أزمة الغذاء العالمية: الجوع في مرايا الأدب

أزمة الغذاء العالمية: الجوع في مرايا الأدب

عالَم‭ ‬عربي‭ ‬غير‭ ‬آمن‭ ‬غذائيًّا

منعم‭ ‬الهيتاوي ‬باحث‭ ‬عراقي

الأمن الغذائي يتطلب توفير أربعة شروط: الأول أن يكفي الغذاء الاستهلاك، والثاني هو نوعية هذا الغذاء، الثالث مراعاة إمكانية المستهلك المالية للحصول على الغذاء، والرابع هو الاستقرار في الطلب على الغذاء. هذه الشروط التي يمكنها أن تحقق الأمن الغذائي في العالم العربي غير متوافرة أو متوافرة بنسب معينة. مثلًا قد يتحقق شرط الكفاية لكن ليس بالنوعية المطلوبة أو عدم الاستمرارية، فبالتالي العالم العربي غير آمن غذائيًّا حتى من قبل حرب أوكرانيا.

تعد روسيا أكبر مصدِّر للقمح في العالم بـ 37.3 مليون طن سنويًّا، في حين تأتي أوكرانيا في المركز الرابع بـ 18.1 مليون طن سنويًّا، ومعظم الدول العربية التي يعد فيها الخبز غذاءً رئيسًا تعتمد بشكلٍ رئيسٍ على واردات القمح من روسيا وأوكرانيا. ففي عام 2020م، على سبيل المثال، شهد استحواذ الدول العربية وحدها على نحو 11% من صادرات القمح العالمية، واستيرادها نحو 13.165 ألف طن من القمح من روسيا، وهو ما يشكل نسبة 35.3% من مجمل صادرات أحد طرفي الأزمة من هذا المحصول الإستراتيجي، ونحو 7.598 ألف طن من أوكرانيا، وهو ما يمثل نسبة 42.1% من مجمل صادرات طرف الأزمة الآخر.

أثرت الحرب الروسية الأوكرانية كثيرًا في الأمن الغذائي العربي من جوانب عدة: الأول هو أن العالم العربي يعتمد اعتمادًا كبيرًا على روسيا وأوكرانيا في استيراد الحبوب، فقلت الكميات المستوردة مع زيادة الطلب المحلي، وهو ما جعل هناك فجوة، وبالتالي ارتفعت أسعار الغذاء. من جانب آخر: تأثرت سلسلة التوريد العالمية لمدخلات الإنتاج، سواء الأسمدة أو الأعلاف أو غيرها؛ بسبب تغيير الطرق وتعرقل الإمدادات وتأخر وصول بعض السلع، وهو ما أدى إلى ارتفاع أسعار عناصر الإنتاج، فارتفعت أسعار السلع المنتجة، وبالتالي ارتفاع أسعار الغذاء بارتفاع أسعار القمح والذرة بحدود 48%، وهو أكثر من أسعارها قبل الحرب الروسية الأوكرانية وتأثيرها في الأمن الغذائي.

وقد تباينت الدول العربية في تأثرها بالأزمة الأوكرانية اعتمادًا على ثلاثة عوامل هي: نسبة الاعتماد. مثلًا تونس تعتمد اعتمادًا كبيرًا على القمح الروسي والأوكراني، فأكثر من نصف طلبها يأتي بالاعتماد عليهما، وكذلك اليمن التي تستورد منهما مليوني طن من القمح. هشاشة الوضع في بعض الدول مثل اليمن ولبنان اللذين تأثرا ليس بسبب اعتمادهما الكبير، ولكن بسبب وضعهما الحرج الذي لا يحتمل. الدول النفطية، التي لديها دخل قومي مرتفع يمكن أن تأتي ببدائل أو تذلل العقبات سريعًا. فضلًا عن أن الحرب الأوكرانية زادت من أسعار النفط، فاستفادت الدول المصدرة من هذه الزيادة وضاعفت من إيراداتها، مثل قطر والسعودية والكويت وكذلك ليبيا والعراق. كما تأثرت وفقًا لطبيعة الزراعة في البلدان العربية، ووفقًا للعامل السكاني بها.

ومن المعروف أن الاقتصاد العربي ضعيف، وفي أغلب الأحيان أحادي الجانب؛ وهو ما يجعله عرضة أكبر للصدمات، فيتأثر بها بنسبة كبيرة. وأزمة حرب روسيا وأوكرانيا تزامنت مع تغيرات مناخية كبيرة، وشح الأمطار وقلة الحصص المائية؛ فأدت هذه المشكلات إلى ضعف الإنتاج الزراعي وتقليص المساحات المزروعة، فلم تستطع هذه الدول عبر استخدام الجانب الزراعي تقليل ضرر الحرب، بل على العكس انعكست آثار الحرب على ارتفاع أسعار المدخلات، وبالتالي ارتفاع أسعار الغذاء.

في العراق مثلًا تزامن مع الأزمة تغير سعر الصرف، وهو ما نتج عنه اختلالات هيكلية ومناكفات سياسية انعكست سلبًا على واقع الأمن الغذائي، على الرغم من تحسن أسعار النفط وتحقق وفرة مالية، وفي لبنان ظهرت الأزمة الغذائية نتيجة الوضع المالي المتردي الذي تعانيه الدولةُ منذ عقود، ثم تفاقمت لسببين: الأول أن القضية السورية التي أدت إلى لجوء 1.5 مليون سوري إلى لبنان، غالبيتهم يحصلون على مساعدات من برنامج الأغذية العالمي. والثاني أن الحرب الروسية الأوكرانية أدت إلى ارتفاع أسعار جميع المواد الغذائية ولا سيما الحبوب، وقد بلغت واردات الحبوب خلالها 354 مليون دولار، أي ما يعادل 28% من الواردات الكلية. وهذه نسبة عالية تشير إلى أهمية هذه المشتريات في التجارة الخارجية والأمن الغذائي. وبلغت واردات الحبوب من أوكرانيا 227 مليون دولار عام 2021م، وبذلك تحتل أوكرانيا المرتبة الأولى في واردات الحبوب، حيث تسهم بنسبة 64% منها. أضف إلى ذلك الاعتماد على أوكرانيا في شراء زيت الطعام واللحوم بمبلغ 71 مليون دولار.

كما أثَّرت الحرب الروسية الأوكرانية في مصر في الميزان التجاري الذي يُسجِّل عجزًا مُزمِنًا، وسيرتفع هذه السنة ارتفاعًا كبيرًا. أما تداعيات هذه الحرب على الميزان التجاري في مجال الطاقة فهي ليست إيجابية كالعراق، وليست سلبية كلبنان. التأثير إيجابي من جهة صادرات النفط والغاز، وسلبي من جهة واردات المنتجات النفطية. وبسبب تعادل الصادرات مع الواردات البترولية يصبح التأثير الإيجابي للحرب معادلًا تقريبًا لتأثيرها السلبي. وتعاني مصر الارتفاعَ المستمرَّ للديون الخارجية. وسجَّل ميزان المدفوعات عجزًا هائلًا، فأدَّت الحرب إلى تفاقم هذه الأزمة، وبات من اللازم اللجوء مرة أخرى إلى دول مجلس التعاون الخليجي لطلب المساعدة، ومن ثم قدمت السعودية وديعة مصرفية بقيمة خمسة مليارات دولار بتاريخ 30 مارس/ آذار 2022م. كما تتوقع القاهرة الحصول على ودائع أخرى من الدوحة وأبوظبي والكويت.

إن الأزمة الروسية الأوكرانية تمثل تهديدًا جديًّا ووجوديًّا ومباشرًا للأمن الغذائي العربي، وهو ما يستدعي حلولًا عاجلة لتقليل تبعات هذه الأزمة إلى حدها الأدنى، وأخرى طويلة الأمد لتفادي تكرار آثارها. ولعل الدرس المستفاد الأول هنا هو إعادة تعريف مفهوم الأمن القومي العربي، وتضمينه الأمن الغذائي بوصفه أحد مكوناته، وإعادة الاعتبار لمفهوم الأمن الغذائي العربي الذي طالما كان الحديث عنه من باب الرفاهية.

ضرورة التكامل

تواجه الدول العربية نقصًا حادًّا في العديد من السلع الغذائية في ظل التزايد السكاني المضطرد في المنطقة العربية. وبما أن معظم دول العالم قد اتجهت إلى إيجاد كيانات مرتبطة ببعضها الآخر اقتصاديًّا، وذلك للتمكن من الإنتاج الكبير الذي يلبي طموحات واحتياجات شعوبها في المقام الأول تكامليًّا، مستفيدة في ذلك من مناطقها الجغرافية المتاخمة لبعضها الآخر، ورسم سياسات اقتصادية تقدم فيها الدول المتكاملة بعض التنازلات القطرية من أجل تحقيق المصلحة القومية لدول الاتحاد أو التكامل، بل التزمت دول المجموعات المتكاملة، بالنظم والتشريعات الاقتصادية الصادرة من دول الاتحاد أو التكامل، بتفعيل دور المؤسسات التشريعية والاقتصادية التي تبلورت بين دول المجموعة، وذلك بغرض زيادة الإنتاج الغذائي، ورفع مستوى معيشة شعوبها، ومواجهة التنافس العالمي، والحفاظ على استقرار أسعار السلع الغذائية؛ لذا يجب على الدول العربية أن تغطي عجزها من داخل المنطقة العربية وليس من الخارج؛ لأن الارتباط بالخارج يجعل هذه البلدان ضعيفة أمام أي صدمة، وبالتالي يتأثر اكتفاؤها أو أمنها الغذائي.

والدول العربية تمتلك إمكانات هائلة لتحقيق الاكتفاء الذاتي، فهي تمتلك أرضًا واسعة وخصبة ومتنوعة المناخ، ولديها عمالة ماهرة ومتنوعة، وتمتلك رأس مال قويًّا وكبيرًا، فضلًا عما تمتلكه من مياه. ولا بد للدول العربية مجتمعةً من زيادة الإنتاج والإنتاجية لمحاصيل الغذاء الزراعية، التجارية والتقليدية، والاستفادة من المزايا النسبية لإنتاجها في المنطقة العربية، وذلك عبر الاستغلال الأمثل والأكفأ للموارد الطبيعية العربية المتاحة (وبخاصة مَوْرِدا المياه والأراضي الزراعية الصالحة للزراعة)، وتوطين التقنيات الحديثة في المجالات الزراعية عبر تبني سياسات وبرامج تنموية رأسية وأفقية، وتطوير النظم التسويقية، وتسهيل حرية انتقال الخبرات والأيدي العاملة والسلع والخدمات بين دول المنطقة، ورفع القيود الجمركية والضريبية المقيدة للاستثمار العام والخاص؛ لتشجيع القطاعين العام والخاص للاستثمار في القطاع الزراعي، وزيادة الإنتاج رأسيًّا وأفقيًّا، وذلك بالاستفادة من الميزة النسبية في إنتاج بعض السلع الغذائية الرئيسية، ومن ثم تحقيق الاكتفاء الذاتي وفوائض تصدير تدرّ عملات أجنبية، تمكنها من توفير التقنيات الحديثة، التي تسهم بصورة فاعلة في تطوير العمل الزراعي، وزيادة الإنتاج والإنتاجية للأرض الزراعية بالمنطقة العربية، وفي عمل مخزون إستراتيجي يستخدم في أوقات الأزمات والحروب، وتمكين التجارة الإقليمية، والانتقال من الاستجابة القصيرة لأزمة الحرب إلى تمكين القطاع الزراعي في الأجل الطويل.

البحث العلمي

إضافة إلى ما سبق، لا بد أن نؤكد أن البحث العلمي هو الوجه المشرق للبلدان، فهو عملية تسويق واستثمار، والزراعة العربية عامة تعاني انخفاض الإنتاجية، وارتفاع التكاليف؛ نتيجة عدم الاستخدام العلمي للموارد، فضلًا عن ارتفاع أسعار المدخلات، كما تعاني أيضًا هدرَ المواردِ المائية بسبب طرق الري القديمة، وهنا تؤدي البحوث في الجانب الزراعي والمائي دورًا كبيرًا في تحقيق الاكتفاء الذاتي، وانخفاض نسبة الاعتماد على الخارج، وتحقيق تنمية زراعية تعقبها تنمية اقتصادية.

البحث العلمي يخلف تقدمًا تقنيًّا، وهو ما يساهم في انتقال دالّة الانتاج للأعلى؛ أي زيادة الإنتاج بمستوى المدخلات نفسه، وبالتالي تحقيق كفاءة إنتاجية، أو تخفيض المدخلات مع الناتج نفسه، أي تحقيق كفاءة توزيعية. فالبحث العلمي يجعل البلدان آمنة لمواجهة الأزمات عبر: إيجاد حلول للمشكلات الزراعية، وإيجاد أصناف ذات إنتاجية عالية تسهم في تحقيق الاكتفاء الذاتي وتحقيق الشراكة بين القطاع العام والخاص والهيئات البحثية، والسيطرة على الأمراض وإنتاج غذاء صحي، وإيجاد أساليب وتقنيات ري تساهم في تحسين كفاءة استخدام المياه، وتعظيم صافي عائد المياه للوحدة المنتجة، وتحديد التركيب المحصولي الأمثل الذي يدني الاحتياجات المائية ويعظم صافي العائد، والتوجه نحو الزراعة النظيفة، والتركيز على بحوث البيئة والتنمية المستديمة، وخلق زيادة في الغذاء، وتخفيض أسعار الغذاء، واختصار المساحات عبر تقنيات الري المحوري والزراعة المائية، وبحوث الاستثمار، والاستثمار في العامل البشري.

كل هذه النقاط وغيرها إذا توافر بحث علمي جيد فإنه سيساهم في تحقيقها، ويجعل القطاع الزراعي قويًّا بما يمكنه من مواجهة الصدمات والأزمات مستقبلًا. مع التأكيد على: إنشاء مراكز بحثية عالية التخصص، وتطوير ودعم البحث الزراعي عبر تخصيص جزء مهم من ميزانية الدول للبحث الزراعي، وتحديد مشاركة بين المؤسسات البحثية ومنظمات دولية مثل الأمم المتحدة ومنظمة العمل ومنظمة الغذاء والزراعة، والتركيز على بحوث الطاقة المتجددة، وبحوث مواجهة التصحر والتغيرات المناخية.


الأمن‭ ‬الغذائي.. جزء‭ ‬من‭ ‬سيادة‭ ‬الدول

فاضل‭ ‬قابوب ‬أستاذ‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬بجامعة‭ ‬دينيسون

الواقع أن الحرب الروسية الأوكرانية سوف تتصاعد، فكل التدخلات فيها لا تفيد إلا في تصعيد الأزمة، ولكي نكون واقعيين فإن أثر هذه الحرب سوف يتواصل لسنوات؛ لأن الهدف الجيوسياسي والإستراتيجي فيها هو إضعاف روسيا، وسوف يترتب على ذلك صعوبات في الشحن والنقل في البحر الأسود، فضلًا عن صعوبات في الزراعة في أوكرانيا وربما روسيا، وهذا سيُعرض الدول العربية والإفريقية لخطر الأمن الغذائي.

منذ الستينيات -أي منذ حقبة الاستقلال- شهدت هذه البلدان تحولًا كبيرًا في الإنتاج الزراعي، فقد تخلت عن إنتاج المواد الأساسية في الأمن الغذائي العربي، وأصبحت مستوردة لها، وذلك بقرار من الاتحاد الأوربي في عام 1955م؛ إذ صار الاتفاق لدى الدول الأوربية أن يكون الأمن الغذائي لصالح أوربا، وأن يُدعَم الفلاح الأوربي لإنتاج القمح والشعير وغيرهما من المواد الأساسية، بحيث يجعل هذا الدعم سعر القمح الأوربي أرخص من سعر القمح في البلدان العربية والإفريقية، وهو ما جعل بلدانًا مثل روسيا وأوكرانيا سلة غذاء العالم، وأفقد الدول العربية والإفريقية أمنها الغذائي. حينها جاء الدعم الخارجي في صورة إعانات، سواء لتونس أو المغرب أو مصر أو غيرها من البلدان العربية والإفريقية، جاء هذا الدعم على هيئة إعانات من القمح والشعير والذرة من الدول المنتِجة له، وكانت هذه الإعانات هي آخر نقطة في طريق عودة هذه البلدان إلى الإنتاج من جديد، وهو ما دفعها لإنتاج مواد غذائية تكميلية وليست أساسية، بغرض التصدير، مثل المواد الغذائية الخضراء التي ليس للاتحاد الأوربي قدرة على إنتاجها. وأصبح اختصاص الاتحاد الأوربي هو إنتاج المواد الأساسية كالقمح والشعير والذرة، وأما اختصاص الدول الإفريقية فهو إنتاج المواد التكميلية.

ولم تكن هناك مشكلة في ذلك، فقد كان ثمة توفير لهذه المواد من جانب روسيا وأوربا وأميركا وغيرها من الدول المنتجة لها عن طريق الديون المتراكمة. وظل الأمر على هذا النحو إلى أن حدثت جائحة كورونا ثم اشتعال الحرب الروسية الأوكرانية، فحدث نقص كبير في الإمدادات، وأصبحت هناك منافسة حادة بين الدول ذات الاقتصاديات المالية الكبرى، وغيرها من الدول الفقيرة التي تعاني أزمةً اقتصادية حادة، ولا توجد لديها الموارد المالية اللازمة، وهو ما أثر في السوق في مختلف المواد الأساسية، وهذا ليس خطرًا فقط على الأمن الغذائي، ولكن الاجتماعي والسياسي أيضًا.

الحل الهيكلي

الحل الهيكلي يكمن في أن تستثمر البلدان العربية الغنية في إنتاج المواد الأساسية؛ لكي تسترجع البلدان العربية سيادتها على المستوى القومي والإقليمي، فليس شرطًا أن تنتج كل دولة كل المواد، ولكن من الممكن إقامة تحالفات على المستوى الإقليمي، سواء الإفريقي أو العربي، لإنتاج المواد الغذائية الأساسية.

توجد مقالات كثيرة في الصحافة المغربية حتى في بلدان أوربية كبريطانيا تتحدث عن المغرب التي صارت من أكبر الدول المصدرة للمواد الغذائية، وحين نسأل أنفسنا عن المواد التي تصدرها المغرب ومدى أهميتها، نجد أنها تصدر لهم الماء. فمحاصيل مثل الطماطم غير مهمة للأمن الغذائي، لكن القمح والذرة والشعير مواد مهمة جدًّا؛ لأنها مواد أساسية وليست تكميلية، ومن ثم فحين تكون لديك إستراتيجية فسوف تكون لديك سيادة غذائية.

ومن ثم لا بد من إعادة النظر في المواد التي لا تُصدَّر، وفي الامتيازات التي يحصل عليها المصدر لها. ولو استثمرنا في زيادة الموارد المائية لزيادة إنتاج المواد الأساسية، مع تقليل الدعم المعطى لتصدير المواد التكميلية لأمكننا الوصول إلى الاكتفاء الذاتي غذائيًّا. فنحن لدينا موارد مائية كافية لإنتاج القمح والذرة والشعير، لكننا منذ ستينيات القرن الماضي ونحن ندعم تصدير المياه، أو ما يسمى بالمواد التكميلية، التي لا يمكن وصفها بأكثر من كونها مياهًا، فضلًا عن قلة مساندة البلدان العربية للفلاح المنتج للمواد الأساسية.

في العموم هناك دراسات تقول: إن الدول العربية في السنوات الأخيرة أدركت أن هناك مشكلة كبيرة في تغير المناخ والجفاف، وهناك مشكلة أخرى في البذور الأصلية. في تونس والمغرب ومصر وغيرها كانت توجد بذور أصلية لا تحتاج إلى مبيدات الحشرات؛ لأنها تتفاعل مع المناخ في شمال إفريقيا، لكن في الأربعين عامًا الماضية استورِدت البذور الأوربية غير المناسبة للمناخ، وهو ما فرض ضرورة استيراد الأسمدة الكيمياوية والمبيدات من أوربا، وهذا كان فخًّا اقتصاديًّا كبيرًا وقعت فيه الدول العربية والإفريقية.

اتفاق سياسي إستراتيجي

لنا أن نعرف أن سوريا قبل الحرب كان لديها اكتفاء ذاتي من الغذاء، ولم يكن ذلك عشوائيًّا، لكنه كان إستراتيجية أمن غذائي، فقد كانت تؤمن بأن الأمن الغذائي جزء من سيادة الدولة. وهذا ليس اختراعًا سوريًّا، بقدر ما هو اختراع الدول الأوربية، ففي الخمسينيات، حينما كانت الدول الأوربية تدعو لإقامة اتحاد خاص بهم كانوا يقولون لبعضهم: نحن نؤمن بالتجارة الحرة في كل شيء ما عدا الغذاء والسلاح. وسوريا كانت من البلدان العربية التي نجحت في الحفاظ على أمنها وسيادتها الغذائية، فلا توجد دولة تعيش دون غذاء أو طاقة.

نؤكد من جديد أنه لا بد من اتفاق سياسي إستراتيجي بين البلدان العربية لإنتاج المواد الأساسية. وأن يمتد هذا الاتفاق وهذه الاستثمارات الكبرى لسنوات وعقود، لا أن تقتصر على وقت الحرب أو الجائحة. ولا بد أن ينص الاتفاق على التحكم في المزارع المائية والزراعية وجدولة الأراضي التي تشارك في المشروع، وتبجيل المواد الأساسية على حساب المواد التكميلية، والتركيز على الأمن الغذائي العربي وليس التصدير للاتحاد الأوربي. فإذا تحكمنا في الموارد الطبيعية الموجودة لدينا يمكننا أن نضع خطانا على أول الطريق للاكتفاء الغذائي. ويمكن أن تنضم للمشروع أو الاتفاق بلدان إفريقية أخرى، ولكن على نحو يضمن عدم استهلاك مواردها، وأن يكون في عقيدتنا أن الغذاء جزء من الاقتصاد. وحين يكون لدينا سياسات صناعية تركز على الصناعات التركيبية، تلك التي تنتقل إلى البلدان العربية لأن بها أيدٍ عاملة رخيصة، فإن القيمة العربية المضافة إلى هذه الصناعات تكون قليلة جدًّا؛ فالعمالة الرخيصة يلزمها أن تأكل وتعيش، ولهذا لا بد من توفير الغذاء لها.

حين يكون الغذاء مستوردًا من روسيا وأوكرانيا، فإننا في هذه الحالة نعمل لدى الاقتصاد الروسي والأوكراني؛ لذا لا بد أن تكون هناك سياسة صناعية مشتركة في البلدان العربية، وذلك للتعامل مع الأزمة الغذائية طويلة الأجل. فأهم نقاط الضعف لدى تونس والمغرب ومصر هو العجز في الطاقة والغذاء، وهذا العجز يزداد في الصناعات التركيبية، وهو ما ينتج عنه عجز في الميزان التجاري، فيؤدي إلى هبوط سعر الصرف سواء للجنيه أو غيره، وهو ما يجعل الاستيراد بسعر أكبر، فتنتج عنه زيادة في التضخم، وتصبح هذه الدول ملزمة بدعم المستهلك. وحين تدعم المستهلك لكي يأكل فقط فإننا ندعم بذلك المنتج الروسي والأكراني. ومن ثم فالاقتصاد الصناعي لا يمكن عزله عن الأمن الغذائي، الذي لا يمكن عزله عن سيادة الدول.


تحديات‭ ‬الفاو‭ ‬الكبرى

عبدالحكيم‭ ‬الواعر

التحديات التي تواجه استدامة نظم الغذاء وتحقيق أهداف التنمية المستديمة عديدة ومتشعبة ومتداخلة، وتتفاوت حدتها من إقليم لآخر ومن دولة لأخرى. غير أن مساحة التوافق الأكيدة بين جميع الدول هي أن الوضع الحالي -استمرار تداعيات وباء كورونا، والحرب الدائرة في أوكرانيا حاليًّا، والنزاعات في عدد من الدول- يتطلب مزيدًا من التكاتف والتعاون والإسراع بوتيرة العمل لمواجهة هذه الأوضاع. وذلك من خلال وضع خطط وإستراتيجيات كفيلة بتطوير أساليب ونظم الزراعة، وأيضًا تحسين النظم الغذائية لتكون أكثر شمولًا ومرونةً وصحية ومستديمة؛ للحد من سوء التغذية، ومضاعفة الإنتاج، وتقليل الهدر والفاقد، والقدرة على التعامل مع التغيرات المناخية.

وقد كان للتحديات القائمة حاليًّا أثرها البالغ الذي تمثل في ارتفاع عدد الجوعى في العالم لنحو 828 مليون شخص في نهاية 2021م، أي بزيادة قدرها نحو 46 مليون شخص منذ عام 2020م، و150 مليون شخص منذ تفشي جائحة كوفيدـ 19؛ وقد بلغ عدد الجياع في المنطقة العربية 69 مليون شخص عام 2020م، وفقًا للنظرة العامة الإقليمية للأمن الغذائي والتغذية في الشرق الأدنى وشمال إفريقيا لعام 2021م.

وبالنظر إلى المستقبل، فإن الإسقاطات تشير إلى أن نحو 670 مليون شخص (8% من سكان العالم) سيظلون يعانون الجوعَ في عام 2030م، حتى في حال حدوث انتعاش اقتصادي عالمي، إضافة إلى ذلك فقد أحدثت الحرب الجارية في أوكرانيا -التي يشارك فيها اثنان من أكبر البلدان المنتجة للحبوب الأساسية والبذور الزيتية والأسمدة في العالم- اختلالات في سلاسل الإمداد الدولية، ويحدث ذلك في وقت تعاني فيه سلاسل الإمداد بالفعل آثارًا ضارةً لتزايد وتيرة الظواهر المناخية المتطرفة، ولا سيما البلدان منخفضة الدخل، وهو ما يترتب عليه تداعيات شديدة الخطورة على الأمن الغذائي والتغذية في العالم.

دور الفاو

تعمل منظمة الفاو مع حكومات المنطقة العربية من أجل تصميم سياسات ومشروعات أكثر مراعاة للبيئة والاستدامة والترويج لإنتاجٍ أفضل، بموازاة حَفْز المزيد من الاستثمارات في الأنماط الغذائية الصحية المستديمة. كما تسعى أيضًا للتعاون مع القطاع الخاص والمجتمع المدني والمنظمات الدولية والأوساط الأكاديمية للمساعدة في ذلك. وكما هو معلوم فلم نكد نلتقط أنفاسنا من تداعيات وباء فيروس كورونا المستجد، الذي هدد الحياة الإنسانية على مدار أكثر من عامين، حتى نشبت الحرب الروسية الأوكرانية التي شكلت تهديدًا كبيرًا للأمن الغذائي والإمدادات الغذائية لدى كثير من دول العالم.

وقد رأينا جميعًا كيف تحركت أسعار مؤشرات الغذاء بمعدلات غير مسبوقة تخطت الـ 30%، بما يحدّ من إمكانية تحقيق هدف القضاء على الجوع؛ وتعرضت بذلك النظم الغذائية في المنطقة لصدمات عديدة ومتنوعة، إضافة إلى الضغوط الأخرى على أوضاع الأمن الغذائي الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة والنقل عامة، فكانت هناك حاجة شديدة لتأمين الإمدادات الغذائية، والتعامل مع هذه التطورات التي أدت إلى حدوث تغيرات كبيرة في أسعار السلع الأساسية مثل القمح والحبوب عامة، والزيوت وغيرها من السلع الغذائية.

كل هذه الأمور انعكست على المواطن البسيط في شكل ارتفاع أسعار السلع الغذائية، لكن عددًا من الدول استطاعت تطوير مجموعة من الإستراتيجيات المتنوعة والفعّالة عبر التحرك السريع لإيجاد بدائل أخرى، إلى جانب توفير حوافز لتوريد القمح المحلي من أجل ضمان تحقيق أمن غذائي مستقر في هذه المرحلة الحرجة.

إن الدول المتقدمة اعتادت أن تتبع سياسات احترازية وخططًا استباقية طويلة الأمد لمجابهة الجفاف والتصحر، بعكس الدول النامية، ومن بينها الدول العربية، التي تحتاج مزيدًا من الوعي للتخطيط من أجل تفادي الأزمة، ودور الفاو قد تجلى في تزويد الدول بقاعدة بيانات من الإحصائيات والتقارير والمعلومات الدقيقة، التي تمكّنها من وضع سياسات وإستراتيجيات لتلافي الأزمات على المدى القصير والمتوسط والطويل، كما أصدرت تقريرًا عن آثار الحرب على المنطقة العربية بالكامل، وأخرجت تقريرًا خاصًّا لكل دولة، وأُرسِلَ إلى المسؤولين في هذه الدول، وبه توصيات للإجراءات الإستراتيجية؛ لمساعدتها في وضع الخطط السريعة للتعامل مع الأزمة.

استثمارات زراعية

هناك بالطبع ضرورة مُلِحّة لتحقيق التكامل بين الدول العربية لتحقيق الأمن الغذائي وتقليل الاعتماد على الواردات الغذائية التي تأثرت تأثرًا واضحًا بسبب الأزمات المتلاحقة، ويمكن أن تكون الأنظمة الزراعية والغذائية في بلدان المنطقة بحاجة للنمو الاقتصادي، وذلك من خلال الاستثمار في أحدث الممارسات والتقنيات المراعية للظروف المناخية المتغيرة، مثل: الزراعة المائية، وأساليب الزراعة الحافظة للموارد، والاستخدام الآمن للمياه المعالجة.

فبلدان المنطقة في وضع جيد يتيح لها استخدام التقنية الرقمية في قطاع الأغذية الزراعية، ووضع نماذج مالية جديدة للاستفادة من استثمارات القطاع الخاص في مجال الزراعة، وهناك حاجة إلى مساندة المزارعين على تبني أنظمة أكثر إنتاجية واستدامة، وقادرة على الصمود في وجه موجات الجفاف والفيضانات والمخاطر الأخرى، إضافة إلى ضرورة العمل على تحسين نوعية الوظائف المرتبطة بالزراعة وزيادة جاذبية قطاع الأغذية الزراعية في المنطقة.

المدير العام المساعد لمنظمة الفاو

والممثل الإقليمي لمنطقة الشرق الأدنى وشمال إفريقيا


الرأسمالية‭ ‬سبب‭ ‬أزمة‭ ‬الغذاء

أديل‭ ‬والتون ‬كاتبة‭ ‬بريطانية، ترجمة‭ :‬‭ ‬وهيب‭ ‬عيسى ‬مترجم‭ ‬عراقي

يؤثر تدهور المحاصيل والتربة غير الخصبة وندرة الغذاء في غالبية صغار المزارعين في جميع أنحاء العالم، وبخاصة في جنوب الكرة الأرضية، حيث ارتفعت أسعار القمح بنسبة 59٪ منذ بداية عام 2022م. لكنّ أزمتَيِ المناخ والغذاء ليستا ظاهرتين منعزلتين، إنهما نتيجة نظام رأسمالي عالمي- وأجندة نيوليبرالية- أعطت الأولوية للأرباح الزراعية للشركات الكبرى على حساب الناس والكوكب. يقول فلاديمير تشيلينيا- منسق شبكة المعلومات والعمل بشأن أولوية الغذاء الدولية (FIAN International)، وهي منظمة تناضل من أجل دمقرطة الغذاء: «لم يعد بإمكان معظم المزارعين إنتاج الغذاء الكافي لأسرهم. تتحكم الكيانات الربحية في أنظمتنا الغذائية… بما في ذلك إنتاج البذور وتوزيعها».

في مايو الماضي، حذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من أن عدد الأشخاص الذين يعيشون في مجاعة قد ارتفع إلى أكثر من 500٪ منذ عام 2016م، وأن أكثر من 270 مليون شخص يعيشون الآن في حالة انعدام شديد للأمن الغذائي. إن تغير المناخ والرأسمالية هما المحركان الأساسيان وراء حالة الطوارئ الغذائية العالمية هذه. وقد قدّرت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ أنه بحلول عام 2030م، سيؤدي الاحترار العالمي إلى تقليص متوسط ​​الإنتاج الزراعي في العالم بأكثر من الخمس.

خصخصة الزراعة

لقد تبلورت هذه العملية فعليًّا فيما يسمى بـ«الثورة الخضراء» في الهند في أواخر الستينيات. كانت هذه الحركة عبارة عن تعاون بين الهند والولايات المتحدة (مع الوكالة الأميركية للتنمية الدولية ومؤسسة فورد بوصفها جهات فاعلة رئيسة) وكانت تعتمد على استخدام الكيماويات الزراعية والتربية المكثفة للنباتات. وأُدخِلَت محاصيل هجينة عالية الغلة -أهمها IR8، وهو نوع من أرز شبه قزم- إلى جانب استخدام الأسمدة والمبيدات الحشرية وكثير من المياه الجوفية (تتطلب هذه المحاصيل عالية الإنتاجية كثيرًا من المياه). وقد جرى تقييم أثر الأطعمة ذات السعرات الحرارية في التغذية، وكانت لهذه الأطعمة مدخلات باهظة الثمن.

هذا التحول نحو الزراعة الكبيرة والزراعة الأحادية الأكثر ربحية جعل صغار المزارعين أكثر اعتمادًا على الأسمدة الكيماوية باهظة الثمن، وهو ما أجبرهم على الدخول في مستويات متزايدة من الديون. في الهند، أفادت التقارير أن 10677 عاملًا زراعيًّا انتحروا في عام 2020م، وكثير منهم مزارعون محاصرون بسبب الديون المتزايدة الناتجة من ارتفاع تكاليف هذه المدخلات الزراعية. كما يقع اللوم على شروط التجارة غير العادلة والإقراض العالمي- التي تفرضها المؤسسات المالية المتعددة الأطراف مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي (IMF).

برامج التكيف الهيكلي (SAPs)، التي قدمها البنك الدولي في أعقاب أزمة الديون في جميع أنحاء أميركا اللاتينية وإفريقيا بعد أزمة النفط عام 1979م، أجبرت البلدان الفقيرة على خصخصة قطاعاتها العامة وتقليل آليات الرفاهية. وأصبح الالتزام بحزم السياسات الصارمة في كل قطاع رئيس تقريبًا -من الزراعة إلى التعليم والرعاية الصحية- إلزاميًّا مقابل أي قروض مستقبلية من البنك أو صندوق النقد الدولي.

كانت برامج التكيف الهيكلي تعني أن على البلدان المثقلة بالديون في جميع أنحاء الجنوب العالمي التحول من إعطاء الأولوية للمحاصيل الأصلية التي يعتمد عليها السكان المحليون، إلى إنتاج المحاصيل النقدية للتصدير. ونتيجة لذلك، أصبح السكان المحليون والمزارعون أكثر عرضة لندرة الغذاء؛ بسبب الآثار البيئية السلبية وتدهور إمكانية الوصول إلى الغذاء.

اجعلها صغيرة ومحلية

على الرغم من احتلالهم لأقل من 25٪ من الأراضي الزراعية في العالم، فإن صغار المزارعين يوفرون 70٪ من غذاء العالم. في كينيا، تقاوم (Haki Nawiri Afrika) تحويل الزراعة إلى شركات عبر مساعدة المزارعين المحليين بالمعرفة التقنية. إن تعليم صغار المزارعين المهارات العملية يتيح لهم استعادة السيطرة على أراضيهم ومحاصيلهم. وفي زامبيا، تساعد شبكة المعلومات والعمل بشأن أولوية الغذاء صغارَ المزارعين على العودة إلى ممارسات الزراعة الأصلية والبذور لبناء المرونة وتحسين الأمن الغذائي. ومن خلال تنويع النظم الغذائية والتخلي عن الزراعة الأحادية، يمكن لصغار المزارعين الاستمرار في توفير ما يكفي من الغذاء لمجتمعاتهم، وبتكاليف أقل.

تتعارض أنشطة المزارعين الصغيرة هذه مع «الأعمال الخيرية الكبيرة»، مثل التحالف المثير للجدل من أجل ثورة خضراء في إفريقيا (AGRA)، الذي تموله مؤسسة بيل وميليندا غيتس، التي تكرر إستراتيجية الثورة الخضراء للشركات أولًا. ومع ذلك، فهم يأملون في أن يساعد نضالهم من أجل إلغاء التسهيلات وإعادة بناء علاقة مستديمة مع الأرض في تحقيق هدف التنمية المستديمة الثاني للأمم المتحدة: القضاء على الجوع بحلول عام 2030م.

المصدر : https://progressive.international/wire/2022-08-11-capitalism-is-causing-the-food-crisis-not-war/en


الجوع‭ ‬في‭ ‬مرايا‭ ‬الأدب،‭ ‬عربيًّا‭ ‬وعالميًّا

أحمد‭ ‬فرحات ‬كاتب‭ ‬لبناني

ثلاثة عناوين خطيرة، كانت وما زالت، تزلزل الوجود البشري كيانيًّا على هذه الأرض: الحروب الكبرى، المجاعات والأمراض المعدية كالسل والملاريا وفقدان المناعة… إلخ. والحروب في العادة، هي من تتسبب في المجاعات، ومن ثم الأمراض أكثر من أية عوامل أخرى تقف وراءها الطبيعة كالفيضانات الكاسحة، والجفاف المتمادي الذي ينتج عنه شح الزرع والضرع ومعهما هلاك الإنسان بوجه عام.

ولطالما عبّرت الملاحم والأشعار والسرديات الأدبية للشعوب عن المآسي المروعة التي فتكت بالبشر، جرّاء جائحات الجوع المتناوبة، منذ فجر التاريخ إلى يومنا هذا، وكانت ضحاياها بمئات الملايين في كل مرحلة؛ وفي بعض المراحل، وصل الأمر بالمتضوّرين جوعًا إلى أنهم ما كانوا يكتفون بأكل جثث موتى الحروب على الطرقات فقط، وإنما ويا للفظاعة، كانوا يقدمون على أكل لحم آبائهم وأشقائهم وأبنائهم، وحتى أطفالهم الصغار. كان ذلك في أوربا في بدايات القرن الحادي عشر، وتحديدًا في المرحلة الممتدة من عام 1003 إلى عام 1008م، بحسب المؤرخ والشاعر الراهب رالف غلابر (985 – 1047م) الذي دوّن تاريخ أوربا والعالم في زمنه؛ وتحوّل فيما بعد إلى مرجعية علمية، لمؤرخي أوربا من بين كل المؤرخين القدامى الذين دوّنوا تاريخ القارة باللغة اللاتينية.

وفي هذه المناسبة، كان الشاعر والروائي اللبناني سحبان مروه، وهو أول مترجم لملحمة «الكاليفالا» الفنلندية إلى اللغة العربيّة، قد نقل إلى لغة الضاد قصيدة للشاعر والمؤرّخ رالف غلابر تحت عنوان: «تصنعون الجوع بأيديكم»، وَقَعَ عليها في مكتبة منزل صديقه المستعرب الفنلندي «يوسي آرو» في هلسنكي سنة 1979م، فاستأذنه في نقلها من اللغة الفنلندية إلى اللغة العربية، كون البروفسور «آرو» هو من تولى ترجمتها عن أصلها اللاتيني إلى لغة بلاده. تقول القصيدة البالغة السهولة والوضوح:

«لماذا تتقاتلون؟ وعلام تتقاتلون يا أبنائي؟/ تخرّبون الأرض ومن عليها/ لأجل من؟ وطموحًا في ماذا؟!/ وماذا ستجنون غير الجوع واليأس والإعتام المطلق/ لكم ولغيركم ممن تسمّونهم أعداء!/ حباكم الله هذه الأرض لتعمّروها/ وتأكلوا من خيراتها/ وتشربوا من مائها الزلال/ فلماذا تهلكون كل من عليها؟/ وترمّدون كل شيء؟/ أوَيعقل أن يصير الواحد منكم وحشًا/ يأكل لحم أخيه وأمه وأبيه/ وحتى أطفاله؟!/ أيّ مجد باطل سيصل إليه بعض أدعيائكم/ من ساسة الدم والعدم؟/ وبماذا سيفوز هؤلاء يا ترى/ عندما يرون بأم العين الدم يطيح بدمه/ والأرواح تفتك بأرواحها/ والأرحام تأكل أرحامها؟!/ الأرض بيتنا الواحد جميعًا يا قوم/ مهما تعدّدت أعراقنا وأدياننا ولغاتنا/ فارحموا أنفسكم في هذا البيت الجامع/ أما سمعتم بوصية السيد المسيح: كل بيت ينقسم على نفسه يسقط/.. ويجوع ويموت؟!».

وإذا ما استعرضنا أدب الأساطير القديمة التي عكست مأساة الجوع البشري لوجدناها تسطع أكثر ما تسطع، في الحكاية الأسطورية الرومانية: «إرزيختون» للشاعر الروماني الكبير أوفيد، وهو معروف بشعر الحب والغزل، والتنظير له في ضوء مغامراته الحيّة على هذا الصعيد. لكنه في المقابل كان يحمل وجهًا آخر: وجه المعارض السياسي والاجتماعي الجريء، من خلال الشعر والأدب، لسياسات أوغسطس (63 ق. م. – 14 م.) أول إمبراطور على الإمبراطورية الرومانية في التاريخ، فنفاه أغسطس جرّاء ذلك إلى مكان ناء جدًّا عن روما، عانى فيه الغربة والحرمان وشظف العيش. وكان أن كتب الشاعر أوفيد، وهو في منفاه، نصًّا أدبيًّا نادرًا في الجوع، من عيون الأدب الروماني والعالمي القديم.. جاء فيه:

محمد الماغوط

«بتدنيسه الغاب المقدس، جلب «إرزختون» على نفسه غضب «سيرس»، إلهة الحصاد والخصوبة، فلم تر عقابًا يوازي الجرم الذي ارتكبه سوى تسليمه إلى براثن إلهة الجوع. ولكن الجوع و»سيرس» لا يوجدان معًا، ولهذا السبب استقدمت «سيرس» إحدى العذارى المقتدرات، وأمرتها قائلة: اذهبي إلى أقاصي «سيتيا»، حيث الأرض التي أيبسها الثلج، وحوّلها إلى بلقع لا ثمر فيه ولا ظل ولا خضرة، تجدين هناك واديًا اتخذته الحمّى والبرد والفاقة مسكنًا لها، بالتوازي مع الجوع الطاوي الحشا، فقولي للجوع على الفور أن يحلّ في صدر ذلك الكافر الجاني، ويتغلب فيه على مواهبي، ويعبث بقواي المغذية، فلا تزيده الأمور بعد ذلك إلا ألمًا وكمدًا.

استغربت العذراء هذا الأمر من سيدتها؛ ويمّمت شطرها صوب جبل القوقاز باحثة عن «السيّد الجوع»، فوجدته يزحف على صخور في لحف الجبل، يقضم أعشابًا ضئيلة بين شقوق الأحجار. عظامه بادية لكل ناظر، وبالإمكان عدّها عظمة.. عظمة من خلال جلده الشفاف، وقد ستر شعره الأشعث عينيه المطفأتين.

تلقت «إلهة الجوع» أمر «سيرس»، فأسرعت تحت جنح الظلام إلى منزل الجاني، وتسرّبت إلى فراشه تقبّله نافثة في فمه سُمّها الزعاف، ثم شرعت تضمّه إلى صدرها موقدة في أحشائه نيران السغب…. وهكذ أدّت إلهة الجوع المهمّة بأكملها، وأقفلت راجعة إلى بلادها المقفرة، هاجرة الربوع المخصّبة التي لا تستطيع العيش فيها.

أما الجاني، فلم يلبث أن أفاق من سباته، وهو يشعر بجوع شديد؛ حاول سدّه بشتى أنواع المآكل والمشارب، فكان يفتح فاه ويطبّقه عبثًا كمن يلتقم الهواء. وكانت أسنانه تصطك ماضغة سدى، وبلعومه المتلظي يزدرد الطعام ازدرادًا من دون جدوى، والجوع في أحشائه يفترّه افترارًا؛ كأنّ نسرًا ينهشه نهشًا. بسطت الموائد، وقد جمعت من مختلف ما حوى الغاب والهواء والماء من وحش وطير وسمك، فكان يأكل ومعدته تظل فارغة كهاوية لا قرار لها، أو كأوقيانوس تصبّ فيه مياه العالم وهو أبدًا ظمآن، أو كنيران تزداد تأجّجًا كلّما زادت إطعامًا، وانتهت الحال بهذا الجائع االتعيس إلى أن أكل نفسه».

شعرية الجوع

فوق هذا وذاك، ثمة إجماع بين مختلف الدارسين للشعر العربي بوجهيه القديم والحديث على أن مرحلة العصر المملوكي، خصوصًا في مصر، كانت الأكثر حفولًا بشعر الجوع والمجاعات، وذلك بالمقارنة مع ما سبقها من مراحل تاريخية (قامت السلطنة المملوكية في العام 1250م وانهارت في العام 1517م)؛ وأسباب ذلك كثيرة، لعلّ من أهمّها: بطش السلطات السلطانيّة المتعاقبة، نشوب الحروب الداخلية والخارجية، فرض الضرائب الباهظة على الناس واضطرارهم لهجر أعمالهم وأراضيهم الزراعية، فضلًا عن الإمعان في تسخير ما تبقى من الرعية وسوقهم إلى العمل بإكراه، ودونما أيّ أجر. يروي المؤرخ تقي الدين المقريزي (1364 – 1445م) الذي ولد في القاهرة ومات فيها أنه في زمن المماليك «كثر تسخير الناس للعمل في عمائر السلطان بالقلعة، وقبض عليهم من بين القصرين وهم نيام، ومن أبواب الجوامع عند خروجهم من صلاة الصبح، فابتلى الناس في ذلك ببلاء عظيم».

ونستدرك فنقول، إن كل شعراء العصر المملوكي تقريبًا، وبخاصة الكبار منهم، دخلوا على خطّ الجوع واستتباعاته الدرامية، فوصفوا بصدق ووضوح أشعار ما كان يجيش في صدورهم من ألم وحرقة، وكان الرغيف ديدنهم في ذلك وعنوان، حتى قسمهم. يقول الشاعر أبو الحسين الجزار:

«قسمًا بلوح الخبز عند خروجه/ من فرنه وله الغداة بخار/ ورغائف منه تزوقك وهي في سحب الثقال كأنها أقمار/ من كل مصقول السوالف أحمر/ الخدين للشونيز فيه عِذار/ فكأنّ باطنه بكفك درهم/ وكأن ظاهر لونه دينار/ كالفضة البيضاء لكن تغتذي/ ذهبًا إذا قويت عليه النار».

ولطالما شكّل الطعام بالنسبة إلى شعراء تلك المرحلة مأزقًا بنيويًّا لا يستطيعون إزاءه سبيلًا، خصوصًا إذا كان من النوع الذي يرتقي إلى مرتبة اللحم مثلًا؛ عندها لا بدّ من الاستجداء أن يأخذ بعدًا آخر لديهم، وهو الذهاب إلى الأمير صاحب الشأن لتأمين ذلك، بخاصة في أجواء الأعياد وتحت ضغط عيال الشاعر المباشرين من زوجة وأطفال. يشكو الشاعر ابن نباتة المصري أمره لممدوحه قائلًا: «سيّدي دعوة شاكٍ/ من عيال جورَ حكم/ يطلبون اللحم في العيد/ وما يدرون همّي/ وأخاف العيد يأتي/ وأنا قطعة لحم». وكم هو مؤثر للغاية شطر بيته الشعري الأخير، فهو ينبغي له أن يحرّك حتى الذي لا يتحرك.. حتى الذي خلاياه مصنوعة من فولاذ.

جوع الماغوط والسيّاب

ومن فضاء شعر الجوع والفاقه في العصر المملوكي ننتقل إلى فضاء شعر الجوع والحرمان في زماننا العربي اليوم.. ونختار هنا عالم الشاعر الكبير محمد الماغوط (1934 – 2006م) الذي كان يلعق الفقر لعقًا، خصوصًا في مبتديات حياته في مدينة «سلمية» التابعة لمحافظة حماة السورية، وظلّت هذه اللعنة تلازمه، عقلًا وقلبًا وحسًّا على مدى حياته كلها. وفي ضوء هذا الواقع، نادرًا ما نعثر على قصيدة للماغوط تخلو من مفردات الجوع والبؤس والحزن والشكوى والحرمان، وكان يقول إنه في النهاية لن يموت إلا جائعًا أو سجينًا، وشياطينه الداخلية قادرة دومًا على الصراخ، حتى ولو من أفواهه الداخلية المغلقة.

شاعر كبير هو محمد الماغوط، وأهم ما فيه صدقه مع نفسه ومع قارئه من دون مقدمات. كما كانت له حالته الخاصة بين شعراء الحداثة العرب الكبار، من أمثال بدر شاكر السياب وأدونيس وأنسي الحاج وشوقي أبي شقرا وفؤاد رفقة ويوسف الخال ومحمود البريكان… إلخ. فهو الوحيد بينهم الذي كان لا يأبه بالنقد والنقاد، ولا بأيّ نظرية شعرية حديثة تهلّ من هنا وهناك، بل على طول الخط كان يفرض هو نظريته الشعرية على الجميع بما يكتبه فقط، وقصيدته غالبًا ما كانت تجيء جديدة ومبتكرة، وعبر تجل واضح كالشمس، حتى ولو حلّق بها في أجواء سريالية عالية وغامضة.. نقرأ من قصيدته: «نجوم وأمطار» التي تضمّنها ديوانه الثاني: «غرفة بملايين الجدران»:

«في فمي فم آخر/ وبين أسناني أسنان أخرى/ يا أهلي.. يا شعبي/ يا من أطلقتموني كالرصاصة خارج العالم/ الجوع ينبض في أحشائي كالجنين/ إنني أقرض خدودي من الداخل/ ما أكتبه في الصباح/ أشمئز منه في المساء/ أصابعي ضجرة من بعضها/ وحاجباي خصمان متقابلان/ أصعد وأهبط كخنجر القاتل/ معلقًا تعاستي في مسامير الحائط/ غارسًا عينيّ في الشرفات البعيدة/ والأنهار العائدة من الأسر/…../ أريد أن أضمّ إلى صدري أي شيء بعيد/ زهرة بريّة/ أو حذاء موحلًا بحجم النسر/ أريد أن آكل وأشرب وأنام/ وأنا في لحظة واحدة».

على مستوى آخر، كان الشاعر محمد الماغوط صديقًا مقرّبًا جدًّا من الشاعر العراقي الكبير بدر شاكر السيّاب. تعارفا في بيروت من خلال مجلة «شعر» اللبنانية التي نزل السيّاب ضيفًا عليها، وطلب رئيس تحرير المجلة الشاعر يوسف الخال آنذاك من الماغوط أن يهتم بالسيّاب طيلة إقامته في العاصمة اللبنانية… وكان ليوسف الخال ما أراد؛ إذ يذكر الماغوط بنفسه إنه «من أول المشوار توطدت عرى الصداقة فيما بيننا، خاصة بعدما أهداني في لحظة انفعال كرافيت من نوع سمكا عربونًا على صداقتنا الأبدية». ويصف الماغوط بواحدة من صور تجوال السيّاب معه في شوارع بيروت قائلًا «إنه كان يمشي قدمًا في الشرق وقدمًا في الغرب، بسبب تباشير الروماتيزم في ركبته».

بدر شاكر السياب

وفي الخلاصة نفهم من الماغوط أن السياب كان إنسانًا بسيطًا جدًّا وحتى ساذجًا، وأنه جاء من قاع العراق الفقير والجائع، وظلّ يحنّ إلى ذاك العراق الفقير والجائع، حتى ولو تبدلت صورة الطرفين المعنيين بعض الشيء لاحقًا: البلد من جهة والشاعر من جهة أخرى؛ وظلت قصيدته الرائعة: «أنشودة المطر» تعكس صورة هذا الأمر، حيث «ما مرّ عام والعراق ليس فيه جوع»… يقول السيّاب:

«أصيح بالخليج يا خليج/ يا واهب اللؤلؤ والمحار والردى/ فيرجع الصدى كأنه النشيج/…  أكاد أسمع العراق يذخر الرعود/ ويخزّن البروق في السهول والجبال/ حتى إذا ما فضّ عنها ختمها الرجال/ لم تترك الرياح من ثمود/ في الواد من أثر/…./ مطر/ مطر/ مطر/ وفي العراق جوع/….. وكم ذرفنا ليلة الرحيل من دموع/ ثم اعتللنا خوف أن نلام بالمطر/ مطر/ مطر/ مطر/ ومنذ أن كنّا صغارًا، كانت السماء/ تغيم في الشتاء/ ويهطل المطر/ وكل عام، حين يعشب الثرى، نجوع/ ما مرّ عام والعراق ليس فيه جوع».

هكذا ومع السيّاب الشاعر المكتئب والحزين، نظل نصدّق وبكامل حواسنا، أن «صراخه» هو من «صراخ» بلده على رغم كثرة الماء، ووعود الماء. إننا هنا أمام جوع مجازي وآخر حقيقي.. لا فرق، طالما أن الشاعر يتنازع دائمًا مع الواقع ويفري فيه، ويحاول أن يضمّه ويحتويه. هكذا، فالعراق قبل السيّاب كان يعاني الجوع والتصحّر، ومعه كذلك، وبعده على نحو أو آخر.

ولا يتبادرنّ إلى ذهن أحد أن ما قاله هذا الشاعر الكبير سيذهب سدى، بل إننا نرى، ومن خلال رؤيته كشاعر، أنّ كل شيء سيتغيّر، وأن الحقائق الثاوية ستخرج كما الاسطورة الكامنة في اللاوعي إلى منطقة متقدمة من الوعي.. كيف لا ومهمة الشاعر أصلًا هي أن يؤالف بين المتباعدات أو أن يصهر المستويات المتعارضة؟!


مقدمة‭ ‬في‭ ‬فلسفة‭ ‬الغذاء

ديفيد‭ ‬إم‭ ‬كابلان ‬كاتب‭ ‬أميركي، ترجمة‭:‬‭ ‬أحمد‭ ‬محمود ‬مترجم‭ ‬أردني

يمتلك الفلاسفة تاريخًا طويلًا ولكنه مبعثر في تحليل الطعام. اشتهر أفلاطون بتفاصيل النظام الغذائي المناسب في الكتاب الثاني من الجمهورية. الرواقيون الرومانيون، أبيقور وسينيكا، إضافة إلى فلاسفة التنوير مثل لوك، روسو، فولتير، ماركس، ونيتشه، جميعهم يناقشون مختلف جوانب إنتاج الغذاء واستهلاكه. في القرن العشرين، نظر الفلاسفة في قضايا، مثل: النباتية والأخلاق الزراعية، وحقوق الغذاء، والتقنية الحيوية، وجماليات الذوق. في القرن الحادي والعشرين، يواصل الفلاسفة معالجة هذه القضايا والقضايا الجديدة المتعلقة بعولمة الغذاء، ودور التقنية، وحقوق ومسؤوليات المستهلكين والمنتجين. عادةً ما يطلق هؤلاء الفلاسفة على عملهم «أخلاقيات الطعام» أو «الأخلاقيات الزراعية». لكنني أعتقد أنهم يبيعون أنفسهم على المكشوف.

يتخطى الفلاسفة التعامل مع الطعام بوصفه فرعًا من فروع النظرية الأخلاقية. كما أنهم يدرسون كيفية ارتباطها بالمجالات الأساسية للبحث الفلسفي: الميتافيزيقيا، ونظرية المعرفة، وعلم الجمال، والنظرية السياسية، وبالطبع الأخلاق. إن عبارة «فلسفة الطعام» أكثر دقة. قد نتوصل في النهاية إلى التفكير في فلسفة الطعام على أنها «فلسفة» عادية تمامًا إذا عالج المزيد من الفلاسفة قضايا الطعام، وقدمت المزيد من الكليات دورات حول هذا الموضوع، أو على الأقل هذا هو أملي.

لكن ربما يكون السبب الحقيقي وراء تحليل عدد قليل نسبيًّا من الفلاسفة للطعام هو أنه صعب جدًّا. الغذاء مزعج. ليس من الواضح حتى ما هو عليه. إنه ينتمي في الوقت نفسه إلى عوالم الاقتصاد والبيئة والثقافة. لكن الأمور بدأت تتغير. إن مستوى الخطاب العام حول النظام الغذائي والصحة والزراعة في الولايات المتحدة أكثر تعقيدًا بشكل ملحوظ، وهو ما كان عليه قبل عشر سنوات فقط.

ميتافيزيقيا الغذاء

نحن نفترض مسبقًا بعض التصورات -مهما كانت غامضة- لماهية الطعام عندما نأكل أو نحدد شيئًا ما على أنه طعام. يمكن أن يكون للمفاهيم المختلفة عواقب حقيقية على صحتنا وبيئتنا واقتصادنا. تجعل الميتافيزيقيا هذه الافتراضات الضمنية صريحة عبر فحص فكرة ماهية الطعام وما الخاصيةُ أو الخصائص التي تجعل شيئًا ما طعامًا.

يدرك الفلاسفة اليوم عادةً نوعًا من البعد المعرفي أو الرمزي للطعام بطريقة لم يفعلها أسلافنا في عصر التنوير. الغذاء له معنى. إنه لا يمثل أو يصور الفن مثله، لكنه، مع ذلك، يخبرنا بشيء عن العالم. يعبر الطعام عن ثقافته وتاريخه (البيتزا، الجامبالايا، السوشي)، الوظيفة الاحتفالية (القربان المقدس، الفجل على طبق سيدر)، والاستهلاك المعتاد (هوت دوج بدلًا من لحم البقر، الشمبانيا بدلًا من الحليب لتحميص الخبز). ويوجه علم الجمال الذوقي الانتباه إلى كل من الصفات الحسية وذات المغزى للطعام والشراب.

الغذاء كفنٍّ، أو مكانة الطعام كفنٍّ أمر قابل للنقاش. قد تكون الاختلافات أكثر صلة من أوجه التشابه بينهما. من المسلم به، في الأحكام المتعلقة بكل من الطعام والفن، نختار صفات جمالية مهمة، ونميّز باهتمام، ونستمتع بتجارب ممتعة (أو نتفاعل بشكل سلبي)، ونرجع إلى أحكام الخبراء، ونناقش باستخدام الأسباب بنية إقناع الآخرين.

أخلاقيات الطعام

الطعام يدور حول الحياة إضافة إلى الرفاهية. إنه يتعلق بأشياء خطيرة، مثل: الجوع، وسوء التغذية، والسكري، وأمراض القلب. إنها قضية أخلاقية عميقة. اليوم، يميل الناس في الشمال الصناعي إلى أن يكونوا أقل اهتمامًا بالعلاقة بين النظام الغذائي والسلوك الأخلاقي والديني أكثر مما يهتمون بالمسائل الأكثر دنيوية للصحة، وبدرجة أقل، الحيوانات والبيئة. معظمنا على دراية بالأسئلة الأخلاقية القياسية المتعلقة بالطعام. لقد أصبحت شائعة بشكل متزايد. ماذا نأكل؟ هل من الخطأ أكل اللحوم؟ ماذا يجب أن نفعل حيال الجوع في العالم؟ هل اختياراتي الغذائية تحدث فرقًا؟ على الرغم من أن هذه القضايا قابلة للنقاش وغير قابلة للحل، فإنها على الأقل على الرادار. القضايا الأخلاقية المتعلقة بالطعام والأكل مذهلة من حيث النطاق، ويصعب تصنيفها بشكل أقل بكثير. ومع ذلك، هناك مجموعات واسعة عديدة من المخاوف.

التزام بمنع المجاعة

ما واجباتنا تجاه الآخرين فيما يتعلق بالطعام؟ بالحد الأدنى، لا يجب أن نأكل الناس ولا نحرمهم من الطعام. ربما يكون لدينا التزام بمنع المجاعة وإطعام الجياع، على الرغم من أنه ليس من الواضح من نحن. الأطباء ملزمون بإطعام المرضى في المستشفيات، أحيانًا عن طريق الوريد أو بالقوة لمن لا يستطيعون تناول الطعام. يتحمل مصنعو الأغذية والمزارعون وأصحاب المطاعم وغيرهم من البائعين مسؤولية أخلاقية (وليست قانونية فقط) لتوفير طعام آمن. واجباتنا الغذائية غير الكاملة تجاه الآخرين هي التخفيف من المعاناة وأن نكون مضيافين، على الرغم من أن هذا الأخير ربما يكون فضيلة وليس واجبًا.

ما واجبات المرء تجاه نفسه؟ الحد الأدنى، عدم التجويع أو تعريض نفسه للخطر بسبب الحرمان من الطعام (على الرغم من أن الإضراب عن الطعام هو شكل من أشكال الاحتجاج المبررة أخلاقيًّا). إذا كان الأكل شرطًا ضروريًّا لتحقيق استقلاليتنا وكرامتنا الإنسانية، فيجب على كل فرد أن يتبع نظامًا غذائيًّا صحيًّا ومغذّيًا. على سبيل المثال، الشخص الذي يقتصر طعامه على الجبن والفودكا فقط، لا يحترم نفسه- لقد «ترك نفسه يرحل». واجب الغذاء غير الكامل تجاه نفسه هو أن يأكل بطريقة تساعد على تحقيق إمكاناته. يجب أن نأكل ليس فقط من أجل البقاء ولكن لنزدهر ونعزز أنفسنا. ربما يتحمل الرياضي مسؤولية تناول نظام غذائي متخصص لتحسين الأداء، بينما يجب أن يسعى بقيتنا لتحسين رفاهيتنا عبر نظام غذائي، وليس مجرد الحفاظ عليه.

تتعامل الأخلاقيات الزراعية مع القضايا المتعلقة بزراعة الأغذية وتربية المواشي وتجهيزها، وزراعة المحاصيل من أجل الغذاء والألياف والوقود. الزراعة الصناعية (الزراعة القائمة على استخدام الآلات والمواد الكيميائية والمحاصيل الأحادية) على الرغم من أنها عالية الإنتاجية، فإنها تثير أسئلة أخلاقية حول الاستخدام المناسب للأرض والتلوث والحيوانات. المخاوف الأخلاقية عادة ما تكون عواقبية. تنتج الزراعة الصناعية سلسلة من الأضرار، مثل تآكل التربة السطحية، وفقدان التنوع البيولوجي، وتلوث المياه، والمخاطر الصحية على عمال المزارع والمستهلكين. في بعض الأحيان، يُوَجَّهُ النداءُ الأخلاقي باسم الأجيال القادمة، الذين سيتأثرون سلبًا بالأفعال في الوقت الحاضر.

على النقيض من ذلك، صُمِّمَت الزراعة المستديمة وتربية المواشي لتجنب هذه المشكلات مع تلبية احتياجات العالم من الغذاء في الوقت نفسه. يجب أن تعزز ممارسات الإنتاج المستديمة الجودة البيئية، وتستخدم الموارد بشكل أكثر فاعلية، وتدمج الدورات البيولوجية الطبيعية والضوابط، وتحسن نوعية الحياة للمزارعين، ومربي الماشية، والمجتمعات ككل.

أمن غذائي

يتحقق الأمن الغذائي عندما يتمكن الناس من الحصول على أغذية كافية ومأمونة ومغذية ليعيشوا حياة صحية. تقدر منظمة الأغذية والزراعة أن مليار شخص يعانون الجوعَ، وأن مليارًا آخرَ يعاني نَقْصَ التغذيةِ. هناك عدد من الأسباب لانعدام الأمن الغذائي المزمن والمؤقت. وهي تشمل الفقر والأزمات الاقتصادية وسوء الإدارة والبنية التحتية الزراعية السيئة. يتعامل الناس مع انعدام الأمن الغذائي عبر تناول كميات أقل، وبيع الأصول، والتخلي عن الرعاية الصحية والتعليم. تتأثر النساء أكثر من الرجال، والفتيات أكثر من الأولاد. ويؤدي انعدام الأمن الغذائي إلى وقوع الناس في براثن الفقر وسوء الحالة الصحية، كما أنه يضر بالأنشطة اليومية الأساسية. إنها مسألة عدالة اجتماعية ودولية.

من أجل منع نقص الغذاء، تحتاج الدول إلى الاستثمار في الزراعة والبنية التحتية وتوسيع شبكات الأمان للحالات الحادة قصيرة الأجل. إنهم بحاجة إلى خلق فرص عمل وزيادة الإنتاج الزراعي والأغذية المحلية ذات القيمة المضافة. يحتاج صغار المزارعين إلى الوصول إلى الموارد والتقنيات التي تسمح لهم بزيادة الإنتاجية. تحتاج الدول إلى أنظمة زراعية نابضة بالحياة وإدارة قوية للأمن الغذائي لزيادة الإنتاج وتوزيع الغذاء على المحتاجين وحماية المواطنين من الأزمات الطبيعية والاقتصادية على حد سواء.

كما لو أن التحديات العملية ليست كافية، فإن التحدي الفلسفي يكمن في تبرير الادعاء بأن الحكومات عليها الالتزام بحماية الأمن الغذائي. إذا كانت لديها واجبات غذائية فهل ذلك لأن المواطنين لديهم حقوق غذائية؟ ماذا تدين الدول بعضها لبعضها الآخر؟ ما الدور الذي يجب أن تؤديه الأسواق والنظام المالي في حماية الأمن الغذائي؟ ماذا عن المنظمات غير الحكومية واختيار المستهلك؟ بعبارة أخرى، ما الذي يجب أن نفعله حيال المعاناة الهائلة التي يمكن علاجها وغير المستحقة فيما يتعلق بالغذاء؛ لتحسين حياة أكبر عدد ممكن باستخدام وسائل عادلة ومنصفة ومناسبة ثقافيًّا؟

تعمل التجارة وعولمة الزراعة بشكل متزايد على تدويل سياسة الغذاء. غالبًا ما يكون المنتجون والمستهلكون عرضة للأحداث التي تقع في أماكن بعيدة وتخضع لقرارات لا يتحكمون فيها كثيرًا. ويجادل النقاد بأن المزارعين في الدول النامية يتضررون عندما يأكل المستهلكون في الدول الغنية محليًّا. إن التزامنا الأخلاقي بتخفيف المعاناة في الخارج (ربما) له الأولوية على التزامنا بالتخفيف من التدهور البيئي. إضافة إلى ذلك، غالبًا ما يكون التأثير البيئي للنقل مبالغًا فيه. يأخذ التقويم البيئي الأكثر شمولًا في الحسبان أيضًا كمية الطاقة المستخدمة في إنتاج الغذاء. غالبًا ما يكون استخدام الطاقة في الغذاء الذي يُنقَل لمسافات طويلة أقل من ذلك المنتج محليًّا. يقترح بعضٌ أن البديل الأفضل للمقاطعات الغذائية هو دعم منتجات «التجارة العادلة».

هوية الطعام

يدخل الطعام والشراب في حياتنا اليومية بطرق لا تعد ولا تحصى. النظام الغذائي يعبر عن الهوية العرقية والدينية والطبقية؛ يحدد أدوار الجنسين، ويتجسد في الطقوس والأخلاق. وهي تتعلق مباشرة بتطلعاتنا إلى إتقان أنفسنا. يستفيد الطعام والشراب من ملذاتنا وقلقنا، وذكرياتنا ورغباتنا، ونفتخر بتراثنا أو نبعد منه. تثير هذه العلاقة بين النظام الغذائي والهوية عددًا من الأسئلة الفلسفية. لا شيء نأكله (باستثناء السم) يحدد هوية. ومع ذلك، فإن التفضيلات الغذائية هي بالفعل جزء من شخصيتي ومن نحن بشكل جماعي. في بعض الأحيان يكون دور الطعام تافهًا (على سبيل المثال، الأذواق الخاصة للفرد وذكريات الطعام)، وأحيانًا يكون مهمًّا (على سبيل المثال، السكر وتجارة الرقيق في المحيط الأطلسي، أو أيرلندا والبطاطس في أربعينيات القرن التاسع عشر). في كلتا الحالتين، يعد الطعام علامة على الهوية.

النص مأخوذ من كتاب «فلسفة الغذاء»، محرر: ديفيد إم كابلان (بيركلي: مطبعة جامعة كاليفورنيا، 2012م). https://food.unt.edu/philfood


حلول‭ ‬الأمن‭ ‬الغذائي‭ ‬ومعوقاته‭ ‬عربيًّا

أحمد حسن باحث مصري

ما إنْ خرج العالم من جائحة كورونا حتى اندلعت الحرب الروسية- الأوكرانية، التي أثرت كثيرًا في أسعار الغذاء عالميًّا. ليست هاتان الأزمتان فحسب اللتين أثّرتا في حالة الأمن الغذائي على مستوى العالم؛ إذ شهد العالم أزمات عدة للغذاء منها أزمة 2007م، فضلًا عن تراجع حالة الأمن الغذائي العالميّ. وفي أثناء هذه الأزمات كثيرًا ما يتردد مصطلح «الاكتفاء الذاتي من الغذاء» من جانب الحكومات، أو الباحثين، أو حتى العامة.

أثر الحرب في الأمن الغذائي

قبل الدخول في أية تفصيلات تتعلق بالأمن الغذائي على مستوى العالم أو على مستوى الدول العربية، ينبغي التفرقة بين مفهوم الأمن الغذائي على المستوى الفردي ومفهوم الأمن الغذائي على المستوى الكلي. على المستوى الكلي يتحقق الأمن الغذائي عندما تتوافر لدى الدولة إمدادات غذائية كافية لإطعام سكانها سواءٌ عن طريق الإنتاج المحلي أو الواردات الغذائية أو المعونات الغذائية، في حين يتحقق الأمن الغذائي على المستوى الفردي عندما يحصل جميع الأفراد في بلد ما على الغذاء الكافي؛ ومن ثم فلا يعني بالضرورة تحقق الأمن الغذائي القومي أن يتحقق الأمن الغذائي الفردي.

أما الحرب الروسية- الأوكرانية؛ فقد أثرت بشكلٍ أساسي في الأغذية؛ إذ تُزود روسيا وأوكرانيا معًا العالم بما نسبته 14% من القمح، و10% من الشعير، و4% من الذرة. كما يعتمد عليهما أكثر من 50 بلدًا لتأمين أكثر من 30% من احتياجاتها من القمح.

وأما تأثير الحرب في العالم العربي، فتنبغي الإشارة إلى أن العالم العربي يُعاني، حتى من قبل الحرب، تراجعًا في حالة الأمن الغذائي؛ إذ تُعَدّ جميع الدول العربية باستثناء المغرب مستوردة صافية للغذاء، كما تُعد كل من السعودية، ومصر، والعراق، والجزائر، والإمارات أكبر الدول العربية المستوردة الصافية للغذاء. تُشير البيانات إلى أن صافي تجارة الغذاء لهذه الدول على الترتيب بلغ 15.6 مليار دولار، 10.5 مليارات دولار، 8.6 مليارات دولار، 7.4 مليارات دولار، 7.3 مليارات دولار. وبناءً على تلك البيانات؛ تُعَدّ الدول العربية من أكثر المناطق على مستوى العالم اعتمادًا على الواردات الغذائية، وعلى الرغم من محاولات الحكومات العربية التقليل من ارتفاع تكاليف الأغذية المستوردة في أثناء الأزمات، فإنها لم تتمكن من ذلك بسبب تضخم الأسعار؛ وهو ما أدى إلى ارتفاع أسعار الغذاء بدرجات متفاوتة، كما ارتفعت تكاليف الحكومات لتأمين دعم الغذاء والتخفيف من حدة هذه الآثار، وقد أدى ذلك بالطبع إلى ظهور المزيد من الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية.

ويبقى السؤال مطروحًا: كيف يُمكن أن يتحقق الأمن الغذائي في الدول العربية؟ وهل هناك تجارب رائدة في العالم العربي يُمكنها أن تُمهد الطريق لباقي الدول العربية؟ قبل الإجابة، من الضروري أن نعلم أنه من المتوقع أن يصل عدد سكان منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى 600 مليون فرد، ومن المتوقع أيضًا أن ينخفض متوسط نصيب الفرد من المياه ليبلغ 500 متر مكعب للفرد، كما يتوقع انخفاض هطول الأمطار في العالم العربي بحلول عام 2050م؛ نتيجة تغير المناخ، ويُشير الواقع الحالي أيضًا إلى انخفاض مساحة الأراضي الصالحة للزراعة في الوطن العربي، وانخفاض كمية المياه.

الإرادة والموارد

للإجابة عن التساؤلات المطروحة، علينا أن نضع في الحسبان مجموعة من النقاط؛ أولًّا- من السهل المناداة بالاكتفاء الذاتي من الغذاء في العالم العربي، ولكن الحقيقة هي أن تحقيق الاكتفاء الذاتي ليس أمرًا سهلًا لكثير من دول العالم وبخاصة ما يتعلق بالغذاء؛ لأن طبيعة الموارد التي تمتلكها الدول تختلف من دولة لأخرى؛ ومن ثم فالأمر في المقام الأول غير مرتبط فقط بالإرادة السياسية قدر ما هو مرتبط بالإمكانات الطبيعية التي تمتلكها الدولة من أراضٍ صالحة للزراعة ومياه. ثانيًّا- هُناك دول عظمى هي مستوردة صافية للغذاء مثل: الولايات المتحدة الأميركية، وبريطانيا، وألمانيا. ثالثًا- لا يَعْني صعوبة تحقيق الدول العربية للاكتفاء الذاتي من الغذاء ألا تُحسِّن تلك الدول أوضاعها فيما يتعلق بالغذاء؛ إذ يُمكن لبعض الدول مثل مصر أن تغير طرق الري، وتحسن الإنتاجية؛ وتخفض حجم الواردات نسبيًّا.

والمملكة العربية السعودية مثال مهم فيما يتعلق بتحقيق الاكتفاء الذاتي؛ ففي السبعينيات من القرن الماضي قررت الحكومة السعودية تبني إستراتيجية لتحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء تحت شعار «الأمن الغذائي والاكتفاء الذاتي بأي ثمن». وبالفعل استطاعت السعودية توفير الحبوب الخاصة بالاستهلاك المحلي وتصدير الفائض أيضًا؛ حتى باتت المملكة ثالث أكبر مُصدر للقمح على مستوى العالم عام 1993م، ولكن كانت النتيجة أن السعودية أنفقت في تلك المدة (1984- 2000م) ما قيمته 83.6 مليار دولار من أجل إنتاج أغذية لا تساوي قيمتها 40 مليار دولار، وهو الوضع الذي أدى إلى استنزاف كثير من الموارد المالية وبات من الصعب معه الاستمرار في هذا النهج.

تُعَدّ السودان الدولة العربية الوحيدة التي يُمكن إلقاء اللوم عليها في عدم تحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل وتصدير الغذاء؛ إذ تبلغ مساحة الأراضي القابلة للزراعة في السودان 86.7 مليون هكتار لا يُستعمل منها في الزراعة سوى 21% فقط. في السودان أكبر مساحة من الأراضي الصالحة للزراعة غير المُستخدَمة في العالم، وكثير منها مُناسب لإنتاج الذرة وفول الصويا، وتُشير التقارير الدولية إلى أن استغلال تلك الأراضي يُمكن أن يفي بمتطلبات المنطقة من الحبوب بحيث لا تكون هناك حاجة إلى واردات الحبوب في المنطقة، بل ستتحول المنطقة إلى مُصدرة صافية للغذاء.

الصناعة والزراعة

هناك مجموعة من المعوقات التي تقف حائلًا أمام السودان لاستثمار تلك الأراضي منها: الصراعات الداخلية، وانخفاض الإنتاجية الزراعية، وعدم كفاية خدمات الإرشاد الحكومي الزراعي، وارتفاع تكاليف المدخلات الزراعية، والتصحر، وعدم استقرار الاقتصاد الكلي، والإدارة السيئة، وتردد المستثمرين العرب في الالتزام بالتمويل.

وعلى الرغم من إمكانات السودان الزراعية الهائلة، فإنه يصعب استغلال هذه الإمكانات في الأجل القصير على الأقل؛ إذ لا تزال السودان – رغم كل هذه الإمكانيات- مستوردة صافية للغذاء؛ ومن ثم فإن تحول السودان لتكون دولة مُصدِّرة للغذاء لن يحدث بين عشية وضحاها، كما أن استهلاك العرب من الغذاء لن ينتظر السودان حتى تقوم بحل مشكلاتها، كما أن هناك مشكلات عامة في السودان مرتبطة بالبيئة الاقتصادية ومناخ الأعمال؛ ومن ثم يُعَدّ صعبًا الاعتماد على السودان كحل أمثل للمشكلة على الأقل في الأجل القصير.

وختامًا، إن مستقبل العالم في الغذاء لا يختلف كثيرًا عن واقع العالم العربي، وبخاصة في ظل الأزمات العالمية المتتالية للغذاء، ونقص المياه، وزيادة عدد السكان، وتغيرات المناخ. وينبغي على الباحثين وحكومات الدول العربية أن يتفهموا أنه بدلًا من البحث عن تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء -وهو الأمر الذي يصعب تحقيقه في ظل ندرة الأراضي الصالحة للزراعة، وزيادة عدد السكان، وتدهور المناخ، وانخفاض نصيب الفرد من المياه- أن يتوجهوا لفكرة أخرى وهي الاهتمام بالصناعات والسلع التي تتصف بها الدول العربية بمزايا تنافسية، وأن يصدروا هذه السلع للاستفادة من حصيلة النقد الأجنبي في استيراد الغذاء المطلوب.


أزمة‭ ‬الغذاء‭ ..‬‭‬سينمائيًّا

نادر‭ ‬رفاعي ‬ناقد‭ ‬سينمائي‭ ‬مصري

معالجة السينما المصرية لأزمة الغذاء، والجوع على وجه التحديد، مسألة قديمة جدًّا، والأحاديث عن أزمات الجوع وأثر السياسات الاقتصادية في أقوات المواطنين كثيرة. على سبيل المثال حين اقتبست نسخة فِلْم «البؤساء»، المأخوذ من رواية فيكتور هوغو، كانت مبنية على أن شخصًا سرق رغيف عيش. ومن بين الأفلام التي رصدتها فِلْم «السوق السوداء» لكمال الشيخ، ويتحدث عن كيفية تصدير الحكومة في ثلاثينيات القرن الماضي الجوع والأزمات الاقتصادية للناس. كما ناقشت السينما موضوع الجوع بشكل مباشر مثل فِلْم «الجوع» لعلي بدرخان، الذي ينطلق من نقطة علاقة الفرد بالسلطة، وكيف كان الفتوات يتحكمون في أقوات المواطنين. وهناك أفكار أخرى وردت في أفلام مثل «أحلام هند وكاميليا» لمحمد خان، و«يوم حلو ويوم مر» لخيري بشارة، اللذين ناقشا قضايا الفقر والمهمشين.

أما في السينما العالمية فهناك عدد من الأفلام المهمة، من بينها فِلْم «The Constant Gardener» (البستاني الوفي) الذي لا يتحدث عن الفقر والفقراء فقط، ولكن عن شركات الأدوية وكيف تستغل المواطنين الأفارقة وتجري تجاربها عليهم، كما لو أنهم فئران تجارب. كما يناقش الفِلْم قضايا مهمة كالفساد، وقد رشح هذا الفِلْم لجائزة أفضل سيناريو، وهو واحد من العلامات المهمة في السينما العالمية. وهناك أفلام تناقش قضايا الذين يعملون في القرصنة، وكيف أن الفقر يدفعهم إلى جريمة القرصنة، كما في فِلْم «Captain Phillips» (القبطان فيليبس) الذي نرى في بدايته عددًا من المشاهد التي تجسد البؤس الذي يعيش فيه البطل الشاب، وهو ما يجعله ينضم للعمل مع القراصنة. أما أزمات الفقر للمواطنين العرب فلها حضورها في السينما العالمية، كما في فِلْم «سيرينا Serena». وبالتالي فحضور الفقر والجوع متنوع ومتباين في السينما، والفقر له درجات، ولا يُقدم الفقير بصورة نمطية دائمًا، فقد يكون الغني الذي تحول إلى فقير.

بعد أن تنتهي الحرب

لا يمكن الحديث عن أثر الحرب الروسية الأوكرانية الآن في السينما؛ لأنها أزمة عالمية، ولا بد أن ننتظر حتى نرى إلى أين وكيف ستنتهي، حتى نتأكد من درجه تأثيرها في العالم وبالتالي علينا، وبخاصة في مصر، وهو ما يجعل السينما ترصد هذا التأثير. لكن من الناحية التقنية الصرفة يصعب القول: إننا سنجد معالجة مباشرة لهذه الحرب وأثرها في السينما المصرية، على نحو ما حدث مع حرب الخليج. ففِلْم مثل «العاصفة» لخالد يوسف قام على أن أخوين واجها أحدهما الآخر في حرب الخليج، وانتهى الفِلْم بأن كلًّا منهما كان في طرف مواجه للآخر. لكن نحن أمام ظرف سياسي مختلف، ليس له علاقة مباشرة بنا. ومن ثم فأكثر ما يمكن تقديمه هو أن يعالج من زاوية أن شخصًا هرَّب أمواله من أوكرانيا إلى مصر وأتى ليقيم فيها، مثلًا، حينها يمكن أن يصبح للموضوع أهمية في السينما المصرية.

نظام الإنتاج السينمائي المصري يميل دائمًا إلى الموضوعات التي تتصل بالقضايا المصرية. على سبيل المثال لو حصرنا الأعمال التي تناولت قضايا عربية أو شخصيات عربية فإننا لن نجد سوى فِلْم «ناجي العلي» لعاطف الطيب، بينما بقية الأفلام تتحدث عن شخصيات مصرية، أو عن شخصيات عربية ولدت أو عاشت في مصر، أو تقيم في المجتمع المصري، كما في فِلْم «أعماق البحار». ربما يكون للسينما العالمية دور أكبر في الحديث عن هذه الحرب وآثارها، بتقديمها على أنها الحرب العالمية الثالثة، أو أنها مسرح لأعمال الجاسوسية أو غيرها، وربما تُقدَّم أفلام عنها من باب الأفلام المناهضة للحرب، مثل فِلْم «إنقاذ الجندي رايان».

السينما لا تقدم حلًّا

في الأخير لا يمكننا أن نتوقع من السينما أن تقدم حلولًا لأزمة الغذاء في العالم؛ لأن السينما لا تقدم حلولًا، والسينما التوعوية أو الإرشادية هي نوع من الأفلام الوثائقية أو التعليمية، تتحدث عن أزمة المواصلات أو غيرها من الأزمات في الواقع. لكن الأفلام الروائية تركز على المعالجة الناضجة، أما الأفلام التي تعالج القضايا علاجًا مباشرًا فهي عرضة للنسيان، ومهما امتلكت من جماليات بصرية تظل أفلام المرحلة الواحدة. مثل فِلْم يوسف شاهين «هي فوضى» الذي لم يتحدث النقاد والمثقفون عن جمالياته. وفِلْم «إحنا بتوع الأتوبيس» لحسين كمال، و«الكرنك» لعلي بدرخان، وغيرها. ولكي تهتم السينما بهذا الأمر فأعتقد أن الحل يكمن في نوع من التكامل المؤسسي بين وزارات الثقافة والصحة والزراعة لعمل مشروع له جانبان: جانب تثقيفي يقدم للقرى الفقيرة، والثاني توعوي يقدم إلى شرائح معينة في المجتمع.

ضوء في نهاية النفق

جلال بوسمينة محلل مالي واقتصادي جزائري

من أهم التحديات التي تواجه العالم منذ سنوات هي أزمة الغذاء، وتحقيق الأمن الغذائي لأكبر عدد ممكن من سكان الأرض؛ فأزمة الغذاء لها تأثيرات كبرى في الوضع الصحي للأفراد، وفي الوقت نفسه لها تأثيرات اجتماعية واقتصادية، وقد تسبب إضرابات سياسية وتداعيات أمنية في الدول التي يعاني نسبة كبيرة من سكانِها انعدامَ الأمنِ الغذائيّ الشديد.

حسب التقرير الأخير لمنظمة الأغذية والزراعة تأثَّر ما بين 702 مليون و828 مليون شخص بالجوع في عام 2021م، بزيادة 150 مليون منذ جائحة كوفيد 19؛ وذلك بسبب انخفاض دخل الأفراد، أو انقطاعه، في كثير من الدول ذات الدخل الضعيف؛ بسبب الركود الاقتصادي الذي خلفته أزمة كورونا.

تباين التأثير

العالم العربي من جهته سيكون أكثر المتأثرين بأزمة الغذاء، وكثير من الدول في العالم العربي ستكون أمام تحدٍّ حقيقي من أجل تحقيق الأمن الغذائي لشعوبها. ينتمي العالم العربي جغرافيًّا إلى قارتي إفريقيا وآسيا، وفي هاتين القارتين يعاني أكثر من نصف السكانِ الجوعَ. نحو 424 مليون شخص يعيشون في آسيا، و278 مليون شخص يعيشون في إفريقيا، ممن يعانون انعدامَ الأمنِ الغذائي. وهنا لن تكون كل الدول في العالم العربي في «سلة» واحدة؛ نظرًا للاختلافات الكبيرة في القدرات المالية والإنفاقية لاقتصاديات هذه الدول. فحسب التقرير الأخير لمنظمة الزراعة والتغذية هناك ما يقارب 3.1 مليارات شخص لم يستطيعوا تحمل تكلفة نمط غذائي صحي عام 2020م، ويوضح التقرير أيضًا العلاقة العكسية بين دخل اقتصاديات الدول والانتشار، حيث نجد 23 مليون شخص يعانون انعدامَ الأمنِ الغذائي الشديد، من بين 1218 مليون شخص في البلدان المرتفعة الدخل، التي ينتمي لها بعض الدول الخليجية: قطر، الإمارات، البحرين، السعودية والكويت. بينما هناك 193 مليون شخص يعانون انعدامَ الأمنِ الغذائي الشديد من بين 683 مليون شخص في البلدان منخفضة الدخل: الصومال، اليمن، السودان، سوريا وموريتانيا.

والآثار في الدول الأقل دخلًا في العالم العربي ستكون كبيرة جدًّا: قد تتعدى التأثيرات الصحية إلى الأزمات السياسية والاجتماعية. بينما الدول التي فيها اقتصاد مرتفع الدخل ستواجه ارتفاع أسعار الغذاء في الأسواق العالمية عن طريق زيادة الإنفاق الحكومي والدعم، بما أن قدراتها المالية تسمح بذلك. دول أخرى مثل المغرب، وتونس، ومصر ولبنان، في حالة استثمار ارتفاع تكلفة الديون الخارجية، ستضطر إلى رفع الدعم الحكومي الموجه للمواد الأساسية الغذائية، وهذا يعني التحاق شريحة كبيرة بالفئة التي ستعاني انعدامَ الأمنِ الغذائي مستقبلًا.

من جهة أخرى يستورد العالم العربي أكثر من نصف غذائه من الخارج، وبخاصة الدول الخليجية التي تستورد 85% من غذائها، وقد تتأثر مستقبلًا في حالة وقوع النزاعات الجيوسياسية؛ بسبب تأثر سلاسل التوريد، أو قد تستخدم ورقة الغذاء كورقة ضغط على بعضها، وبخاصة السعودية وتأثيرها في منظمة أوبك. لكن يبقى تأثر هذه الدول قليلًا؛ لكون أسعار الغذاء ترتفع في الأسواق المالية، في حالة النزاعات، لكن تبقى متوافرة إلى حد ما. وصل مؤشر سعر الغذاء العالمي إلى 185 نقطة، أي أكبر بأكثر من الضعف، مقارنة بمتوسط مؤشر سعر الغذاء المقدر بـ85 نقطة. هذا الارتفاع أثَّر أكثر في دول تستورد القمح مثل مصر، وبدرجة أقل الجزائر، ثاني دولة عربية تستورد القمح بعد مصر التي ليس لديها مداخيل كافية من المحروقات تعوضها ارتفاع تكاليف استيراد القمح.

نقطة إيجابية

الاختلافات في الحقيقة هي نقطة إيجابية لتحقيق التعاون العربي المشترك لمواجهة أزمة الغذاء، وتحقيق التقارب والتكامل في هذا المجال. لدينا دول عربية بموارد مالية كبيرة، ومن جهة أخرى لدينا دول عربية بإمكانيات وموارد طبيعية مقبولة، وفي ضوء هذا يمكن للأنظمة العربية أن تتباحث حول كيفية تحقيق الشراكة الاقتصادية في المجال الزراعي، وهو ما يساهم مستقبلًا في تقليل تكلفة المنتجات الغذائية لبعض شعوب الدول العربية، تلك التي تعاني معدلاتِ تضخمٍ كبيرةً في أسعار هذه المنتجات، وصلت في بعض الدول العربية إلى أكثر من 50%.

من جهة أخرى، على الأنظمة العربية أن تضع خلافاتها السياسية جانبًا، وتقيم علاقاتها الاقتصادية بناءً على الميزة النسبية والجدوى، وبخاصة عندما نشاهد استثمارات الشركات الغربية في الصين، وأيضًا صادرات الصين إلى الغرب، على الرغم من الاختلاف في السياسة الخارجية بين الصين والغرب. للأسف، وعلى الرغم من أن هناك إستراتيجية وُضِعَت بين الدول العربية في قمة الجزائر سنة 2005م، تتمثل في إستراتيجية التنمية العربية الزراعية المستديمة، بالاعتماد على تطوير تقنيات الزراعة الحديثة، إضافة إلى تشجيع الاستثمارات العربية في القطاع، فإن تنفيذ تلك الإستراتيجية لا يزال يمر بكثير من العقبات والتحديات التي جعلتها لا تحقق أهدافها حتى اليوم.

من الحلول التي يجب على الدول العربية العمل عليها: إنشاء بنك بذور يكون قادرًا على حفظ السلالات، وأيضًا تطوير هذه السلالات بما يتناسب وطبيعة المناخ في العالم العربي. وهنا يجب التوجه نحو تمويل البحوث الزراعية، وإقامة شراكات بين جامعات لدول عربية وأخرى لجامعات دول متقدمة، من أجل القيام بالأبحاث العلمية في المجال الزراعي، وهو ما يسمح بزيادة المردودية في القطاع الزراعي في الدول العربية، وأيضًا تخفيف فاتورة استيراد البذور في دول العالم العربي، وتحقيق نوع من الاستقلالية من أجل تعزيز الأمن الغذائي. أكثر دول العالم العربي مهددة بنقص المياه مستقبلًا: يمثل نصيب الفرد من المياه في العالم العربي فقط 10% من متوسط نصيب الفرد من المياه في العالم. وهذا رقم خطير سيؤثر في كمية المحاصيل الزراعية مستقبلًا؛ لذلك وجب وضع إستراتيجية مدروسة للاستفادة من المياه المتجددة في العالم العربي، الذي يقع في منطقة قليلة الأمطار، وأيضًا التوجه أكثر نحو التحلية، ووضع محطات تنقية المياه التي ستسمح مستقبلًا بزيادة كمية المياه الموجهة نحو الري واستصلاح الأراضي الزراعية.

على الدول ذات الاقتصاد ضعيف الدخل، أو تحت المتوسط، أن تنوع في مصادر الدخل، وتحقق التنمية المستديمة، وتستقطب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، من أجل توظيف الفرد في الاقتصاد، ورفع دخل الأفراد في هذه الدول، وبخاصة أن انعدام الأمن الغذائي أغلبه في الدول التي بها اقتصاد ضعيف، أو تحت المتوسط. من جهة أخرى، على الدول الخليجية التفكير في الاستثمار أكثر في الدول العربية التي لديها موارد زراعية مقبولة، بعد تحسين مناخ الاستثمار في هذه الدول؛ لتجنب خطر سلاسل التوريد، وأيضًا لتحقيق التكامل الاقتصادي في هذا القطاع بين الدول العربية. ومن بين الحلول أيضًا إنشاء منظومة رقمية متكاملة بالدول العربية؛ لتحديث القطاع الزراعي بها، ورفع المردودية، وأيضًا تسهيل الشراكات الاقتصادية بين الدول العربية مستقبلًا.


كتاب «الإفادة والاعتبار»:
شهادة رحّالة بغدادي على أكل لحوم البشر في مصر

سعد‭ ‬القرش ‬كاتب‭ ‬مصري

في كتاب «إغاثة الأمة بكشف الغمة» للمؤرخ المصري تقي الدين أحمد بن علي المقريزي طرف من آثار المجاعات في مصر. سجل المقريزي (1365-1441م) كيف يؤدي شبح الموت، خوفًا وجوعًا، إلى خروج الوحوش الكامنة في نفوس البشر. كان ذلك في الشدة المستنصرية التي بدأت سنة 457هـ (1065م) واستمرت سبع سنين، وهي الشدة الأكثر شهرة في تاريخ مصر. وبعد كتاب المقريزي، لم أتوقع أن أقرأ عملًا يضعني مباشرة أمام فواجع ذروتها اعتياد أكل لحوم البشر، واستجابة الآكلين الجائعين إلى نداء الحياة، غير مبالين بعقوبة الحرق، فيصير لحمهم المشوي طعامًا للجوعى، وهذا ما كتبه رحالة بغدادي في مصر.

علاقة المؤرخ بالحاكم

وثّق المقريزي شدة لم يعاصرها، وقدّم عبداللطيف البغدادي (1162- 1231م) شهادته في مصنّفه «كتاب الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر». سجل مشاهداته بعقل تأريخي بارد، وأحيانًا يعلق على واقعة بانفعال منضبط. وقال في مقدمة هذا الكتاب: إنه ألّف مصنّفًا ضخمًا عنوانه «أخبار مصر»، ورأى أن يستخلص منه «الحوادث الحاضرة، والآثار البادية المشاهدة؛ إذ كانت أصدق خبرًا، وأعجب أثرًا، وأن ما عداها قد يوجد بعضه أو كله في كتب من سلف مجتمعًا أو مفترقًا، فألّفت ذلك في فصلين منه فجردتهما وجعلتهما مقالتين في هذا الكتاب». يقع الكتاب في 132 صفحة، ونشرته دار الثقافة الجديدة بالقاهرة.

مشاهدات البغدادي في «كتاب الإفادة والاعتبار…» تمتد إلى ما بعد وفاة صلاح الدين الأيوبي. وكان المؤلف يتعجل إنهاء مصنّفه؛ ليعرضه على السلطان صلاح الدين «صاحب الأمر وإمام العصر، إمام الأنام ومفترض الطاعة بموجب شريعة الإسلام، خليفة الله في أرضه ومنتهى مقرّ وحيه…». هل كان في سلوك الملك الأيوبي ما يدعو الكاتب إلى مبالغات تنزله منزلة فوق بشرية، وتمنحه صفات لا تجتمع إلا لنبي رسول؟

علاقة المؤرخ الرسمي بالحاكم مفهومة، وظيفة تقتضي السمع والطاعة، وتسجيل الوقائع كما يريد الحاكم، لا كما جرت. لا شجاعة أمام المريض بجنون العظمة، فالجرأة الجاهلة تدعوه إلى القول: «أنا الدولة»، أو «أنا الشعب». والبغدادي المولود في بغداد رحّالة لا يدّعي التأريخ، وقد عمل في خدمة صلاح الدين في الشام وخدمة أولاده في مصر، ورتبوا له مئة دينار في الشهر ليتفرغ للعلم. وقال: إنه كتب كتابه «ليعلم حفدة سدته وخواص دولته والعاكفون بحظيرة قدسه والطائفون بحرم كعبته مقدار ما يدفع الله تعالى عنهم به. فيزدادوا لله تعالى شكرًا ليزيدهم بدوام دولة أمير المؤمنين عليهم فضلًا، وما كان ربك ليعذبهم وأنت فيهم».

واختتم المقدمة بأنه يكمل «للمرء المسلم مراتب الإيمان الثلاثة: عقدٌ بالقلب، وقولٌ باللسان، وعملٌ بالجوارح. جعلنا الله ممن ترقى إلى هذه الدرجة في طاعته بطاعة خليفته في أرضه…». وتبدو المقدمة الأيوبية منفصلة عن كتاب يُعَدّ نصًّا علميًّا يدل على المعارف الموسوعية لمؤلف يحيط بتاريخ مصر وجغرافيتها وآثارها وعمارتها وأطعمتها وأشجارها ونباتها.

يفسر المؤلف اسم نهر النيل بأنه «من نال ينال نيلًا ومن نال ينال نولًا… والنيل اسم ما ينال». والأهرام «الموصوفة بالعظم» ثلاثة، «واثنان منها عظيمان جدًّا وفي قدر واحد وبهما أولع الشعراء وشبهوهما بنهدين قد نهدا في صدر الديار المصرية». ومن الآثار إلى الثمار يقول عن الفاكهة «وأما المحمّضات فيوجد بأرض مصر منها أصناف كثيرة لم أَرَهَا بالعراق». ويصف فرس النهر بأنه «بالجاموس أشبه منه بالفرس… وهو حيوان عظيم الصورة هائل المنظر شديد البأس يتبع المراكب فيغرقها ويهلك من ظفر به منها». وينتقل إلى أكثر الحيوانات استكانة: «والحمير بمصر فارهة جدًّا، وتركب بالسروج وتجري مع الخيل والبغال النفيسة ولعلها تسبقها».

استئناس البشاعة

حرر «كتاب الإفادة والاعتبار…» وحققه المؤرخ المصري عبدالعزيز جمال الدين. وتزيد الهوامش الشارحة على حجم النص الذي وثّق المؤلف في فصوله الأخيرة مشاهداته لنهايات القرن السادس الهجري. كان صلاح الدين قد توفي عام 589هـ (1193م)، وتصارع أولاده مع أخيه العادل أبي بكر على الملك الموزع بين مصر والشام. وفي سنة 596هـ (1200م) انخفض منسوب النيل، واشتد القحط، «ودخلت سنة سبع مفترسة أسباب الحياة… ووقع المرض والموتان، واشتد بالفقراء الجوع حتى أكلوا الميتات والجيف… إلى أن أكلوا صغار بني آدم، فكثيرًا ما يعثر عليهم ومعهم صغار مشويون أو مطبوخون فيأمر صاحب الشرطة بإحراق الفاعل لذلك والآكل».

ومما رآه البغدادي: «ورأيت صغيرًا مشويًّا في قفّة، وقد أحضر إلى دار الوالي ومعه رجل وامرأة زعم الناس أنهما أبواه فأمر بإحراقهما». «ولقد رأيت امرأة يسحبها الرعاع في السوق وقد ظُفر معها بصغير مشوي تأكل منه، وأهل السوق ذاهلون عنها ومقبلون على شؤونهم وليس فيهم من يعجب لذلك أو ينكره، فعاد تعجبي منهم أشد وما ذلك إلا لكثرة تكرره على إحساسهم حتى صار في حكم المألوف الذي لا يستحق أن يتعجب منه. ورأيت قبل ذلك بيومين صبيًّا نحو الرهاق مشويًّا وقد أخذ به شابان أقرا بقتله وشيّه وأكل بعضه». انصراف الناس عمن تأكل الصغير المشويّ محكوم بألفة الفظائع، واستئناس البشاعة.

يقول المؤلف: إنه اقتصد «وجميع ما حكيناه وشاهدناه لم نتقصده… صادفناه اتفاقًا، بل كثيرًا ما كنت أفر من رؤيته لبشاعة منظره»: «ورأيت مع امرأة فطيمًا لحيمًا فاستحسنته وأوصيتها بحفظه، فحكت لي أنها بينما تمشي على الخليج انقض عليها رجل جاف ينازعها ولدها فترامت على الولد نحو الأرض حتى أدركها فارس وطرده عنها». ولم يكن الإحراق ليردعهم، فقد أحرقت «في أيام يسيرة ثلاثون امرأة… وإذا أُحْرِقَ آكِلٌ أَصبحَ وقد صار مأكولًا؛ لأنه يعود شواء ويستغنى عن طبخه، ثم فشا فيهم أكل بعضهم بعضًا حتى تفانى أكثرهم، ودخل في ذلك جماعة من المياسير والمساتير؛ منهم من يفعله حاجة ومنهم من يفعله استطابة».

كلما ذكرت «الشدة» لحقها وصف المستنصرية لا الأيوبية، وفي الأخيرة فواجع أكتفي منها بما رآه البغدادي الذي ينفي «الطباع البشرية» عن هؤلاء. ومن الغرائب أن زوجة جندي غائب كانت حاملًا، وقد شمّت رائحة طبخ عند جيرانها الصعاليك، «فطلبت منه كما هي عادة الحبالى فألفته لذيذًا فاستزادتهم، فزعموا أنه نفد فسألتهم عن كيفية عمله، فأسرُّوا إليها أنه لحم بني آدم فواطأتهم على أن يتصيدوا الصغار وتجزل لهم العطاء، فلما تَكَرَّرَ ذلك منها وضَرِيَتْ وغَلَبَتْ عليها الطِّبَاعُ السَّبُعِيَّة وَشَى بها جواريها خوفًا منها»، وباقتحام البيت وجدوا لحومًا وعظامًا تشهد بصحة الاتهام، «فحُبِسَت مقيدةً، وأُرجِئَ قتلُها احترامًا لزوجها وإبقاءً على الولد في جوفها».

في النفس البشرية وحوش يفكّ الجوع قيودها، ولا يدركها إلا من يمرّ بالتجربة. يروي البغدادي أن المرأة قد «تملص من صبيتها في الزحام فيتضورون جوعًا حتى يموتوا. وأما بيع الأحرار فشاع وذاع عند من لا يراقب الله، حتى تباع الجارية الحسناء بدراهم معدودة، وعُرض عليَّ جاريتان مراهقتان بدينار واحد، ورأيت مرة أخرى جاريتين إحداهما بكر ينادى عليهما بأحد عشر درهمًا. وسألتني امرأة أن أشتري ابنتها وكانت جميلة دون البلوغ بخمسة دراهم فعرفتها أن ذلك حرام فقالت خذها هدية». وينتهي الجوع بالموت والأوبئة، حتى يمر المسافر بالبلدة فيجد «البيوت مفتحة وأهلها موتى… وربما وجد في البيت أثاثه وليس له من يأخذه».

وفي حوادث سنة 598هـ (1201 و1202م) تراجيديا؛ إذ استمر سوء الأحوال، وتناقص موت الفقراء؛ لقلّتهم، «وتناقص آكل بني آدم ثم انقطع خبره أصلًا. وقل خطف الأطعمة من الأسواق ذلك لفناء الصعاليك وقلتهم من المدينة، وانحطت الأسعار حتى عاد الإردب بثلاثة دنانير لقلة الآكلين لا لكثرة المأكول… وألف الناس البلاء واستمروا على البلاء حتى عاد ذلك كأنه مزاج طبيعي… وقع بالفيوم والغربية والإسكندرية موت عظيم ووباء شديد ولا سيما عند وقت الزراعة فلعله يموت على المحراث الواحد فلاحين عدة. حكي لنا أن الذين بذروا غير الذين حرثوا وكذلك الذين حصدوا». وفي الإسكندرية صلى الإمام، يوم الجمعة، على سبع مئة جنازة.

حدود الاقتباس

أنتهي من قراءة الكتاب بسؤال لم يطرحه المحقق عبدالعزيز جمال الدين. بين متن البغدادي وبعض الشروح تشابه يبلغ حدّ التطابق. البغدادي يصف بناء الأهرام بأنه «عجيب من الشكل والإتقان ولذلك صبرت على ممر الزمان بل على ممرها صبر الزمان…». وفي الهامش ترد الفقرة نفسها من كتاب «المواعظ والاعتبار» للمقريزي. البغدادي يصف الهرم من الداخل: «جل من كان معنا ولجوا… وولجته مرة»، من فتحة المأمون. والمقريزي يذكر الوصف نفسه: «وحكى من دخله». البغدادي يقول: إن على حجارة الأهرام «كتابات بالقلم القديم المجهول الذي لم أجد بديار مصر من يزعم أنه سمع بمن يعرفه». والمقريزي يحرف الجملة: «… لم يوجد بديار مصر…».

البغدادي يكتب معايناته بضمير المتكلم، فعلى سبيل المثال عرف بمن اعتادوا ارتقاء الهرم، في قرية مجاورة، «فاستدعينا رجلًا منهم… كنت أمرته أنه إذا استوى على سطحه قاسه بعمامته فلما نزل ذرعنا من عمامته مقدار ما كان قاس فكان إحدى عشرة ذراعًا بذراع اليد». والمقريزي، المولود بعد وفاة البغدادي بنحو 135 سنة، يكتب بضمير الغائب عن مساحة قمة الهرم: «وذكر أن ذرع سطحها أحد عشر ذراعًا بذراع اليد». البغدادي تحرّى الدقة اللغوية فأنّث الذراع، والمقريزي تساهل وذكّر الذراع، وتجاهل المصدر كما تجاهله أيضًا بخصوص اختفاء كثير من الأطباء في الشدة الأيوبية، في كتابه «السلوك لمعرفة دولة الملوك»، الذي حققه جمال الدين.

واقعة الأطباء يوردها البغدادي عن ثلاثة أطباء يعرفهم، أحدهم استدعاه أحد «الخبثاء»، واستصحبه إلى مريض، وظل يكثر من الاستغفار ويقول: «اليوم يغتنم الثواب ويتضاعف الأجر ولمثل هذا فليعمل العاملون»، وارتاب الطبيب من الرجل، وسار معه، حتى أدخله دارًا خربة، وتوقف في الدرج، وسبقه الرجل يستفتح فخرج إليه رفيقه يسأله: «هل مع إبطائك حصل صيد ينفع، فجزع الطبيب لما سمع ذلك»، وتمكن من الهرب، وفي فراره رآه صاحب إسطبل فقال له: «علمت حالك فإن أهل هذا المنزل يذبحون الناس بالحيل». السؤال الآن عن حدود الاقتباس، هل اطلع المقريزي على نسخة من كتاب البغدادي ونقل منها؟ ولماذا لم يلتفت إلى ذلك الباحثون؟

مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية يعلن الفائزين بجائزته في دورتها الأولى

مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية يعلن الفائزين بجائزته في دورتها الأولى

أعلن مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية أسماء الفائزين بجائزته في دورتها الأولى للعام 2022 بفروعها الأربعة (فرع تعليم اللغة العربية وتعلمها، فرع حوسبة اللغة العربية وخدمتها بالتقنيات الحديثة، فرع أبحاث اللغة العربية ودراساتها العلمية، فرع نشر الوعي اللغوي وإبداع مبادرات مجتمعية لغوية) عن فئتي الأفراد والمؤسسات.
وقال صاحب السمو الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان وزير الثقافة رئيس مجلس أمناء مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية: إن “جائزة مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية تؤكد اهتمام خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي العهد -حفظهما الله- بترسية مكانة اللغة العربية وتفعيل دورها محليًّا وعالميًّا؛ انطلاقًا من مسؤولية المملكة تجاه لغتنا الخالدة، وتعزيز الهوية اللغوية العربية المعبرة عن العمق اللغوي، والثراء التاريخي والثقافي، والامتداد الحضاري الفاعل”، عاداً الجائزة “فرصة لتكريم ذوي الكفايات والإنجازات الفردية والمؤسساتية، وموسمًا يتنافس فيه المختصون والمعنيون بتقديم حصائل جهودهم وإنجازاتهم في خدمة اللغة العربية ونشرها”.
وهنأ سموه الفائزين بالجائزة، والمترشحين لنيلها نظير ما قدموا من إسهامات جادة ومقدرة لخدمة العربية، وتعزيز الهوية اللغوية، مشيداً بالأرقام والإحصائيات التي وصل إليها التسجيل والمشاركة في الجائزة من المؤسسات والأفراد في الفروع الأربعة، ما يترجم الاهتمام باللغة العربية، ويؤكد مكانتها لدى المختصين والخبراء والمعنيين وذوي الجهود البارزة في خدمة اللغة العربية على الصعيدين المحلي والعالمي أفراداً ومؤسسات.
وفي فرع تعليم اللغة العربية وتعلمها من جائزة مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية، منحت الجائزة للدكتورة يون أون كيونغ في فئة الأفراد، وفي فئة المؤسسات منحت الجائزة لشركة “العربية للجميع”.
وفي فرع حوسبة اللغة العربية وخدمتها بالتقنيات الحديثة، منحت الجائزة للدكتور نزار يحيى عبدالسلام حبش في فئة الأفراد، ولـ” الشركة الهندسية لتطوير النظم الرقمية” في فئة المؤسسات، وفي فرع أبحاث اللغة العربية ودراساتها العلمية منحت الجائزة للدكتور الأزهر الزناد في فئة الأفراد، ولـ”دار الفيصل الثقافية” في فئة المؤسسات، أما فرع نشر الوعي اللغوي وإبداع مبادرات مجتمعية لغوية فقد منحت جائزته إلى الدكتور عبدالعزيز بن علي الحربي في فئة الأفراد، ولمنظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة (إييسيسكو) في فئة المؤسسات.
ومرّ المترشحون لنيل الجائزة في ثلاث دورات تحكيمية متعاقبة، أشرفت عليها لجان مستقلة مكونة من ثمانية عشر محكمًا يمثلون ست دول مختلفة، عملوا على تحكيم أعمال (393) ثلاثةٍ وتسعين وثلاثِمئة مترشّحٍ ومرشحة، منهم (201 ) واحدٌ ومئتا فردٍ، و(192) واثنتان وتسعون ومئة مؤسسة، وعملت اللجان وفق معايير محددة تتضمن مؤشرات تقيس مدى الإبداع والابتكار، والتميز في الأداء، وتحقيق الشمولية وسعة الانتشار، والفاعلية والأثر المتحقق. وقد أعلن عن الفائزين بعد اكتمال المداولات العلمية، والتقارير التحكيمية للجان.

الحكومات العربية تحارب المثلية

الحكومات العربية تحارب المثلية

رؤوف مسعد

لا يوجد في مصر قانون يجرم المثلية بأنواعها، لكن دولة مصر بهيئاتها النيابية والقضائية المختلفة تعاقب المثليين المصريين طبقًا لقانون رقم 68 لسنة 1951م، الذي يجرم جميع أشكال العمل في تجارة الجنس في البلاد. في عام 1959م أصبحت مصر رسميًّا عضوًا في الاتفاقية الدولية لمكافحة الاتجار بالبشر واستغلال دعارة الغير بموجب القرار الجمهوري رقم (844)، وصدر على هذا الأساس قانون جديد هو القانون رقم 10 لسنة 1961م، ولا يزال هذا القانون، بمواده الثمانية عشرة، القانون الرئيس لتجريم الجنس التجاري في كل من مصر وسوريا، وهو يختص بقضايا الآداب والفجور والدعارة، ويجرم التحريض والمساعدة والتسهيل والاستخدام والاستدراج والإغواء والإعلان وامتلاك أو إدارة أو تأجير منزل لغرض البغاء أو استغلال بغاء أنثى أو فجور ذكر أو اعتياد ممارسة الدعارة أو الفجور أو حتى الإعلان عن الدعارة والفجور والإخلال بالآداب العامة. وذلك وفقًا للمادة 178 من قانون العقوبات الواردة في الدليل القانوني لجرائم الاعتياد على ممارسة الدعارة أو الفجور أو التحريض أو الإعلان عنهما.

وقد نشرت مدونة «المنصة» منذ أيام خبرًا تحت عنوان: «التعليم تكلف المدارس بتحريض التلاميذ على نبذ المثليين»، جاء فيه: «حصلت المنصة على خطاب رسمي صادر عن وزارة التربية والتعليم، موجه إلى عموم المديريات التعليمية في المحافظات، يطالبها بضرورة التصدي لما أسمته بالسلوكيات الشاذة والمنحرفة، وتحديدًا الترويج للمثلية الجنسية. وقال مصدر قيادي بالوزارة للمنصة، وهو مسؤول بقطاع التعليم الابتدائي: إن المقصود من المثلية التي تطرق إليها الخطاب هو مواجهة الأفلام الكرتونية التي يتم بثها على منصة ديزني، بعد تلميحها إلى إمكانية أن تبث في المنطقة العربية أفلامًا تروج للمثلية الجنسية حسب تعبيره. ويأتي ذلك عقب موجة انتقادات واجهتها شركة ديزني، بعد إعلانها تقديم محتوى للأطفال يتضمن أنماطًا متنوعة من العلاقات بينها المثلية، لتعزيز مبادئ التنوع».

كاتب مصري مقيم في هولندا

القانون الدولي لا يلزم الدول بتغيير ثقافاتها

جمال بيومي

يبدو أن الممارسين لثقافة المثلية نجحوا في حشد عدد كبير من الأصوات المؤثرة في أي عملية انتخابية أو عمليات اتخاذ القرار، وقد شجعهم ذلك على الظهور في العلن والمطالبة بما يسمونه حقوقهم في حرية الممارسة الجنسية، وتشمل الزواج من الجنس نفسه، وأيضًا حقهم في تبني أطفال وتربيتهم على السلوك نفسه. وفي البداية دافع المجتمع المحافظ عن التقاليد والثقافات الأصلية. واستعانوا بالكنائس التي ازدادت الضغوط عليها فتراجع بعضها وسلم بالأمر الواقع، وقاوم الجيش الأميركي هذه الاتجاهات بداخله، ثم تراجع خطوة وتبنى مبدأ: don’t ask don’t tell، أي «لا تسأل ولا تبلغ»، وازدادت الضغوط فصارت مسألة حسابات انتخابية يصعب على أي حزب أو مرشح تجاهلها.

وقد بلغ الحشد من الاتساع حتى وصل للمؤسسات الدولية والإقليمية. وانتقل للعلن حتى في مؤتمر شارك فيه زعماء دول وقفوا في جلسة تصوير للزعماء، ثم جلسة تصوير لزوجاتهم، فإذا برجل يقف في وسط الزوجات لأنه «زوجة» أحد رؤساء الوزراء لدولة مرموقة. ورأينا وزيرًا في دولة عظمي ينشر صورة له وهو يقبل رجلًا آخر باعتباره «زوجه».

وعلى الرغم من الاتفاقيات الدولية الملزِمة للدول الموقعة عليها، فإنه يمكن لأي دولة أن توقع اتفاقًا معينًا وتتحفظ على جانب أو مواد محددة فيه. ومع ذلك فهناك أحيانًا تعبيرات قد يفهمها كل طرف بشكل مختلف. المثال الأشهر هو قرار 242 الخاص بانسحاب إسرائيل بعد 1967م. فقد صاغه اللورد كارادون بتعبير انسحاب من «أراضٍ احتلتها» ولأنه لم يستعمل أداة التعريف (ال)، فقد فسرت مصر القرار على أنه من كل الأراضي، وفسرته إسرائيل على أنه من بعض الأراضي.

وعندما كنا نتفاوض على اتفاق المشاركة مع الاتحاد الأوربي اعترضنا على تعميم تعبير «حقوق الإنسان» وصممنا أن نعرف ما حقوق الإنسان. فصُغناها «حقوق الإنسان التي جاءت بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة سنة 1946م». وأضفنا أيضًا «مع الأخذ في الاعتبار الخصوصية الثقافية للشعوب».

الثقافة تنتصر

ومع ذلك حتى لو وقعت دولة -عربية أو غيرها- على اتفاق بحسن نية، وتبين لاحقًا أن في الاتفاق يضر بمصالحها، فصمام الأمان في تلك الحالة هو اتفاقية فيينا لتفسير المعاهدات، التي تقول: «لا يوجد في أي اتفاق ما يمنع أحد أطرافه من اتخاذ التدابير الضرورية لحماية أمنه الداخلي وحضارته وتقاليده… إلخ». من هنا نرى أنه لا يوجد ولن يكون هناك ما يلزم الدول العربية والإسلامية بقبول أي اتفاق أو قرار دولي فيه ما يخالف تقاليدها وثقافتها.

ومهما ازداد القبول الدولي لممارسات المثلية، فستظل لكل دولة سيادتها على أرضها، وبخاصة ما يتعلق بالأحوال الشخصية. وهناك حاليًّا اختلافات كبرى بين الثقافات. ففي حين تقبل الدول الإسلامية بتعدد الزوجات، فإن دول الغرب الأوربي والأميركي لا تعترف بالتعدد. ومع ذلك فلا تستطيع شيئًا حيال هذا التعدد في قارة إفريقيا مثلًا. بل إن النفاق بلغ بهم إلى غض الطرف عن رئيس دولة إفريقية كاثوليكي يعلن صراحة عن زوجاته الأكثر من عشر. ومع ذلك فعلينا أن نعد كل إمكانياتنا الدبلوماسية والسياسية لحشدها في مواجهة ما قد نتعرض له من هجوم على المستوى العالمي والتجمعات الإقليمية.

مساعد وزير خارجية مصر الأسبق

المثلية في فرنسا طوطم جديد يجتاح العالم

وليد خليفة

في أواخر مارس 2021م طالبت وزيرة المواطنة مارلين شيايا أئمة المساجد في فرنسا بالاعتراف بقانون زواج المثليين وإقراره في خطب الجمعة، وهو ما أثار موجة غضب في أوساط المسلمين، وخرج الإمام شمس الدين حفيظ، عميد مسجد باريس الكبير، ببيان غاضب، ولم تتحرك النخب الفرنسية. وأصبح قانون دعم وتشجيع المثلية الجنسية قانونًا ملزمًا على الجميع وفي كل المجالات، وأي خروج عن دعم هذه الفئة المجتمعية يعاقب عليه المرء. حصل ذلك مع لاعب فريق العاصمة، باريس سان جيرمان، السنغالي، إدريسا جايا، الذي عُوقِبَ بسبب رفضه ارتداء القميص الذي يحمل علم المثليين في المباراة المخصصة لدعمهم، وعلى الرغم من أن ملكية النادي للدولة القطرية، فإن العقوبة المجتمعية من الاتحاد الرياضي الفرنسي الذي قرر دعم هذه الفئة.

امتد الأمر إلى المدارس إذ ألغيت خانة الجنس من التصنيفات، ولقن الأطفال منذ السنوات الدراسية الأولى أن التصنيف حسب الجنس (ذكر وأنثى) أمر مستهجن وغير مقبول؛ لأن العائلة، التي هي أساس هذا التصنيف، من الممكن أن تتشكل من الجنس نفسه، وبالتالي تغيب مصطلحات (الزوج/ الزوجة، الأب/ الأم) ليحل محلها الشريك تمهيدًا لضمور العائلة بمعناها التاريخي، كما نبه المعترضون.

لعلها المرة الأولى في تاريخ البشرية تفرض أقلية جنسية، لها ميولها الخاصة، شروطها على مجتمعات بأكملها، وتصبح فريضة بقوة القانون، ففي صيف عام 2012م وفي أثناء احتدام النقاش حول ترسيم المثلية استُدعِيَ ممثلون عن الكنيسة الكاثوليكية والكنيس اليهودي للبرلمان الفرنسي لمناقشة ترسيم قانون المثلية، واستُثنِيَ ممثلو الأقلية المسلمة من الدعوة. اعترض على القانون الحاخام اليهودي ممثل الطائفة اليهودية التي هي أقل من 1%، كما اعترض الكاردينال الكاثوليكي الذي تمثل طائفته ما يقرب من 70%، من حيث إن المثلية تمثل خطرًا على الأسرة والطبيعة البشرية، ووقف إلى جانبهما رموز اليمين الفرنسي أمثال فرانسوا فيون، رئيس الوزراء الأسبق والمرشح الأقوى للانتخابات اللاحقة الذي أُزِيحَ من السباق الانتخابي، حيث أعلن فيون أنه سيعيد النظر في القانون إذا عاد اليمين إلى السلطة، وكذلك جان فرانسوا كوبيه الذي حسم الأمر، وأعلن أنه لن يلتزم بالقانون ولن يزوج المثليين في البلدية التي يرأسها، فيما غاب رأي ممثلي الأقلية المسلمة خلف غبار العمليات الإرهابية وصرخات الجهاديين الذين يعادون الدولة والمجتمع، ولم يتلفت أحد إلى رأي ممثلي المسلمين رغم تجاوزهم نسبة الـ8% من الفرنسيين.

في دروس التاريخ، تصبح الأقلية -أية أقلية بشرية- خطرًا على المجتمع حين تتحول إلى أيديولوجية ثأرية انتقامية، ويبدو من الوقائع التي تجري في فرنسا مع المثليين أنها بصدد الانتقام من المجتمع بسبب تاريخهم المؤلم مع هذه المجتمعات، فقد كانت العقوبات شديدة عليهم عبر التاريخ حتى وقت قريب، وهاهم يقلبون الآية بدءًا بالتمادي مع كل من لا يعلن دعمه وتأييده لهم، وانتهاء إلى إقرارهم في المناهج الدراسية وفرضهم على المجال العام والإعلام. ما كل هذا إلا ابتداء خطر يداهم هذه المجتمعات، خطر ينذر بصعوبة التحكم فيه مستقبلًا.

لم يعد خافيًا على أحد أن أحد أهم أسباب خسارة المرشح اليميني السابق فرانسوا فيون، للسباق الانتخابي في عام 2016م، رغم المؤشرات التي كانت تشير إلى تقدمه على جميع المرشحين، هو موقفه من قانون المثلية الذي مرره الحزب الاشتراكي. خسر فيون الحياة السياسية ولحق به كوبيه، أحد رموز اليمين وكان ذلك درسًا بليغًا لباقي رموز السياسة الفرنسية في خطورة الاقتراب من هذا الطوطم الجديد الذي يجتاح العالم انطلاقًا من عواصم الغرب.

شاعر ومدير مكتب الخليج للدراسات في مارسيليا بفرنسا

مجتمع الميم من النبذ إلى العلن

صبحي موسى

حضرت المثلية في صور مختلفة في مجالات التعبير، وتدرجت في الحضور من الهامشي والمتخفي إلى الصريح والمباشر، في كل من الرواية والسينما في العالم العربي. في الرواية عدد من علاقات الحب والهوى المثلي، بداية من رواية نجيب محفوظزقاق المدقالمكتوبة عام 1947م، والتي قدم فيها شخصية المثلي بشكل هامشي، حيث كان رجلًا متزوجًا في الحارة، لكنه يميل إلى المثيل، وهو النوع الذي يطلق عليهالمزدوجأوعابر الجنس“. وكذلك كتب جمال الغيطاني فيوقائع حارة الزعفرانيوسعد مكاوي في روايته الشهيرةالسائرون نيامًاعن المثلية في عصور المماليك والعثمانيين، بينما كان علاء الأسواني أول من كتب عن شخصية المثلي في الواقع المصري الحديث في روايةعمارة يعقوبيان، وجاءت رواية محمد عبد النبيغرفة العنكبوتكسيرة لشخص مثلي. أما اللبنانية هدى بركات فقد رصدت في روايتهاحجر الضحكالتي تدور عن الحرب الأهلية اللبنانية صراع الشخصية الرئيسة خليل مع مثليته الجنسية، ورصدت الكاتبة صبا الحرز هذا الصراع في روايتهاالآخرون، وتناولت سمر يزبك في روايتهارائحة القرفةالميل الأنثوي، السحاق، بين سيدة وخادمتها، وفيبرهان العسلقدمت سلوى النعيمي سردية مثلية كبرى، ولعل المغربي محمد شكري هو أبرز من كتب عن المثلية الجنسية في عمله الصادمالخبز الحافي“.

إضافة إلى ذلك، فقد حفلت المكتبة العربية بالعديد من الأعمال المهمة التي تخللتها شخصيات مثلية، من بينهاالنبطيليوسف زيدان، وحبات النفتالينلعالية ممدوح،جنات وإبليسلنوال السعداوي،بنات حارتنالملاحة الخاني،أنا هي أنتِلإلهام منصور،ملامحلزينب حفني،لا نقاب للشمسلرحاب ضاهر،نساء يوسفللينا كريديّة،الحمامة بعباءتها السّوداءلليلى عقيل،مينالسحر مندور،بيروت 75″ لغادة السّمّان،شارع العطايفلعبد الله بن بخيت. وكان رؤوف مسعد أشهر من كتب عن المثلية في روايتهبيضة النعام“. وفي روايتهإيثاكاأخذ على عاتقه الدفاع عن المتهمين في قضيةكوين بوت“.

ومن الصعوبة تقديم إحصاء لمختلف الأعمال الروائية التي تعاملت مع المثلي، ورصدت جانبًا من مشكلاته ومعاناة أصحابه وطموحهم للاعتراف بحقوقهم.

وفي مجال السينما، تطور ظهور الشخصية المثلية من الحالة الهامشية إلى أن أصبحت إحدى القضايا المهمة التي تناقشها. فعادة ما كانت تظهر في السينما الكلاسيكية كشخصية نمطية هامشية ذات صيغة رمزية، كشخصيةشلبيفي فِلمخلي بالك من زوزوالتي جسدها باقتدار المطرب الشعبي الكبير شفيق جلال، وشخصيةترترالتي جسدها الفنان فاروق فلوكس في فيلمالراقصة والطبال، وكان مساعد البطلة الراقصة/ نبيلة عبيد الذي ضربت به المثل في أن القانون يسمح لشخص مثله أنه ينشئ جمعية أهلية لرعاية الأيتام، لكنه لا يسمح لها بذلك، لأنها راقصة. لكن مع أفلام الواقعية الجديدة أخذت شخصية المثلي أدوارًا ومساحات أكبر، كما في فيلمرسائل البحرلداوود عبد السيد، حيث شخصيةكلاراالتي تمارس المثلية مع زبائنها، وفيلمحين ميسرةحيث تذهب بطلة الفِلمناهدللعمل لدى سيدة ثرية جسدت شخصيتها الفنانة غادة عبد الرازق، لكنها تكتشف مثليتها ولا تتوافق معها. وفي فيلمبدون رقابةتظهر العديد من المشاهد التي توحي بالمثلية بينشيري” (علا غانم) وشابة تجسد دورها الفنانة ريم هلال. وكان فيلمعمارة يعقوبيان، المأخوذ من رواية علاء الأسواني، أول عمل سينمائي عرض بشكل واضح لشخصية المثليرشيد حاتمالتي جسدها خالد الصاوي. ولا تخلو أفلام يوسف شاهين التي عنيت بسيرته الذاتية من التلميح إلى مثلية الشخصية الرئيسةيحيى“. مما يعني أن ظهور المثلية بدأ بشكل هامشي وتطور حتى أصبح يمثل دور البطولة في بعض الأفلام، بل إن المثلية أصبحت أحد الموضوعات المهمة التي عنيت السينما بمناقشتها كما في فيلمأصحاب ولا أعز“.

لا ننتج الزومبي لاختلافه مع المثل والقيم الإسلامية

لا ننتج الزومبي لاختلافه مع المثل والقيم الإسلامية

كاظم‭ ‬مرشد‭ ‬السلوم

أفلام الزومبي لست نوعًا فِلميًّا خاصًّا كباقي الأنواع الفِلمية، بل تدخل ضمن أفلام الرعب أو التشويق، ولا يمكن أن تكون معبرةً عن جوهر مجتمع ما، بقدر ما تلبي رغبة وحاجة بعضٍ في سبر أغوار بعض الغيبيات وما ينتج منها من سحر قد يعيد بعض الموتى إلى الحياة بصورة بشعة وعدائية. وبالتأكيد لا يفضل جميع أفراد المجتمع هذه الأفلام، لكن لو أجرينا دراسة حول الشريحة الكبرى التي تشاهدها لوجدناها من فئة الشباب، وبخاصة المراهقون منهم، وهذا لا يقتصر على شباب مجتمع ما دون غيره، فهناك إقبال على مشاهدة هذه الأفلام حتى من قبل مجتمعاتنا العربية التي لا تمتلك باعًا طويلًا في صناعة الروبوتات والتقنية الحديثة، التي صنعت لتقدم خدمة وظيفية إدارية أو صناعية لا علاقة لها بشخصية الزومبي.

تعد السينما الأميركية أو سينما هوليوود الأكثر إنتاجًا وترويجًا لأفلام الزومبي. وهي تعمل ضمن قاعدة أن صناعة السينما تحكمها حسابات السوق وشباك التذاكر، وبالتالي لا بد لها أن تنتج ما يحقق لها الأرباح اللازمة لديمومتها. السر في الإقبال على أفلام الزومبي وغيرها هو رغبة الشباب في الهروب من الواقع الرتيب الذي يعيشون فيه إلى واقع افتراضي توفره لهم نافذة السينما المدهشة. ويختلف تأثير مشاهد الرعب والعنف من مشاهد إلى آخر، لكن هذا التأثير يكون على أشده عند الشباب المعرضين للوقوع تحت تأثير ما تطرحه هذه الأفلام من أفكار ومشاهد؛ وذلك بسبب نقص الوعي لديهم، فضلًا عن عدم تراكم الخبرة الثقافية اللازمة لتجنب هذا التأثر.

وتكمن خطورة تأثير هذه الأفلام في جانب مهم، وهو التأثر والتماهي مع شخصياتها، والرغبة في تقليدها سواء على مستوى الفعل أو السلوك، وهو الأمر الذي يشكل خطورة كبيرة عليهم. وقد كتبت ذات مرة عن التماهي عند بعض الشباب مع أفلام ومسلسلات البلطجة، كما لدى الفنان المصري محمد رمضان في مسلسله «الأسطورة»، حتى إن بعض الشباب -هنا في بغداد- أخذ يقلد تسريحة شعره ويتصرف بالبلطجة ذاتها التي ظهر عليها في دوره في هذا العمل. إذن الخطورة تكمن في التماهي، والمشكلة أننا ومع كل هذا الكم من إنتاج مثل هذه الأعمال نقف عاجزين عن مواجهتها؛ لكون الأمر يحتاج إلى كثير من الجهد ورأس المال والكتابة الرصينة والكوادر التقنية التي يمكنها أن تنتج أعمالًا قد تنجح في تحويل اهتمام الشباب إلى موضوعات أخرى مهمة وممتعة.

أرى أن إحجام السينما العربية عن إنتاج مثل هذه الأفلام سببه خضوع الوعي الجمعي العربي إلى التعاليم الدينية التي تقول بعدم عودة من يموت إلى الحياة؛ لذا فمن الصعوبة بمكان ضرب المثل والقيم التي يؤمن بها المجتمع بطروحات لا تتلاءم معها. كما أن الكلفة الإنتاجية والتقنية المطلوبة لإنتاج هذه الأفلام لا تتوافر لدى كثير من شركات الإنتاج السينمائي العربية، حيث تحتاج صناعتها إلى أموال طائلة يفضل بعضها، إن توافرت، أن تصرف على إنتاج أفلام روائية تلبي حاجة المشاهد العربي. وأعتقد أن الإقبال على مشاهدة هذه الأفلام في وطننا العربي قليلة ولا تضاهي الإقبال عليها في البلدان المنتجة لها.

ناقد سينمائي عراقي

محاكاة رمزية لواقع الإنسان المأزوم

آمال كمال

السينما أرشيف للأحوال الاجتماعية وعلاقة الفرد بواقعه، فمنذ ظهور الفن السابع في مطلع القرن العشرين، صامتًا ثم بصحبة الموسيقا، أبيض وأسود ثم ملونًا، ونحن لم نبرح العلاقة الدائمة بالصورة المتحركة. رافقت البدايات تلك النقلة النوعية من الصمت إلى دبلجة اللغة ليصل إلى أكبر قطاع من المتلقين بهدف اقتصادي بحت، في بادئ الأمر كان يتعلق بالتوزيع الخارجي، ثم في مرحلة تالية، مع اكتشاف أهمية الصورة في تشكيل المتخيل العاقل وأثره في الانفعال والسلوك، حملت الأفلام المنتجة بالآداب والفلسفات والقضايا الاجتماعية المختلفة، ثم توالت التطورات التقنية الفنية المذهلة في الصوت والصورة والخروج إلى الشارع بعيدًا من الأستوديوهات المغلقة.

من أفلام شارلي شابلن التي تعكس العلاقة بين الإنسان والآلة، حيث تحول إلى ترس في عجلة الصناعة الحديثة مستهلَكًا ومنزوعًا عنه صوته وحركته، بل إرادته أيضًا، إلى سينما الطبقات المخملية، تلتها سينما التمرد التي واكبت الثورات الاجتماعية، والحربين الكبيرتين في مطلع القرن العشرين ومنتصفه، ظلت الكاميرا تنقل ما تود نقله للمتلقي عابثة بعقله وسالبة قدرته الناقدة، أو على أقل تقدير، تدخل إلى عقل منزوع الأجنحة، فتوجهه إلى القِبلة التي تهوى والأفكار التي تطمح إلى تبنيها، كما ساعدت السينما الوثائقية على ذلك.

اللاوعي والخيال العلمي

مع تطور التقنيات في التعامل مع الصورة وفن الجرافيك، والذهاب إلى خارج حدود الغلاف الجوي والدوران حول كوكب الأرض والوصول إلى القمر، استجابت السينما لتلك النقلة النوعية. وحقيقة، إن من يرى هو من يملك الحقيقة، أو بالأحرى يملك ما يود أن يتلقاه الآخر، سواء كان حقيقة أم خيالًا. ومنذ ذلك الحين جن جنون السينما بموجة أفلام اصطُلِحَ على تسميتها بسينما الخيال العلمي. فالذهاب إلى الخيال يقربنا من عالم اللاوعي البشرى بكل ما يحمله من المرفوض الاجتماعي، أي «الجنس والعدوان»، وأفلام البورنو هي تعبير فصيح ومباشر عن هذا الجانب من المكبوت البشري، أما ما يسمى بأفلام الرعب، كأفلام مصاصي الدماء والمستذئبين والزومبي، تلك التي تحمل بكل وضوح ذلك الجانب الثاني، أي العدوان المكبوت بكل ما يحتويه من تخييلات التدمير والتمزيق والالتهام والابتلاع للجسد البشري، فهذه يقبل عليها المرتعدون أملًا في الحصول على طمأنينة مرضية بأن هناك رعبًا أكبر مما يعيشونه يقع خارجهم، وعدّها منفذًا لامتصاص القلق من داخلهم، لكنها دائرة ما إن تبدأ لديهم فإنها لا تنتهى أبدًا.

إله الموت الذي لا يشبع

موجة أفلام الزومبي على وجه الخصوص هي حلقة من سلسلة ممتدة لأفلام الرعب. ومن ثم فهي محاكاة سينمائية رمزية لواقع الإنسان الحديث بجسده المأزوم المتجدد موتًا وحياة، فما إن ينام حتى يستيقظ ليدور في آلته مسلوب العقل، وفي الطريق إليها يدوس بقدميه ما يسمى بقوانين الحضارة الإنسانية ممعنًا في مصالحه الفردية، آكلًا الآخر المنافس، ولا يشبعه موته بل يبحث عن آخرين، فالثاناتوس (إله الموت الإغريقي وشقيقاته) يسيطر على واقعه وخياله، وهو إذ يستهلك الآخر لا يبقى في زمنه زمن ليعيشه، فتلك الجثث المتجددة هي عنوان صريح لإنسان العصر الآني بكل دمويته وعنفه وجموده الآلي.

المدهش أن منتجي سينما الرعب يحملون تناقضهم بداخلهم، فهم منتجون لتلك الأفلام الدموية، وهم من يحذرون من تبعات مشاهدتها على الأطفال والشباب، حيث يتوقعون زيادة التماهي مع ما تخلقه من عنف وتدمير، وكم من أطفال مسّت خيالهم تلك الصور العنيفة فأقدموا على تقليدها ودفعوا حياتهم ثمنًا لها، وقد يزيد القلق والعدوان لدى مشاهدي تلك الأفلام المتطرفة في الخيال العنيف، وليس بغريب أن يحذوا بعضهم حذو هؤلاء المنتجين فيحذرون من الحروب والدمار، وهم في الآن نفسه يقبضون بأياديهم على مفاتيح آلة عملها!

باحثة نفسية

لا فلسفة في عالم الزومبي سوى التحذير والرعب

ناجي فوزي

الزومبي هم الموتى الأحياء؛ إذ يفترض فيهم أنهم أموات، لكنهم ليسوا أمواتًا، وكي يستمروا في حياتهم لا بد أن يتصلوا بالعالم الحقيقي كي يمتصوه. هم استنساخ حديث من فكرة مصاصي الدماء، أو تنويعة حديثة من فكرة دراكولا التي استنفدت طاقتها، كما يقولون، فاختُرِعَت فكرة الزومبي، ثم الرهان على هؤلاء الذين ينهضون من موتهم.

لا بد أن نسأل أنفسنا: من هم صناع السينما ومشاهدوها الأوائل؟ إنهم مجتمع هوليوود، أما نحن فلدينا سينما تابعة. المقصود أنه في الغرب، وبخاصة أميركا، يوجد مناخ سياسي عام يريد لمواطنيه دائمًا أن يشعروا بالرعب والخوف، وأن هناك من يترصدهم، سواء كانوا شعوبًا بربرية أو كائنات فضائية، أو حتى خرافات قديمة مثل مصاصي الدماء، أو خرافات حديثة مثل الموتى الأحياء أو الزومبي. فأميركا تحب لأناسها أن يعيشوا في حالة من الرعب، ومن مصلحتها بالطبع أن يشاركها الآخرون هذا الشعور وتلك الثقافة، سواء في الشرق الأقصى أو الأدنى أو غيره. ويمكن القول: إن هذه السينما تريدنا ألا نندهش من وجود مثل هذه الكائنات، أي أنهم يهيئوننا لقبول الأسطورة، التي تنتهي دائمًا بأن الغرب أو أميركا هي الوحيدة القادرة على التعامل مع هذه الكائنات وإنقاذنا منها.

هذا النوع من الأفلام ليس جديدًا على السينما عامة، لكنه يتطور من زمن إلى آخر، واليوم تزداد هذه الموجة من الأفلام نظرًا لأمور عدة، في مقدمتها تغير خريطة العالم السياسية.

تتفنن السينما الأميركية في إبهار المشاهد بالصور الدموية ومشاهد الخراب العظيم، وذلك تهيئة للنفوس لتقبل هذا الخراب حين يحدث على أرض الواقع، وتبريرًا أيضًا لحدوثه على يد السيد الأبيض سواء الأميركان أو الغرب عامة. وقد حدث هذا في العراق حين قررت أميركا أن تغزوها بحجة القضاء على الشرير صدام حسين، وحدث أيضًا في ليبيا حين قرر التخلص من القذافي، وعلى الرغم من سنوات الدمار التي كانت وما زالت، فإن هذه البلاد لم تتخلص من الشر ولم تعرف الفردوس الذي بشرت به أميركا.

إقحام الدين

الرعب أيضًا دائمًا ما يأتي مغلفًا بخلفية أو فتوى دينية، وفي هذه الحالة تتقبله فئات كثيرة. وبالمناسبة، لست مع أن نطلق على أفلام الزومبي كلمة أسطورة، سواء جديدة أو قديمة؛ لأن الأساطير تقوم على الماورائيات وليس المحسوس، والزومبي محسوس تمامًا، فهم أجساد متحركة، تجوب الشوارع في جماعات، وتنهش لحوم الناس. كانت هذه النوعية من الأفلام تأتي في أعداد أقل، وليس بكل هذه الكثرة في الأعداد والجماعات، وكنا نرى المستذئب الواحد أو الاثنين بالكاد، أو نرى مصاص الدماء الواحد أو الاثنين، وكنا نرى قصة إنسانية تغلف الفِلم. لكن في السنوات الأخيرة صرنا نرى جماعات كثيرة تحتل المدينة وتنهش الناس، من دون وجود لقصة ولا إنسانية، فقط مشاهد غاية في الدموية والخراب وإيلام المُشاهِد وإرهابه، وهو ما يجعل الرسائل واضحة وشديدة اللهجة، فأنت أيها المُشاهِد لست وحدك في هذا العالم، ونحن الذين يمكننا أن نحميك مما يهددك من أخطار هذا العالم.

وعلى الرغم من انتشار موجة الزومبي، وتحقيقها إيرادات هائلة إلا أن السينما المصرية والعربية عامة فشلت في الدخول إليها، نظرًا لأنها مكلفة كثيرًا، وتحتاج إلى تقنيات عالية، فضلًا عن أن المشاهد من الصعب أن يتقبلها باللغة العربية، فلا يمكنه أن يرى محمدًا وحسنًا وسعيدًا وقد تحولوا إلى زومبي على الشاشة، سيبدو الأمر مضحكًا وغير مقبول. لكن هذا لا يعني أننا لم نحاول، فهناك أفلام مثل: «الإنس والجن»، و«المرأة التي غلبت الشيطان» وغيرهما. وكانت تنتهي دائمًا على نمط الأفلام الغربية، فإذا كان الفِلم الأجنبي ينتهي بظهور القسيس أو الصليب، وكأن الدين هو الحامي من هذا الرعب، فإن الفِلم المصري ينتهي بتلاوة آية قرآنية، وكأن هذه الآية لم تكن موجودة، طوال العامين اللذين تدور فيهما أحداث الفِلم، وهو أمر مثير للسخرية من وجهة نظري.

في النهاية لا أعتقد أن أفلام الزومبي تقدم أي فلسفة مهمة للمُشاهِد، ولا يمكن النظر إلى أبعد من رسائلها المباشرة، فلا يمكن تأويلها على أنها نتاج تشيؤ الإنسان أو سيادة الآلة، فقد كانت هذه الأمور موجودة طيلة الوقت. ومن ثم فالفكرة الأساسية فيها تقوم على الرعب، وإرهاب المُشاهِد، وتحذيره الدائم.

كاتب مصري

أفلام الزومبي لِمَ لم تقتحم السينما العربية؟

أفلام الزومبي لِمَ لم تقتحم السينما العربية؟

صبحي‭ ‬موسى‭ ‬وهدى‭ ‬الدغفق

لماذا لم تقبل السينما العربية على نوعية أفلام الزومبي؟ يرجع بعض المهتمين السبب إلى الثقافة العربية والإسلامية التي لا تقبل فكرة عودة الموتى إلى الحياة بالطريقة التي تصورها تلك الأفلام. ومنهم من أعاد السبب إلى ضعف السينما العربية بشكل عام، كما أن هذا النوع من الأفلام بحاجة إلى إنتاج ضخم وتقنيات غير متوافرة في السينما العربية. والنتيجة أن سينما الزومبي لن تجد طريقها إلى اختراق ثقافة المشاهد العربي. فيما يذهب بعضهم إلى أن تقنية صناعة أفلام الزومبي في المتناول، وستجد في الأخير طريقها إلى الشاشة العربية وعقول المشاهدين، وبخاصة مع سهولة استنساخ هذه الأفلام وازدياد أعداد المقبلين عليها من جيل الشباب الذي يبحث عن واقع بديل يعبر فيه عن مكبوته.

هناء العمير: ضعف صناعة السينما العربية وقلة الإيرادات

بشكل عام، أفلام الرعب ليست رائجة في الوطن العربي؛ لأنها تتطلب الاعتماد بشكل كبير على المؤثرات البصرية والصوتية، وهذا جانب يستلزم وجود صناعة قوية وإيرادات لشباك تذاكر. وإذا أردنا أن نتحدث عن إيرادات الأفلام العربية في الوطن العربي فهي متدنية، وهذا أحد أسباب تراجع صناعة الأفلام. فمصر، وهي البلد العربي الوحيد الذي يمكن أن نتحدث عن وجود صناعة سينما فيه، لا يُنتِج عددًا كبيرًا من الأفلام بسبب القرصنة التي ساهمت إلى حد كبير في تقليص عدد الأفلام المنتجة، وكذلك تقليص ميزانيات الأفلام، فلم تعد مصدر ربح للشركات المنتجة.

الحقيقة أن أفلام الزومبي رائجة ليست في هوليوود فحسب؛ بل في شرق آسيا كذلك، وكانت قد اختفت تقريبًا في هوليوود، ثم عادت بناءً على رواجها في ألعاب الفيديو؛ في شرق آسيا، وخصوصًا في الصين واليابان وكوريا الجنوبية. وهذا ما أعادها من جديد إلى الأفلام الأميركية. وإن كان الفضل في كل أفلام الرعب يعود إلى السينما التعبيرية الألمانية التي ظهرت في أوائل القرن العشرين، فقد كانت الملهم الأول في أفلام الرعب التي في ضوئها ظهرت أفلام رعب عديدة في هوليوود في الثلاثينيات ثم الأربعينيات من القرن العشرين ومنها أفلام الزومبي.

مخرجة سعودية

طارق الخواجي: الأخروية نزعة أميركية أصيلة كما النقانق

هناك أسباب عدة تحول دون انتشار هذا النوع من الأفلام في المنطقة العربية؛ أولها أن هذه الفكرة نشأت وترعرعت في بيئات مختلفة وبطابع ذهني مغاير عن الثقافة العربية، مثلها مثل فكرة مصاصي الدماء والمستذئبين والسيرينات. حتى الأشباح الأكثر قربًا لعالم الجن تبدو معالجاتها بعيدة من الذهنية العربية. أما السبب الثاني فيعزى لمناقضة هذه الفكرة في أصلها للمفهوم الإسلامي الذي يرى في الموت انتقالًا للعالم الآخر ولا يمتّ لعالم الأحياء بِصِلة سوى في ارتباطات خاصة بالعمل الصالح والدعاء الذي يبلغهم حتى عالم البرزخ.

سأضرب مثالًا آخر في ندرة الزومبي في الثقافة الغربية. تنشط ثيمات الموتى الأحياء في أميركا تحديدًا، وبالذات في سينما هوليوود، لكن السينما الأكثر تفعيلًا لهذه الثيمة توجد في بريطانيا، صاحبة اللغة المشتركة، والنموذج الأساسي هو فِلم «بعد ٢٨ يومًا»، والفِلم الكوميدي «شون أو ذا ديد»، في حين تظل مجمل الأعمال البريطانية بعيدة من هذا النوع من الأفلام. وتقترح فكرة طوفان لندن نموذجًا للأخروية. في فرنسا نسجل فِلمًا وحيدًا بارزًا يحمل ثيمة الزومبي، وهو فِلم «الليلة التي تلتهم العالم»، وليس هناك حاجة للقول: إنه فِلم يتيم في السينما الفرنسية المعاصرة، حتى مع ظهور أفلام هنا وهناك آخرها «القطع الأخير» الذي أطلق قبل أيام عديدة وعانى كثيرًا في عرضه لظروف متعددة.

في اليابان مثلًا، وحاليًّا كوريا الجنوبية، تبرز هذه الأفلام كنوع من التبعية لسينما هوليوود والاتكاء على شعبية هذا النموذج عند المراهقين وعشاق ألعاب الفيديو تحديدًا.

هناك نزعة أميركية أصيلة فيما يتعلق بالأخروية ونهاية العالم، وكما يقول جوناثان كيرتش صاحب كتاب «حكايات محرمة في التوراة»: إن الأخروية أميركية كما النقانق؛ لذا فإن ثيمة الموتى الأحياء هي مجرد تنويع مقترح لشكل النهاية التي تأتي في السينما الأميركية في صور وأشكال متعددة مثل الطوفان والانفجار الحراري والأوبئة المختلفة وهجوم الكائنات الفضائية والقنبلة النووية، أو في اقتراح نوعي مثلما يطرحه الياباني هيديو كوجيما في لعبته الشهيرة «جنوح الموت» من خلال اضطراب بيولوجي هائل يتشكل من خلال نزعة انتحار جماعية مدمرة في الولايات المتحدة بالتحديد.

وهذه النزعة لا تتوقف عند السينما بل سبقت إلى الأدب والروايات المصورة الكوميكس حتى ألعاب الفيديو منذ بواكيرها، مثل هجوم الشياطين على الأرض في لعبة «دووم» الشهيرة. أحد النصوص الملهمة في موضوع الموتى الأحياء يجد طريقه بعمق في الثقافة الأميركية الشعبية هو نص ماري شيللي «فرانكشتاين» الذي يقترح فكرة أن البشر هم من يخلقون أسباب دمارهم من خلال ارتباك مصمم يخلّ بانتظام العالم أو الحياة كما نعرفها.

ناقد سعودي

أنور القوادري: لن تنجو السينما العربية من الزومبي

احتفاء هوليوود بأفلام الرعب يعود إلى زمن بعيد، زمن الأفلام الصامتة، ثم تطورت في سبعينيات القرن الماضي، وسارت في خطين متوازيين: الخط الفني الأول كان ملعب ألفريد هيتشكوك الذي مزج بين التشويق والعنف غير المباشر النابع من سيكولوجية شخصياته، وهو الخط الذي طورته هوليوود لاحقًا لتصل به إلى الذروة في فِلم «صمت الحملان». أما الخط الثاني فهو التجاري، السائد حاليًّا، الذي يلعب عليه المخرج الأميركي «روميرو» الذي ابتدع وطور شخصيات الزومبي المباشرة، التي تداعب غرائز المشاهد، وتحقق إيرادات مهولة في شباك التذاكر، وأصبحت ضمن قوائم إنتاج شركات الإنتاج الهوليوودية العملاقة. هذه النوعية من الأفلام لها جمهور عريض من الشباب، وللأسف بدأت تتسلل إلى السينما العربية، بطريقة النسخ والتقليد. إنها ليست ظاهرة مؤقتة، وربما ستبقى وستنتشر بكثافة طالما يوجد من هو مستعد لأن يدفع تذكرة دخول السينما لمشاهدتها، وطالما تهافتت عليها منصات البث الإلكتروني. هناك أفلام رعب مهمة سواء لهيتشكوك وغيره، لكنها لا تستهويني. ولو عُرض عليَّ إخراج فِلم عن الزومبي لن أقبل، ليس لأن هذا النوع سيئ، ولكن لأنه ليس نوعي المفضل.

تعمل أفلام الزومبي على إثارة الغرائز، وهي بلا قيمة فنية، ومقياسها الوحيد هو شباك التذاكر. وبالتأكيد لن تنجو السينما العربية منها؛ لأنها ستتسلل إليها من طريق المنتجين الذين يلهثون نحو الربح السهل والسريع، وذلك باستنساخها مثلما يفعلون مع أفلام الأكشن والإثارة الأميركية. أصبح النسخ أسهل، نظرًا لوجود التقنية الحديثة، والتصوير الديجيتال، والخدع البصرية (سي جي آي)، والخلفية الخضراء. هذا الأمر سيصنع كارثة في السينما العربية، ونحن نعيشها الآن، مقارنة بالزمن الماضي، حيث كانت السينما قوية بوجود مديري تصوير ومخرجين كبار لديهم رؤى ملهمة ورغبة في صناعة حقيقية خاصة بهم، وهذا ما صنع مجد السينما العربية.

مخرج سينمائي سوري مقيم في لندن

حسين طه محادين: «الزومبي» تسعى لضرب ثوابت العقيدة

لا شك أن وسائل التواصل البصري المحمولة عبر التقنية، وتحديدًا ما أسميه بثقافة الصورة، تُعد دكتاتورية استثمرها صُناعُ السينما في الغرب، استنادًا إلى معطى علمي مفاده أن ما يقارب 80% من معارفنا نتشربها عبر حاسة البصر، وذلك بغرس الصورة أو المَشاهد المتقنة بألوانها وأصوات شخوصها سواء أكانوا بشرًا أم كائنات حية أخرى. هذه العملية تشكل دعوة إلى تقليد ومحاكاة ما شاهدناه من قبل. وبالتالي فإن أفلام الزومبي ذات المحتويات المدهشة وغرابة شخوصها وارتفاع منسوب العنف في رسالتها البصرية إنما تمثل حالة من الاختراق المتدرج الهادف إلى خلخلة التوازن النفس أدائي النسبي للمشاهد، وكثيرًا ما تتناقض مع الجذر العقائدي عند المسلمين، وبخاصة أن المجتمع العربي يوسم بأنه مجتمع شباب لهم ثقافتهم الفرعية الخاصة بهم كمتابعين، وأحيانًا كمدمنين لتقنية متطورة بوسعها احتلال حواسهم الشغوفة بالاكتشاف والتجريب.

إعادة ضبط

ويمكن القول: إن العالم العربي لم ينجح بعد في استثمار وسائل الثقافة البصرية، وبالتالي فنحن في وضع المتلقي. ولا ننسى أن سرعة الترجمة جعلت العديد من البلدان النامية غير الناطقة باللغات الأوربية تنقل السينما الغربية إلى مجتمعاتها بسهولة ويسر، فضلًا عن وجود العديد من الضغوطات الاجتماعية في الثقافة العربية والإسلامية التي كانت موجودة قبل هذا الانتشار الهائل للتقنية البصرية. هذه الضغوطات ساعدت على تعميق القيم الفردية، أي حرية اختيار المشاهدة، كما ساهمت في رفع كلفة الإنتاج السينمائي في ظل المنافسة التي يشهدها هذا الفضاء الرحب. وقد قال ابن خلدون: إن المغلوب يميل إلى تقليد الغالب، الذي يوظف هنا وسائل التقنية كأيديولوجيا لبث فكره وسعيه لإعادة ضبط المزاج والسلوك العام في البلدان الأخرى وفقًا لمقاسات ومرامي الثقافة الغربية المعولمة. لذا نتذكر أن هناك تراجعًا للقطاع العام الذي كان مشرفًا على الدراما وتمويلها، في مواجهة الخصخصة وحرية السوق وسيادة الغرائز، أكثر من سيادة الرؤى الفلسفية في مضامين هذه الأفلام الأكثر شعبوية والأسرع استهلاكًا.

عولمة الكون والجسد

اللغة البصرية، المتطرفة، المحمولة للعالم عبر أدوات التواصل التقني تمثل أرضية خصبة لارتفاع نسب الإدمان عليها، ثم محاكاة مضامينها وسعْي كثير من شبابنا لتطبيقها. وأنا مؤمن بأن أفلام الزومبي، وما على شاكلتها، تضرب الثوابت الدينية من خلال فكرتي الحياة والموت، بجعل عملية الخلق مقبولة لدى المشاهد، وبخاصة أن هذه السلسلة من الأفلام ظهرت بعد استنساخ النعجة دولي. وبالتالي فأفلام الخيال العلمي ككل تهيئ شباب مجتمعاتنا لتقبل ومحاكاة ما يضخ عليهم من معارف من خلالها، وما تحمله من رسائل وما ترفده من أفكار حول عولمة الجسد والكون.

أستاذ علم الاجتماع والجريمة، جامعة مؤتة، الأردن

عبدالله علي الزلب: أفلام الرعب تطرد الطاقة السلبية

ظاهرة أفلام الرعب ليست جديدة في السينما، ولكن الجديد فيها هو انتشارها الكبير في العقدين الماضيين، وبخصوصًا في السينما الأميركية؛ لأنها في رأيي سينما تجارية تهتم بالربح أكثر من أي شيء آخر، بخلاف السينما الفرنسية وغيرها، التي تحكمها بعض القيم الأخلاقية التي يلتزم بها المنتجون سواء لأسباب اجتماعية- ثقافية أو لعوامل ذاتية. ولا شك أن هناك توظيفًا سياسيًّا وتجاريًّا غير أخلاقي للسينما، وبخاصة في هوليوود، فتكريس مشاهد العنف في كثير من الأحيان يتم بناءً على دراسات مسبقة للجمهور المتلقي، وبناءً عليها يكون التعامل مع نفسية الجمهور لإيصال رسائل محددة، تُحقّق أهدافًا سياسية وأغراضًا تجارية متعددة ومختلفة. ومن المؤكد أن التكرار وكثافة الإنتاج لأفلام الرعب في أفلام هوليوود خاصة ليست اعتباطية، وإنما تسير وفقًا لرؤية وخطة مرسومتيْنِ لتشكيل وعي الجمهور والسيطرة عليه عبر مشاهد الرعب، ومحاولة خلق إنسان مرتبك وقلق لا يثق في قدرات نفسه، وهو ما يدفعه إلى الاعتماد على قوة السلطة لتحقيق الأمان والسكينة المنشودة.

مصادقة الواقع

ومن ناحية أخرى، أرى أن الحياة اليوم صعبة ومتشعبة، وتأخذ في أحيان كثيرة منحنى فِلْم رعب، والأمثلة من حولنا كثيرة، فالعالم دائم الحروب، ومسرح لتصفيات عرقية وعقائدية، وكثير من الناس يرون في السينما أحلامهم ومخاوفهم وهمومهم وأفكارهم. وأفلام الرعب، من هذا المنظور، تكشف حقيقة الإنسان المرعبة والأليمة، وتجعله يواجه حقيقته؛ فالرعب في قاعة سينما ليس هو الرعب واقعًا. هو تمثيل، لكنه مصادقة على الواقع، وفتح لشهية الأسئلة: لِمَ حدث هذا؟ وما الذي يحدث في العالم الذي نعيش فيه؟ وهل نحن في مأمن من التغيرات في المستقبل؟ هو بكل بساطة استحضار الضمير الغائب في أغلب الحالات. ولذلك يرى بعض علماء النفس أن أفلام الرعب أثبتت فاعليتها في تحسين النفسية وطرد الطاقة السلبية؛ إذ يستطيع من خلالها الشخص المكبوت التنفيس عن طاقته العدوانية ومشاعره السلبية المدفونة وإشباع العنف المكبوت داخله. لا شك أن هناك علاقة وثيقة بين ارتفاع معدلات الجريمة وانتشار مشاهد الرعب في السينما والتلفزيون عامةً، وخصوصًا في أوساط الشباب العربي. وهناك العديد من الدراسات العلمية السوسيولوجية والإعلامية التي أثبتت هذا الارتباط. وفي تصوري أن العالم العربي لم يقدم على إنتاج أفلام من نوعية الزومبي يعود إلى منظومة القيم التي تتضمنها الثقافة العربية، إضافة إلى القوانين وقواعد العمل السائدة في البلاد العربية، تلك التي تحكم وتتحكم في الإنتاج السينمائي العربي. وهناك أسباب أخرى كان لها تأثير كبير في عدم انتشار هذا النوع من السينما؛ من بينها محدودية السوق العربية الاستهلاكية، ومن ثم ضعف الأرباح، إضافة إلى التخلف التقني؛ لأن هذا النوع من السينما يعتمد أساسًا على التقنية الحديثة والمتطورة أكثر من اعتماده على العنصر البشري.

أستاذ علم الاجتماع بجامعة صنعاء