتهي من كتابة قصة جديدة!
بَدْءُ عملي كمهندس مدني في مواقع المشاريع الإنشائية عام 1982م، الذي استمر لمدة خمسة عشر عامًا، مع آلاف العمال والفنيين ومئات المهندسين، وبسبب من طبيعة سوق العمل في الكويت، بوجود ومخالطة قرابة مئة جنسية عربية وأجنبية، كان مدرسة وجامعة إنسانية شاسعة ومؤلمة، تعلمتُ فيها، تحت شمس حارقة، قراءة ومعايشة وجع الإنسان، ومشاهدته وهو يبادل عرق جبينه بلقمة عيش مرّة، على وقع لحظة قاسية، تدور حتى يُقصف عمره، ويموت! الموقع والعمال والفنيين والمهندسين كانوا حياةً كتابًا قرأت فيه ما كوّن وعيًا مختلفًا لديّ تجاه الإنسان وقضاياه وعيشه، وأثّر وما زال يؤثر فيما أكتب، وقد سجلت تلك الحَيَوَات في عشرات القصص القصيرة، وكذلك في أول رواية لي بعنوان «ظل الشمس».
نَشْرُ رواية «ظل الشمس، عام 1998م، كان انعطافًا لي في درب مختلفٍ تمامًا عن درب القصة القصيرة، وكان مغامرة متجددة ومشوّقة ما زلت أخوض غمارها؛ لكونها تشكّل حياة أخرى توازي حياة الواقع الذي أعيش. لكنها حياة تمنحني القدرة على قول وفعل ما أعجز عنه على أرض الواقع، وبذا تمكنني من عيش لحظة كنتُ أتمنى عيشها في الواقع ولم أستطع!
انطلاقًا من قناعتي بأن الفعل الثقافي لا يقف عند الكتابة والنشر، وفي عام 2011م، أسستُ ومجموعة من الأصدقاء، وعلى رأسهم الروائي إسماعيل فهد إسماعيل والكاتبة ليلى العثمان، صالونًا أدبيًّا بعنوان «الملتقى الثقافي»، تنعقد جلساته في بيتي، ويستضيف مفكرين ومبدعين ومثقفين من الكويت والوطن العربي والعالم، وتغطي الصحافة الثقافية أمسياته، ويُصدر في نهاية كل موسم كتابًا توثيقيًّا لأنشطته.
سفري إلى الولايات المتحدة الأميركية، واشتراكي في برنامج «الكتابة الإبداعية العالمي-International Writing Program» في جامعة «آيوا-University of Iowa» أخذني لفهم جديد لماهية الكتابة الإبداعية، سواء في القصة القصيرة أو الرواية. هناك، وفي واحد من أقدم البرامج الثقافية في أميركا، عاينت كيف أنهم يتعاملون مع الإبداع بوصفه مادة دراسية كالرياضيات والفيزياء والفلسفة، وأن على منْ يريد ارتياد طريق الكتابة الإبداعية أن يتوافر على موهبة ورصيد قراءات متجدد ومستمر، وأن يتبحّر في معرفة أصول الجنس الأدبي الذي سيشتغل عليه. وهذا ما قادني لاحقًا للدراسة في «جامعة كنغستون لندن-Kingston University London» والحصول على شهادة ماجستير احترافية في الكتابة الإبداعية «Master of Fine Art Writing»
عشقًا وإخلاصًا لفن القصة القصيرة، وبالتعاون ما بين «الملتقى الثقافي»، والجامعة الأميركية في الكويت (AUK)، أطلقتُ عام 2015م، جائزة الملتقى للقصة القصيرة العربية؛ لتكون بذلك مساهمة الكويت الأهم في مشهد الجوائز العربية، في ظل مجلس أمناء عربي، ولائحة جائزة ولجنة تحكيم محترفة، وبما ضمن ويضمن للجائزة مكانة مرموقة، وقد انتقلت الجائزة بعد دورتها الثالثة لتحط في حرم جامعة الشرق الأوسط الأميركية في الكويت (AUM) ولم تزل.
إن عملي في الجامعة الأميركية في الكويت، محاضرًا لمادة الكتابة الإبداعية، أخذني لعالم جديد عليَّ حيث التدريس وفق منهج «الورشة الإبداعية الأميركية»، واجتماع الأستاذ والطالب حول نصٍّ يتخلق، وبما يجعل من عملية التدريس درسًا عمليًّا للطالب والمدرس.
الآن، وبعد نشر تسع مجاميع قصصية، وسبع روايات، وستة كتب بحثية، وقرابة 700 مقال صحافي ومئات الدراسات الثقافية، وبعد أن تُرجمت أعمالي إلى اللغة الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإسبانية والتركية والصينية، إضافة إلى رصيد من الأعمال الروائية والقصصية غير المنشورة، فإنني أحيا يومي بين القراءة والكتابة بأنواعها، وتدريس مادة الكتابة الإبداعية، وأشعر أنني أنتمي للحظة الواقع بقدر انتمائي للحظة الفن. وأنني أعيش تفاصيل لحظات يومي وشيءٌ مني يختلس مراقبتها رغبة في الكتابة عنها، وأنني أكتب عنها لأجعل منها واقعًا فنيًّا إنسانيًّا يبزّ واقع الحياة ويتفوّق عليه!
بتُّ أعيش يومي بين حرف وحرف، أستلذ وأتعب، لكني لا أعرف عيشًا آخر!
شراع بأعلى الوجد السردي
محمد خضير – كاتب عراقي

يملك طالب الرفاعيّ بقبضته إقليميْنِ، بل شرفتيْنِ، يطلّ منهما على عالميْنِ: عالم السرد القصصي، ومجازاة هذا العالم بجائزة الوفاء الأوفى. هو الإنسان المخلص لعائلته وأصدقائه. عرفتُ هاتين المُلْكيتيْنِ يومَ لم تكن في مملكة طالب الرفاعيّ غير «الثوب» و«الكرسيّ» مع حفنة من «حكايات رملية» وأسمارٍ من «كلمات». ومن هذه الممتلكات/ الكلمات اتسعت معرفتي بعوالم روائيّة تُراوِح بين التقليد المحلّي والتخطّي الجريء نحو عالميةٍ عزَّت على أدباء الخليج، ولم تتمنّع على ثلاثة أدباء مهمّين من الكويت: ليلى العثمان وإسماعيل فهد إسماعيل وطالب الرفاعيّ. أمّا حين نصّبَ الرفاعيُّ «كرسيًّا» لملتقى ثقافيّ، أردفَه بمنصّة لجائزة القصة القصيرة، فقد أراد من هذين المنجزيْنِ الوطنيّينِ، فتح الأبواب لرياح التغيير في بنية الثقافة الكويتيّة، وتأسيس روابط اتصالٍ تفاعليّة، عبر الحوض الأزرق والصحراء، مع ما يجاورهما من عمارة التجديد والمغايرة الثقافية والحضارية.
كانت رحلتي الأولى لدولة الكويت، عبر طريقٍ بريّة متّصلة ببوابتيْنِ رمليتيْنِ، متقابلتيْنِ، قد تأخّرتْ كثيرًا. كان لي أصهار وأنسباء وراء بوابة «العبدلي» وأصدقاء أحبّاء، غير أنّي لم أزُر بيتَ واحدٍ منهم حتى دعتْني مؤسسة عبدالعزيز البابطين، مع مجموعة كبيرة من الأدباء العراقيين المغتربين، لحضور الملتقى الشعري العراقي الأول في الكويت (مايو ٢٠٠٥م). إلا أنّ التعرّف الحقيقي إلى مناخ الكويت الثقافي وشخصياته الفاعلة، كان بدعوةٍ من طالب الرفاعيّ لإلقاء محاضرة في «الملتقى الثقافيّ» في مايو ٢٠١٤م، على هامش «ملتقى السرد الخليجيّ».
وقتذاك التقيتُ الروائيَّ إسماعيل فهد إسماعيل وجهًا لوجه، بعد أن افتقدتُ وجودَه في البصرة مذْ هجرَها إلى الكويت عام ١٩٦٩م. كانت هذه الدعوة باب الصلة بأدباء شاءت الأقدار الظالمة أن تُبعدني من ثلّة منهم، أثْرَوْا كويتَ الإبداع الجديد بنصوصهم وحضورهم الإنسانيّ الخصيب. ومن ساحل هذا المكان المفتوح على البحر كتبتُ أفضل مقالاتي عن فنّ القصة القصيرة، وبخاصة أنّ طالب الرفاعيّ وضعَني على جدول «جائزة القصة القصيرة» مستشارًا ومحاضرًا ومديرًا لجلساتها، خلال أربع دوراتٍ متتالية.
وإنْ أغفُلْ لا أغفُلْ لقائي بأدباء من مشرق الوطن العربي ومغربه، فضلًا عن أدباء عراقيّين وخليجيّين جمعتني بهم جلساتُ الجائزة أمثال: سعيد يقطين، وسعيد بنكراد، ومحمد الداهي، وخليل مردم بك، وإلياس فركوح، وسعيد الكفراوي، وسلوى بكر، وأحمد زين، ومحمد العباس، وفهد حسين، وريم الكمالي، ومحمود الرحبي، وسليمان المعمري، وناصر الظاهري، وعالية ممدوح، وسالمة صالح… وغيرهم من أصحاب القلم والرأي البارزين.
ستكون لطالب الرفاعي، فيما بعد، وقفاتٌ أعلى مقامًا في تشريع بروتوكولات الإجازة والوفادة لضيوف الكويت، حين كلّف في الدورة الرابعة لملتقى الجائزة مَن يُنجز كتابًا شاملًا عن القصة العربية القصيرة، جمعَ بين غلافيه نماذج قصصيّة وآراء جوهريّة في هذا الفنّ الانفراديّ، المستقلّ بقواعده وأجوائه وشخصياته «المغمورة» حسب وصف فرانك أوكونور.
كانت المكتبة العربية تفتقر لكتابٍ تعريفيّ، مفصّل، يغطّي عقودَ القصة الأولى والمتأخّرة، ويستذكر فضلَ روادها وكتّابها العرب من محمود تيمور إلى إبراهيم أصلان. ولعلّ هذا الإنجاز، وغيره من التعريفات المهمّة، سيُنجِب من الوجود المتلاشي لقصّة الأسلاف أعقابًا متجدِّدة، بتقاناتٍ وثيماتٍ وأجواءِ «لون الغد» حسب استشراف طالب الرفاعيّ لمستقبل المجتمع العربي/ ما بعد الكورونيّ. كان مقدّرًا لهذا الفنّ «الاحتياطيّ، أن ينتقل هو بذاته إلى مراحل جديدة لينجو من مَحجِر العزلة والإهمال؛ وشاء حظّ الأدب العربيّ أن تكون هذه الانتقالة الحاسمة من أرض الكويت، بإرادة فردية، غيور، من الممارس القصصيّ، طالب الرفاعي.
وفي غمرة هذه الأعمال والمخاضات العسيرة، التي تكتنف حياةَ أديبٍ مجاهد، ظلّ طالب الرفاعيّ يبعث برسائل خاصة من إقليمه/ شُرفته المطلّة على البحر، يضمنها رواياته الأخيرة «النجديّ» و«حابي» و«البَرحيّة». والرواية الأخيرة تضمينٌ لهجرة العائلات العراقية الأولى للكويت، واستدخالٌ للتقاليد الاجتماعية المشتركة في منطقة الخليج وعملُها في نشأة الوعي الاجتماعي الكويتي المبكر. ولا يزال الرفاعيّ صوتًا متردِّدًا بقوة بين منابع تلك النشأة ومصبّاتها في ثقافة العصر الأخير، في منطقة النهوض الأدبيّ الجديد. إنّه الشراع المبحِر إلى أعالي الوجْد السَّرديّ؛ حيث تتوحّد الذاتُ الرائدة بصاريها الشامخ، وتتوضأ بجوهرها الحكائيّ الأصيل.
المجتمعات الأبوية ودوائر النفي والإقصاء
سعاد العنزي – ناقدة كويتية

إن المنجز السردي للأديب طالب الرفاعي يحفل بالرؤية الاجتماعية والرؤية الإنسانية شأنه شأن أي خطاب أدبي رصين. يعكس عالم المكان في رواياته المتعددة البعد الاجتماعي بما فيه من توقف عند العادات والتقاليد الاجتماعية وطغيانها على المكان مثل رواية «سمر كلمات» التي يظهر فيها الدور التكويني الذي يلعبه حيز المكان في بلورة تصور المتلقي، حول عمق معاناة الشخصيات من جانب، ويرسم من ناحية أخرى معالم الكويت الحديثة مقارنة بالقديمة بعفوية سارد يتجول في الأحياء الكويتية والطرق والمباني الشامخة مما يضفي على المكان بعدًا حضاريًّا وإنسانيًّا يتجاوز فكرته كفضاء تدور فيه الأحداث.
إن المكان انقسم في الرواية إلى ثلاثة أنماط:
أولًا– المكان كفضاء عام للأحداث، وحيز يحتوي على شخوص الرواية.
ثانيًا– المكان كعنصر مفجر لمعاضل سيسولوجية وسيكولوجية تعانيها الشخوص؛ بسبب ضيق الحيز الاجتماعي وخنق الأفق الاجتماعي.
ثالثًا– المكان بوصفه ذاكرة جمعية لأبطال الرواية: ويقصد بهذا المكان الأماكن العامة، من طرق ومبانٍ ومدن ومؤسسات دولة، حرص الرواة على رصدها أولًا، ورصد انطباعاتهم حولها ثانيًا، وتعقب التحولات التي طالتها تلك الأماكن ثالثًا.
ومن ثم توثيق خريطة المكان الكويتي التي جاء تفعيلها إيجابيًّا في الرواية وبذكاء من المؤلف، جعلها تتكشف وتتبدى تلقائيًّا مع رحلة السرد حيث التجول في السيارة إلى مكان مقصود أو غير مقصود، تجولًا سرديًّا عائمًا في فضاء الحيرة والقلق والانتظار، أو حتى التمرد على الأوضاع، ومتداعيًا ذلك التداعي الحر الذي يمتزج وذاكرة المكان، فتتشكل الحكاية ممزوجة بين أحداث الماضي وتفاعل السارد مع المكان.
فطالب أحد شخصيات الرواية يقول في أحد الفصول السردية التي يسردها: ««سوق شرق» يحتل شاطئ البحر على الجهة اليسرى… في السبعينات لم يكن من مبانٍ على شاطئ البحر سوى ملاعب كرة القدم وحدها: ملعب الشملان، وملعب فريق الصباح، وملعب المهاري. ابتداءً من العصر، تعجّ الساحات باللاعبين والمشجعين واللعب الحماسي والفرحة، وقتها كان شاطئ البحر صديقًا مضيافًا لكل الناس».
يلحظ من الاقتباس السابق أن السارد هنا قام بكتابة خارطة للمكان وبعث التفاصيل القديمة التي كادت أن تردم من الذاكرة الشفهية والشعبية فأحياها، وحوَّل الشفاهي إلى الكتابي. ومن جانب آخر عمق فكرة الحنين إلى الماضي كزمن معيش ومكان يحتوي أحداث الماضي بكل ما فيها من حميمية أو عفوية وتلقائية.
كما ساهمت التقنية السردية في «سمر كلمات» المتمثلة في تعدد وتنوع الرواة، في الكشف عن الصراع الاجتماعي بين الأفراد وعرض وجهات النظر المتعددة. هذه الوفرة في الأصوات الروائية، وتناوب السارِدِين بالتعليق على حدثين رئيسين في الرواية شكلا نواة السرد، هما طلاق سمر من زوجها وليد، وطلاق عبير من زوجها جاسم الذي أرادت سمر لاحقًا الزواج منه. فكان الحدث الرئيس هو طرد سمر من البيت بسبب رغبتها في الزواج من طليق أختها، وقرارها ترك سليمان إلى أن حدث الزواج في نهاية الرواية كحلّ وخلاص للأزمة التي كان بالإمكان أن تتسبب في قطيعة بين أفراد العائلة.
وأحداث تابعة تفرعت من الأحداث الرئيسة وهي عودة الدكتورة عبير إلى بيت أبيها، وخروج سمر ليلًا من منزل أبيها، وغيرها من الأحداث القصيرة التي توزعت على المتن الحكائي للسرد وتناولها بالسرد الرواة المتعددون. حقيقة، ما كان مميزًا هنا في عنصر السرد هو أن الرواة قاموا بفعل حكائي ووظيفي في الرواية، وهو إغناء عنصر السرد بالتحليل والتعليق المتغاير في بعض الأحيان لما قاله أحد السارِدِين، وهذا أعطى السرد نوعًا من المصداقية، ومشابهة
للحياة الواقعية.
وتفكيك بنى المسلمات والمعطيات التقليدية التي اعتدنا كقراء أخذها وتلقيها من دون تفكيك، فاليوم كيف لنا أن نصدق كلامًا مقدمًا من جهة واحدة، كيف نقتنع بوجهة نظر عبير تجاه طليقها جاسم وهي مشحونة تجاهه بسبب صدمتها في إقدامه على الطلاق، وكيف نتقبل صورة سمر في مرآة عبير وهي الغاضبة والحانقة على سمر بسبب إقدامها على الارتباط بطليقها، فكل ما يخرج من طرفها من سرد هو كلام مشكوك فيه بناءً على الظرف النفسي التي تمر به عبير. وهذه الفكرة دعمتها كذلك دلال ابنة عبير إذ تحدثت عن تصورها لأبيها وما دار أيضًا في المنزل من مهاترات بين أبويها. فالحدث سرد عبر السارِدِينَ الثلاثة «عبير، جاسم، ابنتهما دلال»، تُنُووِلَ بطريقة مختلفة، من كل سارد على حِدَة.
الصراع الطائفي في رواية «في الهنا»
في خطوة لاحقة، وتحديدًا في رواية «في الهنا» انتقل طالب الرفاعي من نقد ثيمات القهر الاجتماعي الأسري، وتحديد حريات الأفراد، إلى قضية الصراع السني الشيعي المتمثلة في قضية الزواج والمصاهرة.
اتضح الصراع الطائفي من خلال بطلته كوثر الشيعية، التي تنتمي إلى الأقليات الطائفية في الكويت، وهي تحب مشاري المسؤول السني الكبير في الدولة، ليكون اختلافه الطائفي واحدًا من أسباب رفضه من عائلتها، إضافة إلى كونه متزوجًا ولديه أطفال. الزواج هو أحد الأمور الكاشفة للصراع الحقيقي الخفي بين الهويات السنية والشيعية. ثقافة القبول المجتمعي بين أفراد المجتمع، أهم بالنسبة لي من ثقافة قبول الزواج بين السني والشيعي.
الهوية والاعتراف الاجتماعي في «حابي»
كما هو معروف أن أدب «ما بعد الحداثة» هو أدب موضوعه هويات الأقليات العرقية والدينية، التي لم تأخذ حقها في التمثيل الكافي، وأيضًا هو أدب الهوية الفردية وتحقق الذات، الهوية التي تريد شق طريق الاعتراف بها والتعايش معها بقبول وسلام وتوافق في المجتمع. وعند النظر إلى المجال المعرفي الذي ترتبط به الرواية، يتضح أنه ضمن ما يسمى بأدب المهمشين والمنفيين في المجتمع.
هناك في النقد الأدبي نظريات مثل «Lesbian Theory» و«Queer Theory» وهما النظريتان اللتان تقاربان موضوعًا مشابهًا ومختلفًا في الوقت عينه، لشخصية بطل رواية «حابي». تشتغل كل من النظريتين سابقتي الذكر على هوية الرجل والمرأة، التي شكلت بناءً على الفهم الاجتماعي، وتراجعان بعض المسلمات والانطباعات المغلوطة التي حددت هوية المرأة والرجل من منظور اجتماعي. يقارب النقد الأدبي النصوص الأدبية، بناءً على التوجهات العاطفية تجاه الجنس المماثل، والنفور من الجنس الآخر، مدافعين عن حق كل من الطرفين في الاختلاف.
لا بد من القول: إن الرواية العربية التي تنحو هذا المنحى من الأدب الذي يؤسس للاعتراف بالآخر، تقوم بدور لافت ومهم جدًّا في تاريخ الرواية العربية، بل إنها تستبق وتواكب المنظمات الحقوقية، في تمثيل معاناة الشرائح الإنسانية المقموعة والمحرومة من حقوقها الإنسانية، التي ابتليت بالاختلاف في فضاء لا يعترف بالمختلفين من أبنائه. إن هذا الاتجاه الروائي يعطي صوتًا وحضورًا لشخصيات جرى تغييبها عن الفضاء الثقافي العام، مع سبق الإصرار والترصد من القوى الاجتماعية المتصلبة والمتمسكة بالعادات والتقاليد البالية، التي للأسف لم تحظَ بأي رياح تغيير وفكر إنساني يلهمها ضرورة الاختلاف وتقبل الآخر.
نحن اليوم لا نتحدث عن تقبل الآخر المختلف؛ لأن الاختلاف مزية في حد ذاته، ولكن لأن هناك ذاتًا محرومةً من حقها في أن تحقق ذاتها ووجودها، وأخرى تعاني التهميشَ وضياعَ حقوقها الإنسانية، وثالثة تعاني العزلَ الاجتماعيَّ؛ لأن الخطاب العام لم يعترف بوجودها بشكل مسبق. لذلك نجد أن الرواية اليوم تقوم بدورها الإنساني والتنويري تجاه هذه القضايا الإنسانية المستحقة، والفئات البشرية التي بدأت بكتابة وتحرير تاريخها الخاص، ولا أقول إعادة كتابته؛ لأنه لم يكتب بالأساس أو كتب من وجهة نظر السيد والمنتصر.
تنطلق هذه الرواية من معضلة حقيقية تواجه البطل/ة التي وُلدت بعيبٍ خلقيّ اتضحت مظاهره عليها في مرحلة مراهقتها، وبدأت بمشوار طويل من عمل الفحوصات اللازمة والتأكد من هويتها الجنسية. ولكن بطل رواية «حابي» (ريان) يعاني حالةً مختلفة ناتجة عن خلل بيولوجي؛ وهذا ما جعله طموحًا في الاعتراف بهويته الجديدة مثلما يوضح البطل: «أنا وأفكاري وذكرياتي. لم أستمتع بأيام عمري كباقي البنات، منذ طفولتي وأنا أحيا بشخصيتين؛ الأولى ريان الطفلة، والثانية هاجس لا ينفك يلاحقني يهمس بي في كل لحظة: أنت لست أنت. كنت طفلة ولا أدري ماذا يعني هذا الهاجس، لكنني كنت أشعر أن جزءًا مني يلبي نداءً خفيًّا في روحي؛ لذا انسقت وراءه، تقربت من عالم الأولاد ودون أن أعرف تفسيرًا لذلك».
واجهت ريان تيارًا عنيفًا من الرفض والإقصاء والتهميش من المقربين من أسرتها: والدها وشقيقاتها، ولم يتبقَّ معها أحد سوى والدتها وصديقتها المقربة جوي. تكمل ريان مسيرة كفاحها من أجل التحول إلى هويتها الحقيقية، وتصبح ولدًا بعد إجراء مجموعة من العمليات الجراحية. هنا، لا بد أن نذكر أن ريان ليست من النوع الأول ولا النوع الثاني في النظريات الغربية سابقة الذكر، بل هي حال مرضية تستوجب التحول لأن هذا ناتج عن عيب خلقي وُجِدَ مع الولادة.
وهذا ما يجعل ريان يحس بالمرارة لأنه رُفِضَ مع أنه أمر مستحق ومتفق عليه قضائيًّا وشرعيًّا؛ لذلك استطاع الحصول على حقه الرسمي في التحول إلى رجل، بينما بقي الرفض الشعبي في المجتمع الكويتي يلاحقه في كل مكان، حتى قرر الانقياد خلف قرار المنفى القسري الذي زج به مجبرًا على الرحيل إلى أميركا ليبتعد من المجتمع الذي لفظه بكل أعرافه وعاداته وتقاليده. هذا الرفض الذي رَكّزتْ الرواية عليه بشكل موسع، تنقصه حقيقة توسيع دائرة الرفض؛ إذ اكتفت الرواية بسرد تفاصيل رفض المقربين منه: والده، وشقيقاته، وعماته، وزوج أخته. لو سُلِّطَ الضوء على شرائح المجتمع الأخرى لكان قدم لنا رؤية مجتمع بجميع أطيافها لهذا الموضوع أكثر عمقًا ووضوحًا.
من الملحوظ على شخصية ريان أن هويتها لم تتكون فقط في السنوات الأخيرة من مرحلة مراهقتها، بل من الواضح أنه كان لديها كثير من الميول الذكورية منذ طفولتها وبداية مراهقتها، فكانت تميل إلى اللعب مع الأولاد، ولبس زي الأولاد أكثر من ميلها لبنات جنسها، وهو ما يعني أن لديها النزعة الطبيعية نحو أبناء الجنس المماثل له. وتغوص ريان في التفاصيل التي تحاول ترسيخ شرعية وجودها وهويتها الذكورية، من خلال الحديث عن تاريخ حمل أمها بها إذ كانت تتصور أنها ذكر، واستعدت لإنجاب ذكر.
فكأن كل هذه الملابسات توثّق إحساس ريان بأنها ولد، وكأن الأدلة العلمية الطبية لم تكن كافية بالنسبة له ولأمه فيذهبان معًا إلى دائرة المشاعر والأحاسيس والتفاصيل العاطفية التي تقوي آراء الطب بدلًا من العكس.
إذا كانت الرواية تحفر بموضوع جديد، وهو التحول من الأنوثة إلى الذكورة وتحديد هوية الجسد، فإنها أيضًا تنطلق من السياق الثقافي العام، الذي يعارض أي جديد أو تغيير نحو الأفضل، بحيث تكون سطوة العادات والتقاليد قوية ومهيمنة جدًّا، فجميع الشخصيات كانت تعاني خوفًا شديدًا من نظرة المجتمع الإقصائية لأي تحولات جديدة تخدش بعض مفاهيم الشرف، التي يؤمن بها أفراد المجتمع التقليدي.
الملحوظ هنا في هذه الرواية كما في روايات أخرى كثيرة تشتغل على مناقشة وطأة العادات والتقاليد، تقوم بفضح لا عقلانية المجتمع الذي يقاوم المنطق من أجل اجترار عادات وتقاليد بالية، ولأنه لا يملك القدرة والجرأة الكافية لتحمل المسؤولية الأخلاقية تجاه الشخصيات التي تتعرض لإقصاء وتهميش وظلم اجتماعي. لنأخذ على سبيل المثال شخصية والد ريان، يعري بطل الرواية سلوكياته وخياناته المتكررة لوالدته، أي قيامه بانحرافات أخلاقية يرفضها المجتمع ويدينها الدين، ويعضد هذا السلوك المشين بإهمال تام لدوره في الأسرة؛ إذ تقوم الأم بدورَيِ الأب والأم، ولكنه لا يلبث أن يتشدد في ممارسة دوره الصوري أمام المجتمع، ويعارض توجهات ريان في التحول إلى جنسه الطبيعي.
كما تتأكد فكرة لا عقلانية المجتمع من خلال موقف أخته نورة وزوجها «المطوع» اللذين يعالجان ابنهما من عيب خلقي، وفي الوقت نفسه يطلبان من ريان الرحيل والعيش خارج البلاد درءًا للفضيحة. يا له من مجتمع يقسو على أبنائه لكي يحافظ على صورته الشخصية، أمام ناس لا يمتّون له بِصِلة. مجتمع يكرر ويؤكد الصورةَ النمطيةَ التقليدية نفسها، على الرغم من لا عقلانيتها وتناقضاتها الحادة؛ لأنه لا يريد أن يتجرأ على التغيير ومواجهة المجتمع بقناعاته الجديدة والمعدلة. وهنا تصبح الأوطان كفضاء طارد للمختلفين والمهمشين.
المركزية اللغوية ونفي الآخر
يقول شوبفلين (Schopflin) في مقالته «بناء الهوية» إن: «الهويات راسية حول مجموعة من الأخلاقيات التي تنظم القيم والسلوك؛ لذا بناء الهوية بالضرورة يتضمن أفكارًا حول الصواب والخطأ، مرغوب به، وغير مرغوب به، نقي وشائب».
الإقصاء اللغوي في الخطاب الاجتماعي: من أكثر الأمور اللافتة في رواية «حابي» هي الاشتغالات اللغوية وارتباطها بهوية البطل ريان، فبدءًا من العنوان حتى نهاية الرواية، ونحن نجد اللغة تصاحب تطور وعي الشخصية حول ذاتها، وتبدأ تتعرف إلى نفسها، وتعلن وجودها من خلال أناها الخاص المتحول من الأنا الأنثوية إلى الأنا الذكورية. لقد كان/ت البطل/ة تعاني ازدواجًا واضحًا في الهوية يتلاءم واسمه (حابي). عندما تأكد ريان من جنسه الذكوري، رغب في أن يحظى باعتراف عام من المقربين منه بمخاطبته، على أنه رجل من خلال الضمير المخاطب أنتَ، بينما المجتمع الأبوي الإقصائي يعمل على حرمان ريان من هذه الفتحة فوق التاء؛ لأنهم أولًا: لا يعترفون بتحوله إلى رجل، وثانيًا: لأنهم يريدون تصحيح الفكرة الخاطئة عن نفسه بأنه ولد. أنتِ/ أنتَ لم تكن مجرد ضمائر خطاب عادية، بل استُخدِمتْ من منظور اجتماعي أبوي إقصائي لتشكيك ريان في هويته الحقيقية، وحرمانه من لذة الانتصار في آخر الرواية.
تجربة طالب الرفاعي بين «النجدي» و«حابي»
سعيد بنكراد – ناقد مغربي

أصدر طالب الرفاعي في السنوات الأخيرة روايتين شق بهما مسارًا جديدًا في التجربة السردية في الكويت، وقد تكونان هما آخر ما كتب: «النجدي» و«حابي». أعادت الرواية الأولى كتابة وقائع «تاريخ فعلي» ضمن تجربة تخييلية موازية استطاعت من خلالها الشخصية الرئيسة، النجدي، استعادة ما ضيعته وهي تدخل تاريخ الكويت من خلال حولياته. يتعلق الأمر في هذه الرواية بكتابة تاريخ جديد يحتفي بــ«الحياة الفعلية»، كما يمكن أن تُستعاد من لحظات أهملها المؤرخون، وهي تلك التي تُصنف عادة ضمن الأوهام والإحباطات والصغائر والكبائر، وضمن ما تحقق من الأحلام وما ظل مجرد استيهامات لن ترى النور أبدًا.
سيعود هذا البحار مرة أخرى إلى الحياة لكي يموت بـــ«المباشر» في تفاصيل البحر، ضمن إستراتيجية سردية تضع القول على لسان «الأنا» «المتوفاة»؛ لكي تكون شاهدًا «عيانيًّا» على حقيقة موتها. إنها استعادة لتفاصيل لم يكشف عنها التاريخ نفسه. وبذلك سيُصبح حضوره في هذا التاريخ أوسع وأكثر إقناعًا مما يمكن أن تقوله حياته كما عاشها فعلًا. وهذا ما جعل لغة الرواية وتقنياتها في السرد والوصف وفي طريقة إعادة بناء حقائق الواقع ضمن عوالم التخييل حدثًا فنيًّا مميزًا.
لقد تخلص الرفاعي من «واقعية» لازمت تجربته الطويلة، وتخلص أيضًا من «أناه»، كما كانت تحضر بالاسم والحالة المدنية والمهنية في نصوصه؛ لكي يستعيض عن ذلك كله بواقعية مستوحاة من التاريخ، ولكنها بُنيت ضمن مضافات التخييل، فحقائق هذا الفضاء أطول عمرًا وأشد تأثيرًا من حقائق الحياة الفعلية.
لم تكن الرمزية الفنية في هذا النص تتجاوز حدود رسم معالم «هوية جديدة» مصدرها محكيات تُشخص الشرط الإنساني، كما يتجسد في سعي الناس إلى ضمان لقمة العيش وفي تدبير كل أشكال القلق. ولكنها كانت، مع ذلك، تنخرط في «لحظة إبداعية» يستطيع من خلالها الفعل الأدبي الإسهام في بناء شخصية كويتية هي جماع ما يقوله التاريخ، وما تُفَصل المحكيات المختلفة القول فيه. وذاك ما يشكل في نهاية الأمر ما يُطلق عليه «الهوية السردية»، وهي مقولة مركزية في أدبيات الهرموسية المعاصرة، فمن خلالها تتم المصالحة بين ما يكون مصدره وقائع التاريخ بكل إكراهاته، وبين ما يمكن أن يُبنى في ملكوت التخييل بكل
مساحاته المضافة.
ومع ذلك لم يكن هذا النص رواية تاريخية، بالمفهوم التقليدي للنوع، بل كان «تخييلًا تاريخيًّا»، أي سردية جامحة مكتوبة خارج إكراهات الواقع، ولكنها لا يمكن أن تتحرك خارج ما يجيزه التاريخ ويقبل به المؤرخون. وذاك ما مكن الروائي من التخلص من «الأشباح» (وهي في النهاية مفاهيم تستوطن الذهن) لكي يحتفي بشخصيات «من لحم ودم» (أليكساندر دوما). وبذلك شكلت هذه الرواية نقلة نوعية في تجربته الشخصية، وشكلت أيضًا تجربة مميزة في تاريخ الرواية الكويتية، بل في الرواية العربية أيضًا.
مسار سردي من طبيعة جديدة
وكانت روايته الثانية «حابي» تدشينًا لمسار سردي من طبيعة جديدة. يتعلق الأمر بتجربة سردية تواجه فيها «الذات» نفسها ضمن حوار داخلي يركز على علاقة المرأة (أو الرجل) بجسدها، في وظيفته وشكله، وفي نتوءاته وتضاريسه. ليست هناك قصة «مشوقة»، بالمفهوم الحدوثي للكلمة، بل هناك تفاصيل وجزئيات تروي لحظات تحول داخل الذات نفسها. وليس غريبًا أن يكون جزء من رمزيتها معطى من خلال «التعالي» في السماء (رحلة الطائرة)، إنها لحظات تتحقق خارج الانتماء إلى طبيعة الجسد، وإلى قوانين المجتمع في الوقت ذاته. وهي تعبير عن الرغبة في التركيز على فضاء «البين بين»، بين السماء والأرض، إنه فضاء يقع في برزخ «اللاتحدد الهوياتي»، بين التذكير والتأنيث: لم تعد ريان امرأة، ولكنها لم تصبح رجلًا بعد.
وقد كان اختيار ضمير المتكلم صوتًا للسرد اختيارًا لموقف من «الحقيقة» وطريقة في صياغتها أيضًا. فعلى الرغم من محدودية مردوده السردي، فإنه يُعد بوابة مثلى يمكن من خلالها التسلل إلى وجدان الكائن والكشف عن كل خباياه. إنه صوت الضياع والتمزق بين ما هو كائن وبين ما كان يجب أن يكون. لا يتعلق الأمر فقط بحالات العيش في ثوب المذكر أو في ثوب الأنثى، بل هو تمزق بين العيش في عالم يحيط به الإسمنت من كل الجهات (التحديث)، وبين الانتماء إلى ثقافة القديم في تدبير القلق الوجودي (التقليد).
تحكي الرواية قصة فتاة كويتية اسمها ريان، وستُلقَّب بعد ذلك بـــ«حابي»، إشارة إلى الازدواجية الجنسية في التراث الفرعوني المصري. لقد أحست هذه «الذات» بوجود خلل في جسدها بعد أن تأخرت عنها العادة الشهرية؛ لتكتشف في النهاية أنها وُلدت بتشوه خلقي يقتضي القيام بعملية «تحول»، هي وحدها يمكن أن تُعيدها إلى حالتها السوية. عليها أن تستعيد هويتها الجنسية الحقيقية، أي تصبح ذكرًا بكل التبعات التي يقتضيها هذا التحول على مستوى العلاقات الأسرية المباشرة وامتداداتها في الأحكام الاجتماعية والإدارية. ومن أجل ذلك ستخوض معركة ضد نفسها وضد عائلتها وضد المجتمع كله من أجل
تحقيق هذا التحول.
تلك هي الوقائع المباشرة للبناء التقريري للنص الروائي. إنها حكاية الآلاف من «المتحولين والمتحولات» في كل ربوع الدنيا. لذلك لا قيمة لكل الحقائق العلمية التي تعرضها الرواية، أو لا تشكل سوى خطاب وصفي عابر يمنح الفعل السردي نَفَسًا يُسقطه خارج مداره التخييلي الصرف. إنها بذلك مجرد غطاء من أجل إضفاء نوع من الواقعية على أحداث تُدرك في رمزيتها لا في إحالاتها التقريرية. فهذه الحقائق تصبح منتجة حقًّا عندما تندرج ضمن السلوك الرمزي العام. ذلك أن «التحول الجنسي» أمر وارد في كل مكان، فتلك حاجة يقتضيها بناء جسدي أخطأ هويته، وكان ضروريًّا «تصحيح» التشوهات الخلقية أو الخلل الهرموني الذي يؤثر في شكل الأعضاء ووظيفتها. إلا أن التعاطي معه من الموقع الاجتماعي يختلف باختلاف البيئات الثقافية الاجتماعية. وهذا مصدر الرمزية. فما هو مثير ليس التحول في ذاته، بل المحيط الثقافي الذي يتم داخله. وهذا ما يمنح الرواية أبعادًا رمزية تشمل كل التقابلات بين الرجل والمرأة.
انزياح عن تمثلات الذات
بعبارة أخرى، هناك انزياح حقيقي عن تمثلات الذات كما تحضر ضمن ممكنات الصراع الاجتماعي والسياسي، أي ما يعود لتضارب المصالح المرتبطة بالمواقع والوظائف (من جملة أسباب الاعتراض على التحول هو نصيب الذكر من الإرث)، إلى ما يمكن أن تقوله هذه الذات لنفسها استنادًا إلى ما يمليه البعد البيولوجي فيها. يتعلق الأمر بخروج عن المألوف الحياتي الذي يصادر الرغبات التي تتم في النفس، لكي يستحضرها في صوت «اللحم» وحده. والحال أن «اللحم» لا يحضر في العين خارج ممكنات الهوى وقدرتها على توجيه استعمالاته الجنسية والتحكم في صبيب سلوكه الاجتماعي.
وتلك هي حالة الجسد عندما يتخلص من مضافاته الثقافية ليعود إلى نفسه، كما هو ناطقًا في «خارطة الحنان» فيه، أي ما يمكن أن تقوله «خطوط الحساسية»، فهي بوابة «الرغبات» الحسية ومهدها. إنه يتحول إلى طاقة غريزية لا شيء بعدها سوى اللذة، إنه يشير إلى حالة العري المفترضة.
وبذلك يصبح الجسد العاري «هو الشيء ذاته، فهو موجود في ذاته، إنه الجوهر». ذلك، «أن العري حين يُجرد الجسد من المضاف اللباسي يمزج بين الإنسان والطبيعة، إنه يعيده إليها» (فرانسوا جوليان): تدخل ريان للبيت وتتعرى وتتملى جسدها بكل النقصان فيه، إنها لحظة اكتشاف الذات في لحمها. ولكنها تكتشف، في الوقت ذاته، محيطها العائلي والكم العاطفي الذي يقاس بالمصالح لا بقرابة الدم وحدها. وتلك هي الحالة الموصوفة في رواية «حابي» أو بعض منها: قد يكون الأمر متعلقًا حقًّا بقضية تحول واجهت الكثيرات والكثيرين في الكويت وغيرها، ولكن لا شيء يمنع، بل كل شيء يدفع إلى اعتبار «التحول» هنا في هذا السياق نفسه، حالة رمزية شاملة تهم السياسة والاجتماع والأخلاق الخاصة والعامة.
فالرواية لا تحكي تفاصيل عملية جراحية، وهي موجودة ولكنها عابرة، بل تنصب على الكشف عن «التحول» الذي يحاصر الناس من كل الجوانب داخل مجتمع يعيش حالة من «السكيزوفرينيا الحضارية»، حيث مظاهر التحديث في كل مكان وفي كل شيء، إنها في تفاصيل الحياة اليومية وفي المحيط واللباس، ولكن الناس ما زالوا يتحركون خارج مدارات «حداثة» هي الوجه الثقافي لكل حالات التحديث. إنهم ينظمون فضاءاتهم المخيالية وفق قيم مستوحاة من تقاليد تأبى الزوال.
وهي صيغة أخرى للقول: إن الذات المتعالية تحضر في الجسد ببعديه الفردي (حالة العري التي تكشف عنها الرغبة في التحول)، والاجتماعي («الجسم» الاجتماعي: لم يعد التحول مسألة تخص الفرد، بل أصبح قضية اجتماعية أيضًا). وبذلك يتحقق حضور الذات المسرَّدة خارج كل الوسائط وخارج كل الأحكام الاجتماعية أو التقديرات الثقافية، عدا الكم الانفعالي الحاضر في النص بوصفه طاقة استهوائية تدشن لِحِس أصلي موجود في ذاته: وحدها الأم قبلت الانخراط في التحول لأنها تستعيد جزءًا منها. إنها الرحم مصدر الحياة والرحمة والفردوس الذي نسيه العقل، ولكن الوجدان تعلق به إلى حد الهوس. إن الذات تكتشف نفسها في لحمها، فيما يشكل الأساس الذي يقوم عليه وجودها في العالم. وهو وجود لاحق، لأنه يتجسد في انفصال عن عالم مادي.
لا يتعلق الأمر هنا بتحول يمس الأعضاء وحدها، بل دالّ على خروج من عالم ثقافي له سماته وإكراهاته، إلى آخر يتمتع هو الآخر بخصوصيات تجعله مميزًا في طريقة حضوره في الفضاء العمومي. ولم يكن وجود الفتاة «جوى»، صديقة ريان، اعتباطيًّا في تفاصيل الرواية: إنه التجسيد الأمثل لهذا التفاوت بين التحديث والحداثة. إنها تفصيل من تفاصيل التقابل بين الحداثة والتحديث (أبوها كويتي وأمها أميركية)؛ لذلك رفضها الناس في الشارع ورفضها أترابها في القسم الدراسي.
وتلك هي البوابة المركزية التي تتسلل من خلالها كل الرمزيات الممكنة. فــ«التحول» ليس عملية جراحية، إنها في المفهوم العام ثورة تصيب الجسد الاجتماعي وتصيب الأحكام والعوالم الثقافية. فعلى عكس ما يمكن أن يتبادر إلى الذهن، فإن الذكورة والأنوثة ليستا خاصيتين بيولوجيتين فقط، فهما فعلًا أصل التلاقح والتناسل والتكاثر، أي جزء من وظيفة في الجسد سابقة على التمدن والتحضر، إلا أنهما يحددان أيضًا موقعًا داخل نظام رمزي يُذكر ويُؤنث استنادًا إلى سند لغوي يتميز بتقطيع خاص للمدرك الخارجي لا يراعي في الكثير من الحالات حقيقة الجنس فيما يتم تقطيعه.
وهذا مصدر اختلاف اللغات في الكشف عن الجنس والعدد وتسمية أشياء الكون وظواهره. وهو أيضًا الحاضن لعوالم ثقافية تُبنى في التذكير والتأنيث وفق ما يمكن أن تحيل عليه الحمولة الرمزية فيهما. إنها تُصنف كائنات العالم وفق إكراهات ثقافية تختلف باختلاف معتقدات الناس وتصوراتهم للحياة والموت. وذاك هو الفاصل المركزي بين الحس في الطبيعة وبين التمثيل الرمزي في الثقافة. لذلك لا تقابل الرواية بين ذكر وأنثى، بل تقابل بين عوالم الذكورة والأنوثة في الثقافة لا في الأجساد.
لذلك تذهب الرمزية بالأمور إلى حدودها القصوى: نحن في حاجة إلى ثورة داخلية لا تغيرنا فحسب، بل تنقلنا من إبدال حضاري إلى آخر يغير من نظرتنا لكل شيء في الحياة، كما هو التحول من ذكر إلى أنثى، أي من عالم ثقافي إلى آخر.
لا أريد أن أذهب أبعد من ذلك، وأرى في رمزية الرواية إحالة على دول الخليج ومواقعهم داخل تجمعهم السياسي والاقتصادي، كما أوَّلَها بعضٌ. فهذا النوع من الرمزية لا يغريني، وهو بالإضافة إلى ذلك غير منتج على مستوى غنى العوالم التي تبنيها الرواية في التخييل.
قصص تعكس الهموم الكبيرة للإنسان العربي
كاتيا الطويل – كاتبة لبنانيّة وطالبة دكتوراه في جامعة السوربون

يرى الفيلسوف والناقد لوسيان غولدمان (1913- 1970م) أنّ العمل الأدبيّ الجيّد هو العمل الذي يحمل رؤية للعالم، فيجسّد صاحب النصّ في عمله نظرته للعالم والإنسان والمجتمع. وغولدمان المتخصّص في الحقوق والسياسة الاقتصاديّة والفلسفة والأدب ونظريّات الإستطيقا، يبني نظريّته في سوسيولوجيا الأدب على منهج يبحث في العلاقة بين النصّ الأدبيّ ومحيطه الاجتماعيّ. وبحسب هذا المنهج لا يمكن عزل النصّ عن محيطه وعن سياقه التاريخيّ والفكريّ والثقافيّ، فيرى غولدمان، ورأيه في هذا الشأن لا يخلو من صواب، أنّ النصّ يُفهم عبر النظر إلى الإطار العامّ المحيط به، فهو يرتبط بمجموع التصرّفات والقيم الاجتماعيّة التي تسود بيئته، ومن ثم يتحوّل إلى انعكاس لمجتمع كاتبه وإلى رغبته في التأثير فيه.
ويمكن لقارئ نصوص الكاتب الكويتيّ طالب الرفاعي، وعلى وجه الخصوص قصصه القصيرة، أن يرى تطبيقًا ملموسًا لهذه النظريّة ولهذا المنهج السوسيولوجيّ في قراءة الأدب. فالرفاعي نفسه يحدّد في بداية مجموعته القصصيّة «رماديّ داكن» أنّ الإنسان والمجتمع والإبداع هي همومه، وهو ما يجعل قصصه القصيرة منتمية إلى أدب الوعي الاجتماعيّ والسياسيّ والعائليّ إن أمكن تسمية هذا النوع من الكتابة بأدب الوعي.
وتوسيعًا لفكرة وعي طالب الرفاعي بمسائل الإنسان والواقع والإبداع، ارتأينا العمل على ثلاث مجموعات قصصيّة نشرها الرفاعي ابتداءً من بداية القرن الحالي، وبثّ فيها أزمات الإنسان العربيّ وزلاته، وهذه المجموعات الثلاث هي: «سرقات صغير» (دار الشروق، 2010م)؛ و«الكرسي» (دار الشروق، 2012م)؛ و«رمادي داكن» (منشورات ذات السلاسل، 2018م). خمسة وخمسون قصّة قصيرة تشكّل مجموع قصص هذه المؤلّفات وستكوّن أساس التحليل الآتي.
ويخطئ من يجد في قصص الرفاعي انعكاسًا للمجتمع الكويتيّ وحده. على العكس، ففي هذه القصص، يمكن استشفاف عودة إلى المجتمع السوريّ، وأخرى إلى المجتمع المصريّ وغيرهما، إضافة إلى عودة إلى المجتمعات الخليجيّة عمومًا بأنماط حياة أهلها، لتتحوّل هذه القصص إلى مرآة هموم الإنسان الكويتيّ والخليجيّ والعربيّ، مرآة أرادها الرفاعي فاضحة للعيوب والشوائب.
يستعيد الرفاعي في قصصه الدور الذي مُنح في زمن مضى إلى الكاتب والمثقّف في العالم العربيّ، دور المنارة والمرشد والمانح للحكمة. إنّما بعيدًا من أسلوب الوعظ الواضح والنصح الذي ينهر ويأمر، يتمكّن الرفاعي من الإشارة بالإصبع إلى ما يدور في مجتمعاتنا بمهارة سرديّة واقعيّة، ويوظّف الأشياء المحسوسة المحيطة بالإنسان لخدمة الدلالات المعنويّة.
في تقنية القصة القصيرة
يرى الأميركيّ إدغار آلان بو (1809- 1849م)، رائد القصّة القصيرة في أميركا، أنّ القصّة القصيرة يجب أن تكون مسبوكة في روح واحدة وفضاء واحد، كما أنّه يجب أن تُوظَّف كلّ جملة فيها لخدمة النصّ ووحدته. ووفق هذا التعريف الأوّليّ والبسيط ظاهريًّا، يمكن الدخول تقنيًّا إلى نصوص الرفاعي في مجموعاته الثلاث المذكورة. فيلحظ القارئ أنّ الأحداث تسير دومًا في اتّجاه واحد ونحو حبكة واحدة بهدف تأدية معنى معيّن. وعلى الرغم من أنّ الموضوع المطروق قد يكون في أحيان كثيرة موضوعًا عميقًا متعدّد الأبعاد، إلا أنّ طريقة معالجته وكتابته تأتي مسبوكة وفق خطّ سرديّ واحد.
ولم يعقّد الرفاعي كتابته النثريّة ولم يحمّل أسلوبه المعقّد من التعابير، بل شحن قصصه بالأبعاد والدلالات. وبينما اختلفت الموضوعات بين أزمات العمل وأزمات العائلة والعلاقات بين الزوجين أو بين الأصدقاء أو بين الأهل وأولادهم، استطاع الرفاعي أن يطوّع اللغة، وأن يحرص على استعمال الواقعيّ والسهل منها. تحوّل الحوار نفسه إلى تقنيّة تخدم السرد وتساهم في تحويل القصص القصيرة إلى مشاهد من الواقع تبتعد من ابتذال البلاغة أو تصنّع الصور البديعيّة.
وحيث إنّ القصّة القصيرة تقوم على خمسة عناصر أساسيّة، هي: الشخصيّة والإطار الزمانيّ- المكانيّ والحبكة والصراع والموضوع، فقد تمكّن الرفاعي من إثبات هذه العناصر الخمسة في خدمة نصوصه على اختلاف موضوعاته. فلنأخذ مثالًا على ذلك القصّة الحادية عشرة من مجموعة «سرقات صغيرة» وعنوانها «خاتم». تتجلّى في هذه القصّة العناصر الخمسة للقصّة القصيرة على نحو واضح. فيبدأ السرد بشخصيّة الراوي ووالدته، ووجود إطار زمانيّ ومكانيّ ملائم للأحداث الدائرة، ثمّ ينتقل مسار الأحداث إلى حبكة أو عقدة، ألا وهي اختفاء خاتم الأم وسخطها لاختفائه المفاجئ والغامض. ثمّ تتوالى الأحداث وتتأزّم المسألة مع اتّهام الخادمة بسرقة الخاتم، وصولًا إلى الحلّ النهائيّ باعتراف الأخ بأنّه سرق الخاتم ليخلق ما يلهي الأمّ عن أوجاعها وتبرّمها الدائم من أمراضها وشيخوختها.
وفيما تبدو عناصر القصّة القصيرة واضحة في هذه القصّة المحدّدة، إلّا أنّها ليست كذلك في مختلف المواضع. فغالبًا ما يمنح الرفاعي كلّ قصّة قصيرة نكهتها ويغيّر في البنية الكلاسيكيّة لنمط السرد ليخلق عنصر التشويق والإثارة. ففي القصّة السادسة عشرة من مجموعة «رماديّ داكن» وعنوانها «الثالث»، ينقل الرفاعي وجهة نظر زوجةٍ في حياتها الزوجيّة، ثمّ ينتقل في القصّة نفسها لينقل وجهة نظر زوجٍ إنّما ليس زوجَ المرأة الأولى. فلا يستطيع القارئ الامتناع عن التعاطف مع كليهما هو الذي تمكّن من رؤية الواقع من زاويتين اثنتين.
وكذلك يتنبّه القارئ إلى وجود قصص ذات نهايات مفتوحة، فبعدما تحتدم الأمور ويصل السرد إلى أوج التشويق في قصّة «لكن لا يتحرّك» في مجموعة «سرقات قصيرة» مثلًا، يُسقط الرفاعي خاتمته على قارئه كالماء البارد من دون توضيح أو توسيع، فلا يعرف القارئ تمامًا كيف انتهت المسألة. يمكن أن يتكهّن، إنّما لا يمكن أن يتأكّد.
الأشياء تفضح تهافت الإنسان
يقول الكاتب الأميركيّ ستيفن كينغ في إحدى المقابلات التي أُجرِيتْ معه: «إنّ القصّة القصيرة ومن دون مبالغة، هي لأمر مختلف، فهي تشبه قُبلة من غريب في العتمة».
وبينما لا يمكن تشبيه مشكلات المجتمعات العربيّة بالقُبَلِ، يجب التوقّف عند هذا التشبيه وعند قيمته. إنّ القصّة القصيرة الجيّدة تترك أثرًا خلفها، تترك إحساسًا أو نقمة أو انتفاضة أو تعاطفًا، تترك شيئًا، وهذا تمامًا ما يحصل عند الانتهاء من قصص الرفاعي.
تتحوّل الأشياء المحيطة بالشخصيّات في هذه القصص، إلى أدوات تجسّد مشاعرها ونزاعاتها وصراعاتها الداخليّة. ويمرّ منهج الرفاعي اللغويّ الرمزيّ في نقل الواقع العربيّ بسلاسة وهدوء؛ لأنّه طريقة رمزيّة إيحائيّة مدوّرة الزوايا. يشيّئ الرفاعي المعانيَ ويحوّل قضايا المجتمع العربيّ من موضوعات معنويّة إلى أشياء مجرّدة ترمز إلى حقائق لا يريد قولها مباشرة، فيراوغ في قصصه، ويعتمد الأشياء، ويختبئ خلفها بحنكة سرديّة ممتعة؛ لأنّه لو قال الأمور كما هي مباشرة لأثارت حفيظة كثيرين.
ولا يمكن عَدّ طالب الرفاعي في قصصه القصيرة أنه شخّص الأشياء، بل هو شيّأ القضايا الاجتماعيّة والسياسيّة لينقل رؤيته لمحيطه. فهنا النيّة لم تكن جماليّة بلاغيّة بقدر ما كان الهدف منها نقل مثالب المجتمع وأهله بمهارة. لقد نقل الكاتب الكويتيّ هموم المجتمعات العربيّة: تلك الخليجيّة، وتلك التي هي خارج الخليج، نقل التسلّط والفساد والخبث والنفاق، نقل الرغبة في الترقية من دون اجتهاد، والاستغلال والتكبّر والتعنّت والطعن في الآخر. نقل هموم الإنسان الصادق وعلاقته بزوجته ووالديه وأبنائه. نقل هموم المرأة العاملة، هموم المرأة التي تضحّي من أجل زوجها، المرأة التي تعمل خادمة لتجني ما يقوم به أودها.
ولا يمكن أوّلًا ألّا يلتفت القارئ إلى خيارات العناوين التي تجسّد رغبة الرفاعي في إلباس الأشياء معانيَ. فقد مال الكاتب بوضوح إلى تشييء المشكلات الاجتماعيّة ليتناولها بحرّيّة أكثر من خلف قناع الأشياء. ويظهر هذا الأمر قبل أن يغوص القارئ في عمق النصوص أي عبر العناوين. فمن أصل خمسة وخمسين عنوانًا، يقع القارئ على اثنين وأربعين عنوانًا تدلّ على أشياء، بينما خمسة عناوين فقط تدلّ على حيوان، وثلاثة على إنسان، وخمسة تحمل اسم علم.
لقد حوّل الكاتب الأشياء في قصصه إلى أدوات تعبّر عن المعاني المُرادة، بذلك لم يصدم قارئه لكنّه لم يتركه مستلقيًا على أمجاده. اختار طالب الرفاعي أن يشير بالإصبع إلى تهافت الإنسان وإلى المشكلات الكثيرة التي يعانيها المجتمع العربيّ، لكنّه لم يفضح بقسوة وشراسة وعنف، بل ساوى بين الفرد وأشيائه لينقل زلّات المجتمع.
شيّأ الرفاعي المشكلات والطِّباع والقضايا، فألبس الحذاء هموم صاحبته المجتهدة، وجسّدت البالونة المرتفعة نفاق صديقٍ متسلّقٍ انتهازيٍّ، وأصبح الجناح الملكيّ مرآة طِباع المدّعين السطحيّين من المجتمع. جعل الرفاعي الصورة رمز الفنّ المتحرّر، واللوحة دليلًا على خيبة الزوج من طباع زوجته، واللحية رمز الذكورة المستبدّة، والحقيبة رمز المرأة التي تلتفت إلى المظاهر وحدها، والسيجارة رمز الغريزة والمغامرة، وورقة المال رمز حياة الرأسماليّة السريعة التي نعيشها في عصرنا اليوم.
لم يشخّص الرفاعي الأشياء بل حمّلها هموم البشر، شيّأ الأزمات والمشكلات بحنكة وبداهة مميّزتين. حتّى فعل الانتفاخ تحوّل لديه إلى فكرة التهافت البشريّ خلف المناصب والترقيات والوساطات والمال والنفوذ. إنّ الانتفاخ الذي يصيب شخصيّات القصّة التاسعة من مجموعة «سرقات صغيرة» مثلًا، والانتفاخ الموجود في القصّة الثالثة من المجموعة نفسها يتحوّل إلى مرادف لغرور الناس وتعنّتهم وجريانهم خلف المظاهر والمناصب. ففي هذه القصّة الثالثة مثلًا، وهي بعنوان «فووووووق» يقدّم الرفاعي بمهارة لغويّة رائعة، مطابقة بين البالونة التي ترتفع في الهواء وصديق الراوي الذي يروح يرتفع على سلّم الدرجات الاجتماعيّة من دون أن يكون مستحقًّا لذلك، فيقول: «ترتفع البالونة إلى السماء،… بعد فترة صرت أشاهد صور العُبُد في الجرائد والمجلات». تتحوّل البالونة التي ترتفع إلى أعلى إلى الصديق «العبد» الذي ارتقى فجأة على سلّم المراتب والمراكز.
حتّى التقنية كانت لها حصّتها في نصوص المجموعات، ففي القصّة العاشرة من مجموعة «رمادي داكن» تتحوّل الإيميلات إلى جلّ حياة الراوي الذي ينسى واجباته الاجتماعيّة وأصدقاءه وابنته نفسها التي لم يعد يراها ولا يتّصل بها. وكأنّ هذه الإيميلات هي الحياة العصريّة السريعة الزاخرة بمتطلّباتها وشروطها التي تُنسي الإنسان عائلته وما كان ضمن أولويّته سابقًا. وتتجلّى مسألة التقنية أيضًا في قصّة «كرسي (9)» التي تتحدّث فيها طفلة صغيرة عن علاقتها بأمّها القاسية، فتقول في نفسها في أحد المواضع بينما تكون هي معاقبة وأمّها مأخوذة بهاتفها: «تودّين لو تكسرين تليفونها».
الأشياء تفضح تسلّط الحاكم
لا يكتفي الرفاعي في مجموعاته القصصيّة الثلاث بفضح المشكلات الاجتماعيّة، بل ينتقل أيضًا إلى شؤون سياسيّة تحمل قضايا الوطن العربيّ بأسره. فمثلًا نراه اختار أن يعتمد اسم «الكرسي» لمجموعة قصصيّة بأسرها تحتوي على أربع عشرة قصّة تحمل كلّ منها اسم «كرسيّ» مع الرقم العائد للقصّة، وهو أمر مغرق في الرمزيّة. فالكرسيّ هو في الواقع صاحبه، هو تكبّر الحاكم الجالس عليه وفساده، هو زيفه الاجتماعيّ وتعاليه وغروره. ولا يتوانى الرفاعي في وصف الكرسيّ بأنّه غبيّ، قاصدًا صاحبه طبعًا، وذلك في القصّة رقم خمسة: «الكرسيّ المنتصب بضخامته الغبيّة». ليتحوّل الكرسيّ الضخم إلى رمز للجالس عليه، وليتحوّل الغباء من صفة تطول الذكاء عمومًا إلى واقع غياب الوجود الإنساني والعقل الإنسانيّ والعاطفة الإنسانيّة على الكرسيّ.
وكأنّ هذه الصفة لم تكفِ، فطوّر الرفاعي صورة كرسيّ السلطة والاستبداد بأن أظهر كيف أنّ قدمي الجالس عليها هما بمستوى رؤوس الناس. يتجسّد استبداد الحاكم المتسلّط بجلوسه على الكرسيّ طبعًا، إنّما أيضًا بقدميه «المعلّقتين في الهواء» («كرسي (5)»، ص: 41). إنّ رؤوس الناس هي بمستوى قدمي الحاكم الجالس على الكرسي الضخم العالي، فهل من يوم يأتي ويصبح كرسي الحاكم بمستوى شعبه وتصبح قدماه على الأرض؟
والجميع يرغب في الوصول إلى الكرسي، بأيّ طريقة ممكنة، فنجد الشخصيّات في قصّة «كرسي (13)» راكضة في الطرقات وفي الأزقّة خلف الكراسي. كلّ فرد يركض خلف الكرسي وخلف المنصب الذي يريده متناسيًا المحيطين به، متناسيًا أيّ أمر آخر دون الكرسيّ.
لكنّ الكرسي العالي والضخم يملك مساوئه أيضًا، فالكرسي يبتلع الجالس عليه ويحوّله إلى صرصار كافكا من الرواية القصيرة «التحوّل» (1915م). إنّ هاجس السلطة يتحوّل إلى مرض، يحوّل المرء إلى حشرة، فتروح إنسانيّة الحاكم تختفي ويروح الحاكم نفسه يتضاءل ويتلاشى لتحلّ محلّه الهالة والسلطة… والكرسيّ.
إضافة إلى ذلك، يتجلّى للقارئ أنّ الإنسان القويّ الجالس على الكرسي يخسر كلّ شيء ما إن يتقاعد أو ما إن يجلس آخر مكانه. وكأنّ النزول عن الكرسي يعني الموت والاضمحلال. ففي القصّة العاشرة من مجموعة «الكرسي» يجد الوزير نفسه وحيدًا عندما يحلّ آخر مكانه، فيقول في نفسه: «لماذا أنت متضايق لا تستطيع سحب أنفاسك؟ أحد لن يأتي الليلة! الروّاد، أو سمّهم ما شئت، كانوا يأتون إليك تودّدًا للكرسيّ، وحين غادر محطّتك، تشبّثوا بأرجله، ومعه ابتعدوا إلى محطّة أخرى». تحلّ الأشياء مكان الناس ويصبح نفوذ الحاكم ووجوده مرتبطًا بالكرسي الجالس عليه، ليتحوّل المجتمع إلى مجرّد أفراد يتهافتون خلف السلطة والنفوذ والأشياء.
يبقى الفنّ…
في خمس وخمسين قصّة، حاول طالب الرفاعي سبر أغوار المجتمعات العربيّة المعاصرة لينقل أعباءها وأعباء أهلها، فالإنسان العربيّ اليوم رازح تحت فساد السلطات واستبداد الحكّام ونفاق المحيطين به ومتطلّبات حياته العائليّة. الإنسان العربيّ اليوم، رجلًا أو امرأة، يدخل على ألفيّة جديدة محاولًا تحديد موقفه من أمور كثيرة: من الحاكم ومن التقنية ومن المجتمع.
وعلى الرغم من قسوة الواقع الذي ينقله الرفاعي في قصصه إلاّ أنّه يترك متنفّسًا للقارئ، يترك له الفنّ. يتحوّل الفنّ إلى المخرج، يصبح مرادفًا للتحدّي والتحرّر والتفوّق. يرى الرفاعي عبر قصصه القصيرة أنّ الحلّ هو الثورة، والثورة تكون عبر الفنّ. فالسينما ثورة تخيف الدكتاتور، والصورة ثورة تهزّ الكرسي، والكلمة ثورة لن يخفت وهجها. إنّ الصورة والكلمة والألوان هي الطلقة التي ستحرّر الشعوب وتُنزل الفاسد والمستبدّ عن كرسيه. إنّ الفنّ هو الشعلة التي ستحرّر وتُسقط من يجب أن يسقط، فيرد في قصّة «كرسيّ (5)» بقوّة وعمق وتوهّج: «صوّر، لا تدع شيئًا يفلت منك.. الصورة طلقة […] صوّر.. الكرسي يهتزّ».
فهل يهتزّ الكرسي يومًا؟
عالم سردي يتجاوز حدود الجغرافيا البشرية الضيقة
أمير تاج السر – كاتب سوداني

على الرغم من أن الكاتب الكويتي طالب الرفاعي، نشر أول أعماله القصصية في سبعينيات القرن الماضي، إلا أنه أقرب إلى جيل الثمانينيات في الكتابة الإبداعية، حيث ازدهرت أعماله القصصية في تلك الحقبة، حتى انطلق إلى كتابة الرواية في بداية الألفية الجديدة، مع الاحتفاظ برونقه ككاتب قصة متفرد، عبرت قصصه عن أفكارها بصورة جيدة، بالرغم من التكثيف والاختصار المعروفيْنِ في كتابة القصة.
والمتابع لأعمال طالب الرفاعي، سواء في قصصه القصيرة، أو رواياته، ينتبه إلى أنه ألمَّ بكل أدوات الكتابة الحديثة باكرًا، كما أنه عثر على صيغته المعتمدة للكتابة، فخرج إبداعه جديدًا ومختلفًا، ولا تستطيع إلا أن تعجب به حتى لو لم تكن تتفق معه. ولطالما نادينا بضرورة القراءة المتأنية، والالتفات لما قد يورده الكاتب من ابتكارات سواء على مستوى الأفكار أو اللغة المستخدمة، وذلك من أجل قراءة نزيهة وذات فائدة.
ألاحظ أيضًا أن طالب الرفاعي على الرغم من تنوع الأفكار التي يستخدمها في الكتابة، مثل الغوص في التاريخ، والغوص في المجتمع المعاصر، أراه التزم إلى حد ما بكتابة واقع مواز للواقع، ويوهمك أنه الواقع. هذا النمط من الكتابة يبدو صعبًا لكنه ممكن إن كُتب بأيد خبيرة، وقد تفاجأ حين تجد أسماء واقعية، وأحداثًا تبدو واقعية، أي تعثر على اسم زوجة الكاتب أو أحد أصدقائه، وتجدهم شخوصًا في الأعمال وتتوهم أن ما حدث في النص، حدث في الواقع أيضًا. وما زلت أذكر بداية رواية «الثوب»، حين نجد استدعاء شخص مسؤول الراويَ، ونتابع بتشوق شديد مسار الراوي للقاء ذلك المسؤول تمامًا كما نتابع شريطًا سينمائيًّا مشوقًا.
هذا الذي ذكرته يقودني للحديث عن تقنية السينما التي استفاد منها طالب أيضًا، أي تقنية تقطيع المشاهد وجعل بعضها يكمل بعضًا، واستخدام كاميرا سردية إن جاز القول، تتجول بعينيك في المكان النصيّ، مُتابِعةً حركة الشخوص فيه. وبالطبع لن ننسى استخدام المونولوج الداخلي، وحديث الشخوص مع ذواتها، في محولات للكشف عما يحدث.
«الثوب» وغيرها من روايات طالب، في معظمها وقصصه القصيرة، عَدَّها مرايا مجتمعية، نقلت لنا وبصدق إبداعي، خفايا مجتمع نعرفه، ولا نعرفه حقيقة، ولطالما نوهت أن الحكاء الحقيقي، هو القادر على صناعة الدهشة عند المتلقي، بتعريفه بتفاصيل يظن أنه يعرفها، وهو في الحقيقة لا يعرفها، ربما تكون التفاصيل موجودة في ذهن المتلقي، فقط هناك من يكشف عنها الغطاء، أيضًا تأتي البراعة لدى الحكاء في مجتمع ما، أن يصوغ مجتمعه إبداعيًّا من دون أن يسيء إلى أحد، أو يفضح أحدًا. بالطبع ما كتبه طالب في هذا الصدد، ليس سيرًا ذاتية رغم الوهم الذي قد يثيب للمتلقي كما ذكرت، ولكن سردًا بنكهة لها معانٍ عدة، وفي الكتابة تظل المعاني العدة التي يمكن استنباطها من نص ما، هي جمال هذا النص، وأظن أن السيرة الذاتية أو لنقل شذرات منها يمكن أن تتسرب إلى كتاباتنا كلنا، باعتبار أن الكاتب حين يكتب، لا بد أن يكتب أشياء يخبرها جيدًا، وكلنا خبراء في بيوتنا وشوارعنا، والمدن التي وُلدنا أو نشأنا فيها.
أود أن أذكر بكثير من الافتتان رواية «النجدي» لطالب الرفاعي، وهذه رواية تاريخية، تتحدث عن أحد صناع المجد القديم في منطقة الخليج، وهنا تبدو الكتابة صعبة بالفعل؛ لأن استعادة شخصية تاريخية، بكل ما فيها من سلبيات وإيجابيات، في نص حداثي، يُعَدّ مغامرة، ولذلك أنا أميل شخصيًّا لتخيل التاريخ، بوصفه أكثر أمنًا وبعدًا من المشكلات، ولكن أيضًا هناك من يكتب الشخصيات التاريخية الإنسانية بكثير من الرشاقة، والإضافات التي لن تكون عورات بقدر ما هي نشاطات إنسانية مشروعة. وأعتقد أن «النجدي» كُتِبتْ باحترافية، ولم تغفل أي تفاصيل يمكن أن تزرع القارئ في قلب النص، أيضًا حفلت بما ذكرته عن تقنيات الكتابة التي يستخدمها طالب عادةً؛ من سرد وحوار، واستفادة من الموروث الشفاهي، وتلك القصص الصغيرة التي تكمل اللوحة في النهاية، وتبدو مسألة رسم لوحة بالكلمات ملائمة جدًّا، إذا عرفنا عشق طالب الرفاعي للوحات الفنية، والسعي لاقتناء لوحات فريدة ومميزة.
في العام الماضي نشر طالب روايته الأخيرة «حابي»، وهنا دخل في مسألة المسكوت عنه، مسألة التحول الجنسي، الذي يبدو موضوعًا مؤثرًا في مجتمعاتنا لكن قليلًا ما تطرق إليه الأدب العربي، وأذكر أن الصديقة الكاتبة الراحلة ثريا علام، نشرت مرة رواية مهمة في هذا الصدد، لكن لم يتناولها النقاد؛ لكون الكاتبة رحلت باكرًا، وأيضًا للفتور الذي أصاب الحركة النقدية في السنوات الأخيرة. ورواية طالب مثل رواية ثريا تتحدث عن تلك الشخصيات التي هي شخصيات إنسانية، يَعُدّها المجتمع شخصيات غير سوية، ولا أعدّ الكتابة هنا تحيزًا لتلك الشخصيات بقدر ما هي كشف عن إنسانيتها، وأحقيتها في الحياة كغيرها.
عمومًا طالب الرفاعي قدم ولا يزال يقدم تجارب ثرية في الكتابة الإبداعية، وأيضًا في تبني الكتابة الإبداعية، واستخدم إمكانياته ككاتب أولًا، وكمعلم للكتابة الإبداعية ثانيًا، في إثراء الثقافة العربية.
عين زرقاء اليمامة
سلوى بكر – كاتبة مصرية

تعرّفت إلى الأديب الكويتي طالب الرفاعي من قرب ربيعَ عام 2013م خلال أحد المنتديات الأدبية في بلدة أنشون الكورية الجنوبية، ومن خلال ذلك ترسّخ لديّ انطباع بأنه شخصية ودودة مفعمة بالإنسانية، مع عمق ثقافي واتساع في الرؤية. ولم أكن حتى ذلك الوقت قد قرأت للرفاعي إلا بعض القصص القصيرة، فقد كانت كتابات إسماعيل فهد إسماعيل وليلى العثمان، هي الكتابات الأكثر شيوعًا من الأدب الكويتي لدى المثقفين المصريين، ولكن عند عودتي من كوريا إلى موطني بالقاهرة مرة أخرى أخذت أتعرف شيئًا فشيئًا إلى كتابات طالب الرفاعي، وكم شعرت بأنني محقة في انطباعاتي عنه، فقد اكتشفت أن أعماله بالفعل مهمومة إنسانيًّا بالمعنى العميق للكلمة، وتسعى للبحث في معاناة الناس التي لا تلحظ ولا ترى بسبب التكرار والاعتياد.
وعالمه السردي يتجاوز حدود الجغرافيا البشرية الضيقة والمحدودة، كما أن ما يطرحه عن مجتمعه الكويتي، يجذر الفهم والتعرف إلى هذا المجتمع الذي يصعب رؤيته من الخارج، ولا أظن أن الأجيال اللاحقة لإسماعيل فهد إسماعيل وليلى العثمان وطالب الرفاعي، ما كان لها أن تنجز ما أنجزته من تراث أدبي لولا كتابة هؤلاء، فهذه الكتابات المؤسسة هي التي فتحت الأبواب لتدلف منه روايات جيل سعود السنعوسي المدهشة، وما تلاه من أجيال.
ولعل مسألة الهجرة لأجل العمل والتكسب في مواقع جغرافية أخرى غير الوطن الأم باتت ظاهرة عالمية منذ عدة عقود تعود إلى القرن الماضي، فحالة العولمة والتطورات الاقتصادية المذهلة التي واكبتها دفعت بكتل بشرية مختلفة الإثنيات والهويات للتنقل والعمل في مناطق جغرافية أخرى غير تلك المناطق التي نشأت فيها، وهو ما شكل ما يمكن تسميته في النهاية عبودية العصر الحديث، وقد تناول الإبداع عامةً والأدب خاصةً مسألة الهجرة والعمالة المرتحلة من أجل حياة أفضل، منذ مدة تعود إلى القرن الماضي، بدءًا من غسان كنفاني ورائعته «رجال تحت الشمس»، حتى كتابات فتحي إمبابي ومحمد غزلان ونعمات البحيري وإبراهيم عبدالمجيد صاحب «البلدة الأخرى» وغيرهم، غير أن ما قدمه الرفاعي في روايته «ظل الشمس» الصادرة لأول مرة عام 1998م يظل له خصوصيته ضمن السرد الأدبي المتمحور حول موضوع هجرة العمالة وارتحالها، فلقد تناول الرفاعي في «ظل الشمس» العمال المصريين الفقراء في دولة الكويت بعين المواطن الكويتي، ليقدم صورة قاتمة عن معاناة هؤلاء العمال وخيبات آمالهم في الوصول إلى حياة أفضل، من خلال ابتعادهم من وطنهم المصري.
إن النزعة الإنسانية التي تشكل المحور الأساسي لكتابات طالب الرفاعي تتبدى أكثر ما تتبدى في رواية «ظل الشمس»، فتعاطف الكاتب مع أولئك الفقراء القادمين من أعماق الخريطة المصرية سواء من الشمال أو الجنوب، وتصوير معاناتهم التي تجبرهم على ترك أوطانهم تظهر مع بدايات العمل، وتستمر حتى نهايته، ضمن رؤية موضوعية انتقادية لما يتعرضون له من مهانة وخداع ونهب لقوتهم وطاقاتهم البشرية.
وعبر مفارقات إنسانية متباينة، تتبدى في هذه الرواية، وفي معظم كتابات طالب الرفاعي القصصية الأخرى، مثلما هو الحال في مجموعة «الكراسي»، أو «رمادي داكن» على سبيل المثال، ينتج السرد جملة من الأسئلة الإنسانية المتعلقة بالقيم والمفاهيم، سواء داخل المجتمع الكويتي ذاته أو داخل المجتمع العربي عمومًا، بما في ذلك القيم الخاصة بالعلاقة بين الرجل والمرأة، أو بين الآباء والأبناء. فالمرأة التي تجبر على ارتداء النقاب، تجد نفسها مضطرة للمساومة مع زوجها حتى يقبل بأن ترتدي الحجاب فقط، مقابل أن تقرضه من مالها الخاص. والمدرس المسافر للعمل في الكويت مرتضيًا أي مهنة، حتى لو كانت حقيرة، يبحث عن وسيلة للهروب من سطوة أبيه وتسلطه وقبضته الحاكمة.
وأعمال طالب الرفاعي سواء القصصية أو الروائية تقود القارئ عبر خطاباتها إلى جملة من الأسئلة المتعلقة بوجوده وقيمته ومفاهيمه ورؤيته لذاته والعالم، وكيفية إدارته للحياة.
عمومًا ترتكز كتابات طالب الرفاعي إلى الفهم الأصيل لدور الأدب، بوصفه عين زرقاء اليمامة التي ترى ما لا يراه الآخرون داخل المجتمع، بفعل التكرار والاعتياد، ولتكون هذه العين في النهاية مؤشرًا، عبر رؤيتها الثاقبة، إلى تغيير إنساني لا بد أن يكون.
الاختزال الجماليّ الناقد
شهلا العجيلي – كاتبة وناقدة سورية
بدأ طالب الرفاعي بنشر نتاجه الأدبيّ منذ سبعينيّات القرن العشرين، وظهرت قصصه مُنَجَّمةً في الدوريّات العربيّة، حتى أصدر مجموعته الأولى «أبو عجاج طال عمرك» عن دار الآداب في عام 1992م، وبينها وبين مجموعته الأخيرة «رمادي داكن»، الصادرة عن منشورات ذات السلاسل في عام 2018م، ما يقرب من ستّ مجموعات قصصيّة.
تحمل القصّة القصيرة بوصفها شكلًا فنيًّا، إمكانيّة التعرّف إلى موضوعات معقّدة ومتشعّبة، وليست موحّدة بالضرورة، من خلال المجموعة الواحدة، التي لا تكتفي بقدرتها على نقل معنى ما، بل بإحداث معنى، وتوليد دلالات. تنتمي تلك الموضوعات المعقّدة والمتشعّبة التي يتضمّنها النصّ القصصيّ إلى «الثقافيّ»، الذي تنتمي إليه الدلالات المتوالدة أيضًا، والمتعلّقة بالمتلقّي؛ لذا تحمل القصّة القصيرة بوصفها نوعًا فنيًّا تمثّلات الثقافة بوجهيها الأنثروبولوجيّ والجماليّ، وهذا لا يعني اقتصار هذه التمثّلات على القصّة القصيرة من دون الأنواع الأدبيّة التي تنتمي إلى الجنس السرديّ، كالرواية، أو من دون الأجناس الأخرى غير السرديّة كالشعر، لكن تكتسب دراستها في القصّة أهميّة مخصوصة؛ لأنّه يُنظر إلى القصّة على أنّها شكل بمساحة تعبيريّة صغيرة، وقد نعتت بفنّ الرجل الصغير، وعُرّفت على أنها تناول لقطة أو زاوية من زوايا الحياة، وأنّها شكل مغلق… لذلك تُشعر مقارباتها بالضآلة، مع أنّها فنّ له تقاليده الكتابيّة، ودلالاته الثقافيّة المميزة.
لعلّ ذلك «الثقافيّ الذي أشرنا إليه، هو ما تمثّله طالب الرفاعي في قصصه تمثّلًا لافتًا، فقدّم لنا صورًا فنيّة متنوّعة للحياة زاخرة بالخصوصية الثقافيّة للكويت، ففي مجموعته «أبو عجاج طال عمرك» تواجهنا الرؤية الهجائيّة الساخرة، بوصفها أداة للمعرفة، كما يواجهنا الاختزال الجماليّ الذي يحول العالم الخاصّ إلى صورة ديناميكيّة، وليست قناعًا ثقافيًّا يعلّق على الحائط، كما يشير بيكاسو.
تناقش قصّة «أشياء صغيرة» مطبّات العلاقات الاجتماعيّة الناشئة عن قيم تقليديّة في مجتمع ينحو نحو الحداثة، لعلّها أشياء صغيرة كما أشار العنوان، لكنّها تهدّ العلاقة الأسرية. ونتقرّى في «الإنسان لا يموت» تركيبة المجتمع الكويتيّ، ومفهومي الوطن والعمل، وعلاقتهما بكلّ من الحداثة والرأسمالية، عبر شخصيّة الوافد (أبو شاكر) مستخدم المدرسة، الذي يمثّل نموذجًا لملايين المهاجرين من أجل لقمة عيشهم في العالم كلّه، من حيث همّهم اليوميّ ومصيرهم، ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ هذه القصّة كتبت في عام 1986م. أمّا متوالية «أبو عجاج طال عمرك» فهي فريدة في سخريتها الناقدة للعلاقة بين المواطنين والوافدين والحكومات، في إطار مجتمع يتحوّل بسرعة إلى عالم التوحّش الرأسماليّ، سنجد في هذه القصّة المفارقات الطباقيّة حسب إدوارد سعيد، فأنت لا يمكن أن تقدّم في هذه البنية الاجتماعيّة الثقافيّة، حكاية النسق المسيطر (المواطنون) من غير أن تقدّم حكاية النسق المهمّش (الوافدون).
تحوّل قصص طالب الرفاعي المرأة من فضاء الهامش إلى المركز، عبر رؤيته النقديّة التي تهتمّ بالأقليّة سواء أكانت اجتماعيّة إثنيّة أم طبقيّة أم جندريّة، وقد استمرّ ذلك الاهتمام عبر مجموعاته كلّها، لنصل إلى مجموعته الأخيرة «رمادي داكن»، ففي قصّة «لحية وشارب»، سنجد تحولات الوضع الثقافيّ الاجتماعيّ للمرأة الكويتيّة، بين بيت الأب وبيت الزوج، وهذا يشير إلى تحول زمنيّ وليس مكانيًّا، وينتقد موقع الرجل ومقايضاته في المجتمع من خلال (القرض)، و(الحجاب)، و(النقاب)، و(التعليم الجامعيّ)، و(الراتب)، فيعرّفنا إلى الحداثة الناقصة أو المجزوءة، التي يعوزها أساسان وهما الحرية، والمسؤوليّة، حيث إنّ المرأة ليست ضحيّة دائمًا بل قد تغيّب ذاتها، وتستسلم لنزعة المجتمع الاستهلاكيّة وحداثته المزيفة، كما نجد في قصّتي «وضحى»، و«حذاء أسود».
سنجد الكاتب في قصص هذه المجموعة يُبَئِّر العلاقات في المجتمع الرأسماليّ الذي يسعى بشراسة لإزاحة القيم التقليديّة المفعمة بالمعنى الإنسانيّ، ليحلّ بشراسة قيم السوق، التي يمكن أن نسمها بغير الإنسانيّة من جهة، كما أنّها تشكّل نظامًا ناقصًا وانتقائيًّا في المجتمعات العربيّة، فتبدي أسوأ ما في الهجنة من جهة أخرى، وذلك نجده في قصص من مثل: «قرب المدخل»، وهي مبنيّة على المفارقة المؤلمة، وكذلك «قط صغير»، و«العم خليفة»، و«جيش نمل»، وغيرها من القصص التي تُشعر بحرارة الحياة، وديناميكيّتها، وهمومها الصغيرة منها والكبيرة، وأفراحها، مميزة بواقعيّة التصوير، والحوارات البسيطة التي يقتضها فنّ القصّ، والشخصيّات الكنائيّة التي لا تفقد خصوصيّتها وهي تمثّل معظمنا؛ إذ لا يهمّ إن كانت بأسماء أو بصفات، أو بالاثنتين معًا، كما لا يهم إن كانت الكويت بارزة بأسماء أحيائها، وأسواقها، ومرافقها، أو حاضرة بتمثل أليغوريّ.
في محراب الأدب والثقافة
محمد رفيع – كاتب مصري
يعد الكاتب الكويتي طالب الرفاعي مثالًا على الدور العضوي الذي يمثله المبدع والمثقف داخل مجتمعه، فهو بجانب إسهاماته الأدبية في القصة القصيرة والرواية له أدوار ثقافية متعددة، لعل أبرزها إنشاء جائزة مخصصة للقصة القصيرة العربية في دولة الكويت، بالتعاون مع الجامعة الأميركية هناك، وكانت هذه الجائزة وفي توقيت ظهورها بمنزلة قبلة الحياة التي أعادت الاهتمام بهذا الفن المغدور، وقد رأيت الدكتور طالب الرفاعي بنفسي وهو حريص كل الحرص على هدفين مهمين له؛ أولهما إنشاء جائزة كويتية تعيد المد الثقافي الكويتي إلى الساحة، وثانيهما إعادة الاعتبار للقصة القصيرة العربية.
وعلى ذلك كان طالب في 2016م في أثناء التجهيز للدورة الأولى لجائزة الملتقى للقصة القصيرة كالعصب العاري، يريد أن تخرج هذه الجائزة في حلة مشرفة، ورغم ذلك كان يتوارى عن أعين الكاميرات مقدمًا الحدث نفسه والمتسابقين إلى الساحة الثقافية العربية، وربما بدأ بحثي من هذه النقطة عن أدب طالب الرفاعي للتعرف إلى عوالم هذا المبدع، وكذلك لسبب شخصي وهو وجه الشبه الكبير في طريقة الحياة والكلام حتى التفكير بين طالب الرفاعي ورعيل كبير من أقاربي المنحدرين بالطبع من الأصول البدوية.
وهنا اكتشفت أواصر أخرى في البنية الفكرية والإبداعية عند طالب، فهو مهتم بالأسطورة وبالهوية وبالقصة القصيرة رغم إجادته فن الرواية. وهناك ميزة أخرى لسرد طالب الرفاعي وهو البحث، فالرواية بالنسبة له كما بالنسبة لكثيرين لم تعد حقلًا للمتخيل فقط بل حقلًا معرفيًّا في الأساس يتطلب كثيرًا من البحث في التاريخ وربما في العلوم الأخرى لكي يلم الروائي بمكونات عالمه. فنجده في رواية «حابي» متبحرًا في فكرة الهوية والذكورة والأنوثة وتأثيرها في الهوية النفسية والجسدية للفرد، مع اطلاعه على علوم الجينات، ليس لجعل الرواية درسًا بحثيًّا بقدر جعلها مزيجًا معرفيًّا نفسيًّا أدبيًّا ممتعًا، يقول بطل الرواية الذي راوَحَ بين الثنائيات المكانية بين الشرق والغرب والنوعية بين الذكر والأنثى: «أنا ولد، أشعر كأن طعمًا مرًّا بفمي قدري أن أبقى حابي»، ليلخص لنا أزمته.
ونجده في رواية «نجدي» التي تروي سيرة غيرية لنوخذة أو قبطان مركب وهو علي ناصر النجدي. والرواية على حجمها تروي آخر يوم في حياة علي النجدي. ولعل اختيار طريقة السرد هذه تعد تحديًا، فعليك أن تروي سبعين عامًا، وهي حياة النجدي في هذا النهار الأخير من حياته، ولذلك يجب أن يكون الروائي حذرًا هنا، فالرواية ستبنى على تقنية الاسترجاع، وليس الاسترجاع أو الفلاش باك فقط، ولكن تأخذ أيضًا من تيار الوعي فكرة التذكر العرضي أو أن الشيء بالشيء يذكر. ولعل طالب الرفاعي في هذه الرواية كان لا بد أن يتمثل شخصيًّا حياة الرجل الذي قرأ عنه في مصادر أجنبية وعربية حتى كاد يراه رؤية العين، جسدًا وروحًا.
درب مميز وبصمة خاصة
مفلح العدوان – كاتب أردني
يبدع طالب الرفاعي في مجمل ما يكتبه من سرد، وهو في كتابته للرواية والقصة يخط دربه الذي يميزه، وله بصمته الخاصة، هذا المبدع الذي بدأ كتابة القصة في منتصف السبعينيات، وكانت أولى مجموعاته القصصية المنشورة «أبو عجاج طال عمرك»، واستمر في إصداراته القصصية وكتابته وعشقه لفن القصة إلى أن بدأ كتابة الرواية في منتصف التسعينيات، حيث كانت أولى رواياته «ظل الشمس».
لكن طالب الرفاعي وعلى الرغم من كتابته للرواية فإنه بقي ينحاز وينتصر كثيرًا للقصة القصيرة التي ينشغل فيها بموضوعات إنسانية مهمة، وخطيرة، وحساسة، هي بحسب ما تابعت من كتاباته قضايا المرأة وقضايا المهمشين وعلى وجه الخصوص العمالة الوافدة، إنه يلتقط الفكرة، والقصة فن التكثيف، فهو يقدمها بتوظيف ذكي لتقنيات القصة القصيرة، ويوجه الحوار باتجاه جوهر الفكرة التي يبني عليها قصته، مع استثمار للترميز والمونولوج الداخلي والتداعيات. طالب الرفاعي في قصصه معنيّ بالإنسان وقضاياه، معنيّ بتعرية زيف المجتمع، ويطرح نماذج مختلفة في قصصه، وهو فيما يكتب لديه موقف يقدمه بطريقة فنية عالية تحمل الفكرة، وتؤدي الرسالة على محمل الإبداع.
قبل سنوات، في عام 2017م، حين كنت رئيسًا لمختبر السرديات الأردني نظمت وأدرت ندوة حول إبداع وكتابة طالب الرفاعي ضمن برنامج «سيرة سارد»، وتحدث طالب الرفاعي خلال اللقاء بحميمية عن كتابته للقصة القصيرة وتعلقه بالكتابة منذ بداياته حيث كان حديثه بأنه «في الكتابة فسحة تمكنه من الهروب إلى الحرية والحلم والأمل، وتقدم له السلوى والعزاء والأمان في لحظة إنسانية عاصفة يخيم عليها العنف واللاعدالة». فهو يضع أولوية في موضوعاته في القصة وفي معالجتها للجوانب الإنسانية الكبرى، ولعلني هنا يمكن أن أشير إلى رأي للمرحوم الروائي إلياس فركوح، وكان حاضرًا في الندوة على المنصة، حيث قال: إن «تجربة طالب الرفاعي الممتدة نحو ربع قرن تُعنَى بنقل مناخات الواقع المعيش إلى الورق، الشخصيات وحكاياتهم، بتلوينات خاصة اعتمدت التجربة الذاتية لكاتبها ومساءلته لها».
بقي أن أشير إلى أن كتابة القصة القصيرة عند طالب الرفاعي هي جزء من مشروعه السردي الموزع بين القصة والرواية، ولكنه يفيد في كلا الجنسين الإبداعيين من تجربته الشخصية ومعاينته لكثير من القضايا الإنسانية، وهو يوائم بين تخصصه العلمي في الهندسة، وبين الأبعاد المعنوية والمجتمعية في كتابته للقصة والرواية، ولكن هذا الحنين إلى القصة عبر عنه بعودته إلى الدراسة الأكاديمية ودراسته لمادة الكتابة الإبداعية، مع التركيز على القصة القصيرة وتنظيره فيها، يضاف إلى هذا العشق للقصة القصيرة مشروعه الذي أبدع في تأسيسه وإدارته وهو جائزة الملتقى للقصة القصيرة العربية، فهو عاشق لهذا الفن، وصاحب مشروع طموح لديمومته وإعطائه زخم الحضور في زمن صعود الرواية لإيمانه بفن القصة ولعشقه له.
جغرافيا السرد
فهد الهندال – كاتب كويتي
يميز أدب الأديب طالب الرفاعي، تلمسه لقضايا المجتمع على اختلاف مستوياته، فتجد في أعماله القصصية والروائية حكايات البيت، الشارع، العمل، الجامعة وغيرها. فجغرافيا القص لدى طالب الرفاعي لا تتوقف عند السرد الآني، وإنما يستعيد ذاكرة المكان عبر شخصيات يستعيدها من الماضي، أو شخصيات واقعية تعاني إشكالية معينة، حيّدها المجتمع تحت إطار نظرة واحدة. إن المطلع على أدب الرفاعي، لن يستوحش اللغة الروائية، ولن يحتاج إلى قراءة مقعرة مجهدة، وإنما إلى منظار للأفكار التي تختبئ بين ظلال الكلمات.
في رواية «حابي»، نجد سردًا مزدوجًا، كما هي حالة السرد المتداخل فنيًّا، يتناول تحولًا جنسيًّا من أنثى إلى ذكر، ولكن يبقيان «ريان الفتاة» و«ريان الفتى» في سجن الجسد الواحد سيكولوجيًّا، رغم تحوله الفسيولوجي، وكأن المفارقة هنا تأتي على لسان ريّان الفتاة سابقًا: «ريان تلك الفتاة الغافية في بئر روحي ستبقى تلاحقني طوال عمري لتشاركني وتفسد عليّ لحظتي، وستبقى في نظر أسرتي وأقربائي هي صورتي وهويتي التي يصعب عليهم نسيانها وتجاوزها. ريان الفتاة لعنة تمسك بي! أجريت أكثر من عمليتين جراحيتين وعانيت ما عانيت وما زالت تمسك بي».
وكأننا أمام مصير آخر لم يفكر فيه العلم، رغم تطوره الطبي والجراحي، ونعني الجانب النفسيَّ في مواجهة النفس قبل المجتمع، وهو ما ختم به ريان الفتى الآن: «أشعر أن طعمًا مرًّا بفمي، قدري أن أبقى حابي».
في رواية «الثوب»، جاء السرد وفق علاقة التخييل الذاتي بالواقع الذي انطلق منه الكاتب في حضوره كسارد باسمه الحقيقي كما هو المكتوب على غلاف الرواية، وهي التجربة الثالثة لطالب الرفاعي التي يحضر في رواياته كأحد الشخصيات. ولمزيد من التقارب مع الواقع، استخدم الكاتب الزمن كأداة لتخيّل سردي لأحداثها. فقد اتكأ على زمن داخلي من خلال التواريخ التي جعلها عتبة فصوله المرقمة. والملحوظ أن الكاتب اهتم بأن يورد التاريخ مفصلًا مشتملًا على اليوم الموافق له، الشهر، السنة. هذا بالنسبة لزمن القص الذي اعتمده عتبة دخول كل فصل، أما زمن السرد فجاء في ثنايا متن كل فصل، من خلال الإشارة إلى التوقيت الزمني لساعات اليوم، نهارًا أو ليلًا، أو الإيحاء بوقت من أوقات اليوم.
اعتمد الكاتب على النسق الزمني المتقطع في عملية السرد الذي جاء زمنه متناثرًا بحسب السارد/ طالب المنظّم لمجريات أحداث الرواية. ليكون الزمن السردي منقسمًا بين نوعين من الاسترجاع، الأول خارجي والآخر داخلي. لأقف هنا عند نهاية الرواية التي ختمها بعبارة على لسان السارد طالب الرفاعي «مادة الرواية محفوظة لدي، ولن أتركها تموت وحيدة بصمتها. لن تخيفني تهديدات أم وليد وأخيها، ولن تثنيني توسلات شروق. الكتابة مخاطرة بدءًا ومنتهى. سأكتب الرواية ولن ألتفت لأحد»، وهو ما يمكن الإجابة عنه، بأن الرواية كتبت أصلًا قبل تاريخها المدون، الذي بدأت به زمن القص الخاص بها في الفصل الأول (28 مارس 2007م).
إضافة إلى زمن آخر مهم نشير إليه هنا عن الرواية، وهو زمن النص المؤرخ للطبعة الأولى للرواية عام 2009م، وزمن الكاتب الخاص بالمدة التي استغرقها في كتابة الرواية التي ختم بها الرواية (الكويت يونيو/ حزيران 2006م – فبراير/ شباط 2009م). لنجد أن الكتابة سبقت في زمنها زمن القصة والسرد معًا. وهو ما يحيل إلى زمن المتلقي لاحقًا لاستقبال هذا النص، وزمن القراءة التي ستختلف من مُتلقٍّ لآخر، بحسب قراءته لأحداثها الواقعية والمتخيلة معًا، وهو ما يتضح من خلال بعض الإشارات الزمنية في حياة خالد خليفة، مثلًا عن معيشته السابقة قبل الغنى «خلال طفولتي كنت أراه واسعًا، لكن قبل هدم البيت في منتصف السبعينات، حين زرته للمرة الأخيرة، استغربت مساحته، فلقد بدا لي صغيرًا، والغرف كانت ضيقة جدًّا، ولا أدري كيف كنا نعيش فيها، وكيف كانت تسعنا؟».
ثم عن مرحلة دراسته الجامعية، وكيف ربطها زمنيًّا بمرحلة معيّنة في تاريخ الكويت «جامعة الكويت وقتها كانت تعيش واحدة من أهم وأجمل فترات تطورها وانفتاحها، قائمة «الوسط الديمقراطي» ممسكة بزمام الاتحاد الوطني للطلبة: محاضرات، وعلاقات جميلة بين الطلاب والطالبات، وصداقات، ورحلات شبابية، وحفلات.. المجتمع الكويتي بأسره في تلك الفترة كان يعيش واحدة من أجمل فترات ازدهاره وحضوره الاجتماعي والاقتصادي والفني والرياضي في الداخل والخارج. كانت الكويت وقتها درة الخليج، وما كان هناك من ينافسها». ليعود الزمن إلى زمن السرد نفسه «أحزن عندما أنظر إلى وضع الكويت اليوم».
كانا نموذجين من أعمال طالب الرفاعي الروائية، حيث تكتنز بقية الأعمال بما خطه طالب من سرد ورؤى حول الإنسان، بمختلف زمانه.
بواسطة الفيصل | مارس 1, 2021 | الملف
يبدو أحمد الملا (1961م-) من أكثر شعراء قصيدة النثر العرب إخلاصًا لهذه القصيدة، متماهيًا مع متطلباتها، إنْ على مستوى نزعتها التمردية على المواضعات الفنية والاجتماعية، أو في استدراجها لعناصر وأجواء من خارجها، فتتحول مكونًا أساسيًّا ضمن مكوناتها الدقيقة، وتنفتح بها على أقاليم جديدة.
هذا التماهي لا يقوله نصه فقط، نصه المتكاثر والمتعدد الوجوه والحالات، وهو ما يغري دومًا النقاد والباحثين ويدفعهم إلى إنجاز المقاربة تلو الأخرى، إنما يعكسه ما يفعله هو بحياته، تعكسه هيئته الشخصية، وينم عنه سلوكه وإيقاع عيشه، فهو بشعره الطويل ولحيته الكثة، بلا غطاء للرأس في معظم الأوقات، وهو حين يختار أن يلبس غطاء للرأس، فسيكون «شماغًا» بلا لون، أو لونًا لم تَعتَدْه الأنظار، بنأيه عن “الوظيفة” الرسمية وإكراهاتها، كأنما هو يمقت أن يزاول إدارة ينقصها الخيال، بكل هذه الخصال، يذهب صاحب «خفيف ومائل كنسيان» في مغايرة صريحة، لا تتقصد الإعلان السافر عن «أنا» متهورة، تصدم الآخر في ذوقه، وتجابه الشعراء فيما ألفوه في الكتابة وطرائق العيش، إنما تتوالى بعفوية شديدة، وببساطة مترفعة، مغايرة لا يصحبها ضجيج، بل هي ضد الضجيج.
إذن، يتحقق أحمد الملا، الذي تفصله خطوة عن ولوج عقده السابع، شعريًّا وأنطولوجيًّا عبر تمظهرات متنوعة، تصبّ جميعها في وحدة، ليست سوى كائن معنيّ بسؤال وجوده، في الشعر والحياة. في معنى ما، هو كينونة متمردة تفتش عن صورتها في الشعر ومراياه، من فنون وأشكال إبداعية مختلفة. ولا يظهر صاحب «فهرس الخراب» معنيًّا بحساب العمر، وقد يروق له مثل طفل شقيّ، تحويل أعوامه الستين إلى مجرد كرة يتلهى بها ويدحرجها بين قدميه.
خاض الملا وجرب أنماطًا تعبيرية شتى، كتب في المسرح، واستهوته الفوتوغرافيا، ومثّل في أفلام قصيرة، وانشغل بالسينما كمتفرغ، وحين أسس وأدار مهرجان أفلام السعودية، فرش السجاد الأحمر لصناعها اليافعين لكن الكبار في أحلامهم… وهو يواصل مغايرته للسائد، واستقلاله عن الشائع من السلوك والتجارب، حتى في شكل الخاتمة أو الميتة التي يقترحها لنفسه، ويرى أنها قد تكون امتدادًا طبيعيًّا لحياة هذه صورتها، في ذهاب صريح إلى رفض التنميط حتى بعد فناء الجسد، فهو يقول في أحد نصوصه: سأموتُ بشَعْرٍ طويلٍ/ ولحيةٍ كَثَّةٍ بيضاء/ في مغارةٍ عالية،/ فلا حاجة إلى كَفَن/ أو قبر».
لا يسع المرء أن يعرف، إذا ما كان الشعر، بصوره المتنوعة، يأتي امتدادًا لحياة الملا، أم إن حياة صاحب «كتبتنا البنات» تواصل تدفقها في هذا الشعر وفي تلك الانشغالات وفي طريقة عيشه. على مستوى الكتابة، مرت قصيدة الملا باختبارات عدة، وكانت موضوعًا لاشتغال يطور نفسه باستمرار، حتى أضحت، بعد مراودة عسيرة، كما أرادها، «مدبّبةً مُحكمَة ومحشوّةً بالبارود»، تقرأ في كل وقت، ولا يحتاج إلى كتابة غيرها.
فصاحب «تمارين الوحش» يأخذ نصّه مأخذ مسؤولية، معرفيّة ووجوديّة، بحسب ما يذهب الناقد بنعيسى بوحمالة. وقصيدته تبدأ، كما يقول الشاعر عبدالقادر الجنابي، حين تتجاور الكلمات «وكأنها كائنات تتواصل بينها، تشتغل معًا وتتبادل عزلاتها الكبرى». في تجربة صاحب «الهواء طويل وقصيرة هي الأرض» تتجول عين الكاميرا بالقارئ بين المشاهد، وفقًا لما تقوله الناقدة ميساء الخواجا. يمثل أحمد الملا، في تصور الناقد أيمن بكر، شريحة مهمة متمردة حيوية بصورة كبيرة من شعراء التجديد الشعري العربي. وعلى ما يذهب الشاعر السوري أكرم قطريب، فإن صاحب «سهم يهمس باسمي» يؤكد لقارئه أنّه ليس من الصعوبة تقدير مكانة دقته الشديدة في صياغة قصائده. يكتب أحمد الملا شعرًا واسع الرؤية عميق البصيرة، كما يرى الكاتب السوداني طارق الطيب.
هنا تحية، من نقاد وشعراء، لتجربة تميزها هذه الخصال.

قراءة لا على التعيين في شعر أحمد الملا
عبدالقادر الجنابي – شاعر وناقد عراقي
I
الشعر، كالحب، يتجلى سحرُه حين يكون فعلًا لا إراديًّا: فراش الشاعر ورقته البيضاء. هنا شاعر يوظف اللغة بأسلوب جديد ترتسم فيه حالات البشر وجدانيًّا. فهو يكتب من وراء نافذة تطل على منظر البشر في حالات من التساؤل. ففي كل قصيدة نراه يحاول التسلل إلى العبارة بغنائية مضادة في ذاتها، بعاطفته المكمونة لرصد ما يهوّم في مخلفات اللغة من دلالات مكسورة تصلح أن تتآخى في مجاز جديد متاح للمشاركة في لعبة الشعر الأصلية التي تحافظ على انسيابية هارمونية بأسلوب -متخلص من مبالغة ميلودية غالبًا ما يقع تحت أسرها عدد من الشعراء المحدثين- يأخذنا إلى فجر الأمم حين كانت أممًا من الشعراء، كما يتصور الفيلسوف جيوفاني باتيستا فيكو.
وهذا يوجب الشاعر أن يُفرغ الكلمة من ذكرياتها، مزودًا إياها بذاكرة جديدة؛ لكي تتمكن من أن تحتل مكانها في البيت لا «بثياب البارحة» وإنما بـ«جسد عار يَطمئنُّ في حضن العري». فالقصيدة تبدأ حين تتجاور الكلمات وكأنها كائنات تتواصل بينها، تشتغل معًا وتتبادل عزلاتها الكبرى: أبّهتُها.
II
بين الشعر والشاعر علاقة جدلية تصبح مهمة الشاعر فيها لا تأويل الحلم، بشتيت الإنشاء؛ بنتيجة يتوقعها القارئ، وإنما تأهيل هذا الحلم المرافق بمتفجرات ذهنية تتشظّى عن لَوْحِهِ صُوَرٌ غالبًا ما تجسُر هُوّة القراءة، صور واقعية لا تسقط في الغرابة، لا تأكلُ الكلمات بنهم، وإنما تكتفي بما يشطبُ اللوغوس (الخطاب) بحثًا عن إرجاءٍ، تأجيلٍ حيث يَجِدُ النفَسُ الشعري أرجاءَه المفتوحة؛ أرضَ معناه الموعودة. إنها صور على عكس الأشجار، لا «تختبئ في التكرار» وإنما «تترك سرّها خفيًّا» في نهار الكون، في حنايا كل ما هو واضح ورائق وجلي. الشعر، هنا، وطنُ صُوَر.
III
هناك دوما «فكرة غارقة» على الشعراء «إنعاش رئتيها» لكي تقف القصيدة بمفردها، لا تركض وإنما تتأنى، لا تغرز وإنما تشمُّ؛ لا تقتنص، وإنما تتلقى، لا تُحيل إلى شيء ما وإنما أن تكون ذاتها، لا مظهر طقوسيًّا لها سوى مظهرها هي. لا أقصد أن قصيدته بلا غاية، أي لا تنطلق من تاريخ يبرر وجودها. على العكس من ذلك، قصيدة الملا رواقية المنزع، تؤمن بحرية الحياة الحاضرة كجزء من تاريخ معركة الكلام الدائمة في ميتافيزيقا مفتوح. من هنا يحق لنا أن نشارك الشاعر في إثارة السؤال وتبادله: «أيُّ جدوى في تمام المعنى؟». إنه عدو القصيدة بمجرد أن يهدي القارئ. المعنى سراب. كلما يتقدّم، يتزايد اللبس.
IV
تعج قصائد أحمد الملا بأشياء صغيرة تلفت نظره: «لحاء الشجر، المَنْوَر الذي «يمتد ضوؤه في الغرف»، «الجدرانُ المهترئة/ ذات الغيران السوداء»، الشجرة التي «تشتاق للمطر وترفع المظلّة كلما أقبل»… أشياء، بل مشاهد عابرة تتلاحق لقفلة مطلوبة… هي، هنا، عين هواجسه، أحلام يقظة تفتح قلقًا عميقًا يجعل من الشاعر خيميائيًّا يقلّب «ألبوم غيابه» بعيدًا من رومانسيات الصحراء وبداوة التأثير والإقناع.
V
كل شاعر، من وقت إلى آخر، يشكّ، شرعيًّا، في الكلمات، ليس لأنها «انقلبت» عليه و«لم تعد ألیفةً مثلما التقاها في كتاب المطالعة» فحسب، بل لأنها باتت أيضًا عشبًا ضارًّا في رمل البيت. من هنا ينحو الشاعر إلى تبطين قصائده بغنائية مضادة لازمة لاكتشاف اللغة؛ لتجديد الإدراك المندحر بهزة تركيبية عَلَّ «مفتاح ينزلق من تحت الباب»، وينفتح الكون.
VI
بصفتها «قطعة من مشقة الطريق»، قصيدة أحمد الملا
«محفورة في نَفَس بطيء
لا اليأس فأسها
ولا مثقابُها الألم»
بل صدفة اللغة بَوصلتُها في رحلتها إلى المركز.
VII
المتنافر متزامن كما في نظرية الحلم الفرويدية حيث القصيدة رغبة مقنعة. الشاعر يمشي في الليل، يخاطب كائنه الداخلي، «يرفع الموسيقا فوق كتفيه» فـ«يأتي الكون مقشعرًّا». شعر أحمد الملا فعلٌ مُستغرِقٌ.
باريس/ ديسمبر 2020م

تحويل القصيدة إلى وسيط مرئي
ميساء الخواجا – ناقدة سعودية
غالبًا ما يتوجه الحديث عن وجود علاقة مفترضة بين الأدب والسينما إلى الرواية من حيث وجود ملامح يمكن أن تشكل نقاط التقاء بين هذين الخطابين، فكلاهما يسرد حكاية بطريقة ما، وكلاهما يروي أحداثًا في الزمان والمكان. ولعل ما يبرر الحديث عن مثل هذه العلاقة ما مر به تاريخ السينما من تحويل عدد من الأعمال الروائية إلى أفلام سينمائية لاقت رواجًا ونجاحًا ملحوظًا، غير أن مثل هذه الثقة قد تتزعزع إذا ما انتقلنا إلى خطاب أدبي آخر هو «الشعر»، فقلة هم الذين تحدثوا عن ذلك حيث تظل العلاقة بين الشعر والسينما علاقة ملتبسة نظرًا لاختلاف المرجعيات، واختلاف آليات التصوير والمكونات الفنية التي يعتمد عليها كل منهما.
وينطلق الباحثون في هذه العلاقة من رؤية دارسي السينما لطبيعة هذا الفن، فالسينما لها مدى تعبيري غير اعتيادي؛ إذ تشترك مع الفن التشكيلي في حقيقة كونها تشكيلًا مرئيًّا يسقط على سطح ذي بعدين، ومع الرقص في قدرتها على معالجة الحركة المنسقة، ومع المسرح في قدرتها على خلق كثافة درامية لأحداث، ومع الموسيقا في قدرتها على التأليف في إطار الإيقاع والجمل الزمنية، ومع الشعر في قدرتها على وضع الصور بعضها إلى جانب بعض، ومع الأدب –في أشكاله كافة– في قدرتها على الإحاطة بالتجريد المعروف في اللغة عمومًا(١).
إن الحديث هنا عن العلاقة بين الشعر والسينما لا يعني الحديث عن السينما الشعرية كما ظهرت في تجربة المخرج الإيطالي باولو بازوليني، أو في أعمال السينمائي الفرنسي جاك كوكتو وغيرهما. ولا يعني أيضًا الحديث عن القصائد التي اتخذت السينما موضوعًا لها، فتلك مسألة قديمة كما أشار إلى ذلك بعض الدارسين، فهي تمتد إلى عصر الفِلْم الصامت (1918-1930م) حيث كثرت القصائد الغربية التي تناولت ذلك الموضوع، كما كثر الشعراء الذين عبروا عن إعجابهم بهذا الفن، وظهرت في الشعر الفرنسي «القصيدة السينمائية» التي تؤمن أن السينما والشعر فنّانِ لا انفصامَ بينهما(٢).
ذلك كله يشير إلى وجود علاقة ما بين هذين الخطابين، لكن الحديث هنا سينطلق من وجود تأثير للسينما في الشعر قد يرتبط بوجود وعي لدى الشاعر بالسينما، وبأنه يحتكّ بأفقها الجمالي، ويستعير أدواتها التعبيرية الفنية. هذا الوعي الذي ارتبط بتغير جوهري في مفهوم «الشعرية» بدأ مع تيار الحداثة ورواد شعر التفعيلة في الشعر العربي، لكنه أخذ شكلًا أكثر عمقًا مع قصيدة النثر وروادها الأول، حيث تجاوزت القصيدة التصنيف الأجناسي الصارم، واتجه الشعراء صوب الانفتاح على الخطابات الأخرى –الأدبية وغير الأدبية– ليتسع فضاء الكتابة ويتفاعل اليومي بالذهني، والعادي بالمجرد، ويتفاعل البصري مع السمعي، وتدخل السردية والمشهدية وسمات الدراما إلى القصيدة في حوارية جدلية تفاعلية تعيد تأسيس مفهوم القصيدة والخطاب الشعري من جديد.
وكانت السينما أحد الخطابات التي تفاعلت معها القصيدة، ويرى محمد آيت ميهوب أن الأمر قد اتخذ في البداية مضمونًا أيديولوجيًّا عدّ فيه استحضار السينما عنوانًا للحداثة والتجديد، وقد راوَحَ ذلك بين الكتابة عن السينما والتغني بفضائلها، واستخدام تقنياتها في متن القصيدة، ومزج الخطاب الشعري بالخطاب السينمائي، ثم بلغ الحوار ذروته حين صار حوارًا أجناسيًّا، حين تُنشأ القصيدة بوصفها إعادة كتابة لفِلْم من الأفلام(٣). ومع تنامي تجربة الحداثة صار يمكننا ملاحظة المزيد من التعالق بين الشعر والسينما بحيث يحس المتلقي وهو يقرأ القصيدة أنه يشاهد فِلْمًا سينمائيًّا، حيث تستعير القصيدة عددًا من تقنيات السينما، فوظف الشعراء الأبعاد والأحجام في القصيدة، واهتموا بالديكور، وعملوا على رسم المشاهد في قصائدهم مستعملين التنويع في اللقطات بين سريعة وبطيئة، والمشاهد بين كبيرة وصغيرة، ومارسوا التقطيع الذي تستند إليه كتابة السيناريو، فصارت المقاطع الشعرية أقرب إلى مشاهد أو لقطات تبدو منفصلة في ظاهرها، لكنها تخدم رؤيا الشاعر عند إعادة تركيبها في مشهد أو صورة كلية كبرى(٤).
يكتب أحمد الملا قصائده بوعي سينمائي واضح، ويُظهِر في عدد من نصوصه تعالقًا مع السينما بتقنياتها المختلفة، فنرى المشهدية وتقطيع القصيدة إلى مشاهد متفرقة، كما نرى تتابع اللقطات البصرية وتنويع اللقطات، إضافة إلى القطع والتقسيم وتوظيف المونتاج. ونرى أيضًا عين الكاميرا وهي تجول بالقارئ بين المشاهد، فتلتقط التفاصيل والصور البصرية، تتجول في الفضاء وتصوره من زوايا مختلفة، في حين تبدو قصائد أخرى أشبه بفِلْم قصير مكتمل العناصر. هذا الحوار السينمائي الشعري يمتد على مدى تجربة أحمد الملا، وسنقف هنا على نماذج منها وعلى بعض ملامح هذا الحوار من خلال سمة عامة كبرى هي «المشهدية» التي تتجلى في ملامح منها:
التقطيع والمونتاج
لعل من أهم السمات التي يمكن ملاحظتها في عدد من قصائد أحمد الملا تبنيها لأسلوب المونتاج، حيث تتركب القصيدة من مجموعة من المقاطع التي تبدو منفصلة ظاهريًّا لكنّ خيطًا ما يجمعها لِتُشكّل في النهاية مشهدًا أو فِلْمًا متكاملًا إن صح التعبير. ومن المعروف أن المونتاج يقوم أساسًا على لصق اللقطات الفِلْمية وعناصر الترتيب الصوتي حسب الترتيب الذي يريده المخرج، حيث يُقطَّع المشهدُ -في البداية- لقطاتٍ من مختلف وجهات النظر، وهو ما يقيم علاقات سيميائية وشكلية بين تلك اللقطات، وتغيُّر تلك اللقطات يوجّه فهمَنا للمشاهد كما يشدّ بنية العمل ويجمع بين أجزائه(٥).
وتبدو هذه التقنية واضحة في كثير من قصائد الملا، ومن ذلك «تمثال الشاعر» حيث يتكون النص من مجموعة من المشاهد التي ترصد من خلال عيني التمثال التي تتجول في المكان وتلتقط تفاصيله. ويبدأ المشهد الأول بلقطة عامة للحديقة، فتتحرك الكاميرا من الخارج إلى الداخل «حظي قليل/ مع الناس/…/ لي حديقة أفكار/ مهجورة/ يتراقص فيها جن وأبالسة/ هكذا يخيف الجيران أطفالهم/…/ وفي الليل يهمسون قبسًا من ناري/ في جوف عشيقاتهم)(٦). يطرح المشهد الأول العلاقة الملتبسة بين الشاعر والناس، علاقة خوف وحب تبرر إحساسه بقلة حظه كما تبرر وحدته، والمشهد داخلي يحضر فيه الآخرون عن بعد، وتحضر رؤيتهم التي لا تستطيع تفسير عبقرية الشاعر وعبقرية الخيال، فيتحول تمثال الشاعر إلى فزاعة يخيف بها الجيران أطفالهم، لكنّ نوعًا آخر من البشر يعترف بتفرده فتصير كلماته قبس نار يضيء لحظات العشق.
يأتي المشهد الثاني استمرارًا لتلك العلاقة الملتبسة وللحركة الداخلية نفسها، فيبتدئ باللقطة الافتتاحية نفسها «حظي قليل» لكن تلك العلاقة تنفتح زمنيًّا إلى ولادة الشاعر في غير زمنه، وتقدم إضاءة أخرى حول رفضه وجحود عمله «فكلما أعلنت ولادة شجرة/ رجمتُ بأحجار مقلوعة من سوري/ يتشهون وردي/ ويوغرون صدر النهر…»(٧).
لكن المشهد يوسع اللقطة فيتحول إلى مشهد خارجي تتحرك فيه عين الكاميرا ملتقطة تفاصيل المكان عبر عيني التمثال، وتجعلنا نرى ما تراه، وتتفق التفاصيل مع المقدمات الواردة في المشاهد الافتتاحية، فهي مليئة بالوحشة وغياب الآخرين وغياب أية فاعلية بشرية «أبواب حديقتي سبعة مشرعة على العشب/ شجر مصطف/ ورود مائلة من قلة القاطفين/ كرسي طويل قوسه غيابهم/ وها أنا في آخر الحديقة/ واقف/ بخطوة متقدمة عن صف الشجيرات العتيقة/…/ عيناي على الأبواب المخلعة/ ويداي يبستا في الهواء من شدة الشوق/ أعشاب هوجاء تطاولت/ ريش على كتفي/ ودرف طيور مهاجرة/ لطخت معدني»(٨)، تتحرك الكاميرا من الخارج إلى الداخل تدريجيًّا، من الأبواب إلى الشجر، ثم الورد والكرسي، لنصل إلى آخر الحديقة في لقطة مقربة، تركز على تفاصيل التمثال: وقفته، خطوته، العينان، اليدان، ثم لقطة عامة له وقد غطاه الريش ومخلفات الطيور.
ومع اقتراب الكاميرا يطرح النص الانفعالات الداخلية للتمثال، فيتواءم الداخل مع الخارج ليعمق معاني الوحشة والإحساس بالهجر والتخلي. ثم ترتبط المشاهد كلها في المشهد الختامي فينتهي النص كما ابتدأ بصوت الشاعر، ليعلن عن سر الوحشة وعن خيانة الأصدقاء والمقربين.
التفاصيل وعين الكاميرا
تقوم تقنية عين الكاميرا على مرافقة آلة التصوير لعيني الممثل فينتقل معه المتفرج وينفعل لانفعالاته(٩)، وهي من التقنيات الحاضرة بقوة في النصوص الشعرية، حيث يمكن أن نرى ما يشبه الكاميرا التي يقوم فيها الشاعر بدور المخرج، فيجعلنا نرى ما نراه متحكمًا في حجم اللقطات وزواياها.
ومن ذلك ما نراه في نص «أرداني بسهمه» حيث تتشكل التفاصيل من خلال عيني الفريسة والصياد «شد قوسه/ وصوب عينيه إلى قلبي/ مال برأس تقيس المسافة/…/ تلاقت نظرتانا/ وحزنت مثل بغتة الغزال»(١٠)، يبدأ النص/ المشهد بالفعل الحاسم/ الاستعداد للصيد «شد قوسه» وتتابع الكاميرا التفاصيل الدقيقة حيث يعتمد النص على صور بصرية، وعلى توالي الأفعال التي تعطي حركية واستمرارية في الفعل (صوب، مال، حط)، ثم يتوقف الزمن للحظات، هي لحظة المواجهة لتنتقل منها إلى رصد رد فعل الراوي/ الفريسة من دون أن تنقل لنا ملامح الصياد «حزنت مثل بغتة الغزال»، وفي هذا الحزن تمهيد لما سيأتي «فعل القتل».
يستثمر الشاعر بياض الورق وكأنه أشبه بعملية قطع زمني وتركيب لمشهد آخر، حيث تنتقل الكاميرا إلى اللحظة الثانية في لقطة مقربة تركز على ملامح الصياد «جسده مشدود/ أصابعه مفتولة/ رعشة مؤجلة/ تحين اللحظة/ وبغمضة عينه الأخرى/ أطلق كمانه/ وأرداني»(١١). يركز النص من خلال عيني الراوي/ الفريسة على ملامح الجسد الخارجية ليؤكد تأهُّبَ الصيادِ، ثم تقترب الكاميرا في لقطة مقربة جدًّا «أصابعه مفتولة» لتبرر لنا رد فعل الفريسة وخوفها.
وعبْر الجمل القصيرة المتلاحقة التي تكاد تقترب من لقطات سينمائية قصيرة متتابعة؛ نَصِلُ إلى اللقطة الختامية والصياد قد أردى فريسته. لكن النص يحمل انحرافًا لفظيًّا يفتح الدلالة «أطلق كمانه» فيحل الكمان محل القوس، ويُربط بين وتر الكمان ووتر القوس، لتنفتح الدلالة وتتغير دلالة القتل ليصير قتلًا مجازيًّا مرتبطًا بالموسيقا وتأثيرها في الراوي، فالصياد هو العازف والفريسة هي المستمع الذي يقع تحت هيمنة العازف وفتنة الموسيقا، وكأنّ السماع والوجد شكلانِ من أشكال الموت.
تتابع اللقطات بأنواعها
يقوم الفِلْم السينمائي على وضع سيناريو تَتتابَعُ فيه عدد من اللقطات وتتنوع ما بين لقطات داخلية وأخرى خارجية؛ لقطات مكبرة وأخرى مصغرة، وما إلى ذلك من تهيئة المشهد والديكور تبعًا للهدف الذي يرمي إليه الكاتب/ المخرج(١٢). يكتب أحمد الملا النص أحيانًا وكأنه فِلْم قصير أشبه بلقطة واحدة كما في نص «حقيبة»(١٣)، الذي يقدم مشهدًا بصريًّا تجول فيه عين الكاميرا في رؤية مسحية تلتقط ملامح الحقيبة وتفاصيلها.
أو في نص «حراس النوم» الذي يلتقط تفاصيل الأب/ الشجرة الذي يحرس نوم بنيه «ألمحه جالسًا/ في صحن البيت/ غارسًا كوعه في فخذين تحرث كعبهما الأرض/ رأسه بين كفيه/ وعيناه مصوبتان إلى نقطة لا تجف من الخوف/ الغرف تغط في سبات يوشك أن ينفض/ والليل يكاد أن ينجلي»(١٤)، يقدم النص مشهدًا بصريًّا بلُغة محسوسة، تلتقط تفاصيل جلسة الأب، ويبدأ بلقطة عامة موسعة تحدد المكان والجلسة، ثم تقترب أكثر لتلتقط هيئة الجلسة، ثم تقترب أكثر لنرى رأس الرجل بين كفيه، وفي لقطة مقربة جدًّا إلى العينين، بعدها تبتعد الكاميرا تدريجيًّا لتعطي لقطة موسعة عن المكان والزمان. يلتقط الشاعر التفاصيل في مشهد أقرب إلى فِلْم صامت نتابع فيه تعب الأب وعلاقته بأبنائه وخوفه عليهم، فهو الأب الشجرة؛ ثابت وراسخ في الأرض كما هو في حياة أبنائه.
يقوم الشاعر في نص «بوسطن طفل تائه» بدور المخرج الذي يبتكر أماكن الصور، ويركب اللقطات ويصنع لكل مشهد بطلًا، فهذا النص عبارة عن لقطات قصيرة، سريعة ومتلاحقة لملامح وأماكن مختلفة تشكل في مجملها صورة عامة للمدينة، وكأن كل لقطة تستقل بذاتها، ومن هنا هيمنت الجمل الاسمية على النص، حيث تبتدئ الجمل غالبًا بأشخاص يحددون منذ البداية محور المشهد ومركزه (الطائرة، عامل النظافة، سائق الباص، الفتاة، حامل الحقائب، العجوز، الممثلة، الأطفال، الجنازة، القطار، النهر…) «عامل النظافة الذي جرف ما تبقى من ثلج البارحة وكومه جانبًا/ سائق الباص بتحية كفه السمراء للغريب على الرصيف المقابل/…/ حامل الحقائب الذي قدم نفسه مرتين بلا ضرورة بأنه من النيبال/ عازف الناي تحت الأرض»(١٥)، ويستمر النص في مثل هذه اللقطات المتتابعة التي تنتقل في الزمان والمكان، فتتفكك الصورة إلى قطعة موزاييك فيما يعرف بالمونتاج القصير(١٦)، الذي يقوم فيه القارئ بتجميعها في النهاية ليصل إلى المشهد الكلي الأكبر الذي يشكل المدينة.
هكذا تطرح نصوص أحمد الملا مسألة العلاقة بين الشعر والسينما بوضوح، حيث يتحول الشاعر إلى مخرج وكاتب سيناريو يُقطِّع اللقطات ويُركِّب المشاهد ويلتقط التفاصيل لتقترب مجموعة من نصوصه من نظام التكوين السينمائي، فتتحول القصيدة إلى وسيط مرئي ينقل لنا حركة الكاميرا وهي تتبع المشاهد وتلاحقها، ليجمعها القارئ في صورة كلية ومشهد نهائي كبير يرتبط برؤيا الشاعر وموقفه من الحياة والوجود.
هوامش:
(١) انظر، بشرى البستاني، جماليات السينما في الشعر، سيناريو كاظم الحجاج أنموذجًا، مجلة رسائل الشعر، ع 2، إبريل 2015م، ص 61-71 www.poetryletters.com/mag
(٢) انظر، محمد آيت ميهوب، التداخل بين الخطاب الشعري والخطاب السينمائي في نماذج من الشعر العربي، أفكار (الشعر والسينما)، ص 21، 22 www.culture.gov.jo
(٣) انظر، محمد آيت ميهوب، التداخل بين الخطاب الشعري والخطاب السينمائي في نماذج من الشعر العربي، ص 26، 29، 30
(٤) حول هذا الأمر، انظر، المصدر السابق، ص 23، بشرى البستاني، جماليات السينما في الشعر، زينب دريانورد، رسول بلاوي، علي خضري، البنية السينمائية في شعر عدنان الصائغ، مجلة كلية التربية الأساسية للعلوم التربوية والإنسانية، جامعة بابل، ع 43، نيسان 2019م، 791 وائل عيسى، التكوين السينمائي للصورة الشعرية، أفكار (الشعر والسينما)، ص 31 www.culture.gov.jo ، محمد طه العثمان، سينمائية اللقطة الشعرية، أفكار (الشعر والسينما)، ص 39، 40 www.culture.gov.jo
(٥) حول المونتاج ودوره انظر، ماري تيريز جورنو، معجم المصطلحات السينمائية، إدارة ميشيل ماري، ترجمة فائز بشور، ص 68، 69، محمد آيت ميهوب، التداخل بين الخطاب الشعري والخطاب السينمائي في نماذج من الشعر العربي، ص 27.
(٦) أحمد الملا، إياك أن يموت قبلك، منشورات المتوسط، ميلانو، 2018، ص 3.
(٧) أحمد الملا، إياك أن يموت قبلك، ص 3.
(٨) المصدر السابق، ص 3، 4.
(٩) انظر، محمد آيت ميهوب، التداخل بين الخطاب الشعري والخطاب السينمائي، ص 28، 29، وائل عيسى، التكوين السينمائي للصورة الشعرية، ص 33، 34.
(١٠) أحمد الملا، يوشك أن يحدث يليه مرآة النائم، مسكلياني، تونس، ط1، 2020م، ص 47.
(١١) أحمد الملا، يوشك أن يحدث يليه مرآة النائم، ص 47، ويمكن أن نرى مثل هذا أيضًا في (أتلو أسماءهم) الذي يبدو أشبه بفِلْم قصير متكامل، ص 35.
(١٢) انظر، ماري تيريز جورنو، معجم المصطلحات السينمائية، ص 34، 35، زينب دريانود وآخرون، البنية السينمائية في شعر عدنان الصائغ، ص 749.
(١٣) أحمد الملا، إياك أن يموت قبلك، ص 24، وانظر أيضًا «قهوة مرة»، ص 45، 46.
(١٤) أحمد الملا، علامة فارقة، مسعى للنشر والتوزيع، البحرين، ط 1، 2014م، ص 20.
(١٥) المصدر السابق، ص 42، 43 ويمكن ملاحظة مثل هذه اللقطات السريعة في نص «يوشك أن يحدث»، يوشك أن يحدث ص 125.
(١٦) حول هذا المصطلح وأنواع المونتاج، انظر، ماري تيريز جورنو، معجم المصطلحات السينمائية، ص 70.

معترك الكتابة.. برية الوجود
بنعيسى بوحمالة – ناقد مغربي
– 1 –
بمنأى عن المتطلّب الإبستيمولوجي، الذي لا فكاك منه، عند أية مطارحة فكرية لماهية الحداثة، مثلما تبلورت في السياق التاريخي والمجتمعي والثقافي الغربي، الحداثة التي تخلقت في ثناياها خبرة شعرية، تكاد تكون نسيج وحدها، كتلك التي أبان عنها الشاعر الفرنسي آرثر رامبو، الذي سيطلق، من فرط عقيدته الحداثية الوثنية أو تكاد، صيحته المزلزلة: «يلزم أن نكون حداثيين عن الآخر». الشاعر الذي ستبلغ معه قصيدة النثر مرقى لا يضاهى مجنحًا، هكذا، بمسعى كتابيّ كان قد دشنه في الشعر الأنغلو – أميركي، والت ويتمان، تحت مسمى الشعر الحر، بديوانه «أوراق العشب» (1855م)، وفي الشعر الفرنسي كل من ألويزيوس برتران، بديوانه «جرذ السفائن الليلي» (1842م)، وشارل بودلير بديوانه «قصائد نثر قصيرة» (1869م).
إذن بمنأى عن هذه الحيثيات، وأيضًا خارج المعادلة الملتبسة: حداثة/ تحديث لربما يستقيم، في تفكيرنا وتحليلنا، الحديث عن قصيدة النثر العربية، المستجلبة، على الغرار من أشكال تعبيرية أخرى لم تنتجها الثقافة العربية، كالرواية والقصة القصيرة والمسرح والسينما والفيديو آرت…؛ شأنها شأن ثقافات المحيط الحضاري، بتعبير الاقتصادي المصري سمير أمين، المحكومة باستجلاب ابتكارات العقل والمخيلة الغربيين.
توطدت قيم الاستنارة والتقدم والحرية في الواقع الغربي، فكان على القصيدة الغربية أن تجعل من النثر قاعدتها الأدائية تناغمًا منها مع ما طال الواقع المذكور من متغيرات هائلة ستمس الأفكار والأشكال، من تشظيات، إن لم نقل انتثارات، لا عهد لأزمنة العتاقة بها. على أن رحابة صدر الحداثة الغربية إزاء النزوعات التجديدية، مقارنة مع الوضع الثقافي العربي، لم تزح، بالمرة، بقايا النزوعات التقليدية المترسبة في اللاوعي الجمعي، ومن ثم لا غرابة في أن تعد الأدبيات الأميركية والت ويتمان مفكرًا وفيلسوفًا، بل مهرطقًا، أكثر منه شاعرًا، دليلًا على جسامة الإرباك الذي يمكن أن يستثيره شكل شعريّ يتمرد على نواظم التقليد الشعري، بحيث لم يلتقط أهمية تجديده سوى الناقد الأميركي والدو إمرسون، وأن يصبح شارل بودلير محط تحرش قضائي كنوع من رد فعل للمتخيل الثقافي الجمعي تجاه إبدال كتابي جذري يحطم الحدود بين الشعري والنثري، نحو جمالية تخييلية تحط، في الحالة البودليرية تخصيصًا، من مهابة القيم والأخلاقيات المتواطأ عليها.
إن المأزق المؤرق الذي سيواجهه بودلير لهو مأزق اللغة الشعرية المستوجبة في كنف الزمن الحديث والقادرة على اقتطاف ثمرات ما عدَّه خطيئة الرقي الغربي العارم. فاللغة بقدر ما هي امتياز للشعر تلوح، في العمق، بمنزلة عائق تعبيري، بَلْهَ مانع لتحقيق منسوب عالٍ من الأيقونية التي تنتفي معها ثنائية الشكل والمضمون، أصلًا، وهي الأيقونية التي وفقت إليها مخيلات الرسامين، توسطًا باللون، والموسيقيين، توسلًا بالصوت، ومن هنا دعوته، كما هو معروف، إلى التلمذة المواظبة على منجزات الرسامين والموسيقيين.
إن حرب الشاعر، شبه المقدسة، تكون ضد منظومة السلط المختلفة، ولأن أيّما سلطة كانت إلا تمرّر، على نحو ما يقول الناقد البنيوي الفرنسي الذائع الصيت، رولان بارت، خطابها الذي يتنفذ في الذهنيات والنفسيات، أو، بالأصح، طاغوتها عبر اللغة، فإن هذه الحرب تجري، أساسًا، في فضاء اللغة بما هي موئل التواريخ والإرغامات والاستيهامات والرمزيات، وبالتالي، ليس الأدب، ومنه الشعر، أكثر من لعب راقص، ماكر، بالعبارة النيتشوية الشهيرة، لكنه لعب خلّاق غايته بلبلة اللغة السلطوية، إرباك طمأنينتها والتشكيك في وثوقيتها.
من هذا الضوء يمكننا التأشير على ولادة قصيدة النثر في الثقافة الغربية بوصفها ممكنًا لتعبير شعري تجريبي(١) عماده الكثافة والمجانية والإيجاز والحكي والمفارقة والإيقاع الداخلي، وفقًا لرأي المُنظّرة الفرنسية الرائدة سوزان برنار، تعبير ستنضوي إلى مداره أجيال من الشعراء الغربيين الذين سيكرسونه مردفين إليه، عبر الحِقَب، قيمًا مضافة على مستوى الشكل والموضوع كليهما. فمن شارل بودلير، آرثر رامبو، إيزودور دوكاس لوتريامون، ستيفان مالارميه… إلى الدادائيين والسرياليين وما بعد الحداثيين، مثل: فرانسيس بونج، ويوجين غيلليفيك، وجاك آنصي… في الشعر الفرنسي… من والت ويتمان، عزرا باوند، ويستان أودن، شيموس هيني، سيلفيا بلاث، تيد هيوز، وجيل البيتنيك.. في الشعر الأنغلو- أميركي.. إلى شعراء آخرين من جغرافيات شعرية مختلفة، وذلك من مثال الروسي فيليمير خليبنيكوف، والألماني- الروماني بول سيلان، والإغريقي يانيس ريتسوس، والتشيكي ياروسلاف سيفرت، والسويدي توماس ترانسترومر، والصيني بي ضاو.. على يد هؤلاء وغيرهم ما كان لقصيدة النثر سوى أن تهيمن على نشاطية الكتابة الشعرية في الآداب الوطنية كافة منحية جانبًا بقية الطرائق الصياغية المعتادة.
قصيدة النثر والتزيد النقدي
على أن السيرورة المديدة التي ستستغرقها ولادة قصيدة النثر في الثقافة الغربية، أي ما يقارب القرنين، لن تقتضي في الثقافة العربية سوى قرابة ستة عقود، وذلك بين استتباب نموذج الإحياء وظهور الموجة الرومانتيكية وصولًا إلى قصيدة التفعيلة فقصيدة النثر، وهي وتيرة مفهومة لسائر الثقافات الواقعة موقع تأثير. هكذا سيتسع، عند نهاية خمسينيات ومطلع ستينيات القرن العشرين، المشهد الشعري العربي المعاصر لهذا الوليد الجديد لتبدأ في التواتر قصائد ودواوين ومتون تصب، إجمالًا، في رصيد كتابي لَمّا يزل قيد التنامي وتتناوب على إنضاجه وتصليبه أجيال من الشعراء في مختلف الأقطار العربية.
وعليه فليس أكثر من تزيد نقدي الارتجاع، مثلًا، بإرهاصات قصيدة النثر العربية إلى مظانّ تراثية، كنصوص المتصوفة وكتابات أبي حيان التوحيدي، أو إلى التماعاتها القريبة، على شاكلة ما تغري به كتابات اللبنانيون؛ أمين الريحاني وجبران خليل جبران ومي زيادة، والعراقيون، روفائيل بطي وحسين مردان، والمغربي محمد الصباغ، والسعودي محمد حسن عواد، ما دمنا قد نتنصّل جهارًا، والحالة هذه، من مجمل الاشتراطات التاريخية والثقافية التي اقتضت ولادتها في التوقيت المومأ إليه بما يضفي على هذه السوابق صفة الماقبلية أو الجنينية، وهو ما لا نعدم له نظائر في سائر الثقافات، وحسبنا ألا نأخذ في الحسبان، في هذا المقام، ما عدا محاولات معدودة، تمتلك نزرًا من الصدقية المعيارية، كتلك التي تُعرِب عنها القصائد المدورة لكل من أدونيس وخليل الخوري، مسبوقين بالشاعر العراقي حسب الشيخ جعفر، وحيث يجري تدبر النسغ النثري في سياج التفعيلي، تدبر تدعمه تربية عروضية مكينة مع انفتاح إيقاعي مرن.
منذ ستة عقود، إذن، التأمت، إن شئنا، خارطة طريق قصيدة النثر العربية وطوال هذه الطريق أمكن لأسماء وتجارب أن تشكل محطات بارزة أثمرت منها هذه القصيدة إضافات واجتراحات لسوف تثبت مشروعيتها وتوسع من نطاق تلقيها، وكذا اقتحامها للمحافل الأكاديمية والإعلامية، كما أمكنها دحض الفكرة القائلة بأنه «… لئن سلم المرء بأن الوزن شرط أساسي من شروط الشعر فإن قصيدة النثر بفقدانها الوزن تفقد ذلك الشرط فقط، أي تفقد شرطًا واحدًا، ولكنها لا تفقد كل الشروط، والعمل يقيم بما توافر فيه من شروط لا بما غاب عنه، بل قد يعوض عن فقدان شرط بتحقيق شروط أخرى، وخير مثال على ذلك الكفيف، فهو لا يفقد شرط وجوده، ولا يفقد حقه في الحياة والعطاء والإبداع، ولا يقيم بما فقد، بل بما عوض عن ذلك الفقد، وكثيرًا ما يقدر ببصيرته أكثر مما يقدر به المبصرون»(٢).
فلقد كانت المحطة الأولى مدخلية، أو استهلالية، بقوة الأشياء، تتغيا إرساء الأسس والدعائم البنائية الأولية أكثر من انشغالها برفاه تجريبي ما خصوصًا في واقع ثقافي عربي مُجافٍ لقصيدة التفعيلة فما بالنا بقصيدة النثر، لكن حالما نجح الرعيل الأول(٣) في استنباتها في التربة الشعرية العربية، سواء من والى من شعرائه النموذج الأنغلو- أميركي، كتوفيق صايغ وجبرا إبراهيم جبرا…؛ (فلسطين)، وسعدي يوسف…؛ (العراق)، أو انحاز إلى النموذج الفرنسي، كأنسي الحاج وشوقي أبي شقرا…؛ (لبنان)، ومحمد الماغوط وأدونيس…؛ (سوريا)، لن يحجم الرعيل الثاني، ومن شعرائه صلاح فائق وسركون بولص وفاضل العزاوي ومؤيد الراوي وجليل حيدر وعبدالقادر الجنابي…؛ (العراق)، عن ركوب رهان التجريب، إن شكليًّا وتخييليًّا أو موضوعاتيًّا ورؤياويًّا، مفسحًا، على هذا المنوال، المجال لما يمكن احتسابه رعيلًا ثالثًا، تأتلف في دائرته أسماء من بينها حلمي سالم وعبدالمنعم رمضان ورفعت سلام وفريد أبو سعدة…؛ (مصر)، وبسام حجار وعباس بيضون ووديع سعادة وعقل العويط وبول شاوول وعيسى مخلوف وعبده وازن…؛ (لبنان)، وسليم بركات ونوري الجراح ومرام المصري…؛ (سوريا)، وأمجد ناصر…؛ (الأردن)، وقاسم حداد…؛ (البحرين)، ودنيا ميخائيل…؛ (العراق)، وظبية خميس…؛ (الإمارات)، وسيف الرحبي وزاهر الغافري…؛ (عمان)، ورعيلا راهنا هو من يأخذ بزمام هذا المشروع الإبداعي حافرًا، بدوره، بصمته النوعية الممهورة بتصوراته الإبداعية والمحكومة بأسباب مَعِيشِهِ المتوتر بأثر من ضغط وضع عربي مأزوم ومعاد للحرية، وكذلك بإغواءات زمن معولم عن الآخر انمسخت فيه الكرة الأرضية إلى مجرد قرية صغيرة، بتعبير السوسيولوجي الكندي مارشال ماكلوهان، بما يتصاعد معه هاجس الحداثة، لا الحضارية ولا الشعرية، «… وهذا يعني أن الحداثة انخراط في التاريخ، وأنها كتابة تضع هذا التاريخ موضع تساؤل، وذلك ضمن حركة دائمة من استكشاف طاقات اللغة، واستقصاء أبعاد التجربة»(٤)، ومن شعرائه لنا أن نذكر، على سبيل المثال لا الحصر، كلًّا من مبارك وساط ومحمد الصالحي وفاطمة الزهراء بنيس…؛ (المغرب)، ونصيرة محمدي…؛ (الجزائر)، وآمال موسى وعبدالفتاح بنحمودة…؛ (تونس)، ومحمود قرني وسمير درويش وجرجس شكري وإيهاب خليفة وغادة نبيل وإيمان مرسال…؛ (مصر)، وعبدالزهرة زكي وباسم المرعبي…؛ (العراق)، ولينا الطيبي وحسين حبش وخلات أحمد…؛ (سوريا)، وزكريا محمد وغسان زقطان…؛ (فلسطين)، وميسون صقر…؛ (الإمارات)، وفوزية أبي خالد ومحمد الدميني وغسان الخنيزي وإبراهيم الحسين وهدى الدغفق وأحمد الملا…؛ (السعودية).
ومما لا شك فيه أن انضواء الحركة الشعرية، في منطقة الخليج عامة، والسعودية خاصة، إلى الدينامية الحداثية الشاملة التي يعيشها الشعر العربي لشيء خليق بالانتباه، بل الاعتناء، ما دام الأمر يتعلق بإقليم عربي ما برحت فيه سلطة الاتباع الشعري نافذة، لاعتبارات تاريخية وثقافية وقيمية، تكيف الذائقة الجمعية التي تجد نفسها في النموذج الشعري العمودي، المجلجل، والمستثير للمشاعر والانفعالات. هذا وإذا ما كانت قد تهيأت عوامل متراكبة، محلية وعالمية، لانفتاح التفكير الشعري في هذا الإقليم على هبات التجديد القادمة، سيان من الشعريات العربية المجاورة الرائدة، وتحديدًا من مراكزها التاريخية كالقاهرة وبيروت ودمشق وبغداد، أو من الشعريات العالمية التي تتوزعها مختلف القارات، فلا مناص من الإقرار، فيما يمس الحركة الشعرية في السعودية، بالدور الفعال الذي سيلعبه شاعر لم تنقصه الجرأة على خلخلة بنيان النص الشعري الناجز ومراهنته، بالتالي، على أفق حداثي يجدر بهذا النص استشرافه والكتابة والتخيل صدورًا عنه وليس عن غيره. نقصد، بطبيعة الحال، الشاعر محمد الثبيتي الذي لا مبالغة في قولنا بأن الشعراء الجدد الطليعيين لسوف يخرجون من معطفه، تشبهًا بانسلال الرواية الروسية من معطف نيكولاي غوغول كما يرد في التخريج المأثور، وحالما تموقعوا، عن استحقاق، في المشهد الشعري السعودي حتى انخرطوا في جهد جمعي حثيث يمس بنية القصيدة كما يمس محمولها، وبتعبير آخر فقد جعلوا من «… التحولات على المستوى الجمالي تتواشج مع تحولات على المستوى الرؤيوي الذي يستقطب التجارب الشعرية الجديدة في مسارات تفاعلها مع الحياة؛ إذ برزت رؤى جديدة تتصل بعلاقة الإنسان بذاته وأسئلته (…) رؤى تتعلق بتشظي الأنا، وشعوره بالغياب في اللحظة المعاصرة»(٥)، وهي المشاغل الإبداعية- الأنطولوجية التي تهجس بها أيّما عقيدة حداثية مترسخة.
ولعل وقفتنا على تجربة الشاعر أحمد الملا لا تشكل فقط استنصاتًا، من نوع ما، لصوت أحد ألمع شعراء جيله في الشعرية السعودية، الذي يكتب قصيدته انطلاقًا من وعي إبداعي- أنطولوجي حادّ ومنتج، بل وجسا، في الآن عينه، لنبض أو ذبذبة مشروع شعري جمعي تتآزر في مربعه أصوات أخرى ساعية إلى الاستعاضة عن الصورة النمطية التي استقرت عن القصيدة السعودية من حيث كونها، موقوتة، وبالمطلق، على التراث الشعري العربي بنكهة أخرى لحساسية شعرية لا تقل فطنة ومثابرة عما هو قائم في أقاليم عربية أخرى، حساسية منخرطة في راهنها ولا تني مكبة على اجتراح تخييل شعري من الثراء بمكان.
ومنه فنحن، في حالة أحمد الملا، بإزاء شاعر يأخذ نصه مأخذ مسؤولية، معرفية ووجودية، ولا يتورع عن تغذية مخيلته بقطوف من اهتماماته الشعرية والسينمائية والتشكيلية والموسيقية…؛ بما يماثل صنيع قامات شعرية غربية ارتسمت وضعيتها الاعتبارية بناءً على تعدد اهتماماتها، وهو ما ينعكس، ما في ذلك ريب، في منتسج نصه هذا ويراكب، كنتيجة، أصعدته ومراقيه فاتحًا إياه على تأولات متشابكة ولا نهائية. هكذا، وبالموازاة من إصداراته الشعرية، التي تتعدى عشرة عناوين، والتي تواترت لما يناهز العقدين، ومن بينها «ظل يتقصف»، «سهم يهمس باسمي»، «تمارين الوحش»، «ما أجمل أخطائي»، «فهرس الخراب»….؛ سيقوده شغفه بما هو بصري إلى السينما ليس كمحض متفرج أو هاوٍ، وإنما كفاعل في المجال.
– 2 –
لنقل، بادئ ذي بدء، بأن اختيارنا لديوان «تمارين الوحش»(٦) ليمليه اعتبار إجرائي يأخذ في الحسبان القيمة الشعرية المتحصلة في هذه المحطة من مسار الشاعر وأيضًا ما كان من مردوده البنائي والتخييلي والرؤياوي في هذا المسار وذلك اقتناعًا منا بكون مجموع دواوين أيما شاعر إلا تقوم، أصلًا، مقام جملة شعرية واحدة، كما يذهب إلى ذلك الناقد الأميركي مايكل ريفاتير، تتنفذ في نشوئها وتدرجها، عبر دواوين- خبرات متعاقبة، نواة صلبة واحدة، مخصوصة ومتفردة، مستضمرة في لا وعي التجربة، وتنفتح، قوة وفعلًا، طوال سيرة الشاعر الكتابية، على متغيرات شكلية وجمالية وموضوعاتية محسوسة قد تأخذ ملمح قيم مضافة للنواة إياها أو، على العكس، شكل انحباسات أدائية، مردها إلى حيثيات لحظة الكتابة وأيضًا إلى طبيعة اللحظة التاريخية والثقافية، تمس، بهذه الدرجة أو تلك، فاعليتها وإشعاعها.
فالديوان، الذي يعنينا هنا يمثل زمنيًّا، إن وددنا، واسطة العقد في المتن الكتابي للشاعر، ولعل مقاربته، هو بالذات، قد تسعفنا على مقايسة منسوب ارتقاء مشروعه الشعري سواء بالنظر إلى منجزه السالف أو عند استحضارنا للأفق الذي سينتظم دواوينه اللاحقة حرصًا منه، كمطمح إبداعي، على تدريج جملته الشعرية ومدها، على التتالي، بلوازم نضوجها وتماسكها على أكثر من صعيد.
ولأن معترك الشاعر، الشاق، والمستلذ في آنٍ واحد، لهو، أساسًا، مع اللغة، وأيضًا لكون إبدال قصيدة النثر يشكل أحد انجلاءات هذا المعترك، في منحاه التصعيدي، تحرِّيًا عن عبارة لرؤيا شعرية لا تسعها اللغة المعجمية المقولبة والمبذولة، وذلك استئناسًا بغصة الصوفي محمد بن عبدالجبار النفري المريرة وهو يشكو شسوع رؤياه وضيق عبارته، لنا أن ندرك أن هذا الاحتراب الرمزي لا يرمي إلى الإعفاء القطعي من القاعدية اللغوية المسنونة، بحيث، وببساطة، «…لا تتم تنحيتها وإنما تفنيدها بقاعدة مستجدة بالأحرى»(٧)، وكيف ذلك وهي وسيلة الكتابة الشعرية التي لا مفر منها، بل إنه يرمي إلى إعادة تشييدها، إلى امتصاص ذرائعيتها الدلالية، وتلغيم خطيتها عن طريق الإعمال الاستعاري والمجازي والترميزي انتشالًا لها من حضيضها التعبيري.
في هذا المضمار، وإن نحن وضعنا طبوغرافيا الديوان الكلية موضع توصيف أو نمذجة، فسنلاحظ توزع قصائده بين نمط كتابي شذري يعتمد جملة شعرية وجيزة ومبرقة، وإلى هذا النمط تنتمي أغلبية القصائد، وآخر يوائم بين القصر والطول، مثال هذا قصيدتا «مهجة» و«بنت هواي»، وثالث أميل إلى الطول النصي قوامه جملة استغراقية على قدر من الامتداد مع استدعائه لحجوم أرحب، وتندرج في خطه قصائد: «الدون – لويس قونزاليس»، و«سر الخيزران»، و«النائم»، و«المنزل»، و«ليلتها»، و«ترفق بحجارتي أيها الجبل»، و«أكتب حكايتي»، و«أمحو الموت»، مردوفة بقصيدة «سبع حركات إحداهن مرتجلة»، ذات البناء المقطعي، سبعة مقاطع مرقمة، لنكون، هكذا، قبالة ثلاث هندسات نصية أو، بالأدق، ثلاثة أنفاس متضافرة، لا متنافرة، يستحكم فيها وازع التعبير الشعري محددًا المسافة التي قد تغطيها القصيدة وقد استنفدت موضوعها.
وبالداخل من هذه المسافة تنهض مدونة مفرداتية تستند عليها الوظيفة النصية(٨)؛ إذ تعتاش عليها القصائد، ومن خلالها يتأتى لها اصطناع طرزها الأسلوبية المعطاة، وكذا مساقاتها الدلالية والإيقاعية والاستعارية والحكائية الآيلة، رأسًا، إلى رؤيا تبثها، في الفضاء العام للديوان، أنا شعرية تنوب مناب الذات الشاعرة وتأخذ على عاتقها تسريب اختلاجاتها وابتلاءاتها في رحاب محفل وجوديّ شرس ومعاد، أقرب إلى برية رمزية منه إلى مهاد يبعث على الإيناس والألفة.
وبتقرينا لمكونات هذه المدونة نلاحظ مدى هيمنة مفردات بعينها على المنتسج النصي، بحيث يتكرر حضورها في أكثر من قصيدة، الشيء الذي يلزم القراءة بالتساؤل عن مغزى هذا الحضور وكذلك عن حدود تكييفه للاقتصاد الدلالي، من ناحية المبدأ، والإيقاعي والاستعاري والحكائي، ضمنيًّا. كذا تحضر، وبقوة، المفردات التالية: «الليل»، كقرينة لزمن تخومي، مضاد لنهارية العالم المتبلدة، وحيث يتاح، في تضاعيفه، للمخيلة أن تستبصر ما لا تقتدر على استبصاره الأعين المبحلقة للحشود الرضية، الغارقة في دركها الوجودي.
كما تحضر فضاءات تدخل في خانة الأمكنة المكبرة، من قبيل «الصحراء»، برمزيتها إلى المتاه، اللانهائية، والوحشة… ومعها بعض من لواحقها، كـ«الرمل»، رمز التفتت والهشاشة، و«النخل»، المحيل على الوحدة والتحمل ومطاولة الأعالي…، و«الماء»، بمطلقيته الهيراكليطية، أي كواحد من رباعية العناصر الأرضية، كنسغ للحياة تزكيه مفردات «المطر» و«الغيم» و«الضباب» و«النهر»… و«البحر» الموصول، بِازْرِقَاقِهِ الطافح بمعاني الماوراء، المجهولية، والعدمية…؛ وفضلًا عن هذا بفيضه المائي الأسطوري، و«الجبل»، في تأشيره على الجبروت، الغطرسة، والرفعة…؛ وأخرى تؤول إلى مفهوم الأمكنة المصغرة، من مثال «المدينة»، «الحي»، «الأرصفة»، «المطاعم»، «المقاهي»، «البارات»، «المنزل»، «الغرفة»…؛ التي هي أفضية ميكروسكوبية، ماديًّا، تُراوِح بين الأصغر والأصغر منه، لكنها لا تتوانى عن التعملق، شعريًّا، وفي مساحتها تنبثق مواجد الأنا الشعرية بصدد الوحشة، والاغتراب، والحنين، والألم، والموت، مستسعفة انفعالات الاستذكار، والحلم، والغناء، والحب، وهي تغالب قدرها الوجودي المُقِضّ والمبرح.
زوايا مستهامة ترتكن إليها الأنا
وإذا كانت هذه الأمكنة المصغرة بمنزلة زوايا مستهامة ترتكن إليها الأنا، بمعية ذوات حميمة تَمُتُّ بوشيجة روحية إليها، فإن الأرصفة والجادّات المفتوحة تبقى مأوى الذوات العرضية التي تتقاطع معها في مهبات وجودها القلق والمتكدر، لكن في كلتا الحالتين لطالما يسفر التوضع الشعري عن مفاقمة عين القلق وذات التكدر بالنسبة لذات شعرية مصوبة بوصلتها الروحية نحو الأبهى والأكمل، ذات منذورة لتغريبتها الشقية في برية الوجود هذه. وعلاوة على ما ذكرنا نشير إلى الحافزية الجلية التي تفسر الحضور المكثف لمفردة «المرآة»؛ إذ تتلامح بوصفها أداة تستمرئ، في نصوعها، هذه الذات اختلاجاتها وابتلاءاتها المذكورة، تتحرى فيها عن صميم كُنْهها الروحي وترمم، في نصوعها دائمًا، انشراخات كينونتها، ومفردة «الجسد»، كموئل للرغائب والاشتهاءات، الرضوض والأتراح، الالتياعات والاحتدامات.
وضمن هذا وذاك، استدرجت، إلى الآلية التخييلية، أمكنة بهُويّتها الإطلاقية أو بأسامي علميتها المتعينة، على شاكلة ما يلقانا به «جبل قاسيون»، أو «نهر بردى»… مدائن «الأحساء»، و«دمشق»، و«هيوستن»… حارة «باب توما» الدمشقية أو مطعم «الدون – لويس قونزاليس»… فإنها لا تلبث أن ترضخ لتعميد جديد يؤهلها لعاملية ترميزية، جديدة بدورها، وذلك في مرمى ابتناء عالم شعري طازج، مستهام، تختطّ له المخيلة معماره وقسماته، مثلما تقتني له مادته ومؤثثاته، أو لم يعتبر بول سيلان مهمة الشاعر هي إعادة تسمية الأشياء، منحها خلقة أخرى ولسانًا آخر؟
هذا ولكون المكون الإيقاعي سيصير، في كافة الشعريات العالمية ومنذ القدم، إلى ما يضاهي التابو الجسيم، إلى حد أنه لا يمكن تصور أيما كتابة شعرية في تنصل بالغ من القواعد العروضية الصارمة، فسيكون رهان شعراء قصيدة النثر على إبدال ما يمكن وسمه بالتغليف الوزني الفوقي، المعمول به في الشعر التقليدي، بفهم متفتح للإيقاع جاعلًا منه مكونًا ناظمًا تتشربه الكتابة الشعرية على أكثر من وجه، من ناحية كلياتها أو مستدقاتها البنائية، ويقوم، في تمظهره الأبرز، على كيفيات الأسلبة والتوضيب، بل ناقلًا إياه من خارجيته المتمحلة إلى صنف من عاملية أدائية مستدمجة في أوصال هذه الكتابة اندماجها في أديمها، وبتعبير آخر «… فالإيقاع هو مجموع المكونات الصغرى والكبرى داخل الخطاب: من الكلمة والجملة حتى المقاطع السردية»(٩). من هنا فإن استثمار حروف صائتة أو مهموسة، أفعال (الحركية) وأسماء (الثبات)، جمل شذرية (الإلماع) وأخرى استغراقية (الإسهاب)، أضف إلى هذا ما ترهص به الدلالات المتبلورة من تفاعلات، تأخذ منحى التعاضد أو التنابذ، لَمِمّا يخول للقصيدة زخمًا إيقاعيًّا لا تخطئه القراءة الحصيفة، زخمًا عضويًّا متماديًا وليس مجرد فَضْلةٍ شكلية مفتعلة، نموذج هذا ما نلفيه في هذا المجتزأ به من القصيدة التالية:
«رمى الجميلة في الماء/ قالت له: أكرهك/ فانهال نهر./ أسماكه تتقافز/ نحو النبع./ تخفق أجنحتها ثابتة أو بطيئة/ كي لا يعبر الوقت./ رغبة مُلحّة في إبقاء الدهشة مكانها/ لإرغام الزمن على الانتظار قليلًا،/ شهقة واحدة/ غرق بطيء/ قفزة تجبر الموج على الانتباه،/ وبخطفة سريعة تنغرز الأنياب». – «سبع حركات إحداهن مرتجلة»، ص 85.
إذ تنثال نغمية المقطع توافقًا مع ارتفاع النبرة الإيصاتية مرة وخفوتها مرة أخرى، أي الجهر والمكتومية، ولكن أيضًا توافقًا مع إيقاع المعنى مصبوبًا في ضرب من الطباقية، أي جدل المعاني وتصادمها، من مثال الإلقاء العمودي في لجة الماء والجريان الأفقي للنهر، التقافز نحو النبع وليس نحو المصب، أي نحو البداءة أو الأصل لا نحو المنتهى أو الهيولى، الثبات والبطء، سكونية الوقت ودفقانه اللامنقطع، سيولة الزمن في مقابل انحباسية الانتظار، شهقة واحدة وغرق بالمطلق، القفزة في إحالتها على العاقل وانتباه الموج غير العاقل، انختامًا بالتضامّ الدلالي لاسم «خطفة» ونعت «سريعة» وفعل «تنغرز» مبتعثة، أي هذه الوحدات اللفظية، نوعًا من اندغام دلاليّ أقصى يؤشّر إلى جدل سافر مع التجافيات السابقة.
وتوازيا مع هذه الوجهة في التفعيل الإيقاعي، وهو ما تسلكه قصائد عدة في الديوان، تلجأ قصائد أخرى إلى تقنية التكرار، مثلما هو قائم في قصيدة «المنزل» (ص 125)، حيث يستعاد، في معظم مقاطعها، السطر الشعري- اللازمة «أنت الغريب» كصنف من التبئير الدلالي، ما في ذلك ريب، لكنّ استهدافًا أيضًا لتوليد إيقاعي ترشح به التشاكلات أو التصاديات المتباعدة، نسبيًّا، بفضل العودوية المتقصدة للسطر الشعري- اللازمة على امتداد القصيدة.
ومن ثم فإن نحن راعينا البناء المقطعي، أصلًا، مضيفين إليه هذه التقنية، كصيغتين اثنتين لتوليد إيقاعي لا غبار عليه، فما من حاجة، والحالة هذه، إلى التنصيص، من باب الإيضاح، على أن «… هذا التقسيم إلى مقاطع -في قصائد النثر- كثيرًا ما تصحبه بنية دائرية للقصيدة، وتنظيم إيقاعي مبنيّ على العودة والتكرار. وأشكال التكرار متنوعة للغاية: عودة إحدى اللازمات على مسافات منتظمة (لازمة متشابهة دائمًا عندما يراد تأكيد الشعور بالثبات، والوقوف -عن قصد- في مستوى الأبدية الثابتة)، أو اللازمة المتنوعة عندما يراد ضم المتشابه والمتخالف، التكرار والتنوع، واسترجاع جملة البداية في موقع النهاية، وهو ما يمكن الفكرة الشعرية من الالتفاف حول نفسها وإغلاق القصيدة لتؤكد -بذلك- على انطباع «الدورة» و«الدائرة» المغلقة»(١٠).
والآلية الشعرية في الديوان لا تتراخى عن تدبر عالم مستهام قيد الانبجاس، وكيما يتملك أوفى لوازمه التخييلية، لسوف تعمد إلى تسخير تقنيات إيهامية ترقى بالمتلفظ الشعري إلى صُعُد انزياحية، إن عبر الكناية أو الاستعارة أو المجاز، لا يقنع معها هذا العالم بنديته للعالم العياني القائم، بل يسمو عليه مستميلًا القراءة إلى الوثوق فيه والتماهي معه، ولنا أن نلاحظ كيف يتضافر الكنائي والاستعاري والمجازي في اصطناع توليفات خيالية، منها هذه التوليفة الماتعة بين الجسدي والطبيعي، بين إشاريات الجسد وبين تلاوين الماء، أو، بالأدق، بين الاندياح الشهواني وبين الانهراق المائي:
غمازتك/ قطرة مطر على الماء/ ابتسمي/ كي أذوب/ واضحكي لأجرب/ المنحدرات/ كما السيل/ ألاحق رائحتك في الغرف والممرات/ كي أستعيد قدك/ أعجن طينته/ وأصب قالبًا لتمرين الحواس. – «تمثالك يركض في الحديقة»، ص 17.
قلنا توليفة، أي تركيبًا، ما دام «… التركيب ليس مستقلًّا عن الدلالة. إن منطق لغة ما يرتكز على الانسجامات الحاصلة بين شكل اللغة بوصفه فضاءً وبين النسق التصوري، وخصوصًا المظاهر الاستعارية في هذا النسق التصوري»(١١).
النحت في توسله بالمادة
وتماديًا في السمو بالعالم المستهام إياه تلوذ المخيلة بطرز الإيهام التي تقوم عليها الجماليات الفنية الأخرى، كالرسم في اعتماده اللون والمساحة، الضوء والظل، الكتلة والبقعة، التشخيص والتجريد…؛ وابتداع، بالتالي، لوحات مجنحة في استعاريتها، والنحت في توسله بالمادة، معدن أو حجر أو رخام أو خشب، والإزميل، الوفاء للمقاسات أو الإخلال بها أحيانًا، واصطناع تماثيل ونصب وأشكال هندسية لا تقل عن هذه اللوحات تجنيحًا. ولكون الفن التشكيلي لهو أحد مجالات الأيقنة التعبيرية جماليًّا، وأيضًا لكون الحداثة الشعرية ستطوح بمبدأ نقاء جنس الشعر واكتفائه بذاته، لن تتحرج ثلة من الشعراء في استدعاء بعض الماهيات والتوسلات من حقل التشكيل بهدف استحصال صور شعرية تقرب أكثر عوالمهم المستهامة، وها الشاعر يفعل ذلك رغمًا من تمويهه بأنه ليس رسامًا ولا نحاتًا، بل ليس حتى بشاعر: «لمس المراد،/ فيما انغلقت الرؤوس/ في عمامة الاعتياد،/ ربما سيضع، الآن،/ قماشة أمام المشهد،/ ويرسم الخالص منه،/ ربما يفتح صفحته/ ويخيط قصيدة،/ ربما يطرق بإزميله الرخامة/ ليستيقظ التمثال النائم./ لكنه/ ليس رسامًا/ ولا شاعرًا/ ولا نحاتًا،/ وليس له من مراد الأشياء/ إلا مهجة صغيرة». – «مهجة»، ص 43- 44.
لكننا نجده هو نفسه، أي الشاعر، المتنكر لكونه رسامًا، مثلًا، لا يتورع عن استسعاف مفردات من القاموس التشكيلي القح وهو يتخيل موقفًا عشقيًّا ساخنًا تحياه الأنا الشعرية وتتصادى فيه لزوجة الماء مع لزوجة الجسد: «تبتكر ألوانا/ وتلطخ الجدران،/ شفاهًا حمراء،/ بحرًا عميقًا،/ وأسماكًا تقفز/ من صدرك وتغوص». – «هلوسات الساعة الأخيرة»، ص 96.
على أن الحقل السينمائي يبقى الأكثر جاذبية بالنسبة للشاعر الذي يواظب، كما أسلفنا، على انشغاله بالسينما مواظبته على الكتابة الشعرية، ومن ثم لا غرابة في أن ينفتح الديوان، وبنصيب من الأريحية التخييلية، على الفن السينمائي مستدعيًا جمالياته ووسائطه التي نسجل محايثتها في أكثر من صورة شعرية مفسحة، على هذا النحو، المجال لمواظفة تقنيات من قبيل السيناريو والمونتاج والإكسسوارات (اللواحق)، الكلام والصمت، الترهين المشهدي أو الارتجاع إلى الوراء أو استباق الآتي، التبئير المشهدي من خلال تكبير الصورة وتثبيتها Gros plan…؛ والظاهر أن الشاغل السينمائي، في حالة الشاعر، وفضلًا عن كونه سبيلًا، فيما نخمن، إلى الرفع من درجة الأداء التعبيري، في تجربته الإبداعية، بحثًا منه عن دراية- متعة عالية، يقوم مقامًا موازيًّا نصيًّا Paratexte، الذي وضعه الناقد البنيوي الفرنسي جيرار جنيت، جائز تسخيره كعنصر إضاءة لعمله الشعري، أداة مسعفة على استغوار بواطنه الإبداعية وكذا مقاصده المنتواة، وهو ما ينطبق كذلك على شعراء عرب آخرين معاصرين، كبلند الحيدري، وسعدي يوسف، وحسب الشيخ جعفر، وصلاح فائق، ومحمود درويش…؛ في بعض قصائدهم، نعني أن القراءة الفِلْمية(١٢) لبعض قصائده قد تشكل مدخلًا ناجعًا إلى صميم التخييل والدلالة كليهما و، بالتبعية، إلى اللب من الرؤيا المستحكمة في فضائها، ناهينا، عمومًا، عن أن البناء المشهدي في قصيدة النثر يتم بـ«… الاعتماد على حاسة البصر في تكوين المشهد والذي يستطيع، في الحالات الجيدة، أن ينتقل من مكونات الواقع اليومي المعتاد إلى مكونات واقع الحلم أو الخلط بينهما وهو ما يحقق ما يمكن تسميته بالمفارقة المدهشة»(١٣). ويكفي أن قصيدتين اثنتين، في الديوان، تحملان عنوانيْنِ دالين هما:«فيلم طويل من لقطة واحدة» و«فيلم بطئ لحياة مستعملة»، ولنمثل بمقطع من هذه الأخيرة عسى أن نضع اليد على واحدة من الصيغ لتجاذب ما هو لفظي وما هو بصري في نطاق شعري بالأساس:
«وهربت بالطبع/ ألم نتفق على أن المشهد الأجمل/ سريع وخاطف./ أين دوري الأخير، خاتم الرواية:/ خنجر مسموم في زقاق معتم،/ أو عثرة قدم على هاوية/ وعلى الأرجح/
رصاصة طائشة في بار مزدحم…./… أيها المخرج الغر:/ الفيلم بطيء،/ لن أمثل أمام عدستك،/ سأرتجل نهايتي،/ فلست حريًّا بالذكريات/ وتبًّا للحنين/
لا أشتهي صورة ذابلة/ لحياة اهترأت/ من شدة الاستعمال». – «فيلم بطيء لحياة مستعملة»، ص 21 – 22.
إذن ففي الصميم من إوالية شعرية، كهذه التي أتينا على تشخيصها، تأخذ الأنا الشعرية على عاتقها شأن الحكي الشعري عن تغريبتها الشقية في برية الوجود، مثلما ذكرنا، مبلورة، هكذا، محكيات شعرية تغلف الدلالات أو الموضوعات المركزية التي تنفرز عنها، إنْ جزئيًّا أو كليًّا، ومن قصيدة إلى أخرى، هذه الإوالية.
وقبل هذا وذاك فإن الحكي ليعد أحد مقومات قصيدة النثر التي ييسر عليها معجمها المنثور، في الأصل، سردنة ما هو شعري وذلك باستدخال عناصر الزمن والمكان والشخوص والراوي والمحكي… وتأهيلها، لفظيًّا وتركيبيًّا وتخييليًّا، لحساب ما هو شعري والانصياع لإملاءاته النوعية واقتضاءاته المقننة. بعبارة أخرى، وبخصوص «… السرد المستعاض به عن غنائية محلقة أو مهومة، والمجتلب للنص لإكسابه ملموسية وتعيينًا، فقد كان ممكنًا في قصيدة النثر بشكل كبير نظرًا إلى الإفادة من طاقة النثر المنصهر في بنيتها.
حكي يقول الأزمنة والأمكنة
ولا يعني ذلك جلب آليات القص حرفيًّا -كما هو حاصل في البناء القصصي مثلًا- ولكن منح قصيدة النثر أبعادًا تسهم في تشكيل نسيجها البنيوي، وتدعم جانبها الدلالي، وتخفف من كثافة اللغة والصور فيها، ما يبعدها من الغنائية الساذجة والتهويم الصوري المجاني»(١٤). بهذا نجدنا، في الديوان، إزاء طاقة حكائية لافتة، بيد أنه حكي مضاد للحكي الجمعي الذي لطالما تشربته شغاف الأنا الشعرية في غضون الطفولة، حكي يضع في الصدارة تصاريف تغريبتها الوجودية الممضة، يصفي الذاكرة من أدرانها ويقول الأزمنة والأمكنة ما لم تفلح في قوله قط، معيدًا ابتكار سير الصعاليك والهائمين على وجوههم والعشاق الأصفياء، متعكزة، ما في ذلك شك، على روح الكتاب الأم «ألف ليلة وليلة» وتخصيصًا على ديباجته الاستهلالية المسكوكة، لكن في قلب سافر، متعمد، للأدوار تصبح معه هذه الأنا هي من يباشر الحكي- الكتابة، مثلما يجسده عنوان القصيدة التي نستشهد بها هنا، «أكتب حكايتي»، ويمسي شهريار هو الراوي في حين تكتفي شهرزاد بالإنصات:
«كان يا ما كان/ يندفع المجنون خلف دمه/ ملتاثًا بليلاه/ يصرعه الهوى بين المنازل والهضاب/ فريدًا، لا خيل له ولا خلان». – «أكتب حكايتي»، ص 146.
إن المحكي الشعري إياه لسوف تجري أطواره، وتتبلور معها ترتيباته وكذا تمفصلاته، في مكان يتخذ، عند القراءة المباشرة، هيئة صحراء ملموسة، يرين عليها ليل مدلهم قد يتبدى بدوره، لأول وهلة، أليفًا، زائلًا، غير أن استحضارنا للرؤيا الممسكة بتلابيب تجربة الديوان لا تلبث أن تقتادنا إلى صحراء كونية متراحبة من محتد، على سبيل الإلماع، الصحراء المصرية التي ابتدعتها من جديد مخيلة الشاعر الإيطالي جويسيبي أونغاريتي أو أرومة صحراء تونس كما تستنهضها قصائد الشاعر الفرنسي لوران غاسبار.
صحراء تلوح فضاء لا نهائيًّا، ملغزًا، ولا قبل لقحولتها، ليباسها، أو، بالحري، لشدتها، بجماع التداعيات التي قد ترخيها صحاري الأرض المأنوسة على هذه المعاني، صحراء موحشة عن الآخر، يدثرها ليل من عتيق الأزمنة، لكنه مضيء رؤياويًّا، تلوي بمصاير الذوات ويتربص محقها الميثولوجي، فتكها اللايوصف، بالكينونات واضعة كل حلم، تمامًا كما كل شيء، موضع صغار، بَلْهَ امّحاء، بحيث لا يقين يعلو على يقينها ولا مشيئة قد تبز مزاجها رغم ما قد يغري به ظاهر الأشياء من تكافؤ، بَلْهَ ندية:
لا تتيقن من أي شيء يخطر لك أو ينتصب أمامك. الصحراء/ فاجرة ولذيذة، لك وعليك، لا تدركك ولا تداريك، كل ما يتبدى قناع/ تلو قناع. اللحظة رجراجة، والحياة ليست ساكنة، يقينك الوحيد أن/ تداري عشقك مثل «الوشم في ظاهر اليد». – «ورقة الصحراء»، ص 138.
وعليه، إن كان الأمر كذلك والأنا الشعرية منذورة، كسائر الكائنات، لموت جائر يبقى امتدادًا، ليس إلا، لموت رمزي ضار، مقسط، تتلقفه، عبر اليومي، ذوات وأحلام، قيم وأفكار، مباهج ولذاذات، فما من خيار أمامها، لتلافي حتفها المباغت أو المتقطع، هي من تدمن التملي في سيماها المرتعبة وشقائها الكياني عبر مرآتها المستعارة، سوى أن تقبس من مائها، المستعار أيضًا، هديره وبأسه، ومن جبلها، المستعار هو الآخر، سموقه ونخوته، وتضع قناع وحش رمزي منذور لأن يعارك القبح والانحطاط، الضحالة والتكلس، كتمظهرات للموت المقسط، ويرجئ، ليس إلا، موت الأنا المتقنعة، تسلحًا بالاستذكار والحلم والغناء والحب.
ولأن المعترك لمن الضراوة بمكان فما من مانع أمام استنفارها، رمزيًّا، لزمرة من أصدقاء مبدعين، كالرسام النمساوي غوستاف كليمت، والنحات الفرنسي أوغست رودان، والممثل والمخرج السينمائي وفنان الإيهام الهنغاري هاري هوديني، أو متخيلين، كدافيد كوبرفيلد بطل رواية الكاتب البريطاني تشارلز ديكنز، أو فعليين، كجبر علوان المهداة إليه قصيدة «النائم» وعصام السعدي الذي أهديت إليه قصيدة «ورقة الصحراء»، ثم ريم التي حظيت بإهداء قصيدة «ترفق بحجارتي أيها الجبل»، أيضًا لرفقاء طريق قصيدة النثر، ممن تسميهم إحدى قصائد الديوان، أي طريق الكتابة والألم، وقبل هؤلاء واحد من أسلاف الشعراء الجاهليين النيرين، المأساويين، طرفة بن العبد، الذي لَشَدَّ ما أقضَّ مخيلتَه البحث عن «خولة» مستحيلة، وعن «برقة تهمد» مندثرة لم ترأف بها، البتة، فلاة الشاعرين المشتركة، التجلي الأرضي للصحراء الكونية في بطشها الأعمى بأيما سكينة وجودية رواقية، وهذا الاستنفار يجد مسوغه، حتمًا، في انضواء أساميهم، عتبانيًّا، أو أعمالهم، تناصِّيًّا، إلى مدار التجربة الشعرية وانصهارها، كنتيجة، في جوفها، الشيء الذي يلزم الزمرة المذكورة بخفرها، أي الأنا، في ممشاها الرمزي، الوعر والمكلف، صوب عقر دار الوحشية، بمعاضدتها في معتركها الكالح هذا، كتمرين من بين تمارين، أو تربصات، مترادفة للوحش المستعار، مع التوحش الأصلي وهو يفاقم وحشتها، اغترابها، حنينها، ألمها، ويستعجل، بالتالي، موتها. ليكن، إذن، توحش يطاول آخر… أفلم يقل أبو عبادة البحتريُّ في وصف ذئبه، ممجدًا إياه ومستلفًا منه صولته: «كلانا بها ذئب…»(١٥):
«كل نهار أصحو/ وبخفة أسحب جسدي المنهك من فراشه وأغتسل… أكشط الدم قبل/
بزوغ الأعين، أعدّ الإفطار من غير لحم، أترفق بالقهوة… أسمر/ الخبز… أضع العسل في زجاجة وأزين مزهرية بيضاء بابتسامة بلا/ أنياب./ بعد أن يطمئن البيت، وتنطفئ رائحة الليل الحريفة من هوائه أتسلل/ بطمأنينة الغدر، أحصي فرائس البارحة، وأدفن جثثًا ممزقة، أواسي/ المصابين وأعالج الجرحى، وأحصي الطرائد وأشم مكان صيدها
المعتاد قبل جهامة الليل». – «تمارين الوحش»، ص 28.
أنا شعرية تخوض معتركها المتخيل
على أن هذا لا يحول بين الأنا الشعرية، وهي تخوض معتركها المتخيل، وبين نزع قناع توحش الضواري السائبة في البراري وارتداء قناع التهريج، بمعنى انتقالها إلى توحش آخر، ناعم هذه المرة، لا تقل مفاعيله عن آثار التوحش البهيمي. توحش فانتازي يوخز فرائسه ويلدغها، بدل نهشها، يباشره امرؤ ببذلة متهدلة وحذاء سريالي وزينة فاقعة، ممجوجة، مفطور، ظاهريًّا، على الخفة والوداعة وإبهاج الآخرين، لكنه يستضمر، رغمًا من حقارته البادية، قريحة حكيم يقوم بترميم أرواحهم المشروخة، سلاحه الهزء، أو، في الواقع، الباروديا السوداء، وألاعيبه البهلوانية التي تسفه الأباطيل والأوهام، تزري بالسفاسف والترهات، وتضع الإصبع، بتوقح الحكماء وعدم خشيتهم من لوم اللائمين، على الوضاعات والمسوخات. من هنا انتصاب شخصية المهرج في تجربة الديوان، وفي أكثر من قصيدة، وذلك بقسمات دالة تستثير في الذاكرة كبار المهرجين في الثقافة الغربية، من معدن البريطاني شارلي شابلن، والإيطالي داريو فو، والفرنسي ميشيل كولوشي، مثلًا:
«دعوني أعود لألون وجهي،/ وأقفز من أعلى الحلبة،/ أمشي على الحبل،/ وليكن قريني/
قردًا وبالونة صفراء،/ وجمهرة من السابلة/ يملؤون الخيمة،/ يشيرون بسخرية إليَّ،/ وبأعلى أصواتهم يضحكون/ على مشيتي المتكررة،/ مقلدًا القرد وهو يفكر،/ ويحك بوقاحة/ ما بين فخذيه». – «بدل الاكتئاب»، ص 15.
والتفافًا منها على شرطها الوجودي المؤرق، ومداراة منها لانعواقها الروحي في صحرائها المستهامة تلجأ الأنا الشعرية إلى ارتحالات رمزية، في الزمن والمكان… تستعيض عن خواء مسقط الرأس بنعماء دمشق أو تخمة هيوستن… تأخذ بنواصي البوح في هدأة المطاعم أو جلبة المقاصف… تمتلئ بالبهاء الأنثوي الصارخ في هذه البرهة أو تلك… وتكرع، حد الثمالة، من مدامة بابلية معتقة في مخيلة أحد رفقاء الطريق، الحسن بن هانئ… لكن سائر هذه الانفراجات لا تفلح في أن تصادر منها اغترابها المريع، المزدوج في الجوهر، كما تخفق في اجتثات اشتياقها إلى لذاذة الرحم الأولى، ومن يدري ففي أفيائها البكر، العدنية، قد تعثر على ملاذ رحيم يرقّ لحالها ويقيها من خطوب بريتها الوجودية ودواهيها، ففي البدء كانت «الأحساء» ومنها انطلقت أبجدية الكينونة تمامًا مثلما أينعت بذرة الخشية الأولى: «كنت البدوي/ في الصمان،/ والذئب الجريح في الربع الخالي،/ بيني وبين النجوم نسب ورفقة حداء/…/ في الأحساء/ تكلمت نخلة مثابرة في أحلامي/ سدرة خبأتني في كهرمانها،/ وأغوتني في الظهيرة/ فلقة رمان». -«هيوستن: شهوات مصفدة»، ص 29 – 30.
لكن حالما حطت الرحال في سكينة الرحم الأولى سرعان ما استيقظ في وجدانها توحش عالمها، فإذا بها تتساءل عما يمكن أن يجديه الحلم، مثلًا، في مغالبة هذا التوحش والحد من صلفه وغلوائه خصوصًا أن الجسد متهالك بأثر من ضربات سوط زمن ومكان معاندين، ليس من قامة كبريات الأحلام وأعتاها من جنس تلك التي تختلج في حناياها، بل لعله، أضيق من استضافة حياة فوارة، بل شعرية: «جسدي ليس طوع أحلامي/ أو ربما أكثر مما يحتمل،/ رغباتي طويلة وصلبة،/ الحياة فيه/ فكرة ناقصة،/ أمد يدي ولا تطالها». – «أقل مما ينبغي أو أكثر مما يحتمل»، ص 109.
وها هي ذي تستجدي الغناء، كقرينة جمال وتفتح، امتلاء وتسام، كمنفلت من ورطتها الوجودية الجاثمة، ترويضًا منها لليل الصحراء، ربما، على عكس ليل هيوستن الممانع الذي لا تروضه موسيقا الجاز، لا بحة المغني الجريحة ولا الأنة الجهيرة، الشجية، لعزف مضمخ ببرحاء العبودية، بمواجعها، ومكابداتها: «عندما تبعث الريح خلفنا سنحتمي من الطرق وقطاعها بالغناء،/ نعصب بأسنا برفقة الدم الأول، ولا نهمل الوحش فينا». – «ورقة الصحراء»، ص 137.
وتصعيدًا منها لمعتركها الصعب ذاك، ولأن الحلم والغناء يستجلبان رقة الأحاسيس واشتعال المواجد، يبقى الحب، بوصفه طاقة روحية هائلة، ممكنًا رمزيًّا للفتّ من عضد صحراء الوجود الطاعنة في تغولها والمطوحة، من فرط شراستها، بأيّما معيش أو، بالأحرى، تجوهر كياني، مصفى وملهم. ومنه ندرك المحايثة المِلْحاحة لضمير المخاطب الأنثوي في عرض الديوان واستئثاره بأكثر من محاورة مع الأنا الشعرية في هذه القصيدة أو تلك.
فقد تلوح الأنوثة في مقصف، على منوال ما نلفيه في قصيدة «وحش البار»، أو تتخلق في فضاء غرفة، في الحالة الأولى تستوي موضوعًا للتأمل، للدردشة، والمناوشة الجميلة، بينما تنهض، في العتمات الحميمة، كطرف في برهة عشقية فادحة، وحيث الشغف، التجسد… التضرع والتعنيف، الشطح الجذلان – الأليم… تنهض كألفباء للبرهة… منة أو سلوى روحية في غمار يباب وجودي مطبق ومعها الحب كحد مضاد لاجتفاف روحي أزلي… كحد مضاد، بالأدق، للتبدد، للموت: «أتأمل ذراعيها وأقف مبتهلًا/ عند كل شامة وانحناءة،/ وقبيل إدمان رائحة أشجارها/ أعتصر رمانة الكتف/ وأقترح أسمائي عند كل استدارة». – «بنت هواي»، ص 69.
لكن أيهما سيفوز بالمعترك؛ الأنا الشعرية أم الموت؟ من سيفتك بمن؟ من سيجهز على من في تجربة الديوان؟ ما من شك في أن الغلبة ستكون للموت، ليس فقط استنادًا إلى ما تنتصر له، دلاليًّا، قصائد، من مثال «مراوغة الموت»… «أمحو الموت»… «قبر عائشة»، التي تجعل يده هي العليا و، بالتالي، لا مفر للكينونة من سطوته، وهي تحيا موتها المتقطع أو تتلقف حتفها المباغت. لذا حتى وهي، نقصد الأنا، تأخذ بأطراف مشاغبتها الميتالغوية(١٦) الرائقة، أو وهي تؤثت اللحظة، ضمن تلوين تغريبي، بـ«الكيبود»، «الياهو»، «الجي ميل»، «الإيميل»، و«البلوتوب»،.؛ كثمرات للعصر الرقمي و، جوهريًّا، كوسائط سحرية لمراوغة الغياب لن تكون بمنجاة من معانقة موتها المسطور: «اسمعي، في إحدى تلك الليالي توصلت بمقدرة ما، إلى طريقة مبتكرة/ لتصلك رسائلي بعد الموت، ربما لأني أمين في مناكفة قصيدة/ النثر، أو لأني توصلت صدفة إلى معرفة الخليط السري لشعر، يرى/ ويفهم بلغات ولهجات، خليط انبثق المارد من دخانه شاخصًا أمامي/ وكان طلبي الوحيد بعد توسله أن أراسلك بعد الموت». – «أمحو الموت»، ص 157.
– 3 –
والكتابة توالي أشواط معتركها الجمالي والتخييلي مع صنوف الإغاضة التي تزخر بها بريتها الوجودية المستهامة، من وحشة واغتراب وألم، انتهاء إلى الموت، سيحصل، لمقصد رؤياوي بين، أن تستدرج الأنا الشعرية من لدن أنثى ما إلى حدود المأزق اللاهب، الذي يا ما واجهه مبدعون أصيلون في مختلف الآداب الإنسانية، وبموجبه يستعاد ذلك الموقف الهاملتي الفارق: «أكون أو لا أكون، تلك هي المشكلة»، وبتعبير موازٍ كيف يمكن للمبدع أن يحسم موجوديته الفريدة، هل بعيشها خياليًّا داخل المكتوب أم بالانخراط المسالم في المهبّ الحياتي الشامل الذي يؤوي الكينونات الرهيفة ويتسع، دفعة واحدة، للغوغاء أو الحشود العارمة، القنوعة بمعيشها الأرضي الخامل والرتيب، وها الشاعر يرمي بشباكه، عبر أناه المنتدبة، في شائكية هذا المأزق مؤطرًا بالمحاورة الدالة الآتية:
«يوم تعارفنا، بسبب قرش رن سهوًا/ قلت: لا وصف لك./ قلت: أيها الشاعر، عش حياتك، لا تصفها/…/ يقرب القرش، يلمع عند شفته السفلى/ ويتمم:/
أيها المغفل/ عشها/ لا تصفها/ خاطفة هي الحياة». – «قرش»، ص 79 – 81.
وعليه نقول: هل للشاعر، ما دامت الحياة قصيرة لا تتسع للعيش والكتابة كليهما، في مداراته لهذا المأزق، أن يحيا حياته حد الإشباع وبعدها يطرق بوابة الكتابة طافحًا بمآتيها بما يشبه موقف القائد الروماني يوليوس قيصر لما وطئت قدماه بر بريطانيا وهو يرفل في سؤدده الإمبراطوري، الذي لا سؤدد بعده، لينطق بعبارته المخلدة: «جئت، رأيت، انتصرت»! أم تراه يستأنس بفحوى السيرتين الفاتنتين: «أشهد أني عشت» للشاعر الشيلي بابلو نيرودا، و«عشتها لأرويها» للروائي الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز، اللتين، على الرغم مما قد توحي به العنونة من سابق العيش على الكتابة، فإن منطق الأمور يؤكد مزاوجةً ما، على انشطار بين الأفقين، غالبًا ما يستحكمان في هذه المعادلة المؤرقة(١٧).
ولا مراء في أن هذا المأزق لا يخلو من استشكال، بحيث تتفاوت أقدار المبدعين وتختلف، بناءً عليه، سبل تعاطيهم مع الثنائية(١٨) القاسية في هويتهم. لذا، وسيان ما له علاقة بتدرجات سيرة الشاعر أو متواليات إصداراته الشعرية، يظهر أن قدره المتاح هو أن يزاوج، كشاعر ممسوس وواع، بين تدبير أسطورته الشخصية الناجزة التي تشف عنها بوهيميته الوجودية الجسورة، واستنكافه المقدام عن الطقسية الحياتية للجموع متحصنًا، هكذا، بفردانيته المنيعة من الغبار المجتمعي الكاسح، شأوه شأو الشعراء الحداثيين الأصلاء كافة، هذا مع الأخذ بزمام إستراتيجية كتابية قائمة على تذويت الأفكار والتمثلات تستأثر فيها السريرة بالأولوية، أي العناية بما تعج به دخيلته من أسئلة وهواجس، اصطخابات واعتنافات، ذلك أن «… أي نص لا يتأتى له أن يوجد إلا بفضل حتمية لا نصية: يوجد بوصفه نتاج كائن إنساني»(١٩) مميز ومخصوص. ولعل قدره المتاح هذا هو أن يغور في نفق الكتابة متسائلًا عـ«من ينتقي عروق الصخرة» من بين رفقاء الطريق، أولئك الأشقاء الخلص الذين ينحدرون من نفس شجرة النسب الشعرية:
«من ينتقي عروق الصخرة؟/ وديع سعادة ترك حاشية قرب تخطيطات سليم بركات/ قاسم حداد دون نصوصه على مدخل العمارة/ سعدي يوسف، محمد الثبيتي، أدونيس، زكريا محمد، عباس بيضون،/ أمجد ناصر/ الحروف التي يشحذون أسنتها ليلًا/ في كل فاصلة/
وما يضمرون بين الأقواس/ والحواشي». – «حصتي من النفق»، ص 154.
منقبًا عن نفسه في معمعان الكتابة، ومتحملًا، كعاقبة محتومة، أهوال مسير لا يعود سوى بالخسران، بالاستحالة، تمامًا كما خسران أورفيوس، الشاعر والموسيقيّ الكونيّ الأول، لحبيبته – قصيدته يوريديس على مرمى حجر من ضوء العالم، إثر تلك اللفتة منه، الرؤوم لكن اللعينة والمدمرة، لتعود القهقرى إلى حلكة العالم السفلي:
«أبحث عن أحمد الملا/ عله بينهم/ بأظافر ملثمة/ بكتب حصته من النفق». – نفسه، ص 155.
هوامش:
(١) بما يحاكي نفس التجريبية التي ستقود روائيين غربيين وغيرهم، بدءًا من القرن التاسع عشر، إلى توسل تقنيات شعرية بعينها، كالتكثيف والمجاز والتداعي الحر…؛ في كتابة أعمالهم السردية. مثال هذا رواية «الأبله» للروسي فيدور دوستويفسكي، ورواية «عوليس» للأيرلندي جيمس جويس، و«الصخب والعنف» للأميركي ويليام فولكنر، ورواية «أنشودة ناراياما» للياباني شينشيرو فوكازاوا، ورواية «مئة عام من العزلة» للكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز..؛ الشيء الذي سيقتدي به بعض الروائيين العرب، في أكثر من عمل روائي، كالمصري إدوار الخراط، والسوريين، حيدر حيدر وسليم بركات، والمغربي أحمد المديني،…
(٢) د. أحمد زياد محبك: مشكلة الحداثة في القصة القصيرة جدًّا وقصيدة النثر… رؤية تنظيرية، مجلة «الشعر» (المصرية)، ع 142، صيف 2011م، ص 91.
(٣) نستعمل الرعيل كرديف لمفهوم الجيل وذلك رغم إدراكنا لضيق المسافة الزمنية التي قطعتها قصيدة النثر في الشعرية العربية المعاصرة، وكذا تفهمنا لتحفظ واحتراز، بعض من الشعراء بخاصة، على مفهوم الجيل وتفضيل التعاطي مع الظاهرة الشعرية في إطلاقيتها. فالمفهوم إياه، رغما من أيما تحفظ واحتراز، والمستجلب إلى الدراسات الأدبية من حقل علم الاجتماع، لسوف يبين عن نجاعة إجرائية فائقة في استيعاب علاقة الظاهرة الشعرية بمقتضاها الزمني، بحيث تُنزَع من كتلويتها العائمة واسترسالها المبهم وإخضاعها لتقسيط زمني يراعي عنصر العمر والانتماء إلى حقبة تاريخية وثقافية مخصوصة مما نكون معه حيال وجدان جمعي ما، أو لنقل حساسية أو مزاج، لا يصح تناول الكتابة الشعرية بمعزل عنه. ويكفينا، هنا، الاستئناس بما درجت عليه الأدبيات النقدية الغربية في هذا الباب، بحيث تُصَنَّفُ مجموعة من الأسماء والتجارب الشعرية المائزة ضمن خانات جيلية، كجيل المستقبليين الروس، وجبل التعبيريين الألمان، والجيلين الإسبانيين، جيل 1898 وجيل 27، والجيلين الأميركيين: الجيل الضائع وجيل البيتنيك..؛ على أن هذا لا يلغي، بأي حال من الأحوال وأساسًا بمراعاة البعد اللازمني للحداثة، تعاملنا مع أسماء شعرية استثنائية بوصفها عابرة للأجيال والأزمنة، كامرئ القيس، وأبي الطيب المتنبي، والشاعر الإيطالي أليغيري دانتي، والشاعر المسرحي الإنجليزي ويليام شكسبير، والشاعر الألماني فريدريش هولدرلين، والشاعر الفرنسي آرثر رامبو…؛ أو لم يعنون الشاعر العراقي المعاصر، سعدي يوسف، مثلًا، أحد دواوينه بـ«حفيد امرئ القيس»، مؤكدًا، هكذا، قرابتَه الرمزية من شاعر جاهلي أكثر من قرابته المفترضة مع شاعر حديث، من زمنه نفسه، كمواطنه الشاعر العراقي معروف الرصافي.
(٤) أدونيس: الشعرية العربية، دار الآداب، ط 2، بيروت 1989م، ص 191.
(٥) عبدالحميد الحسامي: كلمات عن فضاء المشهد الإبداعي السعودي، ضمن ملف (راهن المشهد الشعري في السعودية)، مجلة «البيت»، التي يصدرها «بيت الشعر في المغرب»، ع 31، ربيع 2018م، ص 160.
(٦) دار الغاوون، بيروت، 2010م.
(٧) Tzevetan Todorov : Les genres du discours, Coll. Poétique , Ed . Seuil, Paris, 1978, p. 24.
(٨) إمعانًا من الشاعر في مراكبة التلفظ الشعري في الديوان، إن لم نقل تهجينه وتعنيفه، سيستثمر، مثلًا، مفردات من المعجم الإنجليزي كما فعل في قصيدة «وحش البار».
(٩) محمد الصالحي: شيخوخة الخليل، بحثًا عن شكل لقصيدة النثر العربية، منشورات «اتحاد كتاب المغرب»، الرباط 2003م، ص 95.
(١٠) سوزان برنار: قصيدة النثر من بودلير حتى الوقت الراهن، ترجمة: راوية صادق، مراجعة وتقديم: رفعت سلام، ج 2، دار شرقيات للنشر والتوزيع، القاهرة 2000م، ص 162 – 163.
(١١) جورج لايكوف، مارك جونسن: الاستعارات التي نحيا بها، ترجمة: عبدالمجيد جحفة، دار توبقال للنشر، ط 2، الدار البيضاء، 2009م، ص 143.
(١٢) وبالمثل يحفل الحقل السينمائي بزمرة من الأقلام الراقية التي لا تخلو، إن من حيث السيناريو أو الإخراج، من لمسة شعرية تستوجب، والحالة هذه، من المتفرج المرهف والمزود بمعرفة شعرية سديدة التعاطي مع الشخوص والحوارات، المشاهد والديكورات، بوصفها قرائن مجازية من الكثافة والانزياح أكثر منها عناصر توضيبية منذورة، آليًّا، لخدمة الحبكة الفِلْمية. ومن الأمثلة القوية في هذا المضمار: «الكلب الأندلسي» للمخرج الإسباني لويس بونويل (1928م)، «كازابلانكا» للمخرج الأميركي مايكل كورتيس (1942م)، «بسمات ليلة صيف» للمخرج السويدي إنغمار بيرغمان (1955م)، «عندما تمر اللقالق» للمخرج الروسي ميخائيل كالاتوزوف (1957م)، «قصة الحي الغربي» للمخرج الأميركي روبير وايز (1961م)، «كاتش 22» للمخرج الأميركي مايك نيكولس (1970م)، «لكم عشقنا بعضنا» للمخرج الإيطالي إيتوري سكولا (1974م)، «ديرسو أوزالا» للمخرج الياباني أكيرا كوروساوا (1975م)، «هير» للمخرج الأميركي ميلوش فورمان (1979م)، «حلقة الشعراء المفقودين» للمخرج الأميركي بيتر وير (1989م)، «فوريست غامب» للمخرج الأميركي روبير زيميكس (1994م)، «التحت» للمخرج البوسني – الصربي إمير كوستوريكا (1995م)، «الأرض من حيث هي لغة» – وثائقي عن سيرة الشاعر محمود درويش – للمخرجة المغربية – الفرنسية سيمون بيتون (1998م)، «كل شيء عن أمي» للمخرج الإسباني بيدرو ألدوموفار (1999م)، «يد إلهية» للمخرج الفلسطيني إيليا سليمان (2002م)، «موسيقانا» للمخرج السويسري – الفرنسي جان لوك غودار (2004م)، «شعر» للمخرج الكوري لي شانغ دونغ (2010م)..
(١٣) د. صلاح السروي: قصيدة النثر، دراسة نظرية وتطبيقات، دار نفرو للنشر والتوزيع، القاهرة 2009م، ص 67.
(١٤) د. حاتم الصكر: الثمرة المحرمة، مقدمات نظرية وتطبيقات في قراءة قصيدة النثر، إصدارات مجلة «نصوص من خارج اللغة»، سلسلة النقد 1، شبكة أطياف الثقافية، الرباط 2019م، ص 11.
(١٥) ولنا أن نستحضر، بالمناسبة، المواءمة الرفيعة بين طباع التوحش والافتراس وبين خصال النبالة والأنفة، مما تشف عنه رمزية بعض الحيوانات والطيور الكاسرة، التي خلدها الأدب العالمي، ولنذكر منها: «حوت» الروائي الأميركي هرمان ملفيل، و«ذئب» فلوات الروائي الألماني هرمان هسه، و«غراب» الشاعر الأميركي إدغار ألان بو، و«قطرس» الشاعر الفرنسي شارل بودلير، و«ثور» الشاعر الإسباني فيديريكو غارسيا لوركا…
(١٦) التي سيجعلها الناقد البنيوي الروسي، رومان ياكوبسون، ضمن الوظائف الست للغة، وتهم أنماط اللغة البعدية، التحليلية، كالنحو والعروض والبلاغة والنقد..؛ التي تنكب بالوصف على لغة إبداعية مسبقة. على أن هذا لم يمنع شعراء عربًا بعينهم، على قلتهم، من استغلال قصائدهم في تمرير أفكارهم الشخصية حول الشعر، وذلك بما يماثل أيما ميتالغة، أو لغة ما ورائية Métalangage، ومنهم أدونيس، سعدي يوسف، ومحمود درويش…
(١٧) كمثال مغاير سينحاز الكاتب الأرجنتيني المرموق، خورخي لويس بورخيس، في قصته الباذخة «المرآة والقناع»، إلى تخييل سردي ينتهي بمآل الملك البريطاني، الذي أعياه انتظار القصيدة الموعودة، الأيقونية، الممجدة لانتصاره المدوي على النرويجيين، والشاعر الذي سيعتقد أنه عاش فصولها الملحمية من خلال حولياته المدحية المتواترة، قبل أن يصعقه إخفاقه المريع في جعل الشعري مضارعًا للحياتي، لينتهي الاثنان، جرّاء خيبتهما، إلى مخرج عدمي تراجيدي، بحيث سيطفئ أولهما نور عينيه ويسيح متشردًا في مناكب الأرض، بينما فضّل الثاني إزهاق مهجته ونفض اليد من الشعر والحياة سواء بسواء.
(١٨) لعل مرد هذه المعضلة إلى ما يستشعره المبدعون، عادة، من شرخ أو انفصام بين عوالمهم الإبداعية وبين معيشهم الأرضي؛ لذلك سيكون أحد شعارات الحداثة الشعرية في الغرب، كمسعى لردم هذه الفجوة، جعل السيرة الحياتية امتدادًا أو صدًى لمتخيلهم الإبداعي. ومن بين أبرز الأمثلة على هذا تلك المزاوجة اللافتة التي عمل بها شارل بودلير وهو يمضي سحابة الكثير من أيامه متسكعًا في الجادّات الباريسية، ينام أحيانًا في المقابر بدعوى استنصاته لوشوشات الموتى، ثم ما كان من اقترانه بالخلاسية جان دوفال تمردًا منه على المركزية الذوقية الغربية التي تربط الجمال ببياض البشرة وزرقة العينين والشعر الأصهب.. أيضًا آرثر رامبو حين سيرفق سيرته الكتابية، التي سوف تسفر عن عمليه الشعريين الأساسيين والفريدين، «فصل في الجحيم» و«إشراقات»، بما كان لهما من آثار غائرة ليس فيما يخص الحداثة الشعرية الغربية وإنما على بنية اللغة الفرنسية بنفسها، قلنا: سيرفق هذا بسيرة بوهيمية تقتات على رذائل التشرد والشذوذ وتناول المخدرات، هذا ريثما يشد الرحال إلى نورانية الشرق (عدن) والغرابة الإفريقية (هرر، في الهضبة الإثيوبية) متنصلًا، بالمرة، من الشعر، بل مستجيرًا بصمت مذهل، على مدى سنوات اغترابه، عسى أن يعثر فيه على ما توخاه من شعر خالص سيبحث عنه حتى في الصميم من مسلكياته اللاشعرية، كمتاجر في البن أو السلاح، بل حتى البشر. ولنا أن نختم بسيرة الشاعر الروسي المرموق، فلاديمير ماياكوفسكي، الذي لن يتردد في عيش حياته شعريًّا بالتمام، وذلك بالداخل من الجهنمية البيروقراطية السوفييتية، ودليل هذا ما كان من أناقة ملبسه، هو الوسيم أصلًا، وارتداؤه لرابطة عنق منضودة على شكل فراشة، بل ارتياده، في عز حياة الكفاف التي كانت من نصيب الملايين من مواطنيه، في ظل القبضة الحديدية الستالينية، لشوارع موسكو بسيارته الرياضية الفارهة، الشيء الذي كان يحتسب، ساعتها، كميوعة برجوازية مقيتة، أضف إلى هذا حلمه الجنوني بتجوال طويل في ربوع العالم سيكتفي منه، ضدًّا على أمنيته، بزيارة فرنسا والمكسيك في انتظار أن يؤوب إلى موسكو ويطلق رصاصة الرحمة على رأسه كتتويج شعري متطرف لحياته التي لم تَسَعْها الرداءة الاشتراكية واكفهِرار مزاجها.. أو لم يكن حلمه الجارف، مثلما صور في إحدى قصائده، هو أن تقوم مدينة المستقبل ستنشأ من تجاويف دماغ ألبرت أينشتاين، تعرقات سواعد المزارعين والعمال، ثم ائتلاقات خياله الشعري هو…
(١٩) Jean – Marie Schaeffer : Qu’est – ce qu’un genre littéraire ? Coll . Poétique, Ed. Seuil, Paris, 1989, p. 71.

قصيدة أحمد الملا حين تتمرد على رقابة ثقافة تعشق موتها
أيمن بكر – ناقد مصري
في عام ١٩٥٦م نشر ألن غينسبرغ قصيدته الصادمة «العويل» ليصبح واحدًا من أهم مؤسسي جيل البيت في الشعر الأميركي. ليس مهمًّا لهذه الورقة ما أثارته قصيدة «العويل» -وجيل البيت كله- من ردود أفعال اجتماعية عنيفة قادها اليمين الأميركي، وهو ما وصل إلى محاولة تجريم هذه الكتابة، ورفع قضايا على الناشر الذي سمح لهذا الشعر -الذي لا يعدو أن يكون «بذاءات» من وجهة نظر التيار المحافظ- أن يرى النور. المهم هنا هو تعبير المدرسة الشعرية السابقة عن وعي ما بعد الحرب العالمية الثانية في أميركا، لقد كانت هذه المدرسة الشعرية جزءًا من صرخة شبابية حادة، بعد الحربين العالميتين اللتين أشعلهما الكبار الناضجون سدنة التقاليد والقيم.
حاول هذا الجيل من الشعراء والسينمائيين وكُتّاب السرد نَفْضَ القُبح الإنساني الذي أغرقه، وشكّل ميراثه الدموي القريب، كأنما يقول صارخًا: أنتم أيها الكبار الناضجون مسؤولون عن عشرات الملايين من القتلى بحكمتكم الكاذبة. لقد أورثتمونا الدم، وأطلقتم أعمق ما فينا من ألم وإحباط ويأس؛ لذا سنريكم -في الطريق نحو الحرية- أقبح ما في الإنسان وأكثره جنونًا.
استخدمت تلك المدرسة الشعرية تقنيات التشظي، ومجافاة المنطق، والصور الفانتازية، والتعابير العامية الصادمة، وأصوات النواح والتأوُّه التي تبدو خالية من المعنى، إلا ما تثيره في النفس من لوعة وفزع. لكن المهم لنا هو تحول قصيدة العويل السابقة إلى مادة للسينما؛ حيث سعى صُنّاع الفِلْم الذي يحمل اسم القصيدة «Howl» إلى تجسيد تخييلات القصيدة وعوالمها الفانتازية الغرائبية في مشاهد مرئية.
هنا يثور سؤال ربما يمثل مدخلًا لتجربة أحمد الملا الشعرية: كيف أثرت السينما والفن التشكيلي في حركات التجديد في الشعر العربي؟ وكيف عبرت قصيدة النثر العربية تحديدًا عن هذا التفاعل النشط الذي يؤدي إهماله إلى استغلاق النص الشعري لدى قطاع كبير من كتابها العرب؟
* * *
يناقش سيد عبدالله السيسي في كتابه المهم «ما بعد قصيدة النثر» ضعف المرجعية الفلسفية لتيارات التجديد في الشعر العربي، وكذلك غياب العلاقة بين تلك التيارات وبين تيارات الفن التشكيلي التي واكبتها، على العكس من ارتباط قصيدة النثر الغربية بمدارس الفن التشكيلي المعاصرة لها سواء في أوربا أو أميركا. وهو رأي يمكن الاتفاق معه عامة، دونما إغفالٍ لإمكانية تفاعل بعض الشعراء مع الفن التشكيلي بصورة فردية، وطبقًا لظروف استثنائية.
وهو ما يتبدى في أعمال أحمد الملا؛ إذ تدخل لوحات الفن التشكيلي أحيانًا كجزء من جسد النص، أي كجزء من تجربة الإنتاج والتلقّي. نجد ذلك في إصداره الذي يضم عملين؛ «يوشك أن يحدث» يليه «مرآة النائم» ٢٠٢٠م، حيث تشترك لوحات الفنانة ريم البيات في صلب النص الشعري، وهو ما جعل اسمها يوضع على غلاف الكتاب مع اسم الشاعر وبحجم الخط نفسه، إشارة إلى الحضور المشترك الذي يجب علينا ألّا ننظر إليه كتجاور بين نوعين من الفنون يقوم أحدهما بترجمة الآخر أو تأويله، بل كنوع من التأليف المشترك، وهو أمر مربك على الأقل حين يحاول الباحث كتابة بيانات المرجع في الهامش.
في قصيدة «عليكما أن تجدا الشعر معًا» يهدي المؤلفان عملهما إلى شاعر وقاص من أصول لاتينية بهذه الطريقة:
To Alejandro Murguia- San Francisco.
لقد ولد أليخاندرو مورجويا في كاليفورنيا ثم تنقل بين الأميركتين ليستقر به المقام في سان فرانسيسكو مهد حركة البيت، ثم فاز بلقب شاعر سان فرانسيسكو عام ٢٠١٢م. المهم أن أشهر كتبه صدر عن دار النشر نفسها التي أصدرت قصائد ألن غينسبرغ «العويل وقصائد أخرى» للمرة الأولي وهي دار City Lights Books، التي كان صاحبها شاعرًا ضمن تيار «البيت» وهو من خضع للمحاكمة ساعتها بسبب قصيدة غينسبرغ، فهل هي مصادفة أن يهدي الملا والبيات إحدى قصائدهما إليه؟
يكشف العمل الشعري الذي أُهدِيَ لأليخاندرو مورجويا عن تضافر قدرات فنية مختلفة بحثًا عن جوهر الشعر، وهو ما يتجلى في عنوان العمل: «عليكما أن تجدا الشعر معًا». لكن يجب علينا ملاحظة اللوحة التشكيلية التي تأتي في الصفحة السابقة لبداية القصيدة. يبدأ النص هكذا: «على هذه الكلمات/ أن تصل/ دون كلفةِ المعنى/ أن تراها تتحرك في الظلام/ مغمض العينين».
الكلمات (مادة الشعر) تبدو هي الطرف الثاني في البحث المشترك عن الشعر، بحيث يكون البحث قائمًا بين الشاعر واللغة، لكنها في هذا الكتاب كله كلمات/ لغة ذات مواصفات خاصة؛ إنها تخلع عن نفسها كلفة المعنى، وتتحرك في فضاء المخيلة بما يعني أنها تشكل وسيطَ تعبير مختلفًا ذا سمات مغايرة، تُراوِح بين التصوير اللغوي والفن التشكيلي، وتقترب تشكيلاتها دومًا من سمات المشهد السينمائي الفجائي.
تأتي اللوحات التشكيلية لتبدو متوافقة مع هذا الانفتاح لدلالة التشكيل أيضًا؛ فاللوحة السابقة لهذه القصيدة على سبيل المثال تكسر الإطار وتسيل باتجاه فضاء الصفحة، كأنما تشير إلى إمكان التلاقي مع النص اللغوي كأنما هي تتصاعد منه كما يتصاعد الدخان من مصباح علاء الدين متشكلًا في صورة جِنّيّ هو الشعر، أو ربما تسيل اللوحة لتتحول هي نفسها إلى حروف/ كلمات/ القصيدة التالية.
تكتمل القصيدة في الإطار نفسه الذي يجعل من الشعر حضورًا مربكًا مزعجًا ومجاوزًا للأحرف المعتادة، وما يتشكل عنها من كلمات وجمل دالة، لكنه حضور هو ملاذ المبدع من الخوف. فتلك الكلمات/ اللغة الخاصة التي تشكل حلمًا شعريًّا تتصف بأنها تسمع بالعين ويمكن أن تُقرأَ حركاتها، إنها كلمات/ لوحات/ مشاهد تتوحد مع الذات الإنسانية التي ابتدعتها، لتصطفي هي تلك الذات بدورها كي تمنحها الأمان:
كلماتٌ تسمع رنينَها / عندما تفتح عينيك/ وتقرأ حركاتها اللا إرادية/ عليها أن تمضي بك/ وحدك من بين الجموع/ لائذًا بها من الخوف/ والرهبة».
لطالما تَشَكَّى الشعراء من ضيق اللغة الألفبائية، فهل تمثل تجربة «يوشك أن يحدث…» محاولة لاستكشاف آفاق أكثر رحابة للشعر تتضافر فيها وسائط من فنون مختلفة؟
* * *
لا يعني ضعف أثر الفن التشكيلي في مدارس الشعر العربي الحديثة، انتفاء التفاعل النشط بين تيارات التجديد الشعري العربي، وبين ثورة الصورة في السينما تحديدًا؛ وهو ما يبلوره سيد عبدالله السيسي بقوله:
…مع الثورة التي رافقت تطور تقنيات كاميرات السينما، بدأ حضور السينما في الشعر الحديث يفرض نفسه رويدًا رويدًا… وقد انعكس هذا التحول للوعي بالصورة السينمائية، التي قلنا: إنها صارت تشكل المرجعية البصرية المركزية في الوعي بالصورة وفي عمل الخيال، على تشكيلات الصورة في قصائد النثر.
لكن كيف ترتبط تجربة أحمد الملا بشعر ما بعد الحرب كما قدمه جيل البيت؟ أية حرب؟ وكيف تأثرت تجربته بالسينما تحديدًا؟ وهل يمكن أن تتحول خيالات النص الشعري لديه بدورها إلى فِلْم سينمائيّ كما حدث مع ألن غينسبرغ؟
في افتتاح القصيدة التي يحمل الديوان اسمها «تمارين الوحش» يقول الشاعر:
لم أعد متيقنًا مما رأيت/ شككت طويلًا في براعة النوم/ شككت في الليل/ أَنْهَرُ الحُلمَ بيدين عاريتين/ فزعي ملطخ / بدم لزج حار».
يحيلنا عنوان القصيدة والمشهد الافتتاحي، وما يمكن أن تمنحه القصيدة من ثمار تأويلٍ، إلى الحالة الفَزِعَة التي عاشها بطل فِلْم الذئب (جاك نيكلسون/ ١٩٩٤م)، صبيحة أن استيقظ وملأه الشك بأنه قد تحول ليلًا إلى ذئب يطارد الكائنات الحية، ويتغذى على لحمها النِّيءِ. ليست القصيدة إعادة إنتاج للفِلْم، الذي ربما لم يكن حاضرًا في وعي الشاعر، لكن الصورة التي يقدمها النص الشعري تبدو متفاعلة -شاء أم أبى- مع الحالة التي قدمها فِلْم نيكلسون.

ريم البيات
الأمر أكثر تعقدًا من ذلك؛ فالأهم من أن السينما قد منحت الشاعر المجدد مشاهد وصورًا اكتنزتها ذاكرته، أنها مددت أدوات التخييل لديه، لتشمل المشاهد المتحركة ذات الطبيعة الغرائبية التي يندر وجودها في الشعر العربي التقليدي. ألا يبدو ذلك جليًّا في قصيدة «عليكما أن تجدا الشعر معا؟».
يحدث الفارق في الرؤية والتوجه عندما نتقدم في قراء «تمارين الوحش» الذي لن يتخلى مع ذلك عن سينمائية المشهد الفانتازي. فِلْم جاك نيكلسون يضم حبكة، وصراعًا خارجيًّا لازميْنِ لطبيعة النص المرئي، الموجه لجمهور متفاوت من حيث الثقافة والقدرة على الفهم والتأويل، في حين تستخدم قصيدة الملا الصراع الداخلي وحده مادة لها، دونما نظر للقارئ الذي يتشكل لدى الشاعر بصورة لا واعية لكنها انتقائية نخبوية.
* * *
هل يمكن أن تعد القصيدة السابقة وغيرها من إنتاج الملا إعلانًا صاخبًا عما فعله بنا الكبار التقليديون؟ لقد وضعنا أصحاب الخبرات الرتيبة الرافضة لحركة الزمن في مأزق وجودي مرعب: يجب علينا ألّا نقلد الغرب، وفي الوقت نفسه نحن نرزح تحت ثقل عادات وتقاليد أدبية واجتماعية تعوق وتلوث، بتهم جاهزة وبسوء نية عبقري، كلَّ محاولات التحرر الإنساني والعقلي والفني. تبدو تمارين الوحش التي يقدمها الملا إعلانًا ذكيًّا عن الازدواج الحضاري الذي ارتاحت إليه الثقافات العربية، وقررت أن تستنزف فيه أعمار مبدعيها بالتحديد، دونما محاولة حقيقية لمواجهته. يقول أدونيس معبرًا عن الأزمة السابقة: …الشاعر العربي الحديث يرى نفسه في تعارض أساسي مع ثقافة النظام العربي، التي تستعيد الأصول تقليديًّا، ومع الثقافة الغربية كما يتبناها هذا النظام العربي ويعممها. إنه نظام يفصلنا عن الحداثة العربية، أي عن أعمق وأغنى ما في تراثنا، متواطئًا في ذلك مع الاتجاهات التقليدية المهيمنة، ومع بنى ثقافية نشأت في المناخ الاستعماري… وتتمثل المشكلة بجانبها الحاد في كون الشاعر العربي الحديث حقًّا يعيش في حصار مزدوج، تضربه عليه ثقافة التبعية للآخر، من جهة، وثقافة الارتباط الجنيني بالماضي التقليدي من جهة أخرى.
الفانتازيا التي تتحدى بها الصورة الشعرية عند أحمد الملا عقل القارئ؛ هي اقتراح لتجاوز الازدواج المفروض على الشاعر، إنها ميدان انتصار وحيد لا يمكن لبليدي الحس والمخيلة أن يقتحموه، أو أن يقفوا على شفراته التي تنتج المعنى. تنتج الصورة في قصيدة الملا مساحة تحررٍ تخلو من رقابة ثقافات تعشق موتها، وتكره أن ترى الحياة تتفتح. الصورة الشعرية، لدى هذا التوجه في قصيدة النثر العربية، موجعة ومؤلمة للخيال العاجز عن التمدد الحر لملاحقتها.
بعبارة أخرى؛ يمثل التخييل الشعري الذي يقدمه الملا إشكالية مربكة للمتلقي التقليدي، الباحث عن التشبيه المريح والاستعارات الساكنة. إنه تخييل يسهل -ولعله يقصد- أن نصفه بالغلو المزعج. يقول أحمد مطلوب في وصف الغلو البلاغي: «والغلو أحد أنواع المبالغة وقد سماه ابن طباطبا التشبيهات البعيدة التي لم يلطف أصحابها فيها، ولم يخرج كلامهم في العبارة عنها سلسًا عذبًا». هذا تحديدًا ما يتعمده كثير من كُتّاب قصيدة النثر العربية، تمامًا كما تعمده شعراء البيت. لقد أصبحت التخييلات الخشنة المغرقة في فانتازيتها ولا معقوليتها طريقًا عبّدها شعراء قصيدة النثر، كمن يعبِّر من خلالها عن تمرده ورفضه، أو كأنما هم يتبعون كلام ابن طباطبا السابق، معلنين كفرهم بالعذوبة المكرورة والسلاسة الخاملة.
يمثل أحمد الملا شريحة مهمة متمردة حيوية بصورة كبيرة من شعراء التجديد الشعري العربي، الذين اختاروا قصيدة النثر مضمارًا لتجاربهم؛ إذ سنجد حالة العنف التصويري الفانتازي الصادم، القادر على تشكيل مشاهد حركية مربكة وجريئة، عند مجايليه في الثقافات العربية على تنوع تفاصيلها، ولنتأمل تجارب زكي الصدير (السعودية)، فتحي أبو النصر (اليمن)، مؤمن سمير (مصر) على سبيل المثال؛ لذا يبدو أن تجارب الملا ومجايليه قابلة لأن تتحول إلى مادة سينمائية، بالمنطق نفسه الذي تحولت به قصيدة ألن غينسبرغ «العويل»، ليصبح التفاعل في الاتجاهين بين قصيدة النثر والسينما.
لكن ماذا عن حضور الحرب؟ سيشعر من يتأمل الشعر العربي الحديث، قصيدة النثر خاصة، بأننا ثقافات لم تزل عالقة في أزمة ما بعد الحرب، وليس المقصود هنا الحرب العالمية الثانية التي لم نكن أكثر المتضررين منها، لكن الحرب بالمعنى الوجودي الشامل، حرب لا تنتهي ولا تسمح بإعلان فائزٍ. نحن عالقون فيما بعد حرب الاستقلال الوطني، وما بعد حروب التحديث الشائه غير المنجز، وحروب تشكيل الهوية الملتبسة غير القادرة على الانسلاخ من الماضي أو الوفاء بمتطلباته المستحيلة.
جميع الداعين إلى حرية الفكر والإبداع هم ضحايا حرب شرسة لا تتوقف مع الفكر الرجعي المتزمت، الحالم بعودة موهومة إلى أزمان انقضت؛ فهل يمكن أن تكون قصيدة النثر العربية هي المعادل الإبداعي لحركات الشعر والفن التي تلت الحرب العالمية في أميركا وأوربا، في تعبيرها عن حروب مكرورة نخوضها بمنطق دون كيخوته؟ تساؤل مفتوح للمناقشة.
هوامش:
(١) Allen Ginsberg, Howl and other Poems (San Francisco, City Lights Books, 1956).
(٢) لا توجد ترجمة عربية لاسم مدرسة شعر البيت Beat Poetry ولا لجيل البيت Beat Generation؛ إذ تتضمن التسمية ظلالًا كثيفة ومتداخلة من معانٍ مختلفة، مثل: الإرهاق، والإحباط، والفوز، ومجافاة الواقع، والروح الجميلة، والإيقاع. لقد مثل جيل البيت حركة شبابية في الموسيقا والشعر والسينما غيّرت بصورة كبيرة من الثقافة الأميركية في وقتها بتمردها على عالم الكبار الممل وادعاءاته الأخلاقية الزائفة، وطرائقه في العيش وإدارة الثروة… إلخ. يراجع حول جيل البيت:
Jamie Russell, The Beat Generation (Great Britain, Pocket Essentials, 2002), 7.
(٣) ظهر الفِلْم الذي يحمل اسم القصيدة Howl عام ٢٠١٠م، من سيناريو وإخراج: روب إبستين، وجيفري فريدمان.
(٤) سيد عبدالله السيسي، ما بعد قصيدة النثر: نحو خطاب جديد للشعرية العربية، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ٢٠١٦م.
(٥) شعر أحمد الملا، رسوم ريم البيات، «يوشك أن يحدث» يليه «مرآة النائم»، تونس، مسكيلاني للنشر والتوزيع، ٢٠٢٠م.
(٦) لاحظت أن الثيمة الأساسية للوحات ريم البيات في هذا الديوان هي كسر الإطار أو التخلي عنه تمامًا، لينفتح التشكيل التصويري على بياض الصفحة بالطريقة نفسها التي توحي بأن أحد التشكيليْنِ يسيل صانعًا الآخر: التشكيل اللغوي والتشكيل التصويري. يراجع العمل السابق صفحات: ٢٢، ٣٨، ٤٨، ٥٦، ٧٢، ٩٤، ١٠٢، ١٠٦، ١١٤، ١٢٨، ١٤٠، ١٥٤، ١٥٨، ١٦٤، ١٧٨، ١٨٢، ١٨٨.
(٧) سيد السيسي، المرجع السابق، ١٥٠- ١٥١.
(٨) أحمد الملا، تمارين الوحش، بيروت، منشورات الغاوون، ٢٠١٠م، ٢٢.
(٩) أدونيس، الشعرية العربية، بيروت، دار الآداب، ط٢/ ١٩٨٩، ٨٧.
(١٠) أحمد مطلوب، معجم المصطلحات البلاغية وتطورها، بغداد، مطبوعات المجمع العلمي العراقي، ١٩٨٧، ج٣، ٩٧.

عندما يكون الشعر آخر المرايا
عبود الجابري
«الوصفة التي خطَّها الطبيب، لم أجرؤ على صرفِها، وضعتُها إلى جانبِ قصائدَ خرِبة، حينها عرفتُ لماذا يصرُّ الأطباء على خطِّ ما لا يُقرأ، كما الشعراء عندما يفسُدُ الشعر في أيديهم ولا ينفع معه علاج». يكتب أحمد الملّا القصيدة كمن يكتب عن صديقٍ بعيد، وهذا النوع من الكتابة يحمل تفاصيل الوقت المفقود، فهو مفضوحٌ بشقيه الريفي والمدني، يتنقل بينهما بخطى مترددة وعين تلتقط الصور، تحملها في حقائب اللغة لتعقد بينهما مقارنات شعرية موجعة: «شدّتني شجرة من كتفي؛ أخّرتني لحظة عن دهسي بشاحنةٍ متهوّرة… طوال النهار تخيلت دمي ذاهلًا على الشارع، صرخات تبقّع الرصيف. ورأيت فزعًا يتنبّه قليلًا ويكمل غفلته».
تلك المقارنات التي أفضت به إلى وضع سيناريوهات مطوّلة لحياته وحيوات أصدقائه والمدن والقرى التي مرّ بها عابرًا أو مقيمًا، ويبدو ذلك واضحًا في تحوّله من كتابة النص الذي يومض بقصره وحدّة لمعانه والتكثيف الذي يسكن مفاصله كما يرد ذلك في مجموعته «تمارين الوحش» نحو النص الأطول، النص المحمّل بإضاءة المكان، وحركة الكاميرات، وزحام الشخوص، وكلاكيت العناوين الجارحة، فيما يتولّى الملّا مهمّة أن يلصق مقطعًا من النص على صدر كلّ عنصر من هذه العناصر، ولا تجد في بنية نصوصه ما هو مهمل أو موضوع بقصد الحشو، فالدبوس الضئيل يدمي في نصوصه بالقدر الذي يُحدِثه الرمح من نزف:
«لو نطقتُ بما لا يُفهم،/ لو أفلَتَ عقال الغامض،/ لتعقّبته كلابُ الصيد،/ يُقاد من رقابه، عاريًا بلا قناع».
وهذا القناع الذي يتوارى خلفه الشاعر أو نصوصه لا يبدو بأية حال من الأحوال متعلّقًا بسمته الشخصي، فهو ليس ذاتيًّا على الإطلاق وإنما هو تصوير ثلاثي الأبعاد، يقوم به سائح عارف بتفاصيل الشوارع التي يمرّ بها عابرًا أو ساكنًا، وفي لحظة سكينة شعرية أو فاصل نفسي يبرز صوت الشاعر بشكل غير محسوس لكنه يعلو في النص كما لو أنّه صرخة ناي جريح؛ كي يشير إلى ذاته التي تتنقل وسط ذلك الزحام ذاته والتي تريد أن تخبرنا أنّه هنا، وأنّه لا يقود تلك الجموع وحسب، وإنما هو فرد من الرهط يوجعه أنّه يملك ما لا يملكه الآخرون من القرائن على فساد العالم :
«سأموتُ بشَعْرٍ طويلٍ/ ولحيةٍ كَثَّةٍ بيضاء/ في مغارةٍ عالية،/ فلا حاجة إلى كَفَن/ أو قبر».
إنّه يتحدث عن الموت رديفًا للحياة الناقصة، وعن الحياة كما لو أنّها جرح ناقص لا يلتئم، ولا يودي بك إلى الموت، يكتب عنه كمرآة ينقصها كثير من الزئبق الذي يتولّى منح الناظر إليها صورة واضحة: «ابحثْ عن صديقك،/ لم يخرج من غرفته منذ يومين./ فتّشت عنه لم أجده./ عدت بها إلى غرفته. سريرُهُ مقلوب/ ورأيت ثياب نومه مكوّمة على الأرض أمام مرآة كبيرة لم تكن موجودة من قبل. وكأنما لمحته فيها، ضحكتُ في سري ودمعتْ عيناي».
شاعر عراقي
الصوت والكلمة
محمود عبدالغني
أحمد الملا شاعر يعبر عن كل شيء بالصوت، وعن كل شيء بالكلمة. في القصيدة لا يمكن التعبير عن الشيء من دون صوتيات. تسمع الشيء والفكرة، وإذا لم تفعل لا بد أن تكون موضوعًا للتوبيخ. إذا أراد الشاعر أن يستمر الصوت، لا بد أن تكون الكلمة قوية. كيف يولد شاعر مثل هذا؟ إنه الشاعر غير القادر على الكلام، الذي يجد نفسه عاجزًا عن الكلام، وهو يخوض مغامرة العالم الغريبة، فيتكلم، وفي هذه الحالة يتكلم ويصوت ما دام قد وجد نفسه مجبرًا على الكلام. لقد كان يخبئ صرخته، وحين أُجبرَ صرخ: «خبأتُ صرختي لمزيد من الندم/ لم أفلتها سهوًا/ عضضتُ عليها/ ولن أفرط في إطلاقها».
كيف نسمع صوتيات وأصوات القصيدة؟ سلامة الكلمة والقول هما اللذان يضمنان ذلك. هناك سؤال آخر أهم من السابقين، بل هو منجمهما العميق: كيف يحدث التزاوج العظيم بين الصوت والكلمة؟ إنها موهبة الشاعر. الموهبة عامل صغير لكنه مثالي، لا أحد يتحدث عنه. الشاعر يضبط نفسه ولا يتكلم (لا يصرخ)، لكن حين تأتيه الكلمة من بحيرة مجهولة، يطلقها، يطلق القصيدة، وحين تسمعها تبقى تنصت مذهولًا إلى صوت عتيق يتدفق:
«وأرسلها عبر جملة قصيرة/ ممهورة بصوتي».
وبعد ذلك؟ كل شيء ينحني للصرخة.
* * *
قصائد أحمد المُلا هي نص سيري؛ لذلك فانتماؤها للناس، وانتماء الناس إليها سهلٌ جدًّا. بل إذا تُدُووِلتْ على نطاق واسع (طبعات، قراءات، نقد، تداول…)، ستحصد في كل مرة جمهورًا جديدًا، فمثل هذا الشعر يحتاجه الناس في سنوات الكساد الاقتصادي، والإفلاس السياسي، والتدهور الاجتماعي والقيمي. إننا نعيش في زمن كما لو أنه سنوات تلت الحرب مباشرة. (اقرأ قصيدة «ما أبحث عنه» من ديوان «يوشك أن يحدث» وقصيدة «اتجاه الحيرة» من ديوان «ما أجمل أخطائي»).
هناك نوع من الفنائية في مجموعة «ما أجمل أخطائي». كل شيء نخافه هو داخلنا. حملناه معنا: «الفزع في جلدك/ الفزع في رئتيك/ حملته فيك…».
هنا تعود إمكانية البقاء والكلام إلى درجة الصفر. نحن كمتحدثين مهددون بالخرس، سنكتم كلماتنا، سنعجز عن القول. وذات يوم سيحدث الانفجار الكبير، حسب تعبير علماء الأرض، وسيتحدث (سيصرخ) الشاعر، فتعود أصغر كلماته إلى الصوت والفعل.
* * *
أحيانًا يكون لانعدام الكلام أهمية تساوي الكلام. في الأولى نحن في جزيرة من الهدوء، وفي الثانية في أرخبيل متكلم مليء بالصوتيات والكلام. من يستحق وَهْبَه هذه الطاقة؟ الذات التي هي في حاجة دومًا إلى البطء والسرعة.
نحن لا نرى ما نراه: «حتى طرق نافذته/ هدهد بمنقاره/ وطار قبل أن يراه».
أليغوريا، بما هي نظام من العلاقات بين عالمين، ومفارقة سامع الصوت من دون رؤية من يُحدثه، رغم أننا حاضرون بكل حواسنا ويقظتنا؛ إنها إحالة إجبارية على كائن يحمل الأخبار.
الشاعر أحمد الملا، هو صانع كل هذا.
شاعرٌ وكاتبٌ مغربي

يريد لكلّ شيءٍ أن يتباطأ لبرهة
أكرم القطريب – شاعر سوري
لا يمرّ نصّ أقرؤه للشاعر أحمد الملا إلّا يؤكّد لي أنّه ليس من الصعوبة تقدير مكانة دقته الشديدة في صياغة قصائده، فأنصتُ هادئًا لتلك الحداءات الطويلة التي ميزت أسلوب كتابته البطيئة، المفردة، والآتية من عزلة أكيدة. هذا الشعر يركن في تلك السهوب ويعيث فيها متواليات ومناجاة لا تنتهي لجمال غائب مذهل لا يراه، حتى في غنائيته الشريدة، التي لها صلة حثيثة بالمكان، تراه يذوي بعيدًا منه.
سأقول: إنّني لستُ في وارد تقديم حكم نهائي لهذه القصيدة، التي تذوب وتتلاشى فيها أصوات عديدة وتنجرّ في ثناياها مشاهد مكسرة تتناثر في صحراء المجاز: أرض متحللة، يباب، مدن ووجوه تذهب في العدم، إشاراتها التاريخية وظلال أشخاصها غير المرئيين. غموض ومناداة وخفقان القلب، تعاويذ اختفاء العالم، إلى تلك الرافعات الضخمة، تبنى مدينة ليست موجودة إلا في الحلم. صوت العابر الذي يلحق بالنهايات. تلتفتُ مفتونًا لثراء اللغة والسرد المقتضب الذي لا يبهت، إنما يتركك تنتبه إلى ما ينهار خلف الكادر، إلى أهوال العرافين. من الصعب تجاوز تلك السطور القليلة من دون أن نلمح المؤثرات الثقافية والبصرية وبعض القطع قصيرة النَّفَس، الآتية من صوت بشري يتعذب وينتشي فقط من مجرّد كلمات يريد أن يكتبها.
مرة واحدة بما يكفي وكأنه يريد لكل شيء أن يتباطأ لبرهة، فكيف نفسِّر هذه القصائد بأن نركن إلى تفسيرات السرد التي لا تستطيع أن تقف في وجه هذه الحماسة، وهي تمتلك أصل حزن كل هذا الشعر، وما يمكن أن يفعله وحده، أن يعلمنا ضرورة اكتشاف ما وراء هذه النداءات، بينما يرمّم جسر الاختلافات بيننا، ويردّ
الجميل للخيال.
تمارين ومسودات تجمع كل هذه الدواوين التي كتبها في قصيدة واحدة، مقطّعة ومبوبة إلى عناوين، يربطها خيط واحدٌ واهٍ وروابط رمزية، ليست مجرد نثر أو مثالًا للتعايش الرومانسي، إنما كتابة قد تنقذ حياة شخص ما، فاللغة، والأصوات، والمكان… كلّها ثيمات تشرح قوة الشعر الغامضة الذي من دون شك، وبكثير من الشجاعة، بقي يحب الظل.
إنها لغة أحمد الملا، ابن الجزيرة العربية، لغة منفى وفَقْد، غير مرجحة إلا لشاعر مثله.
الإتيان بعالمٍ والانقلاب عليه بآخر
بهاء إيعالي
من غير الممكن حصر تجربة أحمد الملا في مسارٍ شعريّ واحدٍ، فالشاعر السعوديّ ابن الأحساء يحاول أن يتعامل مع الكتابة على أنّها أشبه بالتمارين والرياضات الروحيّة للتأمل، فيلج في ماهيّة الأشياء، كلّ الأشياء التي لا يتورع عن الاغتراب منها، ليصل إلى نتاجٍ شعريّ واسعٍ لا يعيد إنتاج ما سلف، ويروي ما ألمّ به من عطشٍ لترك علامةٍ فارقةٍ حادةٍ في الشعر.
هذا النتاج لطالما أدهش الشاعر القارئ بجديده لا بتجدّده، ففي العودة إلى مجموعته «سهم يهمس باسمي» نجد أن النص ينسحبُ نحو لغةٍ هادئةٍ خفيفةٍ تكرّ كسواقٍ صغيرةٍ في عوالمَ صوفيّةٍ روحانية، صوفيّة تسحب الشاعر معها بحضوره وأشيائه الماديّة الحسيّة لتروحنها وتقيم لها كياناتها الرمزية المتحدّثة بأصواتٍ خفيضةٍ هامسةٍ تبتعد موسيقاها من الحضور الخارجي، وإن أرادت الخروج فخروجها صامتٌ هامسٌ وخفيف، تمامًا حين يقول: «لن يطلع صبح من خزانتك/ لا بئر تنبع في جدار/ ليست عناقيد تتدلى من السقف/ أو شجرًا هائمًا في الزجاج».
هذه اللغة الهادئة لا تلبث إلا أن تنقلب على نفسها، لتشفّ عن قسوةٍ حادّةٍ في مجموعته «تمارين الوحش»، فتجد الشاعر يفرج عن ضراوة الكائن المتواري فيه ويندفع الأخير لتخريب العالم الخرب أصلًا، ولربّما جاء هذا الإفراج بعد أن عجز عن لجمه وترويضه ليتماثل ووحشه ويتقمّص دوره، فنجده يقرّ بالتناقضات فيه ولا يحاول أن يخفيها: «شككت طويلًا في براعة النوم/ شككت في الليل/ أنهر الحلم بيدين عاريتين/ فزعي ملطخٌ بدمٍ لزجٍ وحار…».
ولعلّ الغاية المضمرة من هذا التخريب هي تكوين وجودٍ جديد من دون حطام القديم، فالوحش ومهما استشرست ضراوته ففيه تلك الطفولة الصادقة التي تعطيه جانبه الإنساني، هنا يأتي دور الأنثى كمروّض فعليّ لجنوح الوحش المتطرّف وضراوته، فيبدو وكأنّه قد عاد طفلًا جراء حضورها: «كم أحب التفاصيل وأشمّها/ أتحسس بحنان الواله/ لن يدعك تحطّين قطعةً قبل أن يمسح مكانها بملطّف…».
هذا الانقلاب الحاد في عوالم أحمد الملا، ليس إلا رغبة دائمة منه بعدم ارتداء ألبسته نفسها، وكأنّه لا يرغب في الإبقاء على الفِلْم البطيء لحياته المستعملة، بل يحاول أن يجعل من حياته تجددًا دائمًا بأفلامٍ متفاوتة السرعة.
شاعر لبناني

أثر العين
طارق الطيّب
لقائي الأول بالشاعر أحمد الملا كان قبل شهور في مهرجان «ميديين» العالمي للشعر في كولومبيا، الذي يُعدّ أكبر مهرجان شعري عالمي في أميركا الجنوبية، ضم في تلك النسخة ما يزيد على مئتي شاعرة وشاعر من العديد من أنحاء العالم.
رغم أنه كان لقائي الأول وجهًا لوجه بالشاعر ابن الأحساء في شرق السعودية، فإنني شرعتُ من فوري أفتّش في ذاكرة الأزمان، التي سبقت مولِديْنا، أينَ التقينا من قبل؟ فالعين لم تعد تستغرب العين التي لاقت، بل أحسّت بأن تاريخًا أزليًّا أقدم بكثير من هذا اللقاء الفاتن قد سبق.
ولأحمد الملا حضور لافت بين الناس، بطبيعته البسيطة الأصيلة الموروثة وابتسامته الآسرة التي تجذب الجميع إليه. في لقاءاته العديدة ضمن هذا المهرجان بالجماهير العريضة المتعطشة للشعر، أبدع الملا بقصائد عميقة وبصوت عربي خلاب، مزج فيه قصائده مع عازف موسيقيّ محترِف، مما أضاف بهجة إضافية لجمهور متفاعِل مرحِّب هامَ به، فصار نجمَ الافتتاح والختام.
في كولومبيا أهداني الملا ديوانه «كتبتنا البنات»، هذا الديوان البديع الذي قرأته في كولومبيا مرةً، وأعدت قراءته في فيينا مرةً أخرى. ديوان تبرز فيه -من وجهة نظري- تجربة الوجدان وحس الطبيعة بصفاء، مقارنة بديوان «تمارين الوحش» الذي تتجلى فيه تجربة الوجدان والوجود الحسي بجلاء أيضًا؛ ففي «كتبتنا البنات»، تبرز جدلية الحياة والموت عبر سؤال الحنين في قاموس ثريّ لشاعر منشغل بالطبيعة: بالبحر، والتلال، والشجر، والورد، والجبال، والغابات، والطين، والجليد، والصخر، والملح، والشمس، والليل، والظل، والجنة، والنار، والغيم، والسناجب، والغربان، والطير، والفخاخ، والعاج والريش.
شاعر منشغل بالمرأة القريبة التي يعرفها في: زعفران الأم، وكهرمان الجدة، وسند الأخت، وأحلام البنات. متأملًا الندوب والتعاويذ والابتهالات والأضرحة، مدركًا أسرار الغزاة والرعاة، صاعدًا للأعالي وهابطًا أيضًا للأعالي حين يحدثك عن القهوة أو عن كتاب في مكتبة.
يقول الملا في قصيدته «وقصصت رؤياك» في ديوان «كتبتنا البنات»: «أما بعد/ فأكلتنا الحروب حربًا حربًا/ لا سجّيناكَ بثوبك/ ولا نفضنا التراب عن جبينك/ (…) امرأة آوتك من التيه/ اصطفتك من بين الطارقين وأغلقت الباب./ امرأة نسجت لك الليل/ أشعلته وقرّبت الكتابَ بين يديك/ امرأة وضّأتك بالضوء/ امرأة وضعت لك ووضعت عليك./ في غيابك تغيبُ ولا نرى نارها إلا في أول البشرى».
يكتب أحمد الملا عن ثمرات ناضجة بأسلوب رزين متأمل وهذه مزيته التي تلازمه.
* * *
في الديوان الثاني الذي قرأته لأحمد الملا «تمارين الوحش» تعلو تجربة الوجدان والوجود الحسي، وتنقلنا لسؤال الحياة ببصيرة المتأمل والعازف في آنٍ؛ المتأمل في التجربة الشعرية والمبتعد من القصيدة الشعرية الكلاسيكية والمتمسك بقيمة التراث من دون قيد أو سَجْن، فهو عازف لأنه شاعر لا يهدر وقته في الدفاع عن قصيدته النثرية بحروب خارجها، وإنما يكتبها بخير وسيلة للدفاع عنها.
يقول في قصيدته «فِلمٌ بطيءٌ لحياةٍ مستعملة» في ديوان «تمارين الوحش» ملخّصًا عينه الفنانة الثاقبة التي ترى مدى الأفق: «(…)/ لا أشتهي صورةً ذابلةً/ لحياةٍ اهترأتْ/ من شدّةِ الاستعمال».
ويقول في نص «هيوستن: شهواتٌ مُصَفّدة»: «(…)/ كنتُ الكأسَ،/ ملآنةً برَهافةِ السُّكْرِ/ وانكسرتُ./ زُجاجتي زَلّتْ من فوقِ رفٍّ مُهْمَل،/ سَليلةَ صحراءٍ مُتْرَعَةٍ بنَواعِمِ الرِّمال./ (…)/ كُنتُ البدويَّ/ في الصَّمّان،/ والذِّئبَ الجريحَ في الرُّبعِ الخالي،/ بيني وبين النجوم، نَسَبٌ ورِفقةُ حُدَاء».
أحمد الملا شاعر واسع الرؤية عميق البصيرة، ولا غرابة في الأمر فالرؤية البصرية منحة وهبة امتلكها منذ مولده ويسعدنا بنقلها لنا شعرًا.
شاعرٌ وروائي سودانيّ
صحراء شاسعة في كفّه
عاشور الطويبي
«ليتنا استطعنا/ تأويلَ أحجارِنا/ ولم يكن الرحى تفسيرَنا الوحيد./ ليتنا أطعنا/
نفرةَ الجسد وصراحتَهُ الجارحة»؛ أحمد الملا.
* * *
«شاعرٌ يتلو واقفًا/ قصائدَه في مقبرة، كلَّ صباح./ يهمسُ أحيانًا في الرمل/ وعلى كل حجرٍ، يغنّي/ ويرقّقُ القول./ يتخيّلُ أشجارًا/ ولا يكرّرُ لونَ
وردة»؛ أحمد الملا.
* * *
«صحراءُ شاسعةٌ في كفِّه»؛ أحمد الملا.
* * *
كيف لشاعرٍ يحمل الصحراء في كفّه، أنْ يأخذ قفزته العظيمة بين حجر وبحر؟ كيف له وهو يغرس جسده بين جبل ووادٍ غير ذي زرع، أنْ يشهد طيران شهقته في فضاء الكون؟ كيف له وهو المسافر أبدًا في القرب والبعد، في السابح والطائر من لذائذ الحياة ومراراتها، أنْ يُبعد بين أوتار اللحن الخالد الملقى في مفازة الروح؟ كيف له، وهو الذي نسج من موج الكلام رداء القلق، أن يسكن في باطن كفّ اليقين؟ كيف له، وهو الذي سرق نار اللحظة، أنْ يخبئ نضارة القصيدة في عين الصقر؟ كيف له، وهو الراكض في مضمار الفتوّة، أنْ يمنح التيه أسماءه الجديدة؟
الخطوات التي ليست له، لدبيب الأرض. الخطوات التي له، لا يراها غيره، وهو الهارب أبدًا منها! «هب لي سبيبة خيل أقبض بها على الزلزلة العظيمة» يقول وهو يلوّح بيده إلى كائن يحرث حقل ورد.
أحمد الملا، وشعراء من جيله وجيل بعده، جوابون في أرض الشعر وسمائه، زادهم مخيلة لا تتعب وأيدٍ لا تتوقّف عن الحفر في ملكوت هذه التي نسميها: القصيدة/ الروح!
طوبى له ولهم.
شاعرٌ ومترجمٌ ليبي