بواسطة الفيصل | يوليو 1, 2023 | الملف
الكتابات العربية القديمة وحضورها الثقافي

سليمان بن عبدالرحمن الذييب
باحث سعودي ومستشار ثقافي في مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية
يرد بعض الباحثين التطور الإنساني والاجتماعي والمنجز الثقافي في شبه الجزيرة العربية إلى أمرين هما: الموقع والبيئة، وأهمها توافر المياه؛ لذلك يطلقون على مدنها وممالكها اصطلاح «الواحة/ الواحات»، مثل: تيماء، وددن في شمال غرب المملكة، والخرج، والأفلاج في وسطها، وأدوماتو (الجوف)، وجبة في شمالها، والفاو في جنوبها… إلخ.
وقد أغفل هؤلاء بحسن نية أو تعمد -من دون وجه حق- أهم عامل في هذه الإنجازات الثقافية والحضارية، وهو «الإنسان»؛ فلا شك أن من مقومات الاستقرار الدائم، أو حتى المؤقت، الموقع وبيئته المحيطة، التي تؤدي دورًا في إغراء الإنسان ودفعه إلى الاستقرار فيه، لكنه ليس العامل الأهم. ونرى أن إغفال دور الإنسان وتفاعله فيه إجحاف كبير يحتاج إلى وقفة قوية؛ لذلك علينا رد إعمار شبه الجزيرة العربية إلى إنسانها العربي الذي قطن وأسس وأنشأ ما أكد تفاعله مع بيئته وابتكاره الأساليب والمناهج الناجعة لتطويعها وتصالحه معها، وبما ابتكره من أساليب بهدف تطويع قسوتها لتكون في يده سهلة وسلسلة، فاستخدم مثل غيره حيواناتها وطيورها فيما انعكس على مصلحته فعرف دقائقها وأسرارها.
توظيف البيئة المحيطة
تبين لذلك الإنسان، مع دقة الملاحظة، قدرة القنفذ في قضائه على الدواب المضرة على مزارعه، فلم يتردد العربي في حائل الإشارة في نقشه الثمودي، العائد إلى منتصف الألف الأول قبل الميلاد، إلى اصطياد قنفذ للاستفادة من مميزاته في علاج عدد من الأمراض، أو العربي في تيماء الذي عَرَفَ أن بعض الأمراض لا علاج لها إلا «العزل» فكتب نقشه بالقلم الآرامي. إضافة إلى ما كشفه من تعامله مع بيئته (الحيوانية والنباتية) من منافع عدة لها، مثل: الجمال والثعابين، بما تقدمه من أمصال ناجعة لعلاج أمراض الإنسان والحيوان، وكذلك نبتاته الصحراوية والجبلية ودورها الغذائي والصحي (الطبي). كما أبدع العربي في مدينة الفاو في تصريف المياه الداخلية، وهو أسلوب سبق العربي غيره في هذه البقعة من العالم، وغيرها من الأمثلة الدالة على تفاعله مع بيئته ونجاحه في إنجازات لا يتسع المقام لطرحها.
ومن أهم ما يحسب لإنسان هذه الجزيرة الشامخة بقبائلها وقيمها استخدامه للكتابة بشكل لافت مقارنة بأقرانه داخل شبه الجزيرة العربية وخارجها. فما إنْ تَوصَّلَ إنسانُ بلادِ الرافدين ولاحقًا المصري القديم إلى اختراع الكتابة الذي فتح للبشرية أبوابًا واسعة، حتى شارك إنسانها في تطوير هذا الاختراع المذهل الذي غَيَّرَ وجه البشرية، فكان للقبائل الفينيقية المهاجرة من شرق شبه الجزيرة العربية إلى لبنان السبق في هذا التطوير المذهل باختراعه للأبجدية، فتخلى العالم عن مئات الرموز والعلامات التصويرية إلى: «كل حرف له صوت وكل صوت له حرف»؛ وإن كان العربي قد توصل إلى الأبجدية في غير بيئته، أي بعد هجرته، فإنه نجح في تطوير قلمه النبطي من القلم الآرامي في مدينة تيماء، واشتق الحرف العربي الحالي من النبطي في مدينة «ددن» العلا داخل بيئته وأرضه.
أمر لافت
ويعود استخدام العربي للقلم الثمودي -على الأقل- إلى القرن الثالث عشر قبل الميلاد، الذي يُعَدّ حتى اليوم أقدم خط عربي داخل شبه الجزيرة العربية. واللافت في هذه العجالة -مع أن قبائل شبه الجزيرة العربية ذات عرق واحد- أن كل قبيلة (قبائل) اختارت قلمًا مختلفًا لكتابة لهجتها؛ وهذا أمر لافت لنا، فما الذي دفع العربي الشمالي لاختيار أحرف مختلفة عن التي استخدمها أخوه العربي في وسط الجزيرة وجنوبها أو العكس؟ فهل هو دافع الهوية الإقليمية والاعتزاز القبلي؟ والأغرب أن القبائل الجنوبية التي لم تتحد تحت قيادة سياسية واحدة في تاريخها إلا مدة قصيرة- أصرت على استخدام لهجتها عند كتابة نقوشها.
وبعيدًا من أسباب هذا الإصرار الذي لم يقتصر على شبه الجزيرة العربية وشعوبها، بل نجده في العراق وبلاد الشام (سوريا الكبرى) فإنه يجب القول: إن العربي تميز مِن غيره ليس فقط في تعدد أقلامه، بل في العدد الكبير لنقوشه التذكارية على وجه الخصوص التي خطها العوام، على الضد من الشعوب الأخرى التي يغلب على كتاباتها إما الجنائزية أو السياسية. وأهمية هذا النوع من النقوش العربية تكمن في أن الكتابة لم تكن كما هي عند الشعوب الأخرى، حكرًا على فئة معينة من المجتمع، بل شائعة لدى أفراد المجتمع العربي كافة؛ لذلك وجدناها في الصحارى وعلى واجهات الجبال، وفي مناطق متباعدة، وتعكس لا شك معرفة العربي القديم وإتقانه للكتابة الناتج عن وجود مدارس تعليمية خاصة بهم. كما تعكس الحرية الاجتماعية والدينية التي عاشها العربي في جزيرته وجعلته محبًّا للحرية والانطلاق، لا الانكفاء والانعزال.

أقسام الكتابة
وكتابات شبه الجزيرة العربية -إذا استثنينا النقوش القادمة من خارجها، مثل: المسمارية الرافدية (تيماء) والهيروغليفية (تيماء) واللاتينية واليونانية (أماكن عدة) والعبرية (عسير والعلا)، والسريانية (نجران)، والتدمرية (الجوف)- تنقسم ثلاثة أقسام هي:
الأول- المسندية: أطلق هذا المصطلح من قبل عدد من المؤرخين المسلمين على نوع من الكتابة التي وجدت آنذاك في اليمن؛ لاستقامة حروفه فجاءت كأنها مستندة إلى دعائم، وقيل: لأن نصوصه تسند على ألواح حجرية أو معدنية. وكلمة م س ن د، تعني في اللغات العربية الجنوبية «نقش، لوح نذر عليه نقش، نص منقوش».
وفي الوقت الحاضر يطلق هذا المصطلح على أقلام عدد من اللغات أو اللهجات التي تطابقت وتشابهت في عدد من الظواهر اللغوية. وقد قسَّمها الدارسون ثلاثةَ أقسامٍ، هي:
أ- الشمالية: قلم نشأ في شمال شبه الجزيرة العربية، وانتشر بعضها في معظم مناطقها، وتمتاز بأن أغلبها نقوش اجتماعية نبعت من أفراد الشعب، عكست مشاعرهم واهتماماتهم. وأكثرها انتشارًا وعددًا هي النقوش المعروفة بالثمودية، نسبة إلى القبائل التي ذُكرت مرات عدة في النقوش الآشورية والسبئية والنبطية واليونانية وغيرها. وكان انتشارها واسعًا؛ فقد تعدى شبه الجزيرة إلى إيطاليا. ونظرًا لطول مدة استخدامه التي زادت على الألف والنصف (1500 عام) فقد قُسمت استنادًا إلى أشكال حروفه، واتجاه كتابة النقش، والاختلاف في المفردات إلى: الثمودي المبكر، والمتوسط (الانتقالي) والمتأخر. أما الدادانية التي تناولت معظم نقوشها الجانب الديني وتقديم الزكاوات عن ثرواتهم وممتلكاتهم الثابتة وغير الثابتة، فانتشرت فقط في منطقة العلا وشمالًا حتى تبوك. في حين امتازت الكتابات المعروفة تجاوزًا بالصفائية بذكرها النسب إلى الجد العاشر وأحيانًا إلى الحادي عشر، كما هو معروف عند العرب حتى يومنا هذا.

ب- الجنوبية: قلم عدد من اللغات أو اللهجات عند بعضٍ -مصدره الأصلي جنوب شبه الجزيرة العربية؛ وقد استَخدَمه عددٌ من شعوب اليمن القديم وممالكه. وعندنا أن خط المسند الجنوبي اشتق من الثمودي، والأخير تطوّر من خط يُعرف باسم «الخط العربي، الخط الأم أو الخط العربي القديم» (Proto-Arabic) الذي تطوّر من الخط الكنعاني القديم (Proto-Canaanite)، في حدود القرن الرابع عشر/ الثالث عشر قبل الميلاد، بمعنى آخر أنه الخط الوسيط بين الخطين الكنعاني القديم والمسند الجنوبي؛ لذلك فإن المسند الجنوبي تطوّر من المسند الشمالي.
وقد انتشر استخدام المسند في العديد من المواقع داخل شبه الجزيرة العربية وخارجها. أمّا داخلها، فعُثر عليه -إضافة إلى موطنه الأصلي اليمن- في مواقع عدة في المملكة العربية السعودية، مثل: قرية الفاو (قُرية) الواقعة جنوب مدينة الرياض، والعلا في الشمال الغربي للمملكة، وكذلك بكميات متفاوتة في كثير من المواقع داخل السعودية من نجران جنوبًا إلى تبوك شمالًا والأحساء شرقًا. كما كان لهذه اللغات المسندية استخدام واضح في عدد من المواقع
في سلطنة عُمان.

أما خارج شبه الجزيرة العربية، فإنه على الرغم من قلة النقوش مقارنة بما وجد في شبه الجزيرة العربية، فقد تعددت أماكنه، فعلى سبيل المثال وجدت نقوش في موقعي «أور ونيبور» ببلاد الرافدين، وفي مصر وجارتها الشمالية الشرقية فلسطين وتحديدًا في موقع «تل خليفة» (إيلات)، حيث عُثر على جرة تعود إلى القرن الثامن أو السابع قبل الميلاد. ونظرًا للفروق والاختلافات فقد قَسم الدارسون المسند الجنوبي إلى خمس لغات/ لهجات استنادًا للمنطقة الجغرافية أو الكيان السياسي، وهي: السبئية، والمعينية، والحضرمية، والقتبانية، والأوسانية. وأكثرها انتشارًا خارج اليمن هو الخط المعيني الذي وُجِدَ حيثما استقر التاجر المعيني، الذي جاب الأرض للتجارة، مثل: جنوب نجد وشمال الحجاز ومصر.
الثاني- الغربية: هي الكتابات التي عُرفت في سوريا الكبرى، ومنها الأوجاريتية والفينيقية والإبلاوية، وهي كتابات أبجدية عكست القيمة الحضارية لهذه الشعوب ودورها الحضاري والثقافي في الجدار الحضاري. ويهمنا منها النقوش التي وجدت في شبه الجزيرة العربية، وأهمها: الآرامية بقسميها المبكر والدولي، الأول سُجل في العلا (ددن)، والآخر في تيماء والعلا والشارقة، وجبال كوكب في نجران:


الثالث- الشرقية: هي النقوش المعروفة بالحسائية، وقد انتشرت في منطقة الأحساء بقلم عربي جنوبي، وبلهجة شمالية. وهي نقوش وكتابات لم يبدأ فعليًّا في الاهتمام بها إلا في السبعينيات من القرن الماضي، عندما سمح الملك فيصل -رحمه الله- لبعثة «كندية- أميركية» إجراء مسح في شمال وشمال غرب المملكة. وقد قدمت كثيرًا عن إنسان هذه الجزيرة، وبينت دوره الفعّال فيما أسميه الجدار الحضاري، فساهم مثل غيره من شعوب العالم القديم في بناء هذا الجدار، وهذه الاكتشافات على الرغم من قصر مدة البدء فيها، فإنها أظهرت أن حضارة إنسان الجزيرة (العربي) لم تكن فقط ثقافة شفاهية، توارثت العادات والأفكار، بعكس كثير من الحضارات الأخرى، بل مادية أيضًا، فهذا المجتمع يعود إليه أقدم رسم للكلاب المستأنسة في العالم، وأقدم رسوم ثلاثية الأبعاد، وأقدم رسم لمخططات (خرائط) صيد الحيوانات، وكلها وجدت في منطقة الجوف، وتعود إلى الألف التاسع قبل الميلاد، وبها ثاني أقدم نحت للخيول في وادي الدواسر (يعود إلى الألف السابع). إضافة إلى المواقع الحجرية الموغلة في القِدَم، فبعضها يعود إلى مليون ونصف عام، وأحيانًا مليوني عام، في مناطق، مثل: الشويحطية في شمال المملكة، والدوادمي في وسطها، ووادي فاطمة في غربها، ونجران في جنوبها.
لذلك يمكنني القول: إننا ننظر اليوم بتفاؤل إلى مستقبل المملكة العربية السعودية، فهذا المجتمع قادر بمشيئة الله أن يعيد توازنه بالمشاركة الفعّالة في التقدم الحضاري والتقني المعاصر في ظل «رؤية 2030» التي تبنتها حكومة بلادنا الرشيدة؛ كيف لا وقد اختار الله سبحانه وتعالى أرض الجزيرة مكان بيته العتيق وكعبته المشرفة، واختار من قبائله نبيه المصطفى خير البشر.
صورة الممالك القديمة في المصادر الرومانية والإغريقية

حياة عمامو – باحثة وأكاديمية تونسية
تناول العديد من الباحثين العرب والغربيين تاريخ شبه الجزيرة العربية وحضاراتها في حقبة ما قبل الإسلام؛ لذلك فإن ما سيرد في هذه الورقة عن هذا الموضوع لا يُعد من باب البحث العلمي الذي سيأتي بالجديد، بقدر ما يسعى إلى نشر معرفة تقطع مع ما ساد في الثقافة العامة التي تستهجن كل ما سبق الإسلام وتحط من قيمته. ويمكن تفسير هذا الفكر السائد الذي ينعت ما سبق الإسلام في الجزيرة العربية بـ«الجاهلية» أسوة بما ورد في القرآن، على أساس أنها كتلة مجالية واحدة، تسودها القيم الثقافية والاجتماعية نفسها القائمة على الحيف والقتل والفوضى، ويسيطر عليها النظام السياسي والاقتصادي نفسه المعتمد على الظلم والفساد والتمييز.
علمًا أن هذا الفكر السائد ليست له أية علاقة بواقع شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام إذا ما اعتمدنا على ما بينته الدراسات التاريخية والأنثروبولوجية العديدة التي استندت في البداية على المصادر الأدبية الإغريقية واللاتينية، لتعتمد بعد ذلك وانطلاقًا من سبعينيات القرن الماضي على نتائج الحفريات والاستكشافات التي أسفرت على العديد من المعطيات التاريخية المادية التي وردت في النقوش والخربشات والنقود والخزف، فضلًا عن مختلف أشكال الآثار الأخرى من معالم وبقايا بنايات وأوانٍ وأدوات… وقد طورت هذه المصادر كثيرًا معرفتنا عن شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام، بالرغم من أن هذه المعرفة ظلت، في أغلب الأحيان حكرًا على علماء الغرب الملمين أكثر من غيرهم باللغات القديمة مثل: البابلية، والآشورية، والمصرية القديمة، والعبرية، والآرامية، والإغريقية واللاتينية.
تأثير متبادل
خلافًا لما يتبادر إلى أذهاننا، مثلت شبه الجزيرة العربية مجالًا ديناميكيًّا أثر وتأثر بالحضارات العالمية لذلك الزمن سواء كانت الشرقية منها (الهند- الصين- إيران…) أو الغربية، وأساسًا الحضارات المتوسطية وشرق إفريقيا… وقد نتج عن هذا التأثير المتبادل ظهور العديد من الممالك والمدن التي لم تطبع تاريخ الجزيرة القديم وحضارته فقط، وإنما أثرت أيضًا في الحضارات المجاورة والبعيدة وتأثرت بها.
نتج عن شُسُوع مساحة شبه الجزيرة العربية، وتنوع تضاريسها ومناخاتها، وتوسطها لفضاءات حضارية مختلفة، تنوع في الحضارات التي عرفتها منذ آلاف السنين. ولعل أقدم حضارات شبه جزيرة العرب هي تلك التي برزت على سواحل الخليج مثل: دلمون ومجان، وارتبطت مع حضارات نهر الهند وسومر بعلاقات تجارية قامت على اللؤلؤ الذي تنتجه المناطق الخليجية، وقد تأثرت هذه الحضارات كثيرًا بحضارات بلاد الرافدين، وبخاصة البابلية والآشورية منها. بالتوازي مع حضارات الخليج، شهدت العديد من المناطق في وسط الجزيرة وغربها، وبفضل مواردها المائية الباطنية، ونشأة العديد من الواحات ذوات الزراعات المتدرجة، بدءًا من النخيل فالأشجار المثمرة، ثم الحبوب والخضراوات. إلى جانب المياه الباطنية في الواحات، عرفت المنتوجات الزراعية بمختلف أنواعها، وبخاصة البخور واللبان والعطورات، بفضل تطور أساليب الري تطورًا كبيرًا في اليمن الذي كان يُطلق عليه الإغريق والرومان اسم العربية السعيدة. ساهمت الموارد التجارية والزراعية التي انتشرت في مناطق متعددة من الجزيرة العربية طيلة الألفية الأولى لما قبل الميلاد في ظهور العديد من المدن على طول طريق التجارة القوافلية، مثل: شبوة، مأرب، نجران، قريات، تيماء…

الممالك القديمة
وقد أدت الشبكة التجارية الممتدة انطلاقًا من اليمن إلى الهند شرقًا والحبشة جنوبًا عبر البحر، وعبر طرق القوافل البرية في اتجاه مصر وبيزنطة وبلاد فارس، إلى ظهور العديد من الممالك. ففي الجنوب ظهر العديد من الممالك في اليمن منذ القرن السابع قبل الميلاد، ومن أكثر هذه الممالك ذكرًا في المصادر بمختلف أنواعها:
مملكة سبأ: تعود نشأتها إلى منتصف القرن السابع قبل الميلاد، وتحتل موقعًا إستراتيجيًّا؛ لأنها تتوسط الطرق التجارية القوافلية التي تربط بين حضرموت شرقًا والمناطق القريبة من البحر المتوسط في الشمال الغربي، حيث يُحمل عن طريق الجمال العديد من المواد، مثل: العطور والبخور واللبان والمر، وهي مواد إستراتيجية في ممارسة الطقوس الدينية والأنشطة الاقتصادية والاجتماعية للدول المتوسطية والإفريقية وبخاصة المسيحية. إلى جانب ازدهار التجارة في مملكة سبأ بفضل موقعها الإستراتيجي الذي يربط بين الشرق الأقصى عن طريق البحر، والشمال الغربي عن طريق القوافل البرية. ازدهرت الزراعة بفضل الأراضي الخصبة والأمطار الموسمية التي خولت إقامة نظام ري محكم، ما زالت آثاره تشهد عليه إلى اليوم.
مملكة معين: نشأت في حضرموت شمال مملكة سبأ نحو سنة 500 قبل الميلاد، ومثل مملكة سبأ كانت مملكة معين مركزًا لمرور القوافل التجارية المحمّلة بالعطور والبخور والتوابل واللبان. توسعت تجارة هذه المملكة إلى خارج اليمن في اتجاه مصر ومناطق عدة محيطة بالبحر المتوسط، وكانت في هذا النشاط التجاري تتنافس مع مملكة سبأ حتى سقوطها الذي حدث في منتصف القرن الأول للميلاد. وتُعتبر مدينة براقش المزينة بالنقوش التاريخية من أشهر مدن مملكة معين.
مملكة حِمْيَر: قد يرجع تاريخ تأسيس هذه المملكة إلى نهاية القرن الثاني قبل الميلاد؛ إذ عثر الباحثون على بعضٍ من آثارها ومعالمها التي تعود إلى سنة 110 قبل الميلاد. وجاء قيام هذه المملكة نتيجة حشد القبائل في مناطق شاسعة من الجزيرة العربية من بينها اليمن وعُمان. وقد استند اقتصاد المملكة على التجارة والزراعة؛ إذ كان الحميريون يتاجرون بالبخور واللبان والصمغ مثلما تدل على ذلك كتاباتهم القديمة في النقوش، كما أقاموا عددًا من السدود الصغيرة ورمموا سد مأرب. وتمكن الحميريون من فرض سيطرتهم على اليمن في ظل الصراعات مع القبائل، ومع ذلك أمكنهم المحافظة على ملكهم قبل أن تزيد الأوضاع اضطرابًا مع تدخل الأحباش في حدود 533م للانتقام من ذي نواس الملك الحميري اليهودي الذي حفر أخدودًا لنصارى نجران، وأشعل فيهم النار بعد أن رفضوا الدخول إلى اليهودية. وللرد على غزو الأحباش لليمن، استنجد سيف بن ذي يزن الملك الحميري بالفرس الذين تدخلوا للسيطرة على اليمن وإنهاء سيطرة البيزنطيين عن طريق الأحباش. واستمرت السيطرة الفارسية على اليمن إلى أن خضع لسيطرة المسلمين قبل وفاة النبي.
مملكة كندة: هي مملكة قديمة نشأت منذ القرن الرابع قبل الميلاد، في نجد عاصمتها قرية كاهل (قرية الفاو حاليًّا). يبدو أن نشأة هذه المملكة تعود إلى السياسة التوسعية لمملكة سبأ من أجل حماية القوافل التجارية الخارجة من اليمن إلى العراق وفارس، وهي بمنزلة المحطة التجارية لاستراحة القوافل مثلما أثبتت ذلك النصوص السبئية والمعينية واللحيانية والنبطية الصادرة عن تجار مروا بمملكة كندة.
مملكة الأنباط: أسسها العرب البدو، في نهاية القرن الرابع قبل الميلاد، وعاصمتها البتراء المدينة الأثرية المشهورة. تقع هذه المملكة على مفترق طرق قوافل البخور القادمة من اليمن والمتوجهة إلى مناطق الهلال الخصيب (الشام ومصر) وإفريقيا. اهتم الأنباط بالزراعة عن طريق مد قنوات الري، واستغلوا الموارد الطبيعية الباطنية مثل النحاس والحديد، وضربوا النقود على الطريقة الشامية، وجمعوا ثروات ضخمة نتيجة الازدهار الاقتصادي لمملكتهم. كتب الأنباط بالآرامية، وهذا ما جعل بعض الباحثين ينكر انتماءهم إلى العرب. انتهى حكم الأنباط بعد هجوم الرومان عليهم في عهد الإمبراطور تراجان في بداية القرن الثاني بعد الميلاد.
مملكة المناذرة: وتُعرف أيضًا بمملكة اللخميين، ظهرت في القرن الثالث للميلاد وعاصمتها الحيرة الواقعة على الضفاف الغربية لنهر الفرات. يعود أصل سكان مملكة المناذرة إلى قبائل تنوخ ولخم اليمنيتين، ومن أبرز ملوكهم جذيمة الأبرش التنوخي وعمرو بن عدي اللخمي. وعلى الرغم من انتماء دولة المناذرة للعرب في مجال يمتد في الشمال الشرقي للجزيرة العربية، فإنها كانت موالية للفرس في حروبهم ضد البيزنطيين لذلك انهارت مباشرة بعد الهزيمة التي لحقت بالفرس سنة 623م.
مملكة الغساسنة: قامت هذه المملكة على تخوم بيزنطة بين 300 و628م، وعاصمتها بصرى. عرفت مملكة الغساسنة بولائها للبيزنطيين، ولذلك خاضت حروبًا عدةً ضد المناذرة حلفاء الفرس. انتهى حكم الغساسنة بعد انتشار الإسلام في الجزيرة العربية وابتداء حملاته على بادية الشام التي كان يستوطنها العرب، ولذلك عُدَّت امتدادًا لجزيرتهم.
المصادر الإغريقية والرومانية
خلافا لما يتبادر إلى الذهن، لم تكن شبه الجزيرة العربية بمعزل عما يدور في عالم الحضارات القديمة، وبخاصة الإغريقية والرومانية منها، بدليل ما ورد عنها في المصادر الإغريقية واللاتينية بدءًا بهوميروس الذي عاش على ما يبدو في بداية الألفية الأولى قبل الميلاد، والذي كانت معلوماته في أشعاره عن شبه الجزيرة تفتقد إلى الدقة وغير موثوق بها. وقد وردت معلومات أخرى يبدو أنها أكثر موثوقية عند هيرودوت (ت: 425 ق. م.)، غير أن أهم المصادر التي يمكن اعتمادها في معرفة تاريخ شبه الجزيرة العربية من بين المصادر الكلاسيكية هي كتاب «الجغرافيا» لسترابون (ت: 21م)، وكتاب «التاريخ الطبيعي» لبلين الأكبر (ت: 79م). أما سترابون فقد تناول في الجزء السادس عشر من كتابه، بالدرس شبه الجزيرة العربية والعرب والأنباط وغيرهم من الشعوب المحيطة بالعرب وجزيرتهم. ولم يعتمد سترابون في كتابته عن هذه المواضيع إلا على الكتاب اليونانيين، وأغفل الرومان؛ ولم يعتمد إلا نادرًا على التقارير الحربية للرومان على الرغم من مشاركته في بعضها، فضلًا على اعتماده على هوميروس غير الموثوق واستبعاده لهيرودوت الأكثر مصداقية، ومع ذلك يبقى كتابه موسوعة جغرافية مهمة في معرفة العالم القديم بما في ذلك جزيرة العرب. وفيما يتعلق ببلين الأكبر فقد خص شبه الجزيرة العربية بقسمين من كتابه، تعرض في الأول على نحو موسوعي إلى كل ما يختص بها بشريًّا وجغرافيًّا، ومدنا في الثاني بتحقيق علمي عن طيوب الجزيرة وتوابلها وأنواعها وطرق استخراجها وإنتاجها وأشجارها واحتكار بعض الأسر لتجارة أصناف منها، والأماكن التي تشتهر بكل نوع، وأثمانها وبعض الشعائر الدينية المرافقة لمعالجة الطيوب، وهو أمر لم يسبقه إليه أحد.
وعلى الرغم مما وفرته المصادر الكلاسيكية من معلومات عن واقع شبه الجزيرة العربية في حقبة ما قبل الإسلام، فإن الدراسات التاريخية والأنثروبولوجية لم تعرف منعرجًا إلا مع عمليات التنقيب والمسوحات الأثرية التي بدأت مع منتصف القرن الماضي، وعرفت بعد ذلك كثيرًا من التطورات التي أدت إلى العديد من الاكتشافات المهمة، وبخاصة النقوش والنقود والخزف وبقايا المعالم التي أثرت كثيرًا في تدقيق المعرفة حول تاريخ الجزيرة القديم وأهمية دورها في عالم ذلك الزمن؛ فبعثت نتيجة هذه الاكتشافات برامج عديدة لتجديد معرفتنا عنها، التي كانت أبعد ما يكون عن «الجاهلية» مثلما رسخ في وعينا الجماعي.
التواصل الحضاري للجزيرة العربية مع مصر في الألف الأول قبل الميلاد

علاء الدين شاهين – باحث وأكاديمي مصري
شهدت بدايات الألف الأول قبل الميلاد تغييرًا ملموسًا في المسرح السياسي الدولي باختفاء المراكز الحضارية الدولية الرئيسة في وادي النيل، بلاد الرافدين (ميزويوتاميا) والحضارة الحيثية في مرحلتها الأخيرة في بلاد الأناضول والمينوية بحوض شرق البحر المتوسط. وترتب على ذلك تاليًا ظهور العديد من دويلات المدن في بلاد الشام (شرق حوض البحر المتوسط) وبخاصة ما عرف باسم مملكة آرام دمشق، ممالك شرق نهر الأردن: الحضارة العمونية والمؤابية والأدومية، وبدون شك العديد من دويلات/ ممالك جنوب غرب شبه الجزيرة العربية (اليمن)، وعلى طول خط التواصل البري التجاري لها عبر شرق البحر الأحمر في غرب وشمال غرب شبه الجزيرة العربية ضمن الحدود السياسية الحالية للمملكة العربية السعودية.
التأثيرات المصرية
عكست بعض المكتشفات الأثرية من بعض مراكز حضارات شمال غرب وجنوب غرب شبه الجزيرة العربية، وعلى امتداد خط التجارة البري الرئيس الواصل بين بلاد الشام واليمن، تأثيرات حضارية مرجحة لمصر القديمة بصفة رئيسة -في العصر الفرعوني، ومن بعد في العصر البطلمي/ الروماني- على المكان، وبخاصة في مجال اللغة والعقيدة والعمارة والفخاريات والتماثيل بصفة رئيسة. وتمثلت مظاهر الاشتراك بين اللغة المصرية القديمة واللغة العربية الجنوبية خاصة في وجود حَرف العين بين حروفها، وشيوع المصدر الثلاثي بين أفعالها، وغلبة الفعل المعتل الآخر فيها، وإضافة تاء التأنيث في نهاية بعض أسمائها وصفاتها المؤنثة، وفي المحافظة على الخصائص العامة للكتابة البروتوسينائية، ومنها الاتجاه الرأسي للكتابة ووجود العلامات المزدوجة والاتجاه من اليمين إلى اليسار ومن اليسار إلى اليمين.
في مجال العقيدة يلحظ التشابه أيضًا في استخدام الرموز الدينية: الهلال الأفقي للدلالة على القمر، وقرص الشمس المشع للدلالة على إله الشمس، والنجمة للدلالة على الزهرة في الارتباط للمعبودات المصرية واليمنية القديمة خاصة، وفي الإشارة إلى أصول مشتركة مرجحة لبعض المعبودات المصرية مع تلك الجنوبية، وبخاصة ما ارتبط بالإله حور (الصقر) Hr، وترجيح ارتباط أصله اللغوي باللغة العربية الجنوبية والإله مين Min المرجح تشابهه مع الإله الموقة السبئي وربما أيضًا الإله بس، وإن رجحت أغلبية آراء الباحثين فيما يرتبط بالإله بس أصولًا إفريقية له.
يرجح أيضًا وجود شكل آخر من أشكال التأثير المصري الحضاري المتبادل مع حضارات جنوب غرب شبه الجزيرة العربية، في ضوء ما أبانت عنه بعض أعمال الكشف الأثري في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين. حيث وجدت «دفنات» جنائزية بهيئة قبور صخرية وأضرحة حجرية، وبخاصة تلك المجموعة من القبور في شبام (الغراس) التي اشتملت على ودائع مهمة محنطة، محفوظة حاليًّا في متحف جامعة صنعاء، ومؤرخة تقريبًا من النصف الثاني من الألف الأول قبل الميلاد، حسبما يذهب إلى ذلك جان كلود رو. وربما تتشابه في طريقة التنفيذ جزئيًّا مع مثيلاتها من الحضارة الفرعونية، وإن لم يتضح لنا من خلال النصوص اليمنية القديمة في القرن الثالث قبل الميلاد مدى وجود مفهوم «البعث والخلود»، المعروف عن العقيدة المصرية القديمة، بين أهل المكان آنذاك، في ارتباطه بنهجهم للحفاظ على الجسد للمتوفى. كما أن ما كشفت عنه أعمال التنقيب الأثري في صرواح، العاصمة السبئية، من وجود «حوض للمياه» قائم الزوايا ومحاط بأعمدة، بعضها مثمن وبعضها ذو ستة عشر ضلعًا، داخل حرم المعبد للإله القمري بالمكان ما قد يرجح وجود تشابه مع الحضارة المصرية، على الرغم من ندرة وجود مثل ذلك النمط في المعابد المصرية، فيما عدا ما رجحه عبدالمنعم عبدالحليم سيد من العثور على مثل ذلك النمط أمام مدخل معبد أبي صير من الأسرة الخامسة الفرعونية.
إضافة إلى ذلك عثر على شكل مقلد لنمط موائد القربان المصرية بهيئة مربعة الشكل من الحجر، وبها رسوم محفورة لأنواع الأطعمة وأواني الشرب، وفي وسطها تجويف يبرز من أحد جوانبها على شكل مجرى لتصريف السوائل، وقد عثر عليها في مأرب والسوداء (الجوف) وتعود لنهاية القرن الثامن ق.م، وهي من المرمر، ويبلغ ارتفاعها 18 سم وطولها 47 سم (متحف صنعاء)، وما استُخرِج من موقع العلا ومن الفاو (مملكة كندة) من المملكة العربية السعودية.
وعثر بين أنقاض تمنة، نحو 15 ميلًا شمال خليج العقبة، على أنماط فخارية من الطراز الميديناتي، المنتمي إلى حضارة مدين، التي كان لها -استنادًا إلى الآثار والنصوص- علاقات مع مصر الفرعونية في العصر البرونزي المتأخر (عصر الرعامسة) وهو ما يتشابه مع مثيله من الأنماط الفخارية لمصر الفرعونية. وبفحص البقايا للأنماط الفخارية المنشورة من مواقع شبه الجزيرة العربية يتضح لنا غلبة الأنماط المحلية عليها في الصنعة والأشكال، وندرة التقليد لأنماط أجنبية الأصل، اللهم إلا التأثيرات العبيدية المبكرة من بلاد ما بين النهرين، والسندية من حضارة موهنجدارو وهارابا، في الألفين الرابع والثالث قبل الميلاد، ثم من بعد الأنماط الكاشية والبارثيانية في الألفين الثاني والأول قبل الميلاد، في مراكز الساحل الغربي من الخليج العربي، ثم في الداخل وبعض مناطق شمال غرب وجنوب غرب شبه الجزيرة العربية، لأنماط ميسينية (مينوية) الأصل من النمط المعروف باسم زمزمية الحاج Pilgrim flask، مثلما عثر عليه بين أنقاض قرية الفاو بصفة أساسية، والمرجح تأريخها من القرن الثالث قبل الميلاد وما تلى ذلك.
وهناك تشابه أيضًا بين بعض أنماط الزخارف للفخار النبطي مع مثيلاتها على الفخار المكتشف من هجر بن حميد اليمني، أو الامتداد الجغرافي الحضاري للحضارة النبطية ذاتها إلى ما يقرب من حائل ومدائن صالح (الحجر) في شمال غرب شبه الجزيرة العربية. مع الأخذ في الحسبان أن فخار الحضارة النبطية لم يعرف إلا منذ نحو القرن الأول قبل الميلاد. ويرجح عدم العثور على أنماط مصرية من الفخار بمواقع شبه الجزيرة العربية؛ ربما لانعدام المواد الخام المرجح اشتمالها عليها، والمصدرة من وادي النيل إليها، على نقيض ما نعرف عن العديد من الأنماط الفخارية السورية الطابع (شرق حوض البحر المتوسط) من مواقع الحضارة الفرعونية، التي احتوت حين تصديرها إلى مصر الفرعونية على الزيوت والنبيذ المرغوب فيه من مصر بصفة رئيسة.
التأثير الهيلينستي
تتناقض تلك الصورة في العصر الهيلينستي حسبما أبانت عنه البقايا الأثرية التي كشف عنها التنقيب الأثري للبعثة اليمنية السوفييتية المشتركة في موقع ميناء قنا (بير علي أو حصن أبو غراب الحالي) من الحضارة الحضرمية في القرن الأول ق.م، وبخاصة تلك الجرار الفخارية المعروفة بنمط الأمفورا، وبالمثل الأواني الزجاجية الهيلينستية الطابع، والمرغوب فيها من مراكز حضارات العالم القديم آنذاك والمصدرة من الإسكندرية، مركز الحضارة البطلمية. وتظل هناك احتمالية ضعيفة أو مرجحة لتأثير حضاري مصري مع اليمن في طريقة تنفيذه لشكل مقبض إناء بهيئة الوعل، مشابه لمثيله المصري من منطقة تل بسطة بشرق الدلتا، ولكن بشكل ماعز يقفز برجليه الأماميتين.
وفي مجال فنون النحت، وبخاصة ما يتعلق بالتماثيل بهيئة بشرية، فإنه من اللافت للنظر أن معظم النماذج الفنية للتماثيل، التي عُثر عليها من مواقع حضارات شمال غرب وجنوب غرب شبه الجزيرة العربية، تعود زمنيًّا بصفة رئيسة إلى العصر الهيلينستي في القرن الثالث قبل الميلاد وما أعقبه من مراحل حضارية. ويمثل ذلك تلك المجموعة الممتازة لأسدي تمنع وتمثال مريم (مريام) وغيرها، عاكسة تأثرًا واضحًا بفنون النحت الهيلينستي من مدينة الإسكندرية، حاضرة مصر البطلمية، وكنتيجة تالية لتزايد الاتصالات البحرية والتجارية نتيجة لحسن الاستغلال الأمثل للاتصالات البحرية عبر قناة سيزوستريس (دارا/نيكاو)، التي حُفِرَت منتصف الألف الأول ق.م، وهو ما أدى إلى ربط البحرين المتوسط والأحمر عبرها، عبر أفرع نهر النيل السبعة آنذاك بصفة أساسية.
أبانت كثير من المكتشفات الأثرية من المواقع في شبه الجزيرة العربية، وبخاصة جنوبها الغربي (اليمن) وشمالها الغربي (الحجاز)، العديد من التماثيل بملامح حضارية محلية وتأثيرات أجنبية مثل تلك المجموعة التي عكست تأثيرات في الوجه وتزجيج العيون وتسريحات الشعر وأوضاع اليدين والقدمين. كما أن تلك المجموعة من التماثيل التي عثر عليها بين أنقاض المواقع الأثرية في شمال غرب شبه الجزيرة العربية من مملكة لحيان، المستعمرة النبطية آنذاك تعود زمنيًّا إلى مرحلة متأخرة من الألف الأول ق.م.
ولعل ندرة ما عُثِر عليه من حقبة زمنية سابقة على حقبة الوجود الهيلينستي بين أنقاض المواقع الأثرية من حضارات جنوب غرب شبه الجزيرة العربية بصفة أساسية، ومن مواقع شمال غرب شبه الجزيرة العربية بصفة فرعية، لا يتيح لنا الكشف عن مظاهر التأثر الحضاري المتبادل المحتمل بين شبه الجزيرة العربية ومصر الفرعونية، في الحقبة الزمنية العائدة إلى القرن الثالث قبل الميلاد، وإن ظلت ملامح التأثر للمدرسة الهيلينستية لفنون النحت بالقواعد النمطية لفنون النحت من مصر الفرعونية واضحة في طريقة التنفيذ، وبخاصة ما يعرف بتزجيج العيون، وإظهار الفتوة والشباب بالمبالغة في محيط الصدر والرشاقة في الخصر، وفي استقامة اليدين بجوار الجسد، أو في تقدم أحدهما قابضة على علامات شرفية، أو في تقدم القدم اليسرى عن اليمنى.
ويعكس تمثالُ معدي كرب -الذي عُثر عليه بين أنقاض معبد أوام، مأرب، المؤرخ نحو القرن الرابع ق.م ضمن أعمال حفريات البعثة الأميركية في بدايات الخمسينيات من القرن العشرين الميلادي والمصنوع من البرونز البالغ ارتفاعه 93 سم، والمحفوظ حاليًّا في متحف صنعاء الوطني- بعضَ تلك القواعد الفنية المراعاة في فنون النحت اليمني القديم في التأثر بالمدرسة المصرية، وبخاصة ما تعلق بإبراز محيط الصدر ونحافة الخصر وتقدم اليد، ربما للقبض على علامة الشرف، وتقديم القدم اليسرى للأمام عن اليمنى، وفي ارتدائه جلد حيوان، ربما الفهد أو الأسد، يغطي ظهر التمثال؛ وهو ما يذكرنا بما كان يرتديه بعض الكهنة المصريين، وبخاصة طائفة كهنة «سم» المكلفين بأداء طقوس جنائزية أمام جثة المتوفى، أو مشابه في رأي آخر لزينة الإله الفينيقي بعل ملقار في القرن السابع ق.م أو الإله الإغريقي هيراكليس من القرن السادس قبل الميلاد.
وبناءً على هذا، فإن المراكز الحضارية المنتشرة في شبه الجزيرة العربية من جنوبها الغربي وشمالها الغربي خاصة، أظهرت بعض المكتشفات الأثرية ملامح لتأثيرات حضارية متبادلة مع المراكز الحضارية من الشرق الأدنى القديم، وبخاصة مع الحضارة المصرية القديمة وما تلى إلى العصر اليوناني بها.
طريق القوافل وممالكه القديمة

محمد مرقطن – باحث وأكاديمي فلسطيني
يعود أقدم نشاط بشري في شبه الجزيرة العربية إلى نحو مليون عام من الآن، أما النشاط البشري ذو السمات المتطورة فإنه في العصر الحجري الحديث، أي منذ نحو ثمانية آلاف عام قبل الميلاد، وقد كُشِفَ عن بقايا بحيرات وأنهار، في الربع الخالي، تعود إلى عشرات الآلاف من السنين. ويعد أهم مصدر لدراسة الإنسان الأول هو الرسوم الصخرية، والجزيرة العربية تكاد تكون متحفًا مفتوحًا للرسوم المنقوشة على الصخر في أنحائها كافة.
وإذا أردنا الحديث عن الممالك في الجزيرة العربية، فهناك العديد من المستقرات البشرية التي تعود إلى العصر الحجري الحديث، كانت موجودة في أنحاء الجزيرة العربية كافة. فالقفزة الحضارية المهمة كانت قبل الميلاد بنحو ألف عام، على الرغم من أن الألف الثاني قبل الميلاد كانت به مستقرات أساسية مثل تيماء في شمال غرب المملكة العربية السعودية الآن، وهي قريبة من مدائن صالح، وكانت في الألف الثاني قبل الميلاد. لكن القفزة الأساسية جاءت في الألف الأول قبل الميلاد، وفيها ممالك اعتمدت على أنظمة الري التي لعبت فيها دورًا أساسيًّا، وبخاصة في اليمن حيث ظهرت ممالك سبأ وقتبان ومعين وحضرموت. وقد منح الطريق التجاري هذه الممالك دفعة قوية بداية من الألف الأولى قبل الميلاد، وهو الطريق الذي كانت ترتاده القوافل التجارية التي تحمل اللبان أو البخور، ولدينا نقوش ومصادر عديدة تتحدث عنه.
ممالك القوافل
ارتبط ازدهار الممالك العربية بتدجين الجمل، فمن دونه ما كان للطريق التجاري العابر للجزيرة العربية أن يكون لنحو ألفي كيلو متر، بدءًا من عمان إلى غزة، ومنها إلى مصر، هذا الطريق كان له دور أساسي في تطور الحضارة في الجزيرة العربية. ففي الجنوب ظهرت الممالك التي يسميها بعضٌ ممالك القوافل، لكنها لم تكن تعتمد على التجارة بالدرجة الأولى؛ إذ إنها ارتبطت بالزراعة. لكن ممالك القوافل التي ارتبطت به كانت في خور «روري» في عمان، ومن هناك كانت القوافل تتجه إلى «شبوة» عاصمة مملكة حضرموت، ثم «تمنع» حاضرة مملكة قتبان، ثم «مأرب» عاصمة سبأ، ثم «قرناو» عاصمة مملكة معين شرق صنعاء الآن، ومنها إلى «نجران»، حيث كانت تتفرع إما إلى الشرق حيث الفاو أو «الدواسر»، ومنها إلى مملكة «هجر» في شرق المملكة العربية السعودية اليوم، وإما تجاه الحجاز في الغرب، حيث «مدائن صالح»، ثم «البتراء» عاصمة مملكة الأنباط، ثم تذهب إما إلى غزة ومنها إلى مصر، أو إلى تدمر بالقرب من حمص في سوريا الآن، ومنها إلى بلاد الرومان أو الفرس.
ليس طريقًا بل جسرًا ثقافيًّا
يمرّ طريق القوافل عبر وادي السرحان في السعودية، وهناك فروع عدة لهذا الطريق التجاري الذي لعب دورًا أساسيًّا في حضارة شبه الجزيرة العربية. وقد حدثت تقلبات أدت إلى توقف الطريق البري في القرون الأولى الميلادية، حيث تحولت التجارة إلى الطريق البحري، لكن في نحو خمس مئة ميلادية عادت القوافل إلى الطريق البري من جديد. هذا الطريق لم يكن طريقًا تجاريًّا فقط، ولكن كان جسرًا ثقافيًّا يربط بين بلاد الشام ومصر واليونان، وهناك نقش في محافظة الجيزة بمصر، من القرن الثالث قبل الميلاد، لتاجر من مملكة معين اسمه زيد إيل. وعمل مشرفًا على توريد اللبان وأنواع البخور كافة والمر للمعابد المصرية، هذا التاجر عندما مات دفن على الطريقة المصرية في تابوت، لكنه نقش على التابوت بلغة وطنه الأصلي «معين» الكثير من المعلومات عن عمله وبلده. ولدينا كثير من النقوش، بعضها من العهد القديم، تمدنا بمعلومات قيمة عن هذا الطريق التجاري.
وقد كان العلماء في خمسينيات وستينيات القرن الماضي يتحدثون عن وجود موجات هجرة خرجت من الجزيرة العربية نحو الشام والعراق، وبالفعل كانت هناك تحركات بشرية، لكنها ليست موجات ضخمة، ولعل بني هلال وبني سليم كانوا آخر هذه التحركات، لكن المعلومات الموجودة في المصادر العربية كثير منها غير دقيق؛ لأن النقوش لا تدعم ذلك. ومن بين نظريات الهجرة ما يقول: إن الساميين هاجروا من الجزيرة العربية، في حين تذهب فرضيات أخرى إلى أنهم هاجروا من أرمينيا، وبعضها يقول: من «فزان» في ليبيا، لكننا لا نستطيع أن نجزم بأي منها. وكل ما يمكن القول به: إن هناك حركات أو تحركات بشرية في داخل شبه الجزيرة العربية، وشبه الجزيرة العربية ليس لها حدود سياسية في ذلك الوقت، ومن ثم فهي تمتد من اليمن جنوبًا إلى جبال طوروس شمالًا، والتحركات فيها تشمل كل ما بين جنوب الجزيرة والشام وصولًا إلى مصر، حيث الدلتا والصحراء الشرقية تلك التي كان يقال إنها عربية لأن بها هجرات عربية، لكن هذه التحركات لم تكن هجرات ضخمة، وكانت تعتمد على نوعية البشر، فالبدو وأشباه البدو هم الذين كانوا يتحركون هربًا من القحط وبحثًا عن مصادر الرزق، أما الحضر فإنهم مستقرون في أماكنهم، ومستقبلًا سوف تكشف لنا النقوش والحفائر المزيد عن تاريخ الحضارة في شبه الجزيرة العربية.
عصور ما قبل التاريخ في الجزيرة العربية

خزعل الماجدي – باحث عراقي
كانت شبه جزيرة العرب جزءًا من القارة الإفريقية قبل العصر الجيولوجي السحيق المسمّى بـ(ما قبل الكامبري). لم يكن البحر الأحمر قد تكوّن بعد، وعند تكوّن ما يُعرف بالـ(خسف الإفريقي العربي) تكوّن البحر الأحمر وتكونت معه جبال البحر الأحمر على جانبيه، التي كانت من الصخور الجرانتية. ومع بداية العصر الكامبري، وخلال دهر الحياة القديمة والوسطى والحديثة تراكم التراب الرسوبي في حوض عميق، وفي نهاية العصر الطباشيري بدأت بوادر الحركات التكتونية التي كونت جبال الجزيرة العربية، وفي أواخر العصر الثالث ظهرت صخور المقعرات الجيولوجية أو أحواض الترسيب وانفصلت جزيرة العرب عن إفريقيا. وخلال العصر الرابع كان المناخ فيها رطبًا وظهرت البحيرات القديمة.
العصور الحجرية
العصر الحجري القديم ( الباليوليت 1500000 – 10000 قبل الآن): أ. الباليوليت الأسفل:
كان المناخ متذبذبًا في درجات الحرارة، وهو ما أثر في الغطاء النباتي والحيواني للجزيرة العربية. ويبدو أن العصر الحجري القديم السفلي يمتد بعيدًا في الأطراف الغربية والشمالية الغربية من الربع الخالي الصحراء، وهو ما قد يشير إلى حدوث المزيد من الأطوار الرطبة الممتدة في وقت سابق من العصر الجليدي. الظروف البيئية القديمة في وقت مبكر من العصر الجليدي غير واضحة. والأدوات الحصوية التي تميز عصر الفجر الحجري تكونت من المفارم والمكاشط. ظهرت الأدوات الحجرية الأولداوية في جزيرة بريم، على الجانب الأيمن من باب المندب. وظهرت الأدوات الحجرية الآشولية في الدوادمي ووادي فاطمة وسط وغرب المملكة العربية السعودية. الأدوات الحجرية الآشولية المميزة هي: المفارم، الأدوات ثنائية الوجه، الفؤوس، المعاول.
ب. الباليوليت الأوسط: في العصر الحجري القديم الأوسط للجزيرة العربية ظهرت المواقع التي غالبًا ما توصف بأنها (موستيرية) في منطقة بئر حما، وهناك الأدوات (العتيرية) ذات الوجهين في موقع «شيبات ديا 1»، وغيره في وادي سردود في غرب اليمن وفي ظفار. وضمت الجزيرة العربية، من خلال فحص أدوات هذا العصر، تجمعات شبيهة بالإفريقية. أهم أنواع الأدوات الموستيرية هي: النوى المخروطية المزدوجة، المكاشط، المثاقب، الأنصال، السكاكين.
ج. الباليوليت الأعلى: ظهرت بعض الأدوات الخاصة بهذا العصر، من الطراز السولتيري في بعض مواقع الربع الخالي وفي جبل عنيزة، ومنها مناقش كبيرة الحجم، ذات شكل منشوري مشحوذة الأطراف، ومكاشط طرفية وذات أطراف حادة. وهناك ما يعرف بمجموعة (زيمرمان) من اللقى الحجرية، من منطقة الشوقان في الطرف الشمالي للربع الخالي.
العصر الحجري الانتقالي (إبيباليوليت 10000 – 6000 ق. م.)
ظهرت الأدوات المايكروليثية (الدقيقة) بشكلها البرعمي المثلث وحوافها القاطعة كالمسننات، رؤوس السهام، المجارف، المكاشط، الأنصال المنشورية. وفي هذا العصر ظهرت الثقافات المميزة للجزيرة العربية وهي: أ. الثقافة الوعالية: شكّلت الأدوات الحجرية الصوانية المكتشفة في منطقة جبل (أم وعال) مجموعة نادرة وفريدة اضطرت الآثاريين لإطلاق تسمية الثقافة الوعالية على مجمل النشاط التقني والثقافي الذي رافق هذه الثقافة. وكان أهم هذه الأدوات هي الأدوات الحجرية على شكل الحرف الإنجليزي (T)، وتُراوِح ألوانها بين الأصفر والبرتقالي والرمادي المرقّش، وهناك أصناف كثيرة لهذه الأدوات كالمناقش والمكاشط والمثاقب.
ب. ثقافة كَلْوا (ثقافة المقلع): اكتُشفت ثقافة كلوا في شرق جبال (أشات بيرج)، وتمتاز أدواتها الصوانية بكبر حجمها التي قد تصل إلى نصف متر طولًا وربع متر عرضًا، وراوَحَتْ أنواعها بين الفؤوس اليدوية والأدوات البيضوية والورقية الشكل. وترتبط هذه الثقافة بمناطق مقالع الأحجار التي توفر المواد الخام لصناعتها الحجرية؛ ولذلك يطلق بعضٌ عليها اسم (ثقافة المقلع).
العصر الحجري الحديث (نيوليت 6000 – 3000 ق. م.)
ظهرت بواكير الزراعة في هذا العصر، ومعه تبدلت صناعة الأحجار فكانت هناك الأنصال مسطحة القفا ومشحوذة، والقوادم، الأدوات المسننة، مطارق، مناقش، أزاميل، مجارف. وظهرت الأدوات الزراعية المرتبطة بأعمال الزراعة ومعها الأدوات الفخارية. ولعل من أهم الظواهر الحضارية هو ظهور مستوطنات ثقافة العُبيد التي نشأت في وادي الرافدين وانتشرت في المنطقة كلها، في جميع الاتجاهات. ففي الألف الخامس قبل الميلاد ظهرت في جزيرة العرب، وكانت مستقرة تقريبًا، وتتناثر على نحو واسع في المنطقة الشرقية مع امتداد الخط الساحلي. وكان موقع دوسرية هو أكبر مستوطنات ثقافة العبيد في جزيرة العرب. وربما ظهرت بمرافقة حضارة العبيد في السواحل الشرقية صناعات الفخار المميزة. ومن ملامح عصر النيوليت العمرانية ظهور المساكن كأماكن دائمة للحياة المستقرة الفلاحية. وظهرت الهياكل الحجرية والسياجات الحجرية وركامات القبور. وظهرت بدايات رسومات الصخور، وكان رسم الحيوانات مادتها الأساسية.

العصر الحجري النحاسي (كالكوليت 3000 – 2000 ق. م.)
على الرغم من ظهور استعمال النحاس في صناعة الأدوات، لكن الأدوات الحجرية، في عصر الكالكوليت، استمرت مثل الأنصال، والمكاشط، والمخارز وغيرها. تمثل هذا العصر الجماعات القروية شبه المستقرة، ومن ملامحه ظهور المدافن والمعابد البدائية والاستقلال الاقتصادي للواحات، وظهور مصادر ومناطق التعدين، وطرق التجارة مع بلاد الشام ومصر. أما الأماكن المهمة لهذا العصر فهي وادي سرحان وتيماء وغوريا. استمرت معالم البيوت السكنية وظهرت معها الأبنية السهمية الشكل، والمصايد والمنصات والأعمدة ومقابر تلال الكهوف.
تطورت رسومات الصخور وظهرت مشاهد الصيد وحيواناتها، واتضحت ملامح الغرض البعيد من وراء هذه الرسومات حيث هدفت لإقامة نظامٍ للاتصالات بين مختلف التجمعات البشرية في شبه جزيرة العرب. وقد تمتعت هذه الرسومات بمستوى فني متميز.
وفي نهاية العصر الحجري النحاسي ظهرت البدايات الأولى لثلاث ثقافات مهمة في شرق جزيرة العرب، وكانت ثمارها واضحة في العصر البرونزي، وهي:
ثقافة دلمون: امتدت ثقافة دلمون على طول الساحل الشرقي لشبه الجزيرة العربية ابتداءً من الكويت عند جزيرة فيلكا وجزر البحرين وجزيرة تاروت، إلى مجان في سلطنة عمان. وكانت مصادرها الثقافية الأولى قد قدمت من وادي الرافدين والسند، وقد مثلت. ضمت مقبرة دلمون الواسعة جدًّا تراثًا هائلًا من الأختام وبقايا المواد المدفونة مع الموتى. وكانت حلقة وصل بين حضارات وادي الرافدين والسند (ثقافة ملوخا) وحضارة مصر القديمة. وقد تجلت مظاهر ثقافة دلمون في بناء المعابد، وخصوصًا فوق التلال مثل معبد باربار، وكذلك بناء المقابر، كتلال حجرية، واهتمت بالتجارة والأختام المسطحة والأسطوانية والرسم على الفخار والجدران. وفي هذه المرحلة ظهر فخار متميز جدًّا يسمى بفخار (دلمون– باربار).
ثقافة أم النار: ظهرت في إمارة أبوظبي، وانتشرت في المناطق التي حولها، وكانت أم النار جزيرة صغيرة ومستوطنة لها دور نشِط في التجارة الإقليمية، فقد عُثِرَ على بقاياها في المقابر والبيوت. ويشمل تراثها أدوات الزينة الشخصية والأسلحة النحاسية والأدوات الفخارية الحمراء المستوردة، وأدوات الصيد من صنارات الصيد وشِباك الغطاسين. وهناك مقابر فوق الأرض، كانت فيها القبور دائرية الشكل يُراوِح قطرُها من 6 أمتار إلى 12 مترًا، ويبلغ ارتفاعها أمتارًا عدة، وتنقسم إلى حُجرات يُوصَل إليها عبر مداخل صغيرة. وظهرت الرسومات الصخرية في جبل حفيت.
ثقافة مجان: اشتهرت ثقافة مجان بصناعة السفن وصهر النحاس، الذي كان يُصدّر إلى بلاد ما بين النهرين، وأوضحت الآثار ظهور تنظيم اجتماعي هرميّ، وتشهد البضائع التي عثر عليها في المقابر على ارتفاع مستويات الاقتصاد الاجتماعي والتغيرات الاجتماعية بسبب التجارة التي كانت تصل لمكانات بعيدة. وفي الوقت الذي لعبت فيه مجان دور التفاعل مع حضارتي وادي الرافدين والسند، كان لظفار دور مهم في تفاعلها مع الحضارة اليمنية.
العصر الحجري النحاسي (كالكوليت) في اليمن القديم (3500 – 2800 ق. م.)
كان هذا العصر مبكرًا أكثر من غيره من مناطق جزيرة العرب، وكانت له مظاهر ثقافية واضحة المعالم خصوصًا المباني الحجرية ذات الطابع الديني (الميغاليث والمدافن). امتاز مناخ اليمن، في تلك الحقبة، بالاعتدال، كما كان في عصر النيوليت. وكانت النباتات والحيوانات، بين مدجّنةٍ وبرّيّة، تملأ تضاريس اليمن، وانعكست وفرتها في الرسومات الصخرية التي نشطت في هذه المرحلة. أما المستوطنات البشرية فقد استمرت القرى الزراعية ولم تظهر المدن بعد. وظهرت المجتمعات الريفية التي كانت تستعمل الأدوات الزراعية والحجرية معًا. وتميزت ثقافة الكالكوليت في اليمن بظهور ثلاث ثقافات هي:
أولًا- الميغاليت والدولمن والمدافن: ظهرت في سهل تهامة الساحلي. وفي وادي حضرموت ظهرت أقدم نصب الميغاليت (الأنصاب الحجرية الضخمة)، وأشهر مواقع الميغاليت هي (حريب القراميش في صنعاء- جبل مصنعة ماريا في ذمار- وادي حريب في شبوه- نصب جبال جردان والروبق المعزولة وسط رملة السبعتين وصحراء الربع الخالي). وقد تحرّت البعثات الآثارية سهل تهامة الساحلي على البحر الأحمر وكشفت عن سبعة مواقع ذات هياكل ميغاليتية تعود إلى نهاية الألفية الثالثة قبل الميلاد وبداية الألف الثاني قبل الميلاد، التي كانت كعمارات مقدسة أو كشواهد قبور. وتحرى البحث عن بعض شواهد الدولمن، أما المدافن فقد تنوعت واخترنا منها المدافن الركامية والدائرية.
ثانيًا- هياكل الصيد القديمة: على شكل الطائرات الورقية، وهي أفخاخ لصيد الحيوانات، وتتكون من غرفة صغيرة في الأرض على شكل رأس طائرة ورقية كالسهم، وهي خنادق لإطلاق سهام الصيادين أو فخاخ يسقط فيها الحيوان الذي يُراد اصطياده. وقد ظهرت في اليمن بين محافظتي صنعاء ومأرب وبأشكال مختلفة، وتضم ممرات طويلة تتوسع ليلتقي بعضها ببعض في ساحة كبيرة مغلقة.
ثالثًا- فن الصخور الذي كان متميزًا ومتفردًا حيث شهد ظهور رسوم الحيوانات المنقرضة كالجاموس والثور الوحشي والسنوريات الكبرى والأسد والنمر أو الفهد، وظهرت أساليب مختلفة لنقش الرسومات والمخربشات.
وفي عصر الكالكوليت ظهرت العلاقات التجارية الحضارية لشبه جزيرة العرب من الحضارات والثقافات التي تحيطها، مثل حضارات وادي الرافدين والسند ومصر وبلاد الشام وعيلام وشرق إفريقيا والحبشة. وسينتج عن هذا التفاعل الحضاري نقلة واسعة تؤدي للعصر البرونزي الذي يعد بداية العصور التاريخية في جزيرة العرب.
مصادر دراسة تاريخ جنوب الجزيرة العربية وآثارها قبل الإسلام

زيدان عبدالكافي كفافي – باحث وأكاديمي أردني
الهدف من أي دراسة هو تقديم المعلومة الصحيحة حول موضوع البحث الذي ينوي الباحث القيام به. وتعتمد مصداقية المعلومات الواردة في البحث على المصادر التي استقى منها الباحث معلوماته، وهي في رأيي الأسس التي تقوم عليها الدراسة. وموضوعنا هذا يقدم بعجالة المصادر التي يجب الاتكاء عليها في تقديم صورة واضحة حول تاريخ جنوب الجزيرة العربية قبل الإسلام بجميع أشكاله الاقتصادية والاجتماعية والدينية وأنظمتها السياسية وعلاقاتها الخارجية.
يا للأسف اعتاد الناس على تقديم صورة نمطية حول الجزيرة العربية وسكانها في الحقبة السابقة للإسلام وأطلقوا عليها اسم «الجاهلية»، وكأن مجتمعات الجزيرة العربية في ذلك الوقت كانت متخلفة حضاريًّا، ويغلب عليها طابع البداوة، وأن الناس كانوا أميين، ولا يفلُّ بينهم إلا حد السيف. وللأسف إن كثيرًا من تقارير المستكشفين والرحّالين الأجانب الذين زاروا الجزيرة العربية عامةً قد رسّخوا هذه الصورة في أذهان الغرب. إلا أن هذه الصورة آخذة تدريجيًّا في التغير نتيجة للجهود التي يقوم بها بعض البعثات الأجنبية، والمحلية والباحثين العرب في الوقت الحاضر.
منذ سنوات طويلة أجرت بعثات أجنبية ومحلية عدة في اليمن وعُمان العديدَ من التنقيبات والمسوحات الأثرية، وكشفت النقاب عن معلومات جديدة أضافت الكثير حول حضارة جنوب الجزيرة العربية. فقد كشفت الحفريات الأثرية التي أجرتها الحكومة اليمنية بالتعاون مع «المؤسسة الأميركية لدراسة الإنسان» في معبد أوام؛ عن عدد كبير من النصوص المكتوبة والمنقوشة التي زودتنا بمعلومات جديدة حول حضارة اليمن. ويقوم على دراسة هذه النقوش الآن عضو بعثة «المؤسسة الأميركية لدراسة الإنسان» محمد المرقطن، الباحث والمتخصص في دراسات شبه الجزيرة العربية وبلاد الشام. كذلك الأمر في عُمان حيث أجرى قسمُ الآثار بجامعة السلطان قابوس بإشراف ناصر الجهوري وأعضاء القسم العديدَ من التنقيبات الأثرية في عدد من المواقع العُمانية، وبخاصة في منطقة سهول الباطنة، حيث زودتنا نتائج هذه الحفريات بمزيد من المعلومات حول حضارة «أم النار» في عُمان والمؤرخة للنصف الثاني من الألف الثالث قبل الميلاد. وتعدُّ نتائج الحفريات التي توصل إليها فريق من قسم الآثار والمتاحف بجامعة الملك سعود في المملكة العربية السعودية في موقع «الفاو» عاصمة مملكة «كندة» على أطراف الربع الخالي، التي نشرت حديثًا في ستة مجلدات، من أهم المصادر التي يجب الاعتماد عليها عند كتابة تاريخ الجزيرة العربية عامةً، والمملكة العربية السعودية خاصةً.

الدراسات العلمية
إضافة للحفريات والمسوحات الأثرية، فإننا نعدّ كثيرًا من الدراسات العلمية الرصينة التي نشرها عدد من الباحثين العرب والأجانب حول الحِقَب السابقة للإسلام من أمثال عبدالرحمن الأنصاري، وسليمان الذييب، وعبدالله الشارخ، ويوسف محمد عبدالله، ومحمد بافقيه، ومحمد المرقطن، ومنير عربش، وناصر الجهوري، وحمد بن صراي، وجواد علي، مصادر مهمة للحصول على معلومات تفيدنا بأحوال جنوبي الجزيرة العربية قبل الإسلام. وإذا كانت هذه المصادر قد كتبت اعتمادًا على نتائج أعمال ميدانية أثرية، فإن تقارير الرحّالين والمستكشفين والجغرافيين والمؤرخين اليونان والروم، أمثال: هيرودوتس، وديودور الصقلي، وسترابو، وبليني، تعدُّ عونًا لنا للتعرف إلى أحوال المناطق التي زاروها وأحوال الناس فيها في العصور اليونانية والرومية والبيزنطية. لكن على الرغم من أصالة المعلومات الواردة في تقاريرهم، فإنها تبقى تمثل وجهة نظر غربية متحيزة ومحصورة في المنطقة التي زاروها، وبخاصة عند حديثهم حول الناس وطبيعة الأحوال الاجتماعية. هذا لا يعني استبعادها في دراساتنا لتاريخ شبه الجزيرة العربية وآثارها قبل الإسلام، بل نؤكد ضرورةَ دراستها وتمحيصها قبل الأخذ بكل ما فيها.
على أي حال، تشمل مصادر دراسة جنوب الجزيرة العربية قبل الإسلام النقوش، والكتابات، والآثار، والمصادر الدينية، والشعر الجاهلي، وكتابات المؤرخين الكلاسيكيين، وتقارير الرحّالين والمستكشفين. ويرى كثير من الباحثين أن النقوش والكتابات والآثار هي أهم المصادر وأصدقها عند كتابة تاريخ أية منطقة في العالم؛ إذ إنها شاهد حي وناطق على الحدث في زمانه أو حين وقوعه. والنقوش والكتابات هي نصوص نقشت على الصخر، أو العسيب، أو الجدران، أو المسلات، وعلى شواهد القبور، والألواح الحجرية والطينية (الرقم)، والورق، والجلد وغيرها من المواد. وتدل كتابة النقوش والكتابات بلغات أو لهجات معينة على انتشار الناس في المنطقة التي وجدت فيها هذه الوثائق المكتوبة. وإذا عثر في الموقع الواحد على نقوش أو كتابات متعددة اللغات أو الخطوط أو اللهجات، مثل موقع الفاو، فيدل هذا على أن الموقع كان يمثل نقطة التقاء مجموعة من الأجناس في المكان نفسه، وربما يكون ذا أهمية دينية أو تجارية. وكُتبت النقوش والكتابات في شبه الجزيرة العربية عامة بخطوط متعددة، منها: المسند، والآرامي، والنبطي، واللحياني، والداداني، والثمودي والصفوي. ويعدُّ الخط المسند أو ما يعرف باسم العربي الجنوبي، هو القلم الرئيس لكتابات ونقوش جنوبي شبه الجزيرة العربية، ويتكون من 29 (تسعة وعشرين) حرفًا أبجديًّا.
وتضمنت هذه النصوص معلومات حول النواحي العامة في اليمن القديم، وأخرى تذكارية، وحمل بعضها أسماء المكربين، ومنها ما يحمل تاريخًا. ويرى كثير من الباحثين أن النقوش العربية الجنوبية تفيد كثيرًا في دراسة النواحي اللغوية والدينية والاجتماعية أكثر منها في التعرف إلى النواحي السياسية. ونستردف بالقول: إن الكتابات والنقوش العربية التي عثر عليها في اليمن أفادتنا بأسماء ملوك الممالك التي نشأت هناك، كما أنها أشارت إلى الصراعات العسكرية التي حصلت هناك. ومن أفضل الأمثلة على ما ذكر، نقش «ماسل» السبئي الذي يؤرخ لعام 516م، وعثر عليه في وادي ماسل إلى الجنوب الشرقي من مدينة الدوادمي في المنطقة الوسطى من المملكة العربية السعودية، ويتحدث عن حملة الملك «معد يكرب يعفر» ملك سبأ ضد الملك «المنذر الثالث» ملك الحيرة.
كما وثقت السجلات الآشورية العلاقة التي سادت بين اليمن وآشور، فهناك نص يعود تاريخه لعام 714 قبل الميلاد، يذكر أن الملك الآشوري سرجون الثاني تلقى هدايا من الملك السبئي «أتي وتر»، وتكرر الحال في نص آخر من عام 685 قبل الميلاد، ويذكر أن الملك الآشوري «سنحاريب» تلقى هدايا من «كريبي إيلو» ملك سبأ. كما اكتشفت البعثة الألمانية في عام 2005م نقشًا يؤرخ لعام 715 قبل الميلاد يخص الملك السبئي «يتع أمر وتر بن يكرب ملك»، إلى جانب نقش آخر يؤرخ لعام 685 قبل الميلاد ويخص الملك السبئي «كرب إل وتر»، واسما هذين الملِكيْنِ مذكوران في المصادر الآشورية.
تعدُّ الآثار سواء المنقولة أو غير المنقولة المرآة الحضارية للشعوب؛ وذلك لأنها تعكس فكرها الثقافي. وتشير الدلائل الأثرية المكتشفة في شبه الجزيرة العربية أن الناس سكنوها منذ عصور ما قبل التاريخ حتى الحاضر من دون انقطاع، وتركوا لنا آثارًا تعدُّ مصادر أصلية لكتابة تاريخها. ولا يتسع لنا المجال في هذه المقالة أن نتحدث عنها بالتفصيل، لكن يمكن للقارئ العودة للكتب والأبحاث المنشورة حول نتائج التنقيبات الأثرية في المواقع المهمة في جنوبي شبه الجزيرة العربية، مثل: مأرب، وشبوة، وصرواح في اليمن، ومواقع في ظفار وسهول باطنة وجبل الحجر في عُمان، للاطلاع على طبيعة وتاريخ الآثار المكتشفة في هذه المواقع في جنوبي شبه الجزيرة العربية.

الرحالون والمؤرخون
تعدُّ كتابات المؤرخين والجغرافيين الكلاسيكيين من المصادر المهمة في كتابة تاريخ شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام. ونذكر من هؤلاء أخيلوس (525 – 456 قبل الميلاد)، وهيرودتس الذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد، وبليني، وسترابون، وغيرهم كثيرون. وتتضمن كتاباتهم معلومات تاريخية وجغرافية مهمة حول جغرافية شبه الجزيرة العربية وسكانها في الحقبة السابقة للإسلام. وقد استقى هؤلاء معلوماتهم إما عن طريق زياراتهم الشخصية، أو من الجنود الذين شاركوا في الحملات العسكرية على الجزيرة العربية، أو عن طريق التجار الذين جاؤوا لليمن للحصول على البخور واللبان.
وبطبيعة الحال سواء أكان الوصفُ على نحو مباشر عند الزيارات الشخصية أو غير مباشر عن طريق الجنود والتجار، فقد وصفَ هؤلاء الأمورَ من خلال رؤاهم هم وبعقليتهم وأفكارهم. فمثلًا نادرًا ما وصف هؤلاء المجتمعات العربية المسيحية في شبه الجزيرة العربية. كذلك لا نعلم كيف تواصل هؤلاء مع أبناء القبائل العربية إن لم يتقنوا أو يحسنوا فهم اللغة العربية حتى يتمكنوا من التواصل مع الناس وفهم ما يقولون. على أي حال تبقى هذه التقارير ذات قيمة؛ لأنها كانت معاصرة للأحداث عند كتابتها. لكننا نودّ الإشارة إلى أن ما أورده المؤرخ هيرودتس في كتاباته، فيه موضوعية قريبة من القضايا العامة. لكن تقارير قادة الإسكندر المقدوني (بطليموس وأرستوبولوس) والأخير متخصص في الجغرافيا والتاريخ الطبيعي، جاءت تتركز حول مساحة شبه الجزيرة العربية وحدودها. كما نود الإشارة إلى دراسة أمين مكتبة الإسكندرية (إيراتو سثينيس 275- 194 قبل الميلاد) التي تطرق فيها للأقوام اليمنية محددًا حدود منطقة نفوذ كل منها، وعواصمهم، وطبيعة الحياة السياسية فيها.
أما تقارير الرحالين والمكتشفين الأوربيين فقد بدأ هؤلاء بالقدوم إلى اليمن في المدة بين 1500-1505م، وذلك عندما زار الإيطالي لودفيكو دي فارتما مدن عدن وذمار وصنعاء؛ تبعه رحّالون آخرون من أمثال: الدنماركي «كارستن نيبور» الذي وصلت بعثته إلى اليمن عام 1762م، وكتب وصفًا لشبه الجزيرة العربية، وبخاصة جغرافية اليمن وتاريخها. كما زار الألماني «أولريش يسبر ستزن» في عام 1810م عددًا من المواقع الأثرية اليمنية، وأوصل إلى أوربا أول نقش يمني قديم اكتُشف في ظفار. كما زار اليمن عدد من الرحالِين الغربيين والعرب والمصريين في القرنين التاسع عشر وبداية العشرين، ونسخوا عددًا من النقوش العربية الجنوبية المكتوبة بخط المسند.
ختامًا؛ نستطيع القول: إن مصادر دراسة شبه الجزيرة العربية عامة، وجنوب شبه الجزيرة العربية خاصةً، هي مصادر أصلية ومتعددة، فهناك النقوش والكتابات والآثار التي تعدُّ الأصل في كتابة تاريخ أي منطقة. نستطيع القول: إن شبه الجزيرة العربية بجميع مناطقها الجغرافية كانت ولا تزال مركزًا ومستودعًا حضاريًّا عالميًّا متميزًا لم يكتشف منه إلا القليل.
الاتجاهات الفكرية والدينية في جنوب شبه الجزيرة العربية قديمًا

حسين أبو بكر العيدروس – باحث وأكاديمي يمني
ظهر ما يُعرف بالإنسان الأول في جنوب شبه الجزيرة العربية منذ ما يقرب من مليوني عام، فيما يصطلح على تسميته بحقبة البلايستوسين، بعدما انتقل في ظروف مناخية مناسبة من إفريقيا (الجنوبية الشرقية) أو (إثيوبيا والحبشة) عبر مضيق باب المندب، ومنها انتشر وجوده في الجزيرة، ثم ارتحل شمالًا وشرقًا إلى بقية أنحاء العالم. تميز هذا الإنسان المسمى (الهوموإيريكتس) بقدرته على التفكير طويل المدى، كما أن قدراته الجسمانية لا تختلف كثيرًا عن إنسان الوقت الحاضر من حيث الاستقامة أو انتصاب العمود الفقري الذي يجعله يمشي بالقدمين، إضافة إلى حجم المخ الذي يصل إلى 1400 جرام، عدا القليل من الامتداد للفك الأسفل.
البدايات الأولى للتفكير
كانت الظواهر الطبيعية التي يشاهدها هذا الإنسان بشكل يومي في محيطه هي التي تشغل تفكيره، مثل: شروق الشمس وغروبها، وبزوغ القمر واضمحلاله، وتكون السحب الكثيفة وهطول الأمطار الغزيرة مع وجود الصواعق التي تسبب الحرائق في الغابات، إضافة إلى النشاطات البركانية التي قد توجد في بعض المناطق القريبة منه وما يصاحبها من هزات أرضية أو زلازل وما قد تسببه من فيضانات. كل ذلك بالتأكيد كان يجعل الإنسان في تلك المراحل يتأمل تلك الظواهر التي أضحت تؤرقه وتجعله يتوتر من الخوف والهلع؛ فهو لا يعلم من الذي يحركها، ولا مصدرها؟ لكنه كان يشعر بداخله بوجود محرك عظيم يقف وراءها.
لقد رسم لها في خياله صورة قدسية ممزوجة بالخوف والرهبة، فأراد أن يكسبها اتقاءً لغضبها وطمعًا في محبتها والقرب منها، وكل ذلك استدعى منه أن يُضحِّي بالنفيس والغالي لأجلها. كان يرى في شكل قرون الثور مثلًا شبهًا كبيرًا بالهلال في أطواره الأولى؛ لذلك أصبحت قرون الثور تمثل له صورة من صور القمر الذي اعتبره مصدرًا للنور، الذي يُرشد المسافرين في الصحراء. لذلك فهو شيء مُهم يبعث على الحياة، لكونه يظهر ويختفي، لكنه كان أكثر نفعًا من غيره، فأصبح أحد المعبودات لديه. وكان يرى في الشمس ذلك الشيء الكبير الذي يمد الأرض عبر خيوطه الذهبية الحارقة فسمَّاه (الحميم) الذي يُشرق كل يوم في الصباح، ليمد الأرض بالحياة، ويغادرها قرب المساء ليبدأ من جديد في اليوم التالي وهكذا.
عبادة الظواهر الطبيعية
تلك رحلة إلى الإله الشمس، وهو الذي أصبح رب الكون في خياله. كما أن صفحة السماء المزينة بالكواكب المضيئة، يبرز من بينها ذلك الكوكب الوضاء المسمى (الزهرة) في عنان السماء وهاجًا متلألئًا، فاعتقد أنه الابن الودود للشمس والقمر، فكان مدعاة لتسميته (عثر/ عشتار/ عشتروت) وهو إله الخصب، الذي من دونه لا توجد الكائنات ولا تتجدد حياتها، فكان أن رمز له برمز الوعل على الأرض، وهو رمز للخصب والحياة. كما رسم في ذهنه صورة خيالية واسعة لتجدد الحياة وخصوبتها، فالسماء العالية التي تحتضن السحب المحملة بالمياه لا تهطل على (الأرض) التي هي في ذهنه الأم الولود إلا بإذن من الأب (السماء) لينتج عن ذلك التلاقح والخصب، فتصل قطرات ذلك السحاب إلى الأرض الجافة المجدبة، فتجعلها خضراء مليئة بالحياة، وهؤلاء هم الذرِّية الذين أنجبتهم بعد تلاقح السماء بالأرض.
التحول الديني
إن التطورات الفكرية والدينية تأخذ وقتًا طويلًا في التحول من مرحلة إلى أخرى، فالخروج من فكرة إلى غيرها، يشوبها كثير من التعقيد ولا سيما في أشكال رموزها وصورها على الأرض، وقد تتشابه كثيرًا في أصولها وجذورها ناهيك عن أهدافها. لقد كانت مرحلة الوثنية طويلة إلى حد كبير ليس في جنوب الجزيرة العربية فحسب؛ بل في العالم أجمع، فقد كان الإنسان متصلًا بأرضه وبجذوره وبمحيطه، ويرى فيه الأصل الذي لا يمكن أن يتجاوزه إلى الآخر، لذلك كان وقع بعض الدعوات المسماة الدينية عليه يعتبره شيئًا منافيًا لقيمه، وعليه ألا يتنازل عنها.
لقد كان على الإنسان أن يخصص مكانًا يختلي فيه ويناجي ربه بالطريقة التي يرى أنها مناسبة؛ ليشكي كل قضاياه إلى الخالق المتحكم في الكون، ولذلك برزت فكرة المعابد كمكان مقدس لتلك المهمة، وكانت بداياته في العراء، ثم أخذ أشكالًا متعددة تبعًا لظروف كل منطقة، وتعددت فيه المواضع وتطورت مع الزمن ليتسع لكل الطقوس التي كانت هي الأخرى تتطور وتصبح طقوسًا جماعية تتجلى فيها مظاهر التقرب من الإله والانقياد إلى تعاليمه، وأصبح هناك تخصصات لعدد من الناس الذين سخروا أنفسهم لمهمه خدمة الإله والوساطة بينه وبين البشر، وأضحى المعبد مركزًا مهمًّا تحيط به بقية المنشآت المعمارية الأخرى. وتخبرنا النقوش القديمة عن الاعتذار الذي يبديه بعض الناس للتعدي على الحرمات في الأماكن المقدسة، وسميت تلك النقوش بـ(نقوش الاعتراف)؛ لأن المخطئ يعترف فيها بذنبه بكل وضوح ويرتجي الغفران والتوبة.
وفي جزيرة العرب برزت أعداد هائلة من المعابد منذ عصور ما قبل التاريخ (عصر الوثنية) واستمرت حتى جاءت اليهودية والمسيحية، ثم تحولت إلى مساجد في العصر الإسلامي. وكان (محرم بلقيس) أو ما يعرف بـ(معبد أوام) في العاصمة السبئية (مأرب) أعظم تلك المعابد في الجزيرة العربية، فكان يعتبر محجًّا لكل الناس القادمين من الجزيرة، وحوله يمكن الحصول على كل الخدمات التي يحتاجها الحجيج والمسافرون، وما زالت أطلاله الضخمة شاهدة حتى وقتنا الحاضر، ولم يكن ذلك المعبد الوحيد في جنوب الجزيرة، فهناك معابد أخرى في كل منطقة تقوم بوظائفها، وتعبد فيها ما تسمى بالآلهة التي تختلف تسمياتها وطقوسها ورموزها الدينية. وهكذا استمر الفكر متصلًا بالعقيدة في تطور مستمر لا ينفك أبدًا، باحثًا عن الحقيقة، وخلال مرحلة من القرن الرابع الميلادي، أي قبل الإسلام بنحو ثلاثة قرون ونيّف، تبرز في النقوش قضية مهمة تسمى مرحلة عبادة الرحمن (ر ح م ن ن)، بمعنى عبادة الإله الرحمن الواحد، الذي في السماء حتى إن بعض المعبودات سميت بـ(ذي سماوي). ونستطيع القول: إنها مرحلة الاهتداء لرب العزة، كما عُرف في وسط جزيرة العرب وجنوبها أيضًا، وبرز في النقوش من خلال كلمة (العزى/ العزة)، ولكن كانت البداية في أشكال وثنية.
ولم تفصح النقوش صراحة عن أسماء للرسل من الأنبياء الذين كانوا في الجزيرة العربية وجنوبها منذ إبراهيم حتى محمد عليهما السلام. وربما هناك دوافع دينية/ سياسية وراء اختفاء ذلك، وما زلنا نأمل أن تكشف الدراسات عن الروابط بين التاريخ والدين بشكل حقيقي وعادل لا يشوبه شائب من العنصريات والإقصاءات التي شوهت التاريخ الحضاري لجنوب الجزيرة العربية.
تاريخ الجزيرة العربية: اكتشافات جديدة وبعثات تواصل حفرياتها
الاستيطان البشري في الجزيرة العربية

أحمد الزيلعي
هناك فرق بين الاستيطان البشري في الجزيرة العربية، والحضارات. فالاستيطان البشري تعود دلائله إلى أكثر من مليون سنة. أما الحضارات فهي مرتبطة بالكتابة، والاستقرار والزراعة، وتكوين المجمّعات السكانية من مدن وقرى ودارات، ونشوء الدول ونحو ذلك. وتعود مرحلة الحضارات إلى ما عُرف بعصر الممالك العربية سواء في شمال الجزيرة العربية أم في جنوبها، وهي مرحلة تسبق ما عُرف بالعصر الجاهلي، أي ذلك العصر الذي يسبق الإسلام بما لا يزيد على مئة وخمسين سنة.
صورة الجزيرة العربية كانت ضبابية، وأكثر من ضبابية في المصادر القديمة غير العربية، وإن زعم كثيرون بوضوح تلك الصورة فيما يُعرف بالمصادر الكلاسيكية. ولم تتضح صورة الجزيرة العربية للغرب مثلًا إلا مع نشاط الرحالين الغربيين إلى جزيرة العرب. ولعل خير من يصور جهل الغربيين بجزيرة العرب ذلك الكتاب العظيم الذي أَعَدَّتُه الباحثة الفرنسية جاكلين بيرين تحت عنوان: «اكتشاف جزيرة العرب»، وتكوين خريطة عنها للغرب، يتضح ذلك من عناوين فصول ذلك الكتاب، ومنها «العربية السعيدة»، و«العربية القفراء»، ولم تتكامل صورة الجزيرة العربية لدى الغرب الأوربي إلا بمدة وجيزة قبيل غزوها، واستعمار بعض أطرافها.
أما كون الجزيرة العربية مهد الإنسان الأول فذلك ما يتردد على ألسنة كثيرين دون أدلة مادية تدعم هذا الرأي؛ فالاستيطان البشري، الذي أشرت إليه في بداية الحديث، له ما يماثله في أقطار شتى من العالم خارج الجزيرة العربية. أما العثور على أدلة من عظام بشرية في جزيرة العرب فلا تتجاوز 90 ألف سنة من الآن، على أن هناك أدلة خارج جزيرة العرب تصل إلى 200 ألف سنة، ولكم أن تتصوروا الفارق.
الهجرات من الجزيرة العربية إلى خارجها كبيرة ومعروفة، وفي ظني أن أكبرها تلك المصاحبة للفتوحات الإسلامية، والاستقرار في البلاد المفتوحة، نعم تلتها هجرات أخرى جماعية، ومنها هجرة بني هلال، وبني سليم إلى الغرب، ولكنها ليست مثل الهجرات الأولى التي أشرت إليها آنفًا. أما الهجرات المعاكسة التي استهدفت جزيرة العرب من خارجها، واستوطنت فيها فلا أعلم هجرات ذات أثر واضح شبيهة بالأثر الذي تركته الهجرات من جزيرة العرب إلى خارجها إلا أن يكون الجيش الذي استعانت به قبيلة حِمْيَر من بلاد فارس ضد الأحباش، وبعد الانتهاء من مهمته استوطن اليمن، وتزوّج أفراده من نساء يمنيات، فأنجبوا منهن سلالة عُرفت بالأبناء، منهم بَاذَان الذي كان حاكمًا لصنعاء حين ظهور الإسلام، فأسلم، وأقرّه النبي -صلى الله عليه وسلم- على ولاية صنعاء حتى قُتل على يدي مدّعي النبوة عَبْهَلَة العَنْسِي. وهناك فئات من أصول إفريقية عرفوا في الجزيرة العربية منذ ما قبل الإسلام، وربما لا يكون ذلك مُتَرَتِّبًا على هجرة جماعية، وإنما هجرات فردية، أو مسترقّين جلبهم من استرقهم من إفريقيا إلى جزيرة العرب لبيعهم. وقد لحظنا أثر الحج في الحجاز بعد ظهور الإسلام، خصوصًا من إفريقيا، وآسيا، وشرق أوربا.
ليس هناك في جزيرة العرب ما هو مسكوت عنه حتى يتجاهله المؤرخون؛ لأن القرآن الكريم كشف كثيرًا من أحوالهم، وما هم عليه من الضلالة، وسوء العاقبة، والمؤرخون يكتبون عن كل ما يصل إلى أيديهم من معلومات عن عصور ما قبل الإسلام في جزيرة العرب وسكانها ما كان لهم وما كان عليهم. والتنقيب عن الآثار في المواقع القديمة كشف لنا الشيء الكثير عن أحوال شعوب الجزيرة العربية في العصور القديمة مما لا نجده في المصادر الأدبية التقليدية.
ليس عندي حصر دقيق عن كل جديد يُكتشف في جزيرة العرب في عصور ما قبل الإسلام، ولا بد أن أعترف بأنني قليل المتابعة لأخبار تلك المكتشفات في الآونة الأخيرة؛ لانشغالي بأمور أخرى كثيرة. ولكن إذا علمنا أن على تراب المملكة العربية السعودية الآن أكثر من 40 بعثةً أثريةً تنقب عن الآثار في طول البلاد وعرضها، بعضها سعودية بحتة، وبعضها سعودية بالتشارك مع بعثات أجنبية من مختلف أنحاء العالم، فإننا نقدّر أنها توافينا كل يوم بجديد، وأن معرفة ذلك الجديد على وجه الدقة واليقين يتجاوز قدرات أشد الناس متابعة؛ لذلك الجديد الذي يُكتشف على أرض المملكة مثلًا من مختلف العصور التاريخية، وما قبل التاريخية بفضل الله، ثم بفضل الجهود الكبيرة التي تبذلها وزارة الثقافة في المملكة العربية السعودية ممثلة في هيئة التراث بقيادة رئيسها التنفيذي الدكتور جاسر سليمان الحربش، والفريق العامل معه.
أكاديمي وباحث سعودي
كيف يمكن أن نقرأ تاريخ الحضارة العربية القديمة الآن؟

يعرب دحام العبد الله
تميزت شبه الجزيرة العربية بموقعها الذي يتوسط بلاد الشرق الأدنى القديم، ودورها البشري المؤثر في تكوين السلالات الأكثر عددًا بين سكانه القدماء. كما كان لها نصيب أيضًا من دور الوساطة والتأثير في بعض خطوط اتصالاته. وتدل الآثار الباقية أن شبه الجزيرة مرت بفترات متعاقبة، بداية بما خلفه الإنسان القديم في العصور الحجرية من أدوات حجرية صوانية ورسوم بدائية متفرقة. كما أنها تتضمن أساسًا ما تركته الجماعات العربية المتحضرة في عصورها التاريخية القديمة من أوابد عمرانية، كبقايا المعابد والأسوار والسدود والحصون والأبراج والمساكن والمقابر، وما عثر عليه من آثار متنوعة لأدوات الاستعمال اليومي وأدوات الزينة وفنون النحت والنقش، في مناطق عدة من أنحاء شبه الجزيرة العربية.
الاكتشافات تسطر التاريخ
أشارت الاكتشافات والمسوحات الأثرية التي قامت بها البعثات الأثرية ضمن الجزيرة العربية إلى وجود مجتمعات منظمة تحترف الزراعة والرعي والصيد حتى منتصف العصر الهولوسيني (9000-2500 ق.م). ولكن بسبب التغيرات المناخية العالمية في أواخر العصر الهولوسيني، التي ظهر أثرها في (4300 ق.م)، بدأت الأمطار تقلّ في الجزيرة العربية، وتجف الأنهار، فاتجه أهل الجزيرة العربية تدريجيًّا إلى الشمال، حيث الأنهار مثل دجلة والفرات. ويقول بعض العلماء: إن الجزيرة العربية قبل ذلك كانت أكثر إغراء للعيش فيها من العراق أو الشام. ويلحظ العلماء أن حقبة نهاية المستوطنات في الجزيرة العربية مثل مستوطنات «ثقافة العبيد» تترافق مع ظهور المستوطنات في بلاد ما بين النهرين، وذلك في أواخر عصر ما قبل التاريخ.
نلحظ وجود أقدم الحضارات التاريخية في منطقة نجران. ومن أقدم الحضارات المكتشفة في شبه الجزيرة حضارتا العبيد ودلمون اللتان ازدهرتا في منطقة الأحساء والخليج العربي، حيث اكتشفت أقدم آثار الحضارة الإنسانية. وقد جاء ذكر دلمون في الكتابات المسمارية القديمة التي تعود إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد التي وجدت في بلاد الرافدين وشمال سوريا.
حقب الاستيطان التاريخية
حقبة العُبَيد: كانت مناطق الخليج العربي وشرق الجزيرة العربية على تواصل مستمر مع مناطق جنوب العراق القديم، وظهرت آثار هذا التواصل في وجود آثار حضارة العُبَيد بمراحلها المختلفة. وتمثلت تلك البقايا العُبَيدية في النماذج الفخارية التي تحمل بصمات بلاد الرافدين، وانتشرت على طول خط ساحل الخليج العربي من الشمال إلى الجنوب. وقد انتشرت آثار حضارة العُبَيد في عدد كبير من مواقع الخليج العربي وشبه الجزيرة العربية، وأكثر هذه الآثار كانت شمالًا حيث القرب من مواقع العبيد، ثم تأخذ في الانحسار كلما اتجهنا جنوبًا؛ أهمها (عين قناص في الهفوف والدوسرية ورأس الزور وأبو خميس في الجبيل).
حقبة أم النار: اكتشفت في ستينيات القرن الماضي في جزيرة أم النار بإمارة أبو ظبي. وهي حضارة نشأت في الإمارات وشمال سلطنة عمان، وتعود للعصر البرونزي في المدة بين 2600- 2000ق.م.
حقبة دولمون: نشأت تلك الحضارة في المدة ما بين 2800 و323 قبل الميلاد، وتمتدّ بطول الساحل الشرقي لشبه الجزيرة العربية من الكويت عند جزيرة فيلكا، حتى حدود حضارة مجان في سلطنة عمان وحضارة أم النار في إمارة أبو ظبي بدولة الإمارات، وكانت نقطة الوصل وحلقة الربط الرئيسة ما بين الطُّرق التجارية القديمة الشرقية والغربية.
ارتبطت أغلب الاكتشافات الأثرية في سواحل الخليج العربي وجزره، منتصف القرن الماضي، بجهود بعثة دنماركية لآثار ما قبل التاريخ، وتبعتها بعثات أجنبية وعربية ووطنية.
بعثرات أثرية في العلا
كثير من المكتشفات الأثرية تبلورت في الساحل الشرقي من المملكة، كما كُشِفَ عن مساكن قوم عاد التي كانت في الأحقاف في جنوب الربع الخالي. وحاليًّا تعمل العديد من البعثات الأثرية الفرنسية والأسترالية والأميركية في منطقة العلا التي كانت مهد حضارة قوم ثمود. ومن خلال المسوحات الأثرية التي تقوم بها البعثة الأثرية لجامعة غرب أستراليا اكتُشِفَ العديد من الأبنية التي كانت تُستعمَل كجبانات جنائزية، حيث ميّز علماء الآثار العاملين في السعودية، مستعينين بصور الأقمار الصناعية والتحقيقات الأثرية الميدانية، كثافةً غير عادية للصروح الجنائزية التي تعود إلى ما قبل التاريخ، والتي لا مثيل لها في أي مكان آخر. ففي منطقة خيبر وحدها استطاع الباحثون إحصاء نحو عشرة آلاف بنية جنائزية مشيدة بالحجارة المقامة بلا إسمنت، وكان معظمها قائمةً قرب مصادر مياه دائمة.
أجمعت كتب التاريخ القديم على أن أرض شبه الجزيرة العربية، تعد من أغنى دول العالم في نقوش الفنون الصخرية، تلك التي دلت تفاصيلها على وجود حضارات إنسانية قامت على أرضها خلال زمن ما قبل التاريخ، أي قبل اكتشاف الكتابة. وبرز بعضها في نقوش صخرية وجدت في «الحنكية» بمنطقة المدينة المنورة، و«الشويمس، وجبة» في منطقة حائل المدرجتين ضمن قائمة مواقع التراث العالمي بمنظمة «اليونسكو».
باحث وأكاديمي سوري
دلمون والعُبيد وبداية حضارات الشرق

سلطان الدويش
الاكتشافات الأثرية التي ظهرت في شبه الجزيرة العربية تأخرت كثيرًا عن مثيلاتها مصر والعراق بأكثر من مئة وخمسين عامًا تقريبًا؛ وذلك لأن الباحثين كانوا يعتقدون أن شبه الجزيرة العربية منطقة صحراوية ليس بها آثار. حتى حين ظهرت آثار لحضارة «دلمون» في العراق وبابل اعتقدوا أنها من حضارة الهند، ثم وصلت بعثة دنماركية إلى الكويت عام 1958م. واكتشفت «دلمون» التي تحدث عنها البابليون والسومريون، وعن أنها موجودة في جزر الخليج ومنطقة «تاروت» في المملكة العربية السعودية. البعثة نفسها عملت في كل من البحرين وقطر والإمارات وأثبتت هذه الاكتشافات في مدن «دلمون».
دلمون حضارة كبيرة في منطقة الخليج، كانت لها علاقة بالحضارة المصرية وبحضارة فارس، وحين تحدثت المصادر المصرية عن استيراد التوابل والبخور، لم يكن المقصود بلاد النوبة، كما اعتقد بعضٌ، بل الخليج؛ فالبخور والتوابل كانت تأتي إليها من الخليج لا من النوبة.
وقد سبقت دلمون حضارة أقدم، وهي حضارة «العُبيد» التي كانت بداية الحضارة التي نشأت في الشرق، وتعود إلى بدية تطور الإنسان من العصر الحجري إلى المدني. فقد وجدنا قرية في الكويت بها بداية مستوطنات، وهي بداية اتصال الحضارات، وهذه المستوطنات كانت من المحار وعظام الأسماك. لم يكن بها وجود للمعادن، فقد كانت قائمة على صيد السمك، واستخدمت الفخار والمحار والخرز. وتواصلت «العبيد» مع المراكز الحضارية الأخرى في العراق سواء بأور أو العبيد.
المراكز الحضارية الخمس في ذلك الوقت كانت في كل من مصر والهند وسوريا القديمة وبابل ودلمون. وقد علمنا باتصالها بالمراكز الحضارية الأخرى عن طريق الأختام؛ إذ وجدنا مئة ختم من بلاد الرافدين، و40 ختمًا من السند، و5 من الجعران المصري، فضلًا عن أختام الخليج. وكانت الكتابة لديهم عبارة عن نقوش على ألواح من الحجر الصابوني والنحاس، وكانت في جانب منها ترصد الحياة اليومية في دلمون، فهناك نقش يؤرخ فيه صاحبه لأنه جاء على سفينة كبيرة من مدينة أور.
الموقع الإستراتيجي
اكتشافات منطقة الخليج بدأت تظهر بقوة في المدة الأخيرة، وهناك دراسات كثيرة عنها، والعامل الرئيس في نشأة حضارات الجزيرة العربية هو الموقع الإستراتيجي؛ فدلمون تقع على الخليج، والموانئ في الساحل الغربي، أو العربي، للخليج؛ لأنه منبسط وسهل. أما الجانب الشرقي أو الإيراني منه فإن طبيعته الصخرية صعبة؛ لذا لا توجد عليها موانئ. ومن ثم فقد ظهرت مراكز حضارية في أم النار بالإمارات وغيرها. وأهمية الموقع الإستراتيجي تأتي من أنه كان طريقًا للتجارة بين الهند والغرب. لمدة قريبة لم يكن العالم يعرف طريقًا للتعامل التجاري بين الشرق والغرب سوى الخليج، فالبحر الأحمر يتمتع بطبيعة صعبة تغلب عليها الجبال والصخور، ومن ثم كان من الصعب أن يصبح طريقًا للانتقال من الصين والهند إلى الغرب. وقد صارت السفن كبيرة، ومحملة بكميات ضخمة من اللبان، وكانت تأتي من السند إلى ماجان (إقليم عمان) إلى دلمون، محملة بالبخور الذي كانت تحتاجه المعابد المصرية، ولم تكن تذهب إليها من اليمن، وإنما من الخليج مباشرة.
وقد وجد العلماء في «التيماء» نقشًا لرمسيس الثاني، وهو ما يدل على أن التجارة كانت تصل إلى الممالك العربية ثم تُنقَل إلى مصر، وهو ما يعني وجود اتصال لها بالحضارات الأخرى، وأن التقارب بينها وبين هذه الحضارات أدى إلى نمو الممالك العربية وتطورها. وهذا ما دونه السومريون عن دلمون، فقد ورد ذكرها في أسطورة جلجامش، وهي أرض الخلود حسبما كان السومريون يعتقدون، أو الأرض المقدسة. وقد ورد ذكر دلمون في المصادر اليونانية، فقد استعمر اليونان أجزاءً من ساحل الخليج، وأطلقوا على جزيرة فيلكا اسم إيكاروس تيمنًا باسم جزيرة إيكاروس في بحر إيجة لديهم، وأطلقوا على البحرين اسم تايلورس، وكل كُتَّاب الإسكندر (أرياتوس وبطليموس، إسترابون وأجاثار خيديس الكنيدي) كتبوا عن الجرها التي جاؤوا بعدها بنحو ألف وخمس مئة عام. فقد وصلوا إليها وكتبوا عن العرب التجار، وأنهم كانوا أغنياء، وكانوا يلعبون الدور نفسه الذي يقومون به الآن، كما كانوا يصكون عملات نحاسية، وهو ما يعني أنهم عرفوا النقود، وقد كتبوا أسماء ملوكهم بالخط العربي المسند.
ظواهر حضارية
وقد ذكرت دلمون في «ماري» بسوريا، ووجدت أختامها في حيدرآباد بالهند، والفاو في السعودية، وفي أم النار بالإمارات، وقد وردت كتابات عنها في كل من سومر وأكاد، وكذلك في ماري بالشام. وفي الحقبة اليونانية كتبوا عنها كثيرًا بالخط اليوناني القديم. وحضارة دلمون بها كثير من الظواهر الحضارية مثل الأختام، فقد اكتشف بها نحو 800 ختم، كل ختم يختلف عن الآخر. الختم يتكون من نقوش حيوانية، وبعضها حمل اسم الإله. وفي جزيرة «أجاروم» قبل ألفي عام من الميلاد، أي قبل نحو أربعة آلاف عام من الآن، كانوا يكتبون بالخط المسماري القديم، وكانت لديهم كثير من النقود وأدوات الزينة النسائية، وتركوا كثيرًا من المعابد والقصور والأفران والقبور الصخرية.
فقد وجدنا بالصبية أناسًا مدفونين على شكل الجنين، ووجدنا كثيرًا من الأشياء المدفونة معهم. وفي حضارة دلمون كانت الأختام عليها رسومات قوارب الصيد وغيرها من مظاهر حضاراتهم.
الهجرات البشرية بين حضارات الجزيرة العربية والمراكز الأخرى في منطقة الشرق القديم ساهمت في تشكيل معالم التكوين السياسي والحضاري والتعايش والاستقرار في المنطقة، وتركت بصمتها في المجال الاقتصادي وزيادة النشاط التجاري، وكذلك في المجالين الديني والفكري.
باحث وأكاديمي كويتي
الدين في جزيرة العرب بين التوحيد والوثنية

حيدر قاسم مَطَر التميمي
إنَّ قراءة متأنية في العقائد الدينية في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام، تُعيد إلى الأذهان شكلًا مألوفًا من العبادة عرفته المنطقة العربية القديمة قبل آلاف السنين، وهو الشكل الذي يعلن وجود خالق وحيد للكون مع المستوى الإيماني الذي يُقيم شعائره وطقوسه متوجِّهًا إلى الأرباب، ممَّا يخلق مناخًا متوافقًا بين العُمق والطقس، وممَّا أدَّى كذلك إلى تناسخ هذا النمط من التوحيد وظهور الوثنية في شبه الجزيرة العربية. فعبادة الأرباب في الجاهلية كانت تخضع بشكلٍ أو بآخر إلى وجود مناخ مناسب يميزها من غيرها، مع فسحةٍ تسامحيةٍ في انتشار الأديان، وتعايش أنماطٍ ومذاهب مختلفة شديدة التنوع من العقائد التوحيدية مع العبادات الربوبية المعروفة. والمتتبع لتطور التوحيد الربوبي الجاهلي، سوف يرى أنَّه يظهر في دور الكهنوت القوي، الذي كان كأسلافهِ في المنطقة العربية قبل الميلاد، مسؤولًا بشكلٍ مباشر عن انهيار هذا النمط التوحيدي، وذلك بتسطيحهِ للعقيدة الأسرارية، واختصارها إلى طقوسٍ ربوبية في إطار السعي المحموم وراء الثروة التي تؤمِّنها هذه الطقوس، عن طريق النذور والقرابين والهبات إلى المعبد. كل ذلك في محيط ذهني شعبي.
التنوع الديني
كانت العبادة في شبه الجزيرة العربية لوحة متنوعة الألوان والأشكال، فمنهم من كان يعبد السماء، وهناك عبادة الرحمن التي كانت منتشرةً في الجنوب، وفي أعالي الحجاز، وذلك قبل أن يدعو إليها مُسيلمة الكذَّاب بأكثر من مئتي سنة، كما أشار إليها المؤرخون والشعراء بشعرهم وتأريخهم الشعري، حيث أوجدوا عبادةً لـ(إيل) التوحيدية في شبه الجزيرة العربية، تحت عنوان الديانة الإبراهيمية، التي ورد ذكرها في القرآن الكريم بوصفها ديانة توحيدية، تُنزِّه الله (I)، وتُقرُّ عبادته وحده.
وفي استكمال هذه اللوحة الفسيفسائية ولدت ظاهرة الحنفاء، ونحن إذ نراها ظاهرة وليدة تميُّزها عن محيطها التوحيدي الذي كان قائمًا، إذ كانت هناك عبادات عديدة قائمة ومعروفة منذ قرون في البقعة الجغرافية نفسها، تحمل المضمون الديني ذاته، مثل عبادة (إيل)، وعبادة (الرحمن)، ونحو ذلك. ممَّا يميِّز الحنفاء عن هذا المحيط، وأدى إلى ظهور تيار جديد آخر من التيارات التوحيدية التي تقول بوجوب عبادة الله وحده.
إن الفارق النوعي المهم بين ما ذُكر من المعتقدات والتيارات التوحيدية، وبين ظاهرة الحنفاء إنما يكمن في أن الأخيرة قد ولدت وهي تحمل مشروعًا سياسيًّا ودينيًّا على مستوى الجزيرة العربية كلها، هذا المشروع يستبدل التعددية العقائدية التي ذكرناها على المستوى الذهني، والتشرذم القبلي على المستوى السياسي، الذي يمر عبر إلغاء جميع أشكال العبادة المحلية التي تعكس وتُكرِّس التفتُّت الاجتماعي في صورة الحضور المتعدِّد للأرباب التي تتنوَّع بتنوع الجغرافية والانتماء القبلي. وسنحاول في هذا المقال المركَّز أن نسلط الضوء فقط على الديانات التوحيدية التي إمَّا كان منبعها وأصلها أرض شبه جزيرة العرب، أو أنها كانت وافدةً عليها من الثقافات والأُمم المجاورة لها.
الديانات التوحيدية
عند التفكير في الفكر الديني في شبه الجزيرة العربية في بداية القرن السادس الميلادي، لا بد من التساؤل عن تنوع العقائد الدينية في تلك الحقبة الزمنية، فقد ملأ الجاهليون فراغهم الروحي بالإيمان بآلهة الأوثان والأصنام، فضلًا عن إيمانهم بالله، فهناك الأديان السماوية التي تقدَّمت على الإسلام، وهي اليهودية والنصرانية اللتان كانتا تعمَّان الجزيرة العربية، ولكلٍّ من تلك الأديان مصادر فكرية تستقي منها تعاليمها، وتبني عليها معتقداتها، فصاغ منها أصحابها طقوسهم الدينية على اختلافها. وكل واحدٍ من أصحاب الديانتين كوَّن تيارًا دينيًّا بنى عليه معارفه من محيطهِ الغني بالمذاهب والعبادات التوحيدية، وصاغ مشروعه الفكري على هَدي سياسي ديني يقيم فيه النُّظُم السياسية والدينية تخلِّفها النُّظُم الاجتماعية؛ ولذلك نرى العقائد الدينية تؤدي دورًا مهمًّا في خلق التنظيم الاجتماعي والسياسي، وما يترتَّب عليهما من علاقاتٍ اقتصادية ومادية مهمة، فضلًا عن العلاقات الدينية والفكرية التي تقوم بين الإنسان وربِّهِ، وما يجسِّد هذا المعتقد من أقوالٍ وأعمال.
انتشرت اليهودية في شبه الجزيرة العربية في قبائل وبطون عربية كانت تعيش خارج مكَّة، منهم: بنو النضير، وبنو قريظة، وبنو ثعلبة، وبنو زريق، وبنو حارثة، فضلًا عن دخول بعض القبائل العربية في الديانة اليهودية، حيث تهوَّد قومٌ من الأوس. وهم أقوام جاؤوا إلى الجزيرة العربية للاتِّجار والربح، وقد أقاموا فيها لهذه الغاية، وهم قلَّة، وقد سبقوا الإسلام بمدة قصيرة من دون أن يكون هناك أي دليلٍ مادي على وجودهم في شبه الجزيرة العربية منذ القِدَم، وخاصةً في النقوش والتراث التاريخي الذي كان لغيرهم من الأديان الأخرى، وقد يحتمل مجيئهم من الحبشة أو من الشمال، حيث أقاموا في يثرب وأم القرى. وأقدم النقوش في الجزيرة العربية تعود إلى رجلٍ يُدعى (يحيى بن شمعون)، التي يعود تاريخها إلى سنة ٣٠٧ ميلادية، وهي كتابات شخصية لا تفصح بشيءٍ ذي بال عن عقيدة أصحابها، ولا عن تاريخهم في هذه الأرض.
وعلى الرغم من أن بعض العرب تهوَّدت قبل الإسلام من الأوس والخزرج لمجاورتهم يهود خيبر وبني قُريظة، وتهوُّد قوم من بني الحارث بن كعب، وقوم من عنان وجذام، إلَّا أن هذه الديانة لم تكن منتشرةً في الجزيرة العربية بشكلٍ واسع. ونتيجة للعنصرية التي امتاز بها يهود شبه الجزيرة العربية، فقد كانت شعوبًا منطوية منغلقة على ذاتها، همها جمع المال والعمل على الفائدة بالربا، وخلق الفتن بين القبائل كي تحافظ على وجودها، على الرغم من أنها استوطنت في أماكن مهمة في شبه الجزيرة العربية، وبخاصة منابع المياه ووديانها الخصبة، مع دفعهم الإتاوة لزعماء القبائل والعشائر العربية التي كانت تتحكَّم بالجزيرة العربية ومقدراتها.
ومن جانبٍ آخر، فقد انتقلت الديانة النصرانية إلى شبه الجزيرة العربية، حيث دخلتها عن طريق التجارة التي كان يقوم بها التجَّار العرب مع بلاد الشام والعراق، وكان يأتي بعض التجَّار المسيحيين إلى مدن الحجاز واليمن والبحرين. وكانت هناك أديرة على تلك الطرقات يأوي إليها العرب للراحة والتزود بالماء والكلأ. ومن ثمَّ يتعرَّفون إلى هذه الديانات في كنائس تلقى الدعم والإعانات من كنائس العراق وبلاد الشام، حتى تمكَّنت من الانتشار بين كثيرٍ من القبائل العربية، وأمام هذا الانتشار الديني دخلت قبائل عدَّة في النصرانية في شبه الجزيرة العربية، ودان لها كثيرون، منهم: بنو تغلب، وبنو امرئ القيس، وطيئ، ومذحج، وبهراء، وسليم، وتنوخ، وغسَّان، ولخم. ولم تقف النصرانية عند هذا الحد من الانتشار، بل تَعَدَّتْه إلى أن دخلت مكَّة وتنصَّر بعض رجالاتها، ومنهم: عثمان بن الحويرث، وورقة بن نوفل. كما وُجِدَ في مكَّة بعض النصارى ممَّن كانوا من الغرباء والرقيق والنازحين والعبيد.
وما كان واقع هاتين الديانتين في أرض شبه جزيرة العرب إلَّا متناقضًا إلى حدٍّ كبير من حيث التطبيق العقائدي والفكري للدين. فكما أشرنا إلى سِمَة العنصرية والتزمُّت التي اتصف بها اليهود جاعلين من أنفسهم «شعب الله المختار»، وأنَّ إلَهَهُمْ خاصٌّ بهم وحدهم. في حين اختلفت النصرانية عنهم جذريًّا، لتعتقد أنَّ دين البشرية جمعاء، وأنَّ الإله هو للجميع، حتى تسود المحبة والتسامح.
وفي الختام، نود الإشارة هنا إلى ملاحظة جديرة بالاهتمام والعناية من قبل الباحثين المختصين في التاريخ الفكري والحضاري لجزيرة العرب، ألا وهي دور الشعر والشعراء في توثيق وتأصيل كثيرٍ من الحالات الاجتماعية والدينية عبر العصور. إذ عكس الشعر الجاهلي ديانة العرب الوثنية منها والتوحيدية على حدٍّ سواء، ممَّا يؤكِّد انتشارَها بينهم، بدايتها تعودُ إلى زمنٍ بعيد جدًّا عن الإسلام. وقد رأيت أن الديانات الوثنية قد تطورت مِنْ عبادة أحجارٍ لا شكل لها، كانت تُؤخذُ مِنْ حَرم مكَّة، إلى عبادة أصنامٍ وأوثانٍ منحوتة. وقد رجَّحت أنَّ هذا التطور في الشكلِ أتاها من البلدان المجاورة لشمال الجزيرة العربيَّة وشرقها؛ ذلك أنَّ أشهَر الأصنام التي كانت تُعْبَدُ عند العرب، لها ما يماثلها عند الأقوام الأخرى.
باحث وأكاديمي عراقي
نايف بن ثنيان آل سعود: مركز الملك سلمان لدراسات تاريخ الجزيرة العربية يسعى إلى إثراء المكتبة بالدراسات المتطورة

الفيصل
يعدّ مركز الملك سلمان لدراسات تاريخ الجزيرة العربية وحضارتها المركز الوحيد المتخصص في هذا المجال في الجامعات السعودية. تأسس المركز في عام 1431هـ. وهو منصة مهمة لدعم البحوث الأكاديمية وتعزيز البحث العلمي في مجال تاريخ الجزيرة العربية وحضارتها. ويضم فريقًا من الباحثين والأكاديميين المميزين في هذا المجال، ويقدم دورات تدريبية وورش عمل ومؤتمرات دولية للمساهمة في نشر المعرفة والوعي بتاريخ المنطقة وثقافتها.
بحسب المشرف العام على مركز الملك سلمان لدراسات تاريخ الجزيرة العربية وحضارتها، الأمير الأستاذ الدكتور نايف بن ثنيان آل سعود، فإن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود رحب بفكرة تأسيس مركز يحمل اسمه ويختص بتاريخ الجزيرة العربية وحضارتها، مشيرًا إلى أن هذا الترحيب جاء تقديرًا منه «لأهمية الدراسات التاريخية والحضارية المتعلقة بالمملكة العربية السعودية خاصةً والجزيرة العربية عامةً؛ وذلك لما عُرِفَ عنه من اهتمام بالغ بالتاريخ وشجونه واطلاعه الواسع وقراءاته النقدية والتحليلية، ولا سيما فيما يتعلق بتاريخ الوطن، فلم تَحُلْ مسؤوليات الملك سلمان المتعددة بينه وبين عشقه المتأصل للتاريخ بصفته سجلًّا خالدًا للأمة ومرآة لتطورها وتوثيقًا لأحداثها، فكان دائمًا حفيًّا بالتاريخ والمؤرخين، ومشاركًا ومصححًا لما يُثَار من موضوعات ومداخلات وآراء. من هنا جاء ترحيب الملك سلمان بفكرة إنشاء مركز يحمل اسمه في رحاب جامعة الملك سعود في سنة 1431هـ، مُكرّسًا للدراسات التاريخية والحضارية للجزيرة العربية، حافزًا على حركة البحث التاريخي وتشجيعها؛ لاستجلاء القيم العظيمة في تاريخ المملكة العربية السعودية خاصة، والجزيرة العربية عامة».
مستهدفات ثمينة
حول أهم مستهدفات المركز للارتقاء بهذا المجال البحثي المهم، ذكر الأمير نايف أن للمركز مجموعة من المستهدفات؛ أبرزها: «إجراء الدراسات والبحوث المتعمقة التي تتناول تاريخ الجزيرة العربية وحضارتها، وتدعيم حركة النشر العلمي، ولا سيما في الدوريات المتخصصة ذات السمعة العالمية، والمشاركة في الإنتاج البحثي الوطني والعالمي والإلمام بالتقنيات الحديثة، وتحقيق أرضية مساندة لبرامج التنمية الوطنية، وعقد ندوات ومؤتمرات عامة ومغلقة تبحث في تاريخ الجزيرة العربية عامة، وتاريخ المملكة العربية السعودية خاصة، وعلاقاتها مع جيرانها ومع الدول والتجمعات الإقليمية الأخرى، وتقديم الاستشارات العلمية في كل ما يتعلق بالجزيرة العربية، سواء من حيث النشر والتأليف أو في وضع المناهج التاريخية لكل المراحل الدراسية، وتأسيس قاعدة بيانات معلوماتية تاريخية في كل ما يتعلق بتاريخ الجزيرة العربية وحضارتها، ومساعدة الباحثين في حقل تاريخ الجزيرة العربية وحضارتها». وأضاف أنه من بين المستهدفات الأخرى: «تأسيس العلاقات مع المراكز المتماثلة وتوثيقها، وكذلك مع الأفراد المهتمين بتاريخ الجزيرة العربية وحضارتها، ودعوة الأساتذة الزائرين وتنظيم برامجهم العلمية في أثناء مدة إقامتهم، والمتابعة المستمرة لكل ما يُنشَر عن تاريخ الجزيرة العربية وحضارتها باللغات العالمية، والاستفادة من وسائل التقنية الحديثة للتعريف بتاريخ الجزيرة العربية وحضارتها عبر العصور».
جهود بحثية متميزة
وفيما يخص أبرز الجهود البحثية للمركز أوضح الأمير نايف قائلًا: «للمركز مجموعة من الجهود تتمثل أبرزها في احتضانه عددًا من الفعاليات والمناشط المهمة المتخصصة في مجال دراسات تاريخ الجزيرة العربية وحضارتها؛ لعل من أهمها: نشره للمؤلفات والدراسات والبحوث المتخصصة في تاريخ الجزيرة العربية وحضارتها، التي بلغت حتى الآن أكثر من ثلاثين كتابًا علميًّا محكمًا تتناول موضوعاتها مختلف جوانب تاريخ الجزيرة العربية، قديمًا ووسيطًا وحديثًا، إلى جانب احتضانه جائزة الملك سلمان العالمية للدراسات العليا في تاريخ الجزيرة العربية وحضارتها، وهي جائزة سخية أهداها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان لأبنائه الطلاب في مرحلتي الماجستير والدكتوراه، وعُقد منها حتى الآن دورتان، والمركز بصدد الإعلان عن الدورة الثالثة منها بصفتها جائزة عالمية؛ لكي يشارك فيها الطلاب من جميع أنحاء العالم لإثراء مجال تاريخ الجزيرة العربية وحضارتها بآراء ومناهج جديدة ومبتكرة».
وأشار الأمير نايف إلى أنه من بين جهود المركز أيضًا: «احتضانه الندوة العالمية لدراسات تاريخ الجزيرة العربية التي تحظى بسمعة علمية فائقة في الأوساط البحثية والأكاديمية والعلمية منذ إنشائها قبل نحو خمسة عقود؛ إذ استوعبت خلال مسيرتها الطويلة من الأبحاث والعلماء من المملكة وخارجها، وهو ما يجعلها في طليعة الندوات التاريخية المتخصصة في تاريخ الجزيرة العربية على مستوى العالم، وإصداره مجلة علمية محكمة نصف سنوية عن تاريخ الجزيرة العربية وحضارتها، وهي المجلة الوحيدة المتخصصة في هذا المجال في الجامعات السعودية، إضافة إلى تقديم عشرات المحاضرات العلمية والدورات وورش العمل على مدار العام الدراسي لطلاب الدراسات العليا والباحثين المتخصصين في تاريخ الجزيرة العربية».
وتطرق الأمير نايف إلى أن المركز عمل على إنشاء قاعة بحثية وثائقية تشتمل على أهم الوثائق والمخطوطات والصور النادرة المتعلقة بتاريخ الجزيرة العربية وحضارتها؛ لإتاحتها للباحثين وطلاب الدراسات العليا، كما أنشأ موقعًا إلكترونيًّا ثريًّا، يتيح للجميع الاطلاع بسهولة ويسر على المناشط والمشروعات البحثية للمركز، والتعرف إلى أبرز الأخبار، فضلًا عن منصات التواصل الاجتماعي النشطة والمفعلة على نحو دائم ومستمر.
واقع البحث الراهن
لا شك أن مجال دراسة تاريخ الجزيرة العربية وحضارتها مجال ضخم وشاسع؛ إذ يشمل دراسة جميع مناطق وأقاليم الجزيرة العربية في جميع العصور التاريخية، وهو ما قد يجعل واقع البحث والدراسة في تاريخ الجزيرة العربية وحضارتها من الأمور الصعوبة لكنها ليست مستحيلة، وقد أوضح الأمير نايف طبيعة هذا المجال في الوقت الراهن بقوله: «على الرغم من الصعوبات التي قد يواجهها الباحث في بعض الفترات التاريخية للجزيرة العربية من قلة المادة العلمية وشح المصادر، فإن المتخصصين في التاريخ عامة، وتاريخ الجزيرة العربية وحضارتها على خاصة، يعلمون أن معين تاريخ الجزيرة العربية لا ينضب أبدًا، وأنه على الرغم من حجم الدراسات والبحوث التي انتُجت، فإن تاريخ الجزيرة العربية ما زال ميدانًا خصبًا للبحث والدراسة، ولا سيما في الجوانب الحضارية والاقتصادية».
وأضاف: «من المعروف أن الجوانب السياسية والعسكرية في أي حقبة تاريخية دائمًا ما تحظى بالاهتمام والتركيز من جانب الباحثين المتخصصين أكثر من غيرها من جوانب الأخرى، وهذا لا شك نابع في الأساس من توافر المادة المصدرية في الأحوال السياسية؛ لكونها قد حظيت بالأولوية في التدوين من المؤلفين المعاصرين عما سواها من الأحوال الأخرى. ولكن هذا لا يعني أن الجوانب الأخرى فقيرة مصدريًّا، بل إن الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ميدان خصب وثري للباحث الجادّ، وبخاصة مع تطور أدوت البحث الحديثة، وظهور المصادر والمراجع الرقمية التي تسهل كثيرًا الحصول على المعلومات، فضلًا عن تنوع وثراء المصادر التاريخية التي يستند عليها الباحث التاريخي، فلم يعد محور اهتمامه المؤلفات التاريخية التقليدية، بل إن هناك مؤلفات أخرى لا تقل أهمية بل ربما تفوق مثيلاتها من المؤلفات التاريخية، وهي المؤلفات في الأدب والفقه والحسبة والجغرافيا وكتب الفنون العسكرية والعلوم التطبيقية والصحافة والوثائق على اختلاف أنواعها، والصور، إلى غير ذلك مما يمكن للباحث أن يستند عليه».
تطوير الدراسات التاريخية
ويطمح المركز في المرحلة القادمة إلى تطوير مجال الدراسات التاريخية والحضارية للجزيرة العربية عبر جهود مستمرة لا تتوقف، فأشار الأمير نايف إلى أن «المركز يسعى إلى إثراء مكتبة تاريخ الجزيرة العربية وحضارتها بدراسات متطورة ومبتكرة وجديدة، وذلك عبر تبنّيه نشر هذه الدراسات بعد عرضها على التحكيم العلمي الدقيق، كما يطمح في المرحلة القادمة إلى وضع آلية معينة تكون وسيلة ربط بين الأقسام الأكاديمية داخل الجامعات والطلاب لدفعهم ناحية الاهتمام بتاريخ الجزيرة العربية وحضارتها».
المرأة في الجزيرة العربية قبل الإسلام
دراسة في التاريخ السياسي
يسلّط كتاب «الملكات العربيات قبل الإسلام- دراسة في التاريخ السياسي» الضوء على دور المرأة العربية قبل الإسلام. وتتناول مؤلِّفتُه، الدكتورة هند محمد التركي، قصص الملكات والقائدات العربيات اللواتي حكمن في ذلك الوقت ولعبن أدوارًا سياسية وعسكرية كبيرة. كما تركز على دور المرأة في الشعر والأدب في عصر ما قبل الإسلام. ويُعد الكتاب الصادر عن مؤسسة عبدالرحمن السديري الخيرية مصدرًا قيِّمًا عن تاريخ المرأة العربية قبيل ظهور الإسلام.
من خلال دراسة أكاديمية موثّقة يستعرض الكتاب الأنظمة السياسية في الجزيرة العربية، والمكانة التي كانت تحظى بها المرأة العربية في النظم الحاكمة آنذاك. وقد بينت المؤلفة أن المرأة العربية قبل الإسلام كان لها شأن كبير في المجتمع. كانت كاهنة وعالمة بأمور الطب والتعاويذ، إلى جانب دورها الطبيعي في رعاية أسرتها وأولادها.
يتألف الكتاب من تمهيد وأربعة فصول. وبداية تتحدث المؤلفة عن الإطار الجغرافي والحضاري للمنطقة الشرقية الأدنى القديمة ومكانة المرأة في الجزيرة العربية وما جاورها من مناطق مثل: إيران ومصر والشام وبلاد الرافدين والأناضول. ولفتت التركي إلى أن أقدم الأدلة حول النظام السياسي في الجزيرة العربية وطبيعته تعود إلى مصدرين رئيسين: كتاب العهد القديم والمصادر الآشورية. وتؤكد تلك المصادر أن العرب قد عرفوا أنظمة الحكم وأنها كانت نتاج تطور فكري سياسي.
ويقدم الكتاب عرضًا للنظام السياسي في الجزيرة العربية قبل الإسلام، مع توضيح للألقاب السياسية التي كانت تستخدم في ممالك جنوبي الجزيرة وشمالها، ولفت الكتاب إلى أن العرب عرفوا ثلاثة أنماط من أنظمة الحكم:
نظام المشيخة القبلية: وفيه كانت القبيلة هي أساس التنظيم السياسي، والعمود الفقري لحياة البادية. ثم تحول هذا النظام تدريجيًّا إلى نظام الملكية، وهو ما أدى لنشوء دويلات وممالك مستقرة في جنوبي الجزيرة ووسطها وشماليها.
نظام المكربين: ظهر هذا النظام مع ارتقاء الوضع السياسي للقبائل إلى تنظيم الدويلة المستقرة. ويتمثل في تحالف بين عدد من القبائل ذات المصالح المشتركة ويجمعها الجوار. وكان لها زعيم يحكمها تحول لقبه من شيخ إلى مكرب. وهو لقب شاع استعماله في ممالك سبأ وأوسان وقتبان وحضرموت. وقد اختلف الباحثون في تفسير معنى مكرب، فأشار بعضهم إلى أن معناه المُوحّد. وقد ظهر هذا النظام الوراثي في جنوبي الجزيرة العربية فقط، ولا يوجد شاهد تاريخي يدل على أن المرأة قد حكمت في ظل النظام المكربي.
النظام الملكي: مع تطور النظم السياسية في الجزيرة العربية تحولت مناطقها إلى وضع أكثر استقرارًا، وقد وردت لفظة «ملك» في النقوش التي خلّفتها الممالك العربية القديمة، منها نقش النصر الذي يعدّ من أقدم نقوش المسند. حيث يشير إلى أن (كرب إل وتر) اتخذ لقب ملك وتمكن من إقامة دولة مركزية قوية. وقد تتبع الكتاب ظهور هذا النظام في ممالك الجزيرة العربية مع ذكر أمثلة لملوكها الأوائل. وقد ظهرت المرأة الملكة في هذا النظام، فنجد ملكة سبأ، وملكة تدمر التي نافست الإمبراطورية الرومانية.
وتطرقت المؤلفة إلى الألقاب السياسية التي شاعت في تلك الممالك؛ مثل «قين» بمعنى وزير أو نائب، و«كبير» التي تساوي أميرًا أو واليًا، و«قيل» التي توازي زعيمًا أو شيخًا أو مسؤولًا حاكمًا، و«العاقب» وهو موظف يُختار من أسرة ذات نفوذ ليتولى حكم منطقة ما ضمن المملكة، و«المقتوي» وهو القائد العسكري الذي يتولى قيادة قوات مختلفة ولا سيما في مملك جنوب الجزيرة العربية. أما في شمالها فقد انتشر لقب موازٍ آخر وهو «هفركا»، وهي كلمة يونانية الأصل تعني القائد. ومع تزايد أطماع الممالك المجاورة في ممالك الجزيرة العربية القديمة انتهى بها الأمر إلى زوالها، وظهرت على أنقاضها ما تسمى بالدويلات أو الممالك العربية.
نقوش وآثار
تتوقف المؤلفة عند الملكات العربيات من خلال النقوش والآثار العربية القديمة مثل: النقوش الآشورية والسبئية والنبطية والتدمرية والمصادر الرومانية. ويتضمن الكتاب صورًا للعديد من العملات البرونزية والفضية التي تصوّر تلك الملكات، فقد حرص الآشوريون منذ عهودهم الباكرة على تسجيل أسماء ملوكهم وسنوات حكمهم وما حققوه من إنجازات عمرانية.
خلافًا للنقوش الآشورية، فإن النقوش السبئية لم تتضمن أي نقش يشير إلى أي ملكة تولت الحكم، سوى نقش واحد أشار إلى ملكة حضرمية، لم تشارك في قيادة أو حكم، لكنها كانت زوجة الملك، وهي «ملك حلك»، وهي أيضًا ابنة الملك «علهان نهفان»، ملك سبأ وذي ريدان، وأخت الملك «شعر أوتر». وعلى الرغم من كثرة النقوش النبطية، فإنها لم تشر إلى أي ملكات نبطيات، لكن كان اسم زوجة الملك أو والدته يوضع معه على العملة تكريمًا لها، وكان الملك عبادة الثاني أول ملك يُظهر صورة زوجته الملكة على العملة. ومن أبرز الملكات النبطيات اللواتي ذكرت أسماؤهن على العملات: الملكة خلدو، والملكة شقيلة زوجة حارثة الرابع، والملكة شقيلة زوجة مالك الثاني، والملكة شقيلة أم الملك رب إل الثاني، والملكة جميلة أم الملك رب إل الثاني.
أدوار سياسية مهمة
وتحدثت المؤلفة عن الملكات العربيات في المصادر الدينية والموروث العربي. فذكرت قصة ملكة سبأ مع النبي سليمان، وبينت اللبس عند بعض المؤرخين العرب بين الملكة زنوبيا، ملكة تدمر، وملكة أخرى أطلقوا عليها اسم «الزباء». كما تطرقت إلى الملكات العربيات وزوجات الملوك المؤثرات، ملكات شمالي الجزيرة العربية وعلاقتهن بدولة آشور. ومن الملكات التي تطرق لهن الكتاب، الملكة يافا التي تشير الآثار الباقية إلى أنها كانت تحكم منطقة اليمامة، وقُتِلَت على يد الملك الآشوري أسرحدون، بعد صراع عسكري للدفاع عن مصالح مملكتها. يُذكر أن الملكة باسلو قُتِلَت أيضًا ضمن الملوك الذين قتلهم الملك الآشوري أسرحدون. أما الملكة الكاهنة تعلخونو فقد هزمها الملك الآشوري سنحاريب، ووقعت في الأسر، ونُقِلَت إلى عاصمة الآشوريين (نينوى)، ونُقِلَت معها غنائم كثيرة وتماثيل آلهة أدوماتو. أما الملكة تبوأة فقد دخلت في مهادنة جديدة مع الآشوريين في عهد أسرحدون، وكانت علاقته به تقوم على الولاء والتبعية وتقديم الإتاوات.
أما ملكة سبأ فقد اختلفت المصادر في تحديد سبب زيارة الملك سليمان. في الإنجيل والتوراة ذُكِرَ أن السبب هو الوقوف على حكمة سليمان والتأكد منها، أما القرآن فقد حدد سبب الزيارة بالدعوة إلى توحيد الله. ووفقًا للموروثات العربية فقد ترتب على زيارة ملكة سبأ النبيَّ سليمان علاقات دبلوماسية وتجارية.
بواسطة الفيصل | مايو 1, 2023 | تشكيل
تتحول الحروف في تجربة الفنان السوري خالد الساعي إلى كائنات والأشكال إلى حروف. في حوار «الفيصل» معه، يتحدث الساعي عن المصادر المختلفة التي يستلهم منها أعماله وعن دمجه بصريًّا بين البيئات الشرقية والغربية، ودمجه بين الصورة والحرف ومتى يمكن للفنان أو ينبغي له أن يجعل من عمله الفني وثيقة تاريخية تحفظ المعالم التاريخية. كما يتطرق إلى تجربته في الرسم أمام الجمهور والهدف منه والفائدة التي تحصل عليها باحتكاكه بالجمهور من جنسيات مختلفة. يتحدث عن جداريته «سوريا حديقة التاريخ»، وكيف أن طينة هذا العمل مستمدة من ألوان المدن السورية المختلفة ومن معاني أسماء المدن وتاريخها. وعن استفادته من التراث الصوفي، وعن الحاسب الآلي كأداة في يد الفنان يمكنه ترويضها لصالح إنتاج أعمال بصرية لكنها، كما يرى، ستظل أداة قاصرة بحكم أن الفن تجربة تُعاش، يترجمها الفنان بتفاعله مع المحيط ومع دواخلنا وليست مسألة تنفيذية تقنية كما هو حال الحاسب الآلي. ويتوقف عند معارضه التي جاب بها العالم، وهو يحمل معها بيته الدمشقي.
● كيف أثرت نشأتك في عائلة تعشق الرسم بالخط العربي في مسيرتك، وكيف طورت دراستك الأكاديمية الموهبة لديك؟
■ كان مناخ البيت عندنا مناخًا ثقافيًّا بامتياز، حيث قراءة الشعر تحدث بانتظام وانتقاء، وتتداخل معها مناقشات مشوقة، وأيضًا ورش الخط العربي كانت شبه دائمة. والرسم كذلك. كل ذلك ساهم في نضجي المبكر لفهم الفن والأدب وممارستي المبكرة لهما، والأهم من ذلك الاستمتاع بالفن والثقافة. نعم، بكل تأكيد ساهم الجو العائلي في ذلك، حتى أكثر من الحياة الأكاديمية، حيث التحقت بكلية الفنون الجميلة بدمشق وأنا على اطلاع كامل على المادة النظرية ومقرراتها ورصيد عملي جيد، ولكن الاحتكاك مع بقية الفنانين من الطلاب كان له دور في تبلور التجربة، وكنت لا أتوقف عن البحث في المراجع، وصالات العرض في دمشق حيث كنت أزورها بانتظام، والمراكز الثقافية كانت رافدًا مهمًّا لي. لكن دراستي في إسطنبول أضافت بُعدًا آخر لمشروعي في فن الخط وبخاصة أنها كانت في مناخ مشبّع بالفن روحيًّا وماديًّا. إضافة إلى أن البعد التاريخي والمتمثل في الشواهد والآثار والمصادر هناك في إسطنبول عمّق ورسّخ البعد الفني لديَّ عن فن الخط.

● للخط العربي تاريخ طويل في تزيين جداريات القصور والمساجد وغيرها، فضلًا عن أنه انتقل إلى بلدان كثيرة أضافت إليه خصوصياتها الفنية والثقافية، فكيف استفدت من مجمل هذا الثراء الفني في تجربتك؟
■ خصائص اللوحات الصغيرة تختلف عن الأعمال الجدارية؛ فهناك معايير مغايرة. وقد استحوذت عليَّ جداريات بوتشيللي وتونتوريتو وروبنز والجريكو. فن الرسم من حيث تحوير نِسب الأشكال وطبيعة التلوين وبناء العمل هو تمامًا مثل التأليف الموسيقي السيمفوني فهناك من يغلب عليه الإيقاع وهناك من يميل إلى التناغم إلخ. لكن في فن الخط المسألة مختلفة، وقد راقتني فيه مدرستان: المدرسة العثمانية بدقتها وصرامتها ومنطقيتها، والمدرسة الأندلسية/ المغربية بارتجالاتها وسردها البصري العفوي. حاولت في عملي الحروفي دمج مفهومي الجدارية التصويرية والخطية بحيث يمكن للمتلقي أن يراها من أية زاوية. إنه دمج خاص بي تحوَّل الحرف فيه إلى كائن وتحولت الأشكال إلى حروف. الاطلاع على مدارس العمل الجداري كان له أثر في توجّه بحثي الفني. لكني لم أتوقف عند ذلك فقد خضت رهانات أكثر تنوعًا، إيمانًا بأن هذا الحرف مطواع بشكل لا محدود ويمكنني الذهاب به إلى الأقاصي.
● قدمت نحو 32 معرضًا فرديًّا، فضلًا عن 20 جدارية كبرى في عدد من المدن العربية والأجنبية، فما الذي كان يميز كل معرض من الآخر، وكل جدارية من غيرها؟
■ ما يميز كل معرض عن الآخر هو نضوج التجربة، وطبيعة البحث والتصدي لثيمة كل معرض. في الصيف الماضي كان لي معرضان، في شهرين متتاليين: الأول في فرنسا والثاني في السويد. الأول تناول مقاربات الشعر العربي والفرنسي ومفهوم الشراب. والثاني، وإن كان عن الشعر السويدي لكنه كان عن تحويل الإيقاع والمناخ الشعري إلى مناخ بصري بالاعتماد على إيقاع اللغة الصوتي وإيحاءاتها التعبيرية وتحويل ذلك إلى حدث بصري حرفي (من الحروف)، فكانت الأعمال في مجملها بالأسود والأبيض، مثل لغة الشتاء والثلج. وكان اسم المعرض «جمرات الثلج» والآخر كان يتغنى بالبذخ اللوني والإيقاعي للشعر، كشعر أبي نواس وإيف بونفوا ومالارميه وابن الفارض.
المعرضان كانا عن الشعر من زوايا مختلفة والنتيجة تؤكد ذلك. لكن، وهذا مهم: ليس الشعر. وبالتالي اللغة مصدر إلهامي الوحيد، لكني أستلهم من مفاهيم وأفكار ومشارب متنوعة ومجرّدة أحيانًا. فقد عملت معرضًا عن الطبيعة في مناخ الفرات ومحيط منطقة لا لوار في فرنسا؛ مقاربة بصرية بين نهرين عظيمين. لكن شكل الحرف كان الرائد في تلك المغامرة (بين الفرات ولا لوار).
ثيمة كل معرض تساهم في إعطائه خصوصية واختلاف، الأمر ينسحب على العمل الجداري أيضًا، فجدارية «سفينة نوح» (المغرب) اعتمدت فيها على الثنائيات ضمن إطار عام وهو شكل السفينة الهائلة. بينما جدارية «لامية العرب» (وولفسبرغ ألمانيا) كانت الوحشة والصحراء. ليست مهمة الفنان أن يصور بشكل مباشر، بل أن يأخذ الفكرة إلى مستوى فني عالي من حيث التأويل والتصرف الفني. فكانت جداريتي في متحف الفن في ميشيغان عن الإنسان والماء، البحيرة والبشر، والأثر المتبادل بينهما، حيث أخذ شكل اللوحة تأويلًا عميقًا وذهنيًّا أكثر منه تمثيليًّا؛ فلكل فكرة إملاؤها الخاص على قريحة وفكر الفنان.
بين الحرف والصورة
● لماذا عمدت في لوحاتك إلى مزج الصورة بالخط؟ هل لم تعد القيمة الجمالية للخط العربي قادرة وحدها على تقديم القيمة الجمالية التي تقدمها الصورة للوحة؟
■ ما يعجبني في العمل التجريدي الحروفي هو أن الفنان يبتكر فيه على الصعيد الكلي والجزئي. أقصد من حيث البناء والحركة واللون، وأيضًا من حيث التفصيل في صياغة الحروف ومتوالياتها. وبالتالي من يستقبل العمل يملك الحرية في التأويل والقراءة لكن في عمل «سوريا حديقة التاريخ» أردت تثبيت صورة معينة في ذهن المتلقي (وهذا جزء من رسالة اللوحة) فلم تكن لوحة تأويلية بالمنطق المفتوح، بل فيها جانب توثيقي وجب الوقوف عليه وهو حفظ أشكال الأوايد والتماثيل والجغرافية التي دمّرتها الحرب وتوثيقها للتاريخ.
ما قمت به هو شكل من أشكال الأرشفة في زمن الحرب؛ إذ اقتضت عليّ الأمانة أن أحفظ وأحتفي بصور تلك المعالم والعناصر والأشخاص. إن مسألة التزامن البصري بين الحرف والصورة ليست مسألة سهلة كأن تدمج الفن الواقعي بالفن التجريدي. جداريتي الأخيرة في أصيلة -«صمتت كل اللغات»- هي من وحي قصيدة الشاعر نوري الجراح، ولم تتضمن أية صورة، بل اشتغلت على الحركة الداخلية للحرف واللون. في نواح أخرى أعمد إلى الكولاج/ الصورة لإغناء السطح. وتكون مادة الكولاج خارجة عن سياقها. بمعنى مقصوصة بشكل مجتزئ لا يشي بالأشياء ولا يشتت الرؤية، بل يدعم جمال الحرف ويثري خلفية العمل. وفي «سوريا حديقة التاريخ» كان الحرف هو العمود الفقري والهوية البصرية للعمل، أما الصور فتساهم في إتمام السرد وتثبيت الصور في عين المتلقي.
● في معرض «سوريا حديقة التاريخ» رسمت أمام الجمهور لمدة شهر تقريبًا في متحف بيرغامون في برلين جدارية من ثمانية أمتار في مترين، فكيف كان تأثير هذه اللحظة فيك؟ وكيف اخترت حروف المدن والألوان المناسبة لها؟
■ كان الجانب الأهم في إنجاز اللوحة أمام الجمهور هو التبادل الثقافي والمعرفي والتحاور معه وتداعيات ذلك. وكانت فرصة كبيرة للحديث عن بلدي وتاريخه أمام جمهور عالمي ومنوع. فقد التقيت أناسًا من أكثر من سبعين جنسية، تقريبًا. أتاحت تلك الفرصة النادرة قراءة ردود أفعال الناس من مشارب مختلفة عن العمل وعن سوريا عامة، وهذا ساهم في تزويدي بكثير من المعارف والأفكار عن الفن والحياة وطرق التفكير والتفاعل من الطرف الآخر. كان هناك تصميم متفق عليه على شكل اللوحة الأساسي، وفقًا لدراسات تبادلتها مع إدارة المتحف. لكن كان هناك هامش تفصيلي، هامش للارتجال والإضافة والتطوير، وهذا جزء من صيرورة أي عمل إبداعي. كل ذلك ساهم فيه ذلك المحيط الملهم في المتحف من ناس وقطع فنية تاريخية. «سوريا حديقة التاريخ»، كان البحث فيها على مستويات عدة: المستوى اللوني كان مستمدًّا كله من ألوان التراب السوري ومناطقه المُشار إليها في اللوحة ضمن سياق تاريخي. فالألوان المحيطة بجبل الشيخ، بألوانها الأبيض والأزرق والأخضر الناعم، تختلف عن ألوان إدلب بأخضرها الداكن وتربتها الغامقة البنية الرطبة واللون القرميدي، في حين تتميز ألوان مدينة تدمر بدرجات لون الأوكر والبني الفاتح والأصفر، وهي ألوان تعكس شكل الصحراء والنخيل.
أخذت من كل مدينة رمزًا حروفيًّا مستمدًّا، إما من معنى اسمها أو من سيرتها وتاريخها. فمن مدينة الحسكة أخذت حرف الكاف (حيث نشأت فيها أولى الزراعات في التاريخ وطرق تحويل الماء للسقاية كحرف تحويل)، ورمزت لدمشق بحرف الشين، بمعنى الشرق والإشعاع -وهكذا هي دمشق كانت وستبقى- ورمزت لحمص بحرف الصاد، وهي المقلة أو العين البشرية، ومدينة طرطوس بحرف الطاء. تلك المدينة الفينيقية، مدينة البحر والطيران والاكتشاف. ورمزت لمدينة حلب بحرف الحاء، الحب والحقيقة، ودير الزور بحرف الزاي، حرف الزينة والحسن،… إلخ.
تصوف الفنان والتقنيات الحديثة
● كيف استفدت من تراث الصوفية في تطوير تجربتك، وإلى أي مدى كنت مطلعًا على علم الحروف لديهم؟
■ في سنة 2000م كان عندي معرض عن الصوفية برعاية المركز الثقافي الإسباني. بدأ في المتحف الوطني بدمشق ثم في قصر اليونيسكو في بيروت وعمان وعبَرَ شمال إفريقيا إلى سبع مدن إسبانية آخرها مرسية. كانت في حد ذاتها تجوالًا صوفيًّا بامتياز من خلال لقاء المختصين في كل بلد والتحاور معهم. لقد كان المعرض يمثل رحلة ابن عربي بشكل معاكس. الفنان المنشغل بالحرف هو متصوف بالضرورة لكن بطريقته؛ فالحرف هو تقشّف الشكل وهو صورة الكائنات الصوتية والذهنية وبالتالي التعامل مع التجريد يتماثل مع تجربة العرفان. وممارسة الخط هي طقس صوفي بامتياز، طقس ينفصل فيه المبدع عن عالم الصورة صوب المعاني. درست التصوف من الناحية الأدبية الشعرية والتأويلية وفهم العالم بشكلٍ أعمق. والتناص بين اللغة والتصوف مدهش، بل إنه حتمي، والفكر الصوفي يعطي معنى وقيمة مختلفة لكل شيء.
لا شك أني مأخوذ بتلك التجربة التي تنظر إلى كل شيء من الداخل ومن الصورة الكلية ذات المعنى الكبير. لم تضف لي تلك المعارف على الصعيد التقني فحسب، لكنها فتحت لي آفاقًا رحبة للتعامل مع الحرف كموجود وكهدف وكطريقة تعامل مع فني والعالم. التعالق بين الحرف والتصوف جدلي بل هو ثنائية كونية بين المجرد والمشخص، الواقع والخيال، وهي تجربة تغذي الطرفين على الدوام. يقول التوحيدي: كنا حروفًا عاليات لم تُقرأ.
● في عالم يسوده الحاسب الآلي وتقنياته العديدة، ما أهمية الرسم بالخط العربي، وكيف يمكن للفنان أن يكون مختلفًا؟
■ الحاسب الآلي أداة لتسهيل وتيسير أمور كثيرة في الخط، وعلى الأغلب من الناحية التقنية واختصار الزمن. وفي الإجمال هو مُعين في الأمور الخدمية، وهو تقنية مساعدة إلى حد كبير. ومؤخرًا هناك عدد من فناني الحرف اتجهوا إلى إنتاج أعمال بالاستفادة من تقنياته وبرامجه وتنفيذه، ليس في فن الخط فحسب، بل في سائر الفنون.
يجب استغلال ذلك إلى حد بعيد، لكن كيف للحاسب الآلي أن يتفاعل مع قصيدة للسياب ويقوم بتأويلها! ثمة ذاتية وآنيّة في التفاعل مع الفن يستحيل أن تكون لدى الآلة مهما بلغ ذكاؤها. أصبح الحاسب الآلي ضمن أدوات الفنان كالريش والأوراق والألوان الحقيقية. والفنان الحقيقي مختلف ومتميز ويتطرق لموضوعات جديدة ويحاول قدر المستطاع الاستفادة من كل ما هو متاح أمامه. هناك أعمال في الفيديو آرت والأنيميشن تُنتج فنًّا رقميًّا يتحاور مع الحواس الخمس، فإلى أي مدى يمكن أن نتصور أن تصل التقنية؟ لكن الفن تجربة تُعاش ويترجمها الفنان، هي تفاعل مع المحيط ومع دواخلنا وليست مسألة تنفيذية تقنية، في حين أن عمق الأفكار وأصالتها لا تتأثر في هذه المتغيرات التقنية.
● كيف تبرز ذاتك وما يعتمل فيها من خلال رسم محدد ومعروف سلفًا كالخط والصورة الموضوعة بطريقة الكولاج في اللوحة؟
■ هناك نظام خوارزمي مذهل لخط الثلث. وهذا النظام يتيح استيلاد أشكال لا نهائية من صيغ كتابة الكلمات والجمل وابتكار التصاميم في هذا الخط. بمعنى أن أية كلمة ممكن كتابتها بما لا يقل عن ٤٠ شكلًا مختلفًا. وبالتالي فإن الفنان الخطاط يغرف من بحر، وما تلك القياسات الأولية إلا لمساعدة المبتدئ، لكن الفنان يأخذ ذلك بعيدًا، إلى ركن يخصّه. الفن التشكيلي له مدارس مختلفة ولكل مدرسة فلسفتها وصفاتها الشكلية. إنها مسألة تصنيفية لا إطار. الشعر العربي، بمفهومه التقليدي، ذو قوالب محددة بنسبة كبيرة. لكن هل قتل ذلك الشعر وخيال الشعراء؟ يمارس الفنان الخطاط ما هو متعارف عليه باسم المنسي الفعّال كما قال كانط، وسبقه إلى ذلك ابن الجهم.
الخط في حقبة الأندلس كانت له أصوله وتفريعاته ولكن معظم تلك الأنواع لم تخضع لمدرسة مقننة كما في الحقبة العثمانية وعند أهل المشرق. كان للخط هامش من الحرية والارتياب؛ إذ لم تكن الحروف مقعّدة تمامًا. فترى الكلمة ذاتها عنده تأخذ أشكالًا لا تتطابق، حتى في نوع الخط الواحد؛ حيث هناك اعتباران لما يقوم به: حِسُّ اللحظة عند الفنان وإملاءات المحيط الفني للكلمة. خُلِقت القواعد ليكسرها المبدع، أما الخطاط أو الرسام التقليدي فهو سجين تلك الشروط.

في آخر الحقبة العثمانية كان مُدَرّس الخط (مصطفى حليم) في الأكاديمية في إسطنبول يحاول أن يشرح للطلبة الفارق في كتابة حرف الألف بين الخطاطين مصطفى الراقم ومحمود جلال الدين، لكنه لم يُفلِح؛ لأنهما بصريًّا شبه متطابقين؛ لخضوعهما لقواعد صارمة. فما كان منه إلا أن خرج من الصف وعاد يمشي بجسد مشدود ورأس يتجه إلى أعلى وعين تتقد، ثم عاد بهيئة رجل عجوز محني الظهر ورأسه للأسفل. هكذا صاح الطلبة: آه، فهمنا. كانت الأولى ألف مصطفى الراقم. أقصد حتى في الخط التقليدي يكون هناك تمايز وتبرز شخصية الخطاط ونبضه.
نجا المهداوي، أحد أهم الحروفيين في عالمنا العربي. أجزم أنه كتب ملايين من الحروف، لكن يستحيل أن يتطابق الحرف عنده مع الحرف نفسه في نص آخر له. هناك آنيّة وأريحية في التصرف. خط الثلث هو خط مشرقي، لكنه في الجزائر والمغرب أخذ صيغة مختلفة، وكذلك في الهند ونيبال وأوزبكستان.
نقول: ثلث مغربي؛ فقد تنفس الحرف مناخه الجديد وخضع لمزاجية وفلسفة مختلفتين.
ليست كل أعمالي تستند على الكولاج، هي إحدى محطات عملي، لكن حتى تلك التي تحتوي على الكولاج يكون توظيفه في اللوحة مدروسًا ويخدم الغرض منه. الكولاج يبقى عنصرًا رديفًا وخلفية من طعم آخر تسمح للحرف عندي بأن يخوض مغامرة أخرى. هناك بعض تجارب الكولاج، والأسود والأبيض، كان المحرك لها هو موسيقا الجاز والبلوز، وكان عماد تلك اللوحات هو حرف الثلث أو خط الإجازة. وكانت عناصر الكولاج تؤجج حركة الحرف مثلما تفعل موسيقا الترومبيت أو إيقاعات الآلات المعدنية في موسيقا الجاز. الكولاج في أعمالي عن الطبيعة اختلفت مفرداته وألوانه، وكأنها فروع وأغصان اشتُقَّتْ من حروف خط الديواني الجلي؛ وذلك لخلق تناغم شكلي وحركي ولوني. إنه توظيف غير معهود للكولاج، ليس توظيفًا ذهنيًّا بصريًّا، بل هو توظيف عضوي وتوأمة مع الحرف.
المحلية والعالمية وتأثير المكان
● إلى أي مدى كانت إقامتك في الإمارات، وتحديدًا الشارقة، عاملًا مهمًّا في نقل تجربتك من المحلية إلى العالمية، وكيف حملت سوريا عبر فنّك إلى العالم؟
■ لا شك أن للمكان والجغرافيا والمحيط بكل حمولاته وأبعاده أثرًا في الفنان؛ إما على المدى القريب أو البعيد. ربما وفّرت لي الشارقة الهدوء المطلوب وبيئة مناسبة للخط والثقافة (حيث مرسمي وسط الشارقة ضمن المدينة القديمة)، وهذا وحده يعطي طاقة إيجابية. لوحتي «مشوار في الصحراء» التي رسمتها في الشارقة كانت لوحة مهمة على صعيد أثر المكان. وبعد ذلك نقلت المكان (الصحراء) إلى متحف الفن في مدينة بون الألمانية ضمن معرض لغات الصحراء، حيث عملت من تلك اللوحة الصغيرة لوحة جدارية تتجاوز ١٢ مترًا في خمسة أمتار.
جئت للاستقرار في الشارقة، من أميركا، حيث بقيت لسنوات عدة هناك أُدَرِّس في جامعة ميشيغان ووليسلي كوليدج. عُرضت أعمالي في عدد من المتاحف والقاعات المهمة هناك، في أميركا وأوربا، وقبلها كان لي معرض مهم في باريس (معهد العالم العربي) وعدد من المدن الإسبانية، وسبقها المعرض الأهم لي في روما سنة ١٩٩٩م. كان العالم مفتوحًا لي سلفًا، وقد جئت إلى الخليج بعد أن كرّست تجربتي عالميًّا إلى حد بعيد. لكن الشارقة، كحاضنة ومناخ، وفّرت لي الهدوء المطلوب. ولا شك أن للأمكنة والتاريخ الشخصي اعتبارات في الفن والذكرى والاستلهام. وأنا أُحب المدن النهرية وقد كان بيتنا على شط الفرات، ثم في حضن بردى، بيتي الدمشقي، وبعدها جنب نهر هيورن في ميشيغان، سكني الآخر، ثم نهر لا لوار في فرنسا. قدري مجاورة الأنهار، لكن لا يزال لبيتي في الميادين وبيتي الدمشقي الهيمنة الكبيرة في التأثير فيَّ وفي إنتاجي الفني.
بواسطة الفيصل | مايو 1, 2023 | الملف
محمد المحمود – كاتب سعودي
نعم، ثمة ضرورة لتنقية مناهج التربية الدينية خاصةً، بل هي ضرورة قصوى، ضرورة وجود. فالمناهج التعليمية الدينية لدينا لا تزال تعتمد على التراث الديني التقليدي، كما ترسّخ واكتمل قبل أكثر من سبعة قرون. وهذا ليس في دول الخليج فحسب، بل في كل الدول العربية تقريبًا، وكثير من الدول الإسلامية. وفي هذا السياق يجب علينا أن نتذكر جيدًا أن المناهج؛ أية مناهج -وخصوصًا المناهج التي تتماس مع موضوع هوياتي، كالمناهج الدينية- إنما هي انعكاس للخطاب الثقافي السائد في المجتمع.
إذن، المناهج الدينية تستمد مادتها الأساسية من الخطاب الديني المُشَرعن اجتماعيًّا، من الخطاب الديني المُزَكَّى من قِبل رجال الدين ذوي الموثوقية عند عموم الناس. وللأسف، الخطاب الديني السائد اليوم في المجتمعات العربية هو الخطاب الديني السلفي التقليدي. ولقد قلتُ ذات يوم وأنا في صدد مناقشة الإصلاح الديني بين الواقع والمأمول: «أصبح الفكر الإسلامي اليوم مُعَبَّرًا عنه بأسوأ تُرَاثَاتِه وأكثرها بلادة وضيقًا بالعقل والحرية، كما هو مُعَبَّرٌ عنه بأسوأ مُفَكِّريه وأكثرهم عبودية وخنوعًا وتقليدًا وتبليدًا». وطبعًا، هذا النمط من الفكر ذي الأثر السلبي يتسرّب -على نحو تلقائي، وأحيانًا عن قصد، وبتخطيط مسبق- إلى المناهج التعليمية.
ولأن لهذا الفكر التقليدي حاضنة مجتمعية في الثقافة السائدة، فهو مُحَصَّن ضد النقد، وضد التغيير في غالب الأحوال. والمقصود بكونه مُحَصَّنًا ضد النقد، ليس فقط أن ثمّة توجهًا عامًّا -ثقافيًّا ومؤسساتيًّا- يمنع من نقده، بل أيضًا، أن احتضانه الاجتماعي يعني تطبيعه بالضرورة. ومؤكد أن ما ينشأ الإنسان على رؤيته طبيعيًّا؛ يصعب عليه اكتشاف «اللاطبيعي» فيه، أي يصعب عليه رؤية عيوبه؛ إلا بالخروج منه وعليه؛ وقليل من تسمح له الظروف الموضوعية والظروف الذاتية بذلك.
المناهج ودورها في سوء الفهم
في تقديري أن المناهج لعبت دورًا محوريًّا/ أساسيًّا في الافتراق وقطع سبل التواصل الاجتماعي/ الإنساني بين أبناء الأمة الواحدة؛ وذلك أن هذه المناهج -الدينية تحديدًا- تأخذ مادتها بالكامل من تراث ديني قروسطي، أي من التراث الذي تشكّل على خطوط التماس الصراعية بين الفرق الإسلامية في القرون الهجرية الأولى. إن كل مفاهيم «البدعة» و«الضلال» و«الانحراف العقدي»، «الكفر/ الشرك»…إلخ، تشكلت كأداة من أدوات الصراع قبل أكثر من عشرة قرون، وهي ذاتها التي تحكم اليوم رؤيةَ المسلم للمسلم، ورؤية المسلم لغير المسلم، وبخاصة في المجتمعات التقليدية التي يُشَكّل الخطاب الديني بوصلة الاتجاه فيها. وتوجيه الرؤية هنا قد لا يكون دائمًا معبرًا عنه بالتعبيرات التراثية ذاتها، بل قد يأخذ شكلًا معاصرًا، وقد يكون مُتَضَمَّنًا في السلوكيات، أي مُعَبّرًا عنه بلسان الحال؛ لا بلسان المقال.
إن هذا التراث الديني القروسطي الافتراقي الذي لم تمسّه يد الإصلاح الديني الحقيقي بعد؛ كان سيبقى رهينَ دوائر خاصة جدًّا؛ لولا أن مناهج التعليم تكفّلت بتعميمه على أوسع نطاق. فمثلًا، ما كان يقوله الحنبلي عن المعتزلي، أو المعتزلي عن الحنبلي، وما يقوله السني عن الشيعي أو الشيعي عن السني، وما قاله سدنة التقليد الأثري عن الفلاسفة، أو حتى ما قاله فقهاء كل مذهب عن المذهب الآخر، في القرن الثالث الهجري، كان سيبقى رهين المجلدات التي يعلوها الغبار في المكتبات، ولن يطّلع عليها إلا بعض المهتمين. وبالتالي، سيكون تأثيرها ضعيفًا جدًّا، والأهم أنها ستكون مدانة اجتماعيًّا عندما تظهر للسطح في بعض الأحيان؛ لأنها ستكون خروجًا على المألوف الاجتماعي. لكن مناهج التعليم أسّستها في سياق المشروعية الدينية التي تحكم على كل من خالفها بالكفر أو بالضلال أو بالابتداع؛ فأصبحت هي المألوف الاجتماعي!
أحيانًا، لا يكون انعكاس هذا التراث القروسطي الاحترابي في المناهج ظاهرًا؛ لأنه غير مباشر، وربما غير صريح. بل إن بعض كُتاب هذه المناهج لا يدركون أنهم ينقلون حرفيًّا ما تواضعت عليه جماعات دينية متخاصمة في القرن الهجري الثاني أو في الثالث؛ لأنه لا ينقل عن مؤلفات كتبت في تلك العصور، وإنما ينقل عن مؤلفات معاصرة، وربما عن رسائل علمية قُدّمت في الجامعات العربية خلال العقود الخمسة الأخيرة. فيتوهم حينئذ أنه ينقل عن فِكر ديني جديد/ معاصر؛ بينما هو ينقل عن القرون الأولى عبر وسيط معاصر لم يتكلّف عناء التجديد، ولو في الحدود الدنيا، بل اكتفى بجمع الأقوال وترتيبها وتوجيهها (بعد وضع العناوين المستحدثة للدلالة على المعاصرة!) ليؤكد بعضُها بعضًا، ثم قدّمها -كرسالة علمية- إلى جامعة دينية تقليدية؛ فأجازتها بكل حبور وسرور؛ لتكون مرجعًا للمتعلمين والمتعالمين في قضاياها/ مباحثها الأساسية، ومن هؤلاء -بطبيعة الحال- كاتبو مناهج التعليم الذين ينظرون إلى ما كتب في الكليات المتخصصة، وأشرف عليه كبار الأساتذة، بوصفه خلاصة التحقيق الدقيق الجدير بالتوثيق.
على أي حال، ما يجب التنبّه له في هذا السياق أن هذا الوسيط المعاصر هو أسوأ بكثير من المرجعية القروسطية في مادتها الخام؛ وذلك أن الأفكار الإقصائية/ الافتراقية على اختلاف مرجعياتها تأتي في سياقات مختلفة، متباعدة موضوعيًّا وسياقيًّا وزمانيًّا. بينما المؤلف المعاصر يُجمّعها من مفترقات طرقها، وينتزعها من سياقاتها، ويضغط أزمنتها، ويُراكمها في خانات/ عناوين، بحيث يكون تأثيرها أعمق، ومستوى الإقصائية فيها أعلى. وهذا ما جعل هؤلاء الأخلاف أشد تطرفًا من أولئك الأسلاف.
هل التقدم مرهون بغربلة المدونة الدينية؟
بلا شك، لا تقدّم دونما تغيير جوهري في مجمل التصورات العامة/ الكلية. وبما أن الذي يُشَكِّل مجملَ هذه التصورات في عالمنا العربي هو الدين بشكل حاسم، وبما أن سائر التصورات الأخرى الموروثة لا تنفك عن مسار جدلية الديني مع التاريخي، فإن أي تغيير لا بد أن يمرّ من خلال إجراء متغيرات نوعية وجذرية على الخطاب الديني.
إن النهضة الأوربية الحديثة لم تكن لتكون؛ لولا حركة الإصلاح الديني. صحيح أن هناك من يرى أن هذا الإصلاح ليس وليد لحظته، بل هو نتيجة لحركة نهضوية سابقة عليه، ولكن هذا جانب من الحقيقة وليس الحقيقة كلها. أقصد أن هذا صحيح إلى حد كبير، ولكن ثمة جدلية/ تفاعلية في الموضوع؛ إذ بقدر ما كان الإصلاح الديني البروتستانتي نتيجة لحركة نهضوية سابقة قادت إليه؛ بقدر ما هو سببٌ لتطور هذه النهضة لاحقًا. وبدونه لم تكن النهضة لتأخذ مسارها التطوري الباذخ الذي فتح الآفاق على عصر التنوير العظيم.
فيما يخصنا؛ ثمة مُقدّمات نهضوية عربية بلا شك. وهذه بدورها تدفع منذ عقود نحو اجتراح إصلاح ديني حقيقي؛ يكون نقطة انطلاق لتقدم تنويري/ حداثي، يقطع مع مواضعات الأسلاف. لكن، هذا الإصلاح الديني الحقيقي الذي هو شرط التقدم لا يزال مفقودًا، لا يزال قيد البحث عنه، لا يزال كثيرون يُحاولون الالتفاف عليه بـ«الإصلاح التوفيقي» الذي يمنح القديم فرصة الحضور في الراهن باسم الجديد. وهذا ما يسمح لواقعة التخلّف بالاستمرار، بل أن تكتسب حيوية جديدة تمنحها القدرة على تعطيب كل محاولات التقدم؛ وباسم التقدم في كثير من الأحيان.
في ضرورة الإصلاح الديني لمناهج التعليم في الخليج

محمد الرميحي – أكاديمي وكاتب كويتي
الكتابة في «الإصلاح الديني» تحيطها الريبة وتدعو إلى التحوط؛ لأن الدين موضوع يمس جمهورًا عامًّا مشحونًا بالعاطفة، ثم إن الدين ضبابي التعريف؛ في ضوء القياسات المختلفة للأشكال (المظاهر) التي يتخذها ما هو (ديني) في المجتمعات المختلفة. في البدء لا بد من القول: إن الدين، أي دين، هو ضرورة إنسانية؛ فلا يمكن تصور مجتمع بلا دين، سواء أكان دينًا سماويًّا أو وضعيًّا أو حتى طوطميًّا بدائيًّا. فمهما تقدم العلم تبقى هناك مناطق غير واضحة للإنسان، أو قُل مظلمة يمكن تفسيرها من خلال الركون إلى (الإيمان) بقوة خارجية تنظم حياة الإنسان. ذلك في إطار التدين الأشمل الذي يتقاطع تقريبًا مع كل الأديان.
اقتراب العلم من الدين بمحاولة تصويب الأساطير والخرافات، كما يذهب بعضٌ، تلك مدرسة قد فشلت. لقد حاول علماء الاجتماع الغربيون، في القرن التاسع عشر، قراءة الإيمان الديني على أنه ظاهرة يمكن تفسيرها، وبالتالي الاستغناء عنه أو استبدال علم الاجتماع الحديث به، مثلما بشَّر أوغست كونت بأن «علم الاجتماع في حال اشتداد عوده العلمي سوف يحل محل الدين»! أو ما بشر به كارل ماركس من استغناء البشر عن الدين في حال توفير حاجاتهم المادية. ولقد حاولت دولة كبرى مثل الاتحاد السوفييتي أن تفعل ذلك ولسنوات طويلة، ولكن في نهاية الأمر بقيت (الأرثوذكسية) في تلك البلاد، بل انتعشت في العقود الثلاثة الأخيرة.
كما وجدت المسيحية نفسها تتفرع إلى اجتهادات مختلفة، بعضها مصالحي، وقامت بسبب تلك الاجتهادات حروب شعواء، كما تم بين البروتستانت والكاثوليك في القرن الثامن عشر. وحتى اليوم هناك خلافات في مظاهر الإيمان بين فروع المسيحية المختلفة. وعندما ذهب الرجل الأبيض إلى أميركا اضطر إلى اختراع مذهب يناسبه، فولدت المورمونية (المرمون) التي يتبعها اليوم ملايين الأميركيين. وفي مرحلة من تاريخ البشرية الحديثة وضع (الإيمان) و(العلمانية) في موضع صراع، إلا أن الإنسان في نهاية المطاف، وبشكل عام، وجد أن (التعايش) بين الاثنين، دون إفراط ولا تفريط أو تهوين أحدهما للآخر، هو الطريق الأفضل لتقدم الإنسان وسعادته.
الظاهرة الإسلامية الحديثة
مع الهجمة الاستعمارية الغربية على المنطقة العربية والإسلامية كانت ردة الفعل، في جزء منها، هي (العودة إلى الدين) وكان ذلك مبررًا في وقت ما؛ بسبب الموقف من الغرب. وتمثلت ردة الفعل الأخرى في العودة إلى القومية، التي كانت فكرتها قد انتشرت في الغرب أيضًا. وقد لعب الدين، في البداية، كقوة مقاومة للاستعمار، بدرجات مختلفة، كما أصبح بينه وبين الفكرة القومية صراع لبس ثياب التحرر أو الجمود. إلا أن الإشكالية الكبرى التي واجهت (التيار الإيماني) -كما تجلى في أعمال وصياغات من تصدى لذلك الملف- هو تدني الإحاطة بجوهر الدين، أو بالأحرى بمقاصد الدين الإسلامي. وقد صاحب ذلك في كتاباتهم فقدان السبب المعرفي للمبادئ، وغياب التفرقة بين جوهر الإسلام والأعراف والتقاليد والتفسيرات التي جاء بها الأولون.
ولو قرأنا بأناة تلك الكتابات التي أسست لما أسميه (الإسلام الحركي) لوجدنا أنها (انتقاء عشوائي من التراث) أي من جملة المفسرين على مر الزمن الإسلامي. ربما حدث ذلك عن وعي وبإصرار مسبق وربما حدث ذلك من أجل التوظيف، إلا أن الالتباس بين (الديني) و (السياسي) قد حدث بين كل تلك الجماعات التي اتخذت الإيمان طريقًا للحصول على موقع سياسي في المجتمع.
ما نلحظه اليوم هو أن هناك حضورًا واسعًا للتدين في المجتمعات العربية وهناك شح منهجي مفرط في تحليل الظاهرة، مما جعل معظم التفسيرات تعتمد على (النقل) من المتقدمين، واعتبار اجتهاداتهم (مقدسة) لا تمس. ولا يمكن أيضًا تخليص الظاهرة أو تبرئتها من مثلبين أساسين على الأقل وهما: التكسب السياسي، والتكسب الاجتماعي، أي الحصول على وجاهة وشهرة اجتماعية.
بمجرد أن رسم علم الاجتماع الحديث خرائط انشغالاته، التفت إلى (الظاهرة الدينية) وأصبح هناك كتابات منهجية، وبخاصة في الديانة المسيحية، إلا أن سقف الفرص المتاحة للعاملين في الاجتماع الإسلامي كانت ضيقة، فضاقت الاجتهادات أو انحصرت في بعض كتابات وتُرك أمر الكتابة في التفسيرات الدينية، في الفضاء العربي الإسلامي، في الغالب، إلى مبتدئين ينقصهم المنهج لفهم الظاهرة وتطورها مع الزمن ومقارنتها بالاجتهادات المختلفة.
للتدليل على ذلك أذكر تجربة مررت بها عندما كتبت مقالًا مطولًا في مجلة العربي، إبان رئاستي للتحرير، عن (أهمية التسامح) وجاء من استحسن المقال وقرره على منهج طلاب السنة النهائية في السلك الثانوي في الكويت، وطلب مني أن أزور إحدى المدارس للحديث عن الموضوع للطلاب والمدرسين. وعندما فعلت، فوجئت وأنا أقرأ النص المقرر وبخاصة الأسئلة التي تلت الموضوع! وكان أولها: «كيف تثبت أن كاتب المقالة مسلم»! إن أحسنا النية فإن من قرر ذلك يرغب في أخذ الطلاب إلى الحديث عن الإسلام؛ ففي المقال إشارة إلى التسامح في الإسلام، ولكن ذلك السؤال فيه كثير من السذاجة.
لقد تُركت المناهج في مدارسنا، في نصف القرن الماضي، إلى مجموعات (حركية) فقدمت التراث الإسلامي لعدد من الأجيال دون تفرقة بين (النص) و(الاجتهاد الإنساني) كما تغافلت عن مدرسة مهمة في الفقه الإسلامي هي مدرسة أو فقه المصلحة فأصبح المتلقي، الطالب أو الطالبة من صغار السن، مقطوع الصلة بالواقع، أي البحث فيما ينفعه ويحفظ ذاته.
من هنا طمست الوطنية في تلك المدارس لصالح الأممية، أي ما فوق الوطن، فأصبح الحفاظ على النظام الاجتماعي القائم ثانويًّا في سبيل الوصول إلى (أممية إسلامية) متخيلة وغير واقعية. ولم تعد الحاجة ماسة، في تلك البرامج، إلى دراسة الأشكال الأولية والبنيوية للواقع الاجتماعي المعيش أو تحليل هيكلية الوفاق الاجتماعي ومصالح الدولة. فأصبح هناك تيارات تؤمن أن مصالح الدين مرتبطة بمصالح الأمة ككل وليس بمصالح الوطن، وأن التضحية بمصالح الوطن (في نظرها) واجب ديني!
ازدواجية التفسير الديني
المراهنة اليوم هي على كيفية استخدام الإيمان كدافع للتقدم والتنمية مقابل مدرسة أخرى تستخدم بعض مضامينه كوابح ضد التقدم والتنمية. للقيام بذلك يتوجب أن نقرأ التراث قراءة حديثة خارج السياق التفسيري التراثي، أي بالعودة من جديد إلى مقاصد الإسلام الكبرى وهي سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة. وسوف تظل القراءة ذات المصالح الضيقة حاضرة، إلا أن المعركة الفكرية والثقافية أوجب أن تخاض، من خلال منهجية واقعية.
لا يزال بيننا من المشعوذين من يجعل نفسه زعيمًا ومفسرًا للنصوص ويروج إلى أن مصالحه هي من أصول الدين، ويضرب بعرض الحائط المصالح المرسلة للناس وما يفرضه المنطق والتفسير السليم. يمكن معرفة هذه المدرسة من خلال إسقاطها للزمن؛ فبمجرد طرح أي قضية نجد هؤلاء الأشخاص يسارعون لاستدعاء ما حدث في غابر العصور، بمنهجية أقرب إلى الخرافة.
الأكثر إلحاحًا بجانب تنقية المناهج هو تدريب المدرسين القائمين على التعليم في المدارس؛ فهؤلاء هم حجر الزاوية في إصلاح المفاهيم وتصويب الأخطاء. كما أن منهج الحوار مطلوب في كل درجات التعليم، وفيه ينبغي الاعتراف أن الإنسانية في تطورها قد مرت على الأقل بثلاثة أطوار في التفكير: الطور اللاهوتي وربما الخرافي، والطور الميتافيزيقي المجرد، والطور الذي نعيشه هو الطور العلمي التجريبي الذي أوصل الإنسانية إلى ما هي عليه من تطور، وبفضله أصبح العالم أكثر قربًا وأكثر تسامحًا مع المختلف معه. كما ينبغي التأكيد أن غرض البشرية الأسمى هو إعمار الأرض وتحقيق سعادة الإنسان.
من هذا المنطلق يتوجب أن ننظر إلى تنقية الدين مما لحق به من ممارسات كانت سبيلًا فقط للشهوات السياسية والتكسب المصلحي.
مناهج التعليم لعبت دورًا سلبيًّا في المجتمع الخليجي
مشاري الأسود – باحث كويتي
مناهج التربية الدينية في بلدان الخليج لم تسهم بطريقة فعالة في تطوير المفهوم الديني للمجتمع، بل كان لها دور سلبي وغير متزن في توضيح العلاقة بين الدين والواقع الاجتماعي، ولم تكن هناك رؤية واضحة لتحديد ملامح هذه العلاقة، وهذا أمر ما زال غير واضح، ويحتاج إلى رؤية جديدة تساهم في خلق حالة من الفهم الواضح للدين بطريقة سليمة.
ويمكن أن يتحقق الإصلاح الديني من خلال إصلاح مناهج التعليم عبر محورين؛ الأول يقوم على توفير خطط واضحة ومتطورة، من أجل تطوير العملية التعليمية كاملة، سواء عبر تغيير المناهج وتحديثها بما يتوافق مع روح العصر الحديث، وتنقيتها من كل ما يدعو إلى التعصب ورفض الآخر، والتكريس لما يدعونا إلى التسامح والتآخي، فضلًا عن التفكير والتأمل وإعمال العقل، وليس التكريس لأن يكون العقل مجرد آلة حفظ وتفريغ، فهذا ما قد يضمن لنا تطويرًا عمليًّا وحقيقيًّا للعملية التعليمية، وتغذية جادة لها بالتعاليم الدينية الصحيحة.
أما المحور الثاني فيقوم على العناية بالمعلم والمتعلم، فهما القطبان الرئيسان في العملية التعلمية، ولا بد أن تقوم الحلقة التي تجمع بينهما على أساس صحيح، حيث الفهم الصحيح لضوابط الدين، ومعرفة قواعده التاريخية وتعاليمه الصحيحة، فأي محاولة خارج العناية بهذين القطبين هي محاولة غير صائبة، ولن تؤتي ثمارها، ولن تضمن لنا عملية تعليمية صحيحة، ولا تطويرًا حقيقيًّا لمفهومنا عن الدين. ومن ثم فلا بد من تدريب المعلم والمتعلم على الفهم الصحيح لضوابط الدين، ومعرفة قواعده وتاريخه وتعاليمه.
جهود فردية
للأسف الخطوات التي اتخذها مجلس التعاون الخليجي، وفي القلب منه الكويت، لإحداث الإصلاح الديني تعليميًّا، لم تكن خطوات منظمة، وما زالت تحتاج إلى كثير من التنظيم وإعادة الضبط والترتيب وتوزيع للمهام، كما تحتاج أيضًا إلى القدرة على الاستفادة من رجال الدين الذين لهم باع في الفهم الصحيح لتعاليم الدين الإسلامي، وإشراكهم في وضع مناهج التعليم الحديثة بما يتوافق مع العالم الحديث وروح وتعاليم الإسلام الصحيح، لكن كل هذا لم يتحقق، وإذا حدث فإنه يكون محاولات أو جهودًا فردية لا تؤتي أكلها.
فالإصلاح التعليمي في بلدان الخليج بات ضرورة ملحة ومهمة جدًّا في عصرنا الحالي، في ظل التطورات الضخمة التي حدثت على جميع الأصعدة، وفي مختلف المجالات السياسية والتعليمية والاقتصادية والرياضية، ومن ثم فإن الإصلاح التعليمي بات ضرورة، وسوف تنعكس آثاره على حياة الأفراد في المجتمع، مما سيخلق لنا مجتمعًا واعيًا ونشطًا ومواكبًا لكل ما هو عصري وفعال وحديث.
مفهوم الإصلاح
والإصلاح بمفهومه العام هو الترتيب والتنظيم والتحسين لأمر ما، سواء كان دينيًّا أو تعليميًّا أو في أي مجال آخر، حيث إن الإصلاح الديني يتم من خلال تعاليم دين الأشخاص ومفاهيم اعتناقهم لهذا الدين، وانعكاسه على سلوكهم وتصرفاتهم. فديننا الإسلامي يحثنا على العلم والتعلم، حيث ذكر الله تعالى في كتابه في سورة العلق «اقرا باسم ربك الذي خلق»، ففيها حث كبير على التوجه للتعليم، وإن الإصلاح الديني متى كان قائمًا على أسس سليمة فسينعكس أثره على إصلاح تعليمي واضح ومنظم، يساهم في خلق شخصية واعية ومثقفة وذات قاعدة دينية وتعليمية قوية، وبالتأكيد سيكون لصاحبها تأثير وقوة داخل المجتمعات.
إشكالية إصلاح مناهج التعليم الديني

علي محمد فخرو – كاتب بحريني
لا يوجد منهج تعليم لأية مادة إلا يحتاج لمراجعة دورية، وذلك على ضوء مستجدات تغيرات الواقع المجتمعي الحياتي من جهة ومستجدات التطورات الهائلة في نظريات واكتشافات ونتائج تطبيقات كل العلوم الطبيعية والإنسانية من جهة أخرى. ولما كان الدين هو من أكثر المؤثرين والمتفاعلين مع تطورات وتقلبات عقل الإنسان ونفسيته وسلوكياته، وهي جوانب تتغير مع مرور الأزمنة ومستجدات أمور الدنيا، فإن تلك القاعدة تنطبق على التعامل معه فهمًا وتطبيقًا، بما في ذلك مناهج وأساليب تعليمه للأجيال الشابة.
ستكون كارثة على الدين نفسه، وسيكون نقصًا في سيرورة التنشئة والإعداد للحياة، لو أن تعليم الدين وفهمه لم يتطور بصورة مستمرة ليجيب عن الأسئلة الجديدة وليتفاعل مع تعقيدات الحياة الحاضرة ولتهيئة ما سيأتي به المستقبل المنظور. من هنا الأهمية القصوى لطرح موضوع تجديد مناهج تعليم الدين للنقاش، ولمحاولة الوصول إلى رسم طريق آمن يوصل إلى مواجهته بموضوعية وصدق، تمشيًا مع ما أمر به القرآن الكريم نفسه من التواصي بالحق وبالتفكر الدائم.
ومع ذلك من الضروري التنبيه إلى أن الكثيرين، بمن فيهم علماء اجتماع كالعالم الناقد الفرنسي بورديو، قد لحظوا حتى في بلدان الغرب العريقة في الممارسة الديمقراطية والحداثة، أن المدرسة تميل نحو إعادة تعليم وتكرار الثقافة نفسها جيلًا بعد جيل؛ وذلك بسبب مغالبات الإرادة السياسية الحاكمة والمجتمعية وخوفها الدائم من ثقافة التغيير والتجديد في فكر وروح الأجيال الجديدة من الطلبة.
فإذا كان الأمر هكذا في بلدان ثورات الحضارات وتوافر الحريات العامة، فإن الصعوبات ستكون أكثر وأصلب في بلدان المحافظة والخوف من الجديد والتوجس من كل إبداع، الذي تعتبره بدعة وفتنة وخروجًا على قاعدة الإجماع الديني الفقهية، كما هو الحال في أغلب بلدان العرب والمسلمين.
إشكاليات تنتظر المراجعة
ما إن توفي الرسول، صلى الله عليه وسلم، حتى بدأت الإشكاليات تطل برأسها. فمثلًا بالنسبة لفهم القرآن الكريم اختلف بعضٌ حول أسباب النزول، وما الظاهر والباطن، وأين يوجد الناسخ والمنسوخ، وما مكانة العقل كأداة للفهم مقارنة بالنقل، وهل يركن إلى المقاصد الكبرى أم إلى التعابير الحرفية؟ وعندما أقحم الدين في السياسة حدثت فتنة دموية كبرى أودت بحياة الألوف من المسلمين، وأطل برأسه موضوع القرابة الأسرية من الرسول صلى الله عليه وسلم، وما يعنيه ذلك من مكانة وحقوق في الحكم للأقرباء. ومن تلك البدايات قامت الانقسامات المذهبية باختلاف قراءاتها لكثير من جوانب الدين الإسلامي برمته.
ثم جاءت خلافات عملية تدوين الأحاديث النبوية بعد أكثر من مئة وخمسين سنة من وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، فطرحت إشكالات الإسناد والمتن والأحاديات والإسرائيليات ومدى أهميتها في موضوع الناسخ والمنسوخ ومدى تناغمها مع القرآن. ثم تفجرت الصراعات بشأن المدارس الفقهية وأفهامها المختلفة لكثير من التطبيقات الدينية، لينتهي بعضها بإغلاق باب الاجتهاد ويبقي بعضها الآخر باب الاجتهاد مفتوحًا.
تلك كانت أمثلة فقط؛ ذلك أن عدد الإشكاليات الخلافية كان كبيرًا وهو مسجل في مجلدات مختلف هي الأخرى حول نزاهتها، خصوصًا بعد أن أصبح الموضوع الديني أداة لخدمة الخلافات والطموحات السياسية التي لم تهدأ حتى يومنا هذا.
في عصرنا الحالي تواجه مجتمعات العرب والمسلمين كثيرًا من الإشكاليات، بعضها كتتمة لذلك التاريخ الهائج بالأحداث والخلافات والصراعات المذهبية، وبعضها الآخر كمستجدات عَمِلَ الكارهون لدين الإسلام على إذكائها ونشرها، وبقصد أو بدون قصد وقع بعض الجهلة والمجانين من المسلمين في حبائلها وألاعيبها.
فما زالت معنا الخلافات حول الاستفادة من شتى علوم العصر لقراءة وفهم القرآن الكريم من أجل مواجهة مستجدات عصرنا وتعقيدات حضارته، وما زالت معنا المشاحنات حول مراجع السنة النبوية من مثل صحيحي البخاري ومسلم، وما زال الكثيرون لا يريدون أن يتعاملوا مع مدارس الفقه الإسلامي كحصيلة اجتهادات بشرية من عصور سابقة، وبالتالي تحتاج إلى مراجعات جديدة تأخذ في الحسبان الخبرات والظروف والعلوم المستجدة.
هذا بالنسبة للشريعة. أما موضوع تطبيق الحدود فإن الخلافات أشد وأعقد. فالكتابات ومحطات الإذاعة والتلفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي تموج بنقاشات لا تنتهي حول الحلال والحرام وحد السرقة والزنا والردة وشرب الخمر وسماع الموسيقا، وغيرها مما لا حصر له ولا عد.
وأما موضوعات السياسة وسلطات الحكم، وبخاصةٍ موضوعا الشورى والديمقراطية وموضوع ولاية الفقيه، فإن الانقسامات من حولها لا تعد ولا تحصى. ويبقى موضوع التقريب بين المذاهب الإسلامية متأرجحًا بين صعود وهبوط ومتداخلًا مع هذا الصراع السياسي أو ذاك.
تلك هي فقط أمثلة على بعض إشكاليات الساحة الدينية الإسلامية التي تفاقمت وتعقدت مؤخرًا بصعود ما يعرف بتنظيمات العنف والإرهاب الجهادي التكفيري الإسلامي وما تفعله باسم الإسلام، زورًا وبهتانًا، من ممارسات تتناقض كليًّا مع دين الحق والقسط والميزان والرحمة الإسلامي، ولكن تجد لها الأتباع في أوساط شباب وشابات الأمتين العربية والإسلامية.
ولما كان الدين الإسلامي هو روح الثقافة العربية وأكبر المتفاعلين مع كل جوانبها فإن الحديث عن التجديد في فهم الإسلام وتطبيقاته هو مدخل أساسي لتجديد الثقافة العربية برمتها حتى نحقق أولًا قطيعة ثقافية مع كل ما هو خرافي ولا عقلاني، ولا إنساني، ولا أخلاقي قيمي، وخصوصًا ما هو مناهض لحقوق العباد الإنسانية الكبرى وكرامة الأفراد. وسيساعد على الانتقال إلى ذلك تأكيد أصول الدين على ما سماها المرحوم الأستاذ محمد عابد الجابري من حقوق الإنسان بإطلاق في الإسلام التي تشمل «الحق في الحياة، والحق في التمتع بالطيبات، والحق في حرية الاعتقاد، والحق في المعرفة، والحق في الاختلاف، والحق في الشورى، والحق في المساواة، والحق في العدل».
دور المدرسة
من أجل أن تقوم المدرسة بدور فاعل في عملية إصلاح وتجديد الفكر الديني، وذلك من خلال التجديد الدوري لمناهج تعليم الدين، هناك خطوات مجتمعية يجب أن تسبق ذلك:
فأولًا، هناك ضرورة للانتقال من الاعتماد على جهود فردية مبعثرة ومتباعدة لإرجاع الحيوية للفكر الإسلامي ولجعله صالحًا للتفاعل الندي مع حضارة العصر وواقع العرب والمسلمين الحالي. فعبر قرنين من محاولات الإصلاح الفكري وممارسته ظلت تلك الجهود محصورة بالزمان والمكان والتأثير، وبالتالي لم تخلق تيارًا مجتمعيًّا حاضنًا وحاميًا لها.
وثانيًا، ستحتاج تلك الجهود ألا تكتفي بالاعتماد فقط على أدوات ومناهج الفقه الشهيرة. هناك حاجة أيضًا لاستعمال شتى الحقول المعرفية، الطبيعية منها والإنسانية والاجتماعية، لإجراء ذلك التجديد. ولأننا في عصر التخصصات والمتخصصين سيكون من المنطقي أن تؤسس مؤسسات أهلية تعنى ببناء مدرسة فكرية فقهية إسلامية جديدة من خلال عمل مشترك من قبل علماء الدين وشتى علماء الحقول المعرفية الأخرى.
وثالثًا، ستركز تلك المدرسة أولًا على تنقية الفقه والفكر الإسلامي مما علق بهما من أكاذيب وخرافات وتداخلات سياسية وطائفية وتعصبات غير عقلانية، بل تتعارض مع روح الإسلام السمحة الميسرة المتجددة عبر العصور.
في مثل هكذا أجواء من قبول ودعم للتجديد، ومن إبعاد لهيمنة الماضي على الحاضر، ومن ممارسة للعقلانية وللأسئلة الموضوعية المتوازنة لفهم الدين نصًّا وروحًا وسلوكًا، ومن تنقية تبعد إقحام شعارات البدعة والكفر والردة وغيرها من شعارات التزمت والعسر، سيكون من السهل على المدرسة تعليم الدين من خلال التسامح العقلاني، واليسر في الاختلاف، واستعمال أدوات النقد الموضوعي والتحليل العلمي، والفهم، بدلًا من التلقين والحفظ بلا استيعاب وتفاعل، والتركيز على المقاصد الكبرى بدلًا من الجزئيات والفرعيات، والابتعاد الكلي من كل ما قد يقود إلى المشاعر الطائفية والتزمت المذهبي، والتشديد على القيم الأخلاقية والروحية المفصلية من مثل العدالة وتساوي البشر وكرامتهم وأخوتهم وتراحمهم وسلوكياتهم الاجتماعية السوية.
عند ذاك سيكون تعليم القرآن والسنة النبوية مصدري إنارة وسلام داخلي وسمو إنساني وتطهير نفسي وارتكان إلى الرحمة الإلهية. وسيصب كل ذلك في تجديد ثقافي شامل يجعله مدخلًا لتنمية إنسانية مستديمة عادلة.
البعد الفلسفي لحركة الإصلاح الديني
شرف المزعل – أكاديمية بحرينية
بينما تخطى العالم الغربي مفردة (الإصلاح الديني) بعد صلح (أوغسبرغ) عام 1555م، باعترافهم بالبروتستانتية كأحد مذاهب الدين المسيحي، وتجاوز هذه المرحلة بصياغة (وثيقة حقوق الإنسان والمواطنة) عام 1789م، حيث يتساوى فيها الإنسان في الحقوق والقضاء والحريات وحفظ الكرامة تحت قاعدة الإنسان يُولد حرًّا، فإننا كأمة عربية لا نزال نخوض معارك التنوير الأولى المتمثلة في الإصلاح الديني، وبين مؤيد لضرورة الإصلاح ومعارض للإصلاح لعدم أهميته، لم نحسم بعد ماهية أدوات الإصلاح ولا مفهوم الإصلاح، ولا فرضيات الإصلاح الديني.
وهذا مؤشر على عمق الفجوة الحضارية بين أوربا والعالم العربي، ومهمة طرح ضرورة الإصلاح الديني موكلة إلى المنادين به، من نخب ثقافية وأساتذة جامعات ومواطنين يشعرون بمسؤوليتهم تجاه أوطانهم.
فإذا أردنا الإصلاح فعلًا، علينا أولًا أن ندرك أهميته وفائدته وجدواه بالنسبة للوطن؛ وإذا اتفقنا أن التسامح، ومن ثمة التعايش السلمي، من أهم مخرجات الإصلاح الديني، فعلينا إذن أن نوجه كل طاقاتنا المادية والفكرية والحسية ناحية الهدف. وتجمع الأدبيات على أن التسامح والتعايش بوابة التنوير؛ لأنه مبني على احترام الآخر المختلف في ذات البيئة. وكلما زادت أواصر التقدير والاحترام بين مكونات الشعب الواحد، تعمقت أواصر المواطنة وأصبح الوطن في سياج آمن من التدخلات الخارجية والانفلاتات الأمنية الداخلية. هذا على صعيد المجتمع، أما على الصعيد الفردي، فإن حركة الإصلاح الديني تحرر الإنسان من كثير من الطقوس والشعائر ذات البعد التاريخي والتراث الاجتماعي أكثر من كونها طقوسًا دينية، تجعل الفرد يطرح عن كاهله أعباء ليست من ثوب الدين، كما أنه يصبح منشغلًا بالتطوير والتنمية، وتتعزز في نفسه قيمة الذات وكل القيم الإنسانية، التي من باطنها تنهض الأخلاق وتصبح سمة المجتمع.
أما بخصوص أدوات الإصلاح، فالمناهج المدرسية هي الأولى التي يجب أن تخضع للمعالجة المباشرة بدءًا من مقررات التربية الإسلامية التي يجب إعادة صياغتها وصولًا لمقرر التاريخ، ومقررات إضافية أخرى يجب إدراجها ضمن المناهج المدرسية والجامعية، وفي طليعتها مقرر (الأخلاق)، الذي يمنح الإنسان إنسانيته العليا، ومقرر (الفلسفة) الذي يحرك العقل، ويجعله يفكر بصورة مختلفة عن النمط السائد، حيث استطاع مارتن لوثر، المصلح الألماني، أن يحقق الإصلاح الديني عبر شعار العودة للدين المسيحي بصورته البدائية البسيطة، بعيدًا من أطروحات المفسرين الذين امتلكوا كل الحق في تفسير النص الديني.
ولا شك أن للإنسان الحديث الحق نفسه في إعادة قراءة الموروث الديني، وقرار الإصلاح الديني في الدول الخليجية مرهون بالقيادات العليا المحركة للقرارات في المؤسسات التعليمية؛ وهذا يتطلب تأسيس هيئة عليا من رواد الإصلاح لوضع الرؤى وتقديمها لأصحاب القرار، ومن ثمة تأسيس لجنة لمتابعة سيرورة الإصلاح الديني؛ لأنه ليس منوطًا بالنصوص التي تحملها دفات الكتب المدرسية فقط، بل بالمعلمين الذين هم أصلًا مؤدلجون ضمن أطر تقع خارج نطاق مفاهيم الإصلاح الديني في البيئة التعليمية، وهو الأمر الذي يحتم أن يكون الإصلاح عبر لجان متابعة تنويرية وسطية تعمل على نقله وتوطينه في المجتمع الخليجي المعاصر.
العلاقة بين الإصلاح الديني وإصلاح المناهج التعليمية

جاسم سلطان – أكاديمي قطري
ثمة مأزق يعانيه الإصلاحُ الدينيُّ، والقضايا المتعلقة به، مثل علاقته بحالة التخلف وتمظهراتها الخفيفة والحادة، سواء في التوترات الاجتماعية والخوف من كل جديد، أو في تمظهراته الحادة كداعش والنماذج القريبة منها. لماذا لم تنجح المؤتمرات والندوات على كثرتها في إيجاد طريق قليل التكلفة لمعالجة المشكلة إن وجدت؟ هل يلزم تغيير جذري بنيوي ومفارق لنموذج التراث المنتج في القرون الوسطى أم لا يلزم أي تغيير؟ وما نسبة العيب إلى الواقع المتغير وفساده؟ وهل هناك منهج وسط بين السبيلين يقوم بمعيار الوسطية وما هذا المعيار إن وجد؟ وماذا عن محاضن التنشئة والمناهج التعليمية؟ ماذا يلزم حيالها؟
التغيير بين الحاجة إليه والخوف منه
هذه الأسئلة وأضرابها جزء من نقاش محتدم منذ أكثر من قرن ونيف من الزمان، ولا نزال في الدائرة ذاتها والأسئلة ذاتها؟ ولزيادة تعقيد المشهد فإن الحاجة للإصلاح واجهتها مخاوف حادة سممت الأرض التي يقف عليها السؤال ذاته؛ فكل حديث في الموضوع يقود لنظرية المؤامرة الكونية والحرب على الإسلام. وهي صيغ واسعة الانتشار ومتجذرة في البيئة، وشواهدها حاضرة وحقيقية. فهناك ضغوط خارجية تطالب الدول الإسلامية بمعالجة المناهج وعلاج نزعات (ما تراه كراهية) وعدوانية ضد الآخر. ومن هنا يشتبك خطان: الشعور بالحاجة للتغيير، والخوف من التغيير وما يمكن أن يقود إليه.
ثم تأتي التجارب العملية التطبيقية بكل أشكالها؛ من تجارب تدريس العلوم الدينية التراثية كما في موريتانيا وباكستان وأفغانستان مثلًا، أو في تكثيف الجرعات الدينية من خلال رعاية الدولة كما في تجارب الخليج والجزيرة العربية حتى إيران في مدة تاريخية معينة، أو من خلال تخفيف التعليم الديني في النظام التعليمي العام كما في مصر وتكثيفه في الأزهر وتوابعه، أو في نزعه بالكامل كما في تونس وتركيا. هذه التجارب العملية ونتائجها وإمكانية تحويلها لحالات دراسية تربط بين المخرجات وفكرة التقدم، إذا ضبطت معاييره، وطرح سؤال هل حققت غايتها أم بقيت عاجزة ولماذا؟
ثم تأتي إشكالية التعامل مع الجهاز التعليمي ومحاضن التنشئة المختلفة لإحداث التحول المطلوب بعد تحديد طبيعة التغيير المطلوب، باعتبار أن التغيير المطلوب ليس مجرد عنوان في كتاب، أو حتى موضوع في كتاب، ولكنّه تغيير في جهاز بما فيه من آليات وإجراءات وبَشَر وتفاعلات، وعليها المعوّل في فاعلية التغيير من عدمها.
وما سأطرحه هنا هو محصلة معايشة ممتدة من العمر؛ أولًا على الصعيد الشخصي كمخرج للعملية التعليمية، وكمشارك في المدارس الدينية والاجتماعية، وكمُراجِع للمناهج الدينية، وكمُشتَبِك بالجهاز التعليمي وتعقيداته في أثناء بعض المعالجات للمادة المقدَّمة للطلاب، وهي وإن كانت مقولات تخلو من الإحصاءات والأرقام والإحالات، ولكن قيمتها، فيما أظن، تكمن في أنها جاءت من خلال المعايشة الداخلية لظاهرة الإصلاح الديني وتفاعلاتها.
بناءً على ذلك سأحاول مقاربة الموضوع من زاويتي بالترتيب نفسه في محاولة للتبسيط الذي أرجو ألا يكون مُخِلًّا. وبطبيعة الحال هناك فرضية مستبطنة أن من يقرأ الموضوع مُلِم، ولو بشكل سطحي، بالنقاشات المكثفة منذ مطلع القرن العشرين، مرورًا بنقاشات مثل (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟)، ونقاشات مثل (أين الخلل؟)، وهي تبيّن عمق الأزمة ودرجة الوعي بها التي استدعت تلك النقاشات، ولكنها لا تعني أن المعالجات ارتقت في تلك النقاشات لجوهر الأزمة وقلبها المولد لاستعصائها.
مخاوف المجتمع المسلم
بما أن موضوعنا هو أزمة الإصلاح الديني، وأن مآل الموضوع لإشكالية ظاهرها إشكالية المنتج عمومًا، من كُتب، بما فيها المناهج المدرسية ومحاضرات وخطب وسلوكيات مثل التكفير والتبديع، وما يلحقها من ظواهر عنفية كما تبدت في داعش عند ذروتها، وإن كانت بذورها موجودة في لغة التعبير عن الآخر المختلف عند قطاعات واسعة داخل المجتمعات الإسلامية وفي المهجر، كما في حال الجاليات المسلمة في غير ديار الإسلام، وباطنها هو أزمة المنهج كما تظهر في الجهود التي تبذلها المدرسة المقاصدية ذات المعالجة (الجوانية)، أو المدرسة (البرانية) بمناقشاتها الجذرية وإن بقيت على الهامش.
وإشكالية المنهج تنعكس على كل فهم متحصِّل من النص الديني، ومن ذلك رؤية الإنسان، ورؤية الطبيعة، ورؤية العلم، ورؤية الوقت، ورؤية العمل، ورؤية الوجود والمصير، ورؤية المواطنة، ورؤية الآخر البعيد والحضارات الأخرى. كل ذلك مرهون بطبيعة فهم النص عبر المنهج. ولكن الفهم يتأثر بعوامل كثيرة ومن أهمها واقع قارئ النص ومحيطه وثقافته؛ فالإنسان ابن بيئته بامتياز، والعصر الذي يعيش فيه يصنع له سقفًا للتصور. ومن هنا فإن تشكّل الفقه والعلوم الإسلامية في العصور الوسطى لا شك أعطاها سقفًا محددًا يشبه تلك البيئة، وكلما ابتعد الزمن من عصر النص الأول ازدادت الحاجة لوعي جديد يشبه العصر الجديد، وهذا لا ينتج إلا بإجراء حوار مستجد بين الواقع الجديد والنص، وليس اعتماد نتائج حوار سابق بعصر مختلف.
وهناك إشكالية انغلاق دائرة النظر على منهج يستبطن فكرة ثبات الأحكام والاستخلاصات الاجتهادية المتحصلة من النصوص الجزئية، وأن جدل النص مع الواقع توقّف بتوقّف عصر التنزيل، وأن الحركة تعتمد على عنصري القياس أو الاحتجاج بالضرورة كآليتين لمعالجة الحوادث والاختناقات، مع اعتبار كل الأدلة الكلية -خلاف القرآن والسنة والقياس والإجماع (عند الجمهور)- هي أدلة خلافية، وباعتماد الأدلة الجزئية حكمًا دون الأنساق الكلية المتحصلة بالاستقراء، وباعتبار أن المذاهب الكبرى بُنِيَت باعتبار أن الأصل في النصوص أنها تعبدية وليست مقاصدية، وأن الواقع الاستقرائي المتغيّر ليس طرفًا تأسيسيًّا في تغيير الأحكام كوضع طبيعي، إلا إذا اعتبر ضرورة، مع أن الضرورة أصلًا حاضرة في كل وضع.
هكذا تشكل فضاء واسع اتسم بالجمود، واعتبر كل قول مخالف جزءًا من الهامش (شاذ) لا من التيار الأساس؛ بمعنى أن هناك لا شك آراء مهمة طرحت عبر قرون شيوع المذهبية، ولكنها بقيت في الهوامش، وتُسْتَدعى عند الخلاف أو البحث عن مخارج.
ومترتبات هذا كله خطيرة؛ فالأفهام الاجتهادية الموروثة الشائعة من العصور الوسطى أصبحت سقفًا لكل العصور، فالنظرة للمرأة عمومًا في العالم في العصور الوسطى تتسم بالدونية، سواء في إنسانيتها أو في أدوارها وحقوقها، والنظرة للحكم تتسم بالتسلط والفردانية، والنظرة للمختلف مرتبطة بالجزية والإذلال، والنظرة للعالم تميل لفكرة دار الحرب ودار الإسلام، وفكرة الغزو والحرب والقهر والإخضاع تعلو على فكرة السلم وحرية الاختيار. والنصوص المتداولة في المنابر والحياة العامة تغذّي باستمرار هذه التوجهات، وبالتالي فأي نظر أو محاولة نظر لإعادة ترتيب دوائر القيم الأساس ودائرة العيش المشترك ودائرة الدعوة ودائرة الحرب والسلم وفق منظور قرآني استقرائي يقيم جدلًا مع الواقع الاستقرائي، سواء واقع التنزيل الأول أو واقع العصر ومتغيراته. حيث ينظر له باعتباره انحرافًا وتمييعًا للدين ذاته، وليس اختلاف فهم واجتهاد، والعقل مشكك فيه عند اصطدامه بالمقررات الاجتهادية ذات الطبيعة المعاندة للمنطق، أو حتى لحقائق العلم. واعترى التوهين عالم السببية ومنطق السننية؛ ومن ذلك سادت أفكار تتعلق بالتواكل لا بالتوكل، وأفكار مثل سوء الزمان، ومع ظاهرة العجز الذي يرتكز على أن الحلول ليست من جهد البشر، وإنما ستأتي من خلال المعجزات.
وزاد الطين بلة الوضعية الحضارية للأمة الإسلامية، وشعور الانكسار، وفقدان الاستقلال بمعناه الحقيقي، وتولدت حساسية شديدة تجاه كل تجديد، باعتباره جزءًا من المؤامرة الكبيرة على العالم الإسلامي، وتم تفخيخ كل المفردات التي تشكل الحياة المعاصرة. ومن هنا لم يسلم حتى التيار المقاصدي بظاهره المعتدل برميه بكل نقيصة باعتباره حالة تمييع للدين وحالة تبعية للغرب. أما تيار النظر (البراني) فاعتُبِرَ عين المؤامرة، ولذلك فمحاولات الإصلاح فشلت في الدولة العثمانية رغم امتدادها قرنين من الزمان، وانتهت بسقوطها، وولدت حال القطيعة مع التراث كما فعل أتاتورك بعدها صريحًا وليس وحيدًا، حيث قررت النخب السياسية في دولة ما بعد الاستقلال التحرك بالحياة السياسية وقرارتها خارج أسوار الفقه التقليدي، وهو (طلاق غير معلن)، حيث تم استبقاء بروتوكولات معينة والمحافظة على المشروعية الدينية كغلاف خارجي دون فاعلية حقيقية.
وبرزت ظاهرة خطيرة في (نموذج الطلاق غير المعلن)، حيث استمرت مؤسسات التنشئة القديمة في العمل بتدريس الفقه التقليدي والعقائد بصيغتها في القرون الوسطى، وانتشر ذلك بشكل كثيف في المدة الممتدة من السبعينات. وبالتالي تم توليد مسطرة دينية تظهر فيها الدولة في صورة محادة لتلك الأفهام سواء في قراراتها الداخلية المتعلقة بالمرأة والفنون والاقتصاد والتعليم والاجتماع، وهو ما مهد الساحة لظهور حركات التكفير بكل درجاته، سواء الضمني أو الصريح، وسواء السلمي أو المسلح. ومعه عادت فكرة إقامة الدولة الإسلامية على سبيل الاستغراق، والعودة للخلافة الإسلامية كشعارات عاطفية حاشدة وذات صدى عند الشباب المسلم، ولكن من غير برامج حقيقية تعالج إشكالات الواقع المحلي والعالمي المتغيّر، فولدت (ظاهرة الاغتراب)؛ بمعنى أن الإنسان يعيش منقسمًا على نفسه، فواقعه مباين لقناعاته التي شكلتها الأفكار الشائعة في البيئة عن الإسلام (الحق) كما يتصور.
ثم تأتي أزمة أعمق، وهي أن بنية العلوم الشرعية ولدت مفككة، وصِيغت لطالب علم سيعرف علمًا متخصصًا كأصول الفقه، أو علم الحديث، أو السيرة كغزوات، أو التفسير بالمأثور، أو العقيدة، ونقلت للمدارس دون انتباه للبنية غير المترابطة وأثرها في العقل لشخص في طور التشكّل.
ومع اختلالات فقه الموازيين وفقه الأولويات وفقه المراحل السنية، وانفصام الواقع عما يدرسه الطالب في الكتاب المقرر، وبروز بدائل تعليمية ذاتيه تمكِّن الطالب من التعرُّف إلى مساحات الخلاف، ارتبكت الصور، وولدت حالات مشاهَدَة مثل ظاهرة الإلحاد، أو تخوم الإلحاد، أو ظاهرة التطرف الديني ومفاصلة المجتمع، وهما طرفا نقيض. وفي الوسط كتلة ضخمة غير مبالية تعيش الدين باعتباره عادات وتقاليد أكثر منها حالة وعي واختيار…
وعلى الرغم من أن ظاهرة الإلحاد أو التطرف الديني تحظى بالاهتمام والتركيز؛ الأولى خوفًا من انتشارها، والثانية خوفًا من عنفها، فإن ظاهرة عدم المبالاة أوسع وأخطر، وهي تصادم غرض الدين المبني على الوعي والاختيار (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ).
أخيرًا، ووجه المشكلة الصادم أن كل ذلك أصبح هو تمثيل الدين، والمساس به وإعادة تنظيم الصورة خاصة أصبح مجرَّمًا في العقل الجمعي ابتداءً… فكيف إذا جاء في أجواء التصريحات والضغوط الدولية حيث تضيع الصورة بين عدد من الاعتبارات:
الحاجة الماسة في هذا العصر لتغيير المقاربة الاجتهادية التاريخية لصالح مقاربة أكثر جدوى وفاعلية في بعث روح التديّن وقِيَمه العُليا، وجعل التدين الظاهر واعيًا بذاته وبالمعنى. والحاجة الماسة للدولة المعاصرة بإكراهاتها لبناء جسر ثقة بينها وبين أفراد المجتمع؛ بحيث يرى الفرد العادي الدولة كما هي لا كما ترسمها اليوتوبيا الحالمة. وأخيرًا: مواجهة الضغوط العالمية من خلال إعادة عرض الإسلام كأكبر ملهم للقيم الكبرى؛ مثل رؤية العالم، ورؤية الكرامة الوجودية للإنسان، والبر والقسط بأوضح معانيه، والاتساق مع العقل والمنطق القويم، وتطبيقات الرحمة بالوجود كمعيار لإنسانية الإنسان…

التجارب العملية ومآلاتها
بينما تُعَد المناهج المدرسية حلقة من حلقات معضلة الإصلاح الديني، ولكنها ليست الحلقة الوحيدة، فهناك الوعي المجتمعي والأسرة، وهناك المسجد والحلقة، وهناك شبكة التواصل الاجتماعي، وهناك القدوات، وهناك المفارقات بين المثل والتطبيقات؛ أي ما هو حي وعملي من سلوكيات وما يقال عن الذات، ففي كل نقاش تبرز محاسن الإسلام عبر استدعاء نصوص، ولكن مع معايشة الواقع يظهر الفارق البعيد بين تلك المقررات وبين الواقع الحي، وبالتالي يعيش الإنسان حالة فصام؛ فما يقوله في جانب، وما يمارسه في جانب آخر.
ولو تجنبنا المنهج الاستنباطي كمحك، باعتباره كلامًا عما ينبغي أن يكون، وعُدْنَا للواقع الاستقرائي التجريبي، سنجد أنفسنا أمام تجارب ثرية لتدريس الدين، أو بناء أنماط تديّن اجتماعي، ونحتاج أن نعايرها بمعيار أثرها في تقدم المجتمعات أو تخلفها. وما سأقوله من ملحوظات هو وحي الخاطر في ضوء غياب الدراسات الاجتماعية الموسّعة وللنظر إلى المشهد بنوع من التسلسل:
مصر ما قبل حملة نابليون بونابرت، أي مدة وجود النظام العتيق، أي الكتاتيب وأروقة الأزهر الشريف، وقِس على ذلك سائر بلاد المسلمين على تفاوت، سنجد نشاطًا دينيًّا واسعًا. ونسأل: لماذا لم تنتج عنه مجتمعات قوية قادرة على الدفاع عن نفسها على الأقل في تلك اللحظة؟ ولماذا تخلفت علميًّا ومعرفيًّا واجتماعيًّا عن الغزاة مما حوَّلَها لموضوع للغزو؟ وما الذي عاقَ النموَّ المزدوجَ للعلوم الشرعية والعلوم التطبيقية في أمة كتابها الأساس جل سوره تحمل بصمة الآيات الكونية من أسمائها؟ مع إدخال التعليم الأجنبي والمدارس بشكله الحديث، وقيام نظام ذي رأسين؛ أحدهما حداثي مشابه للغرب، والآخر أزهري تقليدي. ما الذي عاقَ فاعليةَ المدارس الحديثة من أن تنشئ علاقة سوية بالعلم والبحث وتنتشل المجتمعات من فقر العلوم التطبيقية إلى البحث والابتكار؟ وكيف تحوّلت المدارس الحديثة ذاتها إلى الحفظ والتلقين وعجزت عن إنتاج تحوّل قيمي إيجابي ينعكس على نظم الحياة في السياسة والاقتصاد والاجتماع والعمل والصحة والشوارع والمرافق والنظافة العامة؟
موريتانيا نموذج آخر لمجتمع شديد التعلّق بحفظ المتون، وطرق التدريس القديمة منتشرة، والإسلام بسردياته القديمة حي ومحفوظ، ولكن أحوال المجتمع من ناحية القِيَم والعمران لا تكاد تفترق عن سائر المجتمعات ضعيفة النمو المدني وإشكاليات العالم الثالث.
ماذا لو تم تبني قالب كامل تراثي ذي توجه سلفي؛ يتم حفظ العقائد، والتحذير من الشرك، مع مناهج دينية كثيفة في المدارس، ومنع الفنون والمسرح والسينما والخمور، وفرض نمط الملابس، ونشر دور تحفيظ القرآن، وفرض الانضباط على الشارع بقوة القانون، بل تسجيل أسماء الحاضرين لصلاة الفجر في بعض القرى لمعرفة من يلتزم الصلاة ومن يهجرها، وتوجيه كل الإعلام لخدمة الرسالة الدينية، وإعطاء التيار الديني كل شروط تحقيق حلمه في ضبط المجتمع، واستمر الحال كذلك لعقود طويلة، فكيف حال المجتمع بعد رفع القيود؟ وهل تحقق الموعود؟
ماذا لو تم تبني قالب أكثر حداثة من التدين، كما هو في نموذج السودان وتطبيقه في المجتمع بشكل صارم، فما شكل المجتمع الذي ينتج عنه؟ وما الأثر الذي يبقى منه عندما تزول آلية القهر والقسر؟ ماذا لو تم تبني نظام مثل الجمهورية الإسلامية في إيران؛ بمزج فكرة الجمهورية بفكرة الإسلامية، وفرض نمط تديّن واسع على الحياة الاجتماعية، فهل النتائج ستكون أفضل؟ ماذا لو تمكنت مجموعة مسلحة من الأرض، وفرضت نموذجها المتخيل عن الإسلام بالعنف والقسر، واستعادت أسواق النخاسة والسبي والجزية، وفرضتها على المجتمعات، فماذا ستكون النتيجة (كما هو حال داعش)؟
طالبان اليوم تقدم نموذج الالتزام الفقهي المذهبي بمرجعية مدوناته الحنفية القديمة حرفيًّا، فهل أحوال المجتمع أفضل؟ وهناك التجربة الماليزية التي ترى البُعد القيمي كمسطرة وليس الفقه التفصيلي، فما هو المردود على التطور الاجتماعي؟ وهناك تركيا في العقدين القريبين، حيث العلمانية هي الطابع العام، ومحاولة بناء شبكة دينية على الأسس القديمة، وإلى أين ستؤول المسألة ببناء حصان له رأسان يشدان في اتجاهين مختلفين؟ وهناك نموذج بناء تعايش ثلاثي بين الأعراف والتقاليد وفقه القرون الوسطى، وشكل الدولة الحديثة، كما هو في معظم دول الخليج، مع الاحتفاظ بمساحة مناورة كبيرة فيه للدولة الحديثة بعيدًا من التجاذبات.
التجارب العملية تضعنا أمام اختبار قاسٍ، وأسئلة حرجة على المستوى العملي، والمستوى النظري، تتعلق:
بطبيعة الدين والتديّن المنقول من القرون الوسطى، والتصورات التي يحملها عن العالم. وبطبيعة النظرة لذلك النموذج بأنه السقف الأعلى للفهم الإسلامي، والحكم المعياري للدين. وبدرجة الاعتراف بقصور ذلك النموذج سواء قبل الاستعمار في سباق التقدم مع الآخر، أو بعد الاستعمار في محاولات الوصل والقطع معه. وبدرجة انتشار ذلك التصور حتى بين المكلفين بتجديد المناهج المدرسية والإدارات التعليمية والمدرسين، ناهيك عن الأهالي ومتخذي القرار. وبدرجة الانفتاح على مقاربة مختلفة تعيد ترتيب الفضاء الديني ليحقق غايات التدين العليا، ويسهم في بناء المجتمعات في هذا العصر بدل حلم العودة بالمجتمعات للعصور الماضية.
إذن، السؤال هو حول رغبة متخذ القرار في مقاربة جديدة لا تعيد إنتاج الماضي، ولكن تعانق المستقبل، أو في المقاربة التقليدية السائدة، في المقاربة التحسينية، واستبقاء الإشكاليات ذاتها لأجيال قادمة.
دور المناهج المدرسية التعليمية
المناهج المدرسية هي حلقة من حلقات صناعة مشكلة الجمود والحيرة، وفي قطاع معين التطرف، ولكنها ليست المشكلة. فواضع المناهج التعليمية الدينية هو خريج كلية شرعية، والكلية الشرعية هي جزء من مجتمع وتمثيل له، والمجتمع والكلّية أثر من آثار الفهم التاريخي المتوارث الذي يفكر بالمنهج ولا يتفكر في صوابية المنهج تأسيسًا. وكل ذلك مرتبط بوعي عام تشكَّل في ضوء الخطاب الديني الكُلّي. وبالتالي نحن أمام شبكة متداخلة، وإحدى حلقاتها هي المدرسة، ولكن نافسها المسجد والأسرة والإعلام العام والجماعات الدينية والخطباء المؤثرون فتخلق مناخ طبيعي مقاوم للتغيير.
قلنا سابقًا: إنه لا يمكن العبور لعصر جديد من غير معالجة جذرية تمتد لتطال كل الأبنية، وتغوص في بنية الوعي لتعيد تشكيله، فمحاولات الإصلاح الترقيعي تجاوزت القرن ونيفًا من غير أي ثمار واضحة سوى استمرار التدهور والحيرة. فما زالت قضايا الدين تلعب دورًا خطيرًا في بناء الحصون والقلاع بين أطراف المجتمع الواحد، ناهيك عن المجتمعات الأخرى، وما زالت مجتمعاتنا عالقة بين القديم والحديث، مع عجز عن إنتاج أي منهما؛ فالمجتمع القديم انتهت شروط صلاحيته، والمجتمع الجديد يحتاج لشروط الالتحاق به.

الإشكالات العملية في إصلاح التعليم الديني
مما سبق نستطيع أن نقول: لا إصلاح فعال للمناهج المدرسية الدينية إلا بمقاربة فلسفية كبرى تشمل الانتقال بالمنهج الديني من الاستنباط إلى الاستقراء، وإحكام العلاقات بين النصوص المتفرقة وبين مقاصد الدين، وبين النص وواقع علاقته بلحظة التنزيل وبين تطبيقاته في عصور مختلفة عن بيئة التنزيل، مكانًا وزمانًا ومعطياتٍ، ومن دون ربط الفهم بالمنطق القويم، وإحكام الفهم بالاتساق مع القيم الكبرى للدين والإنسان.
مهمة مثل هذه كل أدواتها متوافرة، ولكن تحتاج إلى إرادة سياسية لإقامة التصورات على أسس القرآن والسنة في مُحْكَمَاتِهِما، وهو شرط ضروري للاستئناف الحضاري. وفي غياب إحكام التصورات للإسلام كنظام مترابط يبقى الارتباك هو سيّد الموقف. لكن إذا نظرنا للجانب العملي بواقعية؛ فمشروع الإصلاح الجذري يصعب على كثيرين تخيله، بل مقاربته، وتبقى المعالجات الجزئية هي السائدة، وهي مسار يحتاج من يقاربه بعدة جاهزة من التصورات والمفاهيم والبدائل، والاستعداد لمواجهة عقبات البيروقراطية، ولمواجهة اختلال الفهم عند الخبراء التربويين أنفسهم، ولمواجهة موجات الشك والهجوم من القطاع المتديّن في المجتمع، والمتوجس من التغيير.
وبشكل مختصر يحتاج المعالج للأمور التالية:
– تصور لشكل البنية الحالية التي تُقَدَّم بها العلوم الشرعية للطلاب.
– امتلاك فلسفة ورؤية جديدة لبناء تصور ناظم لمجموع المعارف الشرعية المقدَّمة.
– عدة كافية من المفاهيم والتصورات الجاهزة لمقاربة التعديلات.
– معرفة ببيروقراطية وإجراءات وزارات التعليم.
– حجم الظهير السياسي الداعم للتغيير.
– إجراءات متابعة لمنع الانتكاس والعودة للقديم.
– امتلاك تصور لمعالجة الأطر التدريسيّة الناقلة للمعلومة بشكلها الجديد.
الجوانب المحتملة للخلل في المناهج:
– خط تشخيص مشكل العالم الإسلامي باعتباره خاضعًا لمؤامرة المستعمر من دون رسم صورة للمخرج قابلة للتفعيل.
– خط الحديث عن اضطهاد الأقليات المسلمة ليس باعتباره خطًّا حقوقيًّا ينطبق على كل المضطهدين، ولكن باعتباره فقط يخص المسلمين.
– خط الحديث عن دولة الخلافة وتجاهل الدولة المعاصرة باعتبار الأول شرعي والثاني مؤقت ومضاد للأول.
– الحديث عن الغزو ليس باعتباره ظرفًا تاريخيًّا، إنما باعتبار الإسلام دين حرب مفتوحة والتوقف هو نتاج العجز.
– طرح العقيدة باعتبارها مسطرة لفرز من معنا ومن علينا، حتى من المسلمين، وليس باعتبارها أداة اتصال بالله وتسامي.
– تهميش المرأة أو رسمها في مرتبة أدنى من الرجل.
– الحديث عن الجزية والرق والعنصرية وأحكام أهل الذمة دون مراعاة اختلاف العصور.
– اختيار آيات وأحاديث وتفسيرها في اتجاهات تنافي السببية، وتنافي حضور وفاعلية إرادة الإنسان، أو تصطدم بالعلم والواقع الحسي.
هذه أوجه محتملة لاختلالات عرض الإسلام على الأجيال، وهي مجال يتوجه له الإصلاح الجزئي غالبًا؛ لأنه أسهل من الاشتباك مع أزمة المنهج التي أشرنا لها سابقًا.
إستراتيجية الإصلاح

عائشة بنت محمد القاسمي
نائب مدير منطقة الشارقة للشؤون التعليمية
عضو اللجنة الاستشارية في المجلس الأعلى للأسرة
مما لا شك فيه أن الدين هو نظام حياة، وهو ما يعني أنه موجود في تفاصيل حياة المسلمين كافة، وعلينا أن نتعامل معه على هذا الأساس. وفي الإمارات هناك ضوابط أساسية لا يمكن تجاوزها من المجتمع؛ لكوننا مجتمعًا إسلاميًّا قادرًا على الحوار مع مختلف الديانات، ما يوضح وجود أكثر من 250 جنسية على أرضنا، كل منها يمارس شعائره باحترام ويمنح ثقافتَه أبناءَه بحسب ما يتفق مع تعاليم دينه. من هنا نجد أن كل قومية لها مدارسها ومعاهدها، ولكن يبقى الاحترام بعدم تجاوز الواحد للآخر أو فرض ثقافته عليه.
الحوار بين الإصلاح الديني والتعليمي طرح على طاولة النقاش مرارًا وتكرارًا، لكن لم يصل أحد، لا من علماء الدين ولا علماء العلم الحديث، إلى إيجاد رأي واحد يتفق عليه الجميع. ويحضرني هنا قول المفكر المسلم وحيد الدين خان: «إن ما جاء في القرآن داخلًا في النظر العلمي يصبح للمؤمن براهين يقينية، وبهذا يصبح العلم كله «علم كلام قرآني». ما نحتاجه اليوم هو الفكر الإسلامي الإيجابي والابتعاد من الأفكار المتطرفة التي لا تمثلنا أبدًا.
مهمة الإصلاح
هناك كثير من المؤسسات تأخذ على عاتقها مهمة الإصلاح، فهي تعمل على الصعيد الديني ليس على الإصلاح فقط، بل على خلق جيل واع ملمّ بمسؤولياته كافة تجاه دينه وعالمه الحديث، بعيدًا من محاولات الهدم التي يحاول الآخرون أن يغيروا كثيرًا من ملامحها، سواء عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو بعض المحطات التلفزيونية، وهي بمنزلة عوامل هدم تحتوي على كثير من البرامج المسيئة للجيل الجديد، في محاولة لتغريبهم عن دينهم ووطنهم ولغتهم. ومن هذه المؤسسات التي تقوم بهذا الدور الإصلاحي مؤسسة القرآن الكريم المنتشرة فروعها في المساجد كافة، وبخاصة في إمارة الشارقة التي تمثل العاصمة الإسلامية، حيث تقوم بتقديم الدروس وتحفظ القرآن والأحاديث الصحيحة مجانًا، إضافة إلى الجوائز العالمية والمحلية لحفظة القرآن وغير ذلك. فالدين الإسلامي موجود في المناهج والمراحل الدراسية كافة، وهو مادة أساسية فيها.
في دولة الإمارات توجد جهات معنية بالشؤون الدينية وإصلاحها، كالهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف التي تعمل على مراقبة مواد التربية الإسلامية في المدارس، وتطوير آلية الخطاب الديني بها، وذلك من خلال أربعة محاور هي: إعداد كوادر متخصصة في الفقه والفتوى والفكر المستنير، وتطوير الفتوى بالنظر والتدقيق الجماعي، وتطوير الخطب والدروس في المساجد بالتبسيط والاعتدال، وتطوير الخطاب الديني في وسائل الإعلام بمتحدثين متخصصين لحماية النشء من الأفكار المتطرفة. وضمان عدم احتواء النصوص والموضوعات والمحاور المختارة في مناهج الدراسة على أية أفكار متشدّدة، بهدف حماية المجتمع من الأفكار الهدامة، والتركيز على الهوية الوطنية، وتعزيز قيم الولاء والانتماء للوطن، وتحقيق الأمنيْنِ الفكريّ والاجتماعيّ.
رؤية استباقية
قد استطاعت دولة الإمارات أن تخطو خطوات كبيرة على طريق الإصلاح التعليمي، بعض هذه الخطوات كان آنيًّا ومدروسًا بشكل تام؛ لذا حقق النتائج المرجوة منه، ألا وهي وجود بنية تحتية ذكية، ورؤية استباقية لتطوير منظومة التعليم. والسنوات المقبلة ستشهد كثيرًا من التغييرات والتحديثات في هذا الجانب. على سبيل المثال تطبيق الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء والأمن الإلكتروني والميتافيرس والسحابة الحاسوبية والطباعة ثلاثية الأبعاد.
فالعملية التعليمية في الإمارات تلقى كثيرًا من الاهتمام والمتابعة منذ عهد المغفور له الشيخ زايد مؤسس دولة الإمارات، وقد استمر هذا الاهتمام إلى يومنا هذا؛ لذا شهدت الدولة بناء المدن الجامعية ومدن المعرفة في أكثر من إمارة، كما استقطبت كبرى المؤسسات التعليمية في العالم، حيث فتحت فروعًا لها في الإمارات، أما على المسار الديني، فالإمارات هي دولة التسامح، وعلى أرضها عقدت المناسبات والمؤتمرات التي تبحث في حوار الأديان، وكانت مثالًا عالميًّا في تقديم المساعدات والمعونات على أرجاء الكرة الأرضية كافة وعدم التفرقة بين الألوان البشرية؛ لأنها تضع نصب أعينها الجانب الإنساني بكل تجلياته. وهي حريصة أشد الحرص على الالتزام بالدين الإسلامي، ويعد مجمع القرآن الكريم في الشارقة منارة أمام جيل الشباب الراغبين في التخصص في الحضارات الإسلامية والدين الإسلامي، وذلك لتكوين الصورة الحقيقية للإسلام، والتأكيد أنه دين التسامح والمغفرة والرحمة، ونشر هذه الصورة في العالم.
قرار سياسي
يمكن القول: إن تطوير العملية التعليمية في الخليج ككل تحتاج إلى قرار سياسي، بحيث توضع إستراتيجية موحدة لدول الخليج، وتُحَدَّد الأهداف بوضوح، ويُرَكَّز من خلالها على مناهج اللغة العربية والتربية الإسلامية. وأن تخدم نتاجات التعليم حاجة الدول وفقًا للإستراتيجية الموضوعة. ولا بد من التركيز على حاجة سوق العمل ورعاية الموهوبين، وغرس القيم والهوية الخليجية، والتعريف بالمخاطر الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وغرس قيمة الاستهلاك النافع، والمحافظة على المكتسبات والثروات، والتركيز على التدريب والتطبيق العملي للمعارف، وتأهيل المعلمين وتمكينهم من تطبيق المناهج التي تخدم الأهداف الإستراتيجية، ومراعاة الجنسيات الأخرى واحتياجاتهم، وتبادل الخبرات واللقاءات المشتركة وعقد الندوات والمؤتمرات المشتركة…
التعليم وتطوير المواد الدينية

شيخة سيف الشامسي – المدير السابق لمنظمة المرأة في جامعة الدول العربية
حين نتطرق لتطور التعليم في دولة الإمارات العربية المتحدة منذ بداية القرن التاسع عشر نجد أنه كان يقتصر على تعليم علوم الدين الإسلامي، ومع تطور المجتمع تم إدخال أسس الحساب واللغة العربية لتلبية متطلبات المجتمع حينذاك، وكان أغلب المعلمين من الدول العربية الأخرى، وبعض أبناء المنطقة الذين درسوا في المملكة العربية السعودية.
ومع نهاية الخمسينيات تولت الكويت مهمة تمويل وإدارة الخدمات التعليمية والصحية في أغلب الإمارات، وتم تطبيق المناهج وأساليب التقويم الكويتية، وشاركت جمهورية مصر العربية بتقديم الخدمات التعليمية لبعض المواد من منهج ومعلم، وبالذات التربية الموسيقية والفنية، وتم اعتماد المناهج الدراسية الأردنية في أبوظبي مع بداية التعليم النظامي بها في بداية الستينيات.
ومع بداية تكوين الدولة في بداية السبعينيات وإنشاء وزارة للتربية بدولة الإمارات العربية المتحدة تم إعداد مناهج وطنية، واعتماد مسار للتعليم الديني في المرحلة الثانوية، إلا أنه تم إلغاء هذا المسار مع نهاية التسعينيات للتناقص الشديد في إعداد الملتحقين به من المواطنين، وتم إنشاء معاهد دينية في بعض الإمارات، غير أن أعداد المنتسبين لها لم يمثلوا نسبة مذكورة بالمقارنة بطلبة التعليم العام. وبدأ التعليم الجامعي في الدولة مع إنشاء جامعة الإمارات في منتصف السبعينيات، وكان فيها كلية للشريعة والقانون ركزت على العلوم الدينية.
تغير في المسار
ولعل ما أحدث تغيرًا في مسار التعليم بدولة الإمارات هو ما حدث في الثمانينيات، عندما أسندت الدولة مسؤولية وزارة التربية والتعليم، بما فيها التعليم العام والعالي، إلى أحد المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين، فأحدث هذا الأمر تغييرًا كبيرًا في المؤسسات التعليمية، فتم استقطاب أساتذة المدارس والجامعات تبعًا لولائهم الفكري، مع عدم الاهتمام الكافي بالكفاءة العلمية. اهتم هؤلاء الأساتذة بالتركيز على الترهيب لتعزيز التوجهات الإسلامية، مما نتج عنه تغيير في الفكر العام لدى المجتمع، وبرز التشدد في الممارسات الدينية، وتم إلغاء حصص التربية الموسيقية، ورفع الوزن النسبي لمادة التربية الإسلامية على حساب المواد الأخرى، وإدخالها في بقية المواد كمنهج خفي، وبشكل غير مدروس تربويًّا، مما أثر في سلامة تناول هذه المواد. وعمدت هذه المناهج الدراسية إلى تضخيم بعض الأفكار الدخيلة على المجتمع، ورفض الآخر، والتركيز على المظهر الخارجي للمرأة كدليل على إسلامها، وتم التركيز على عزلها وتحجيم دورها.
مع بداية التسعينيات اتخذت الدولة مسارًا مغايرًا، وهو الحد من هيمنة الإخوان المسلمين على المؤسسات التربوية. وسعت لإصلاح التعليم لبروز مشكلة البطالة لخريجي الجامعات، نظرًا لعدم ملاءمة مهاراتهم لمتطلبات سوق العمل. وتم تنظيم مؤتمر لتقييم المناهج، ومنها منهج التربية الإسلامية من قبل متخصصين تربويين من الوطن العربي، وأوضحت التقارير ضرورة التركيز على تعزيز التقوى في نفوس الطلبة والتركيز على السلوكيات بدل التركيز على الحفظ، والاهتمام بالتوازن بين الظاهر والباطن من حياة المسلم ونشاطه العملي، وتم إعداد مناهج تتوافق مع التوجهات الجديدة للدولة.
الوزن النسبي للمواد
وفي عام 2007م تم اعتماد إستراتيجية التمكين من قبل نائب رئيس الدولة، وأشارت الإستراتيجية إلى ضرورة تطوير التعليم كي يواكب ما وصلت إليه الدولة من تقدم في مجالات مختلفة، وأن التعليم بمستواه المتدني أصبح يمثل تحديًا للطالب الذي بات يحتاج إلى إعادة تأهيل قبل دخوله الجامعة أو سوق العمل. وفي إطار التوجه لإعداد مخرجات تعليمية تخدم القطاع الصناعي، فقد تمت زيادة الوزن النسبي للمواد العلمية على حساب المواد النظرية المرتبطة بتفكير الفرد، مثل اللغات والتربية الإسلامية والدراسات الاجتماعية. وفي ظل توجه الدولة لاعتماد المستوى في اللغة الإنجليزية، شرطًا من شروط القبول في المرحلة الجامعية، عمد كثير من المواطنين إلى إلحاق أبنائهم بالمدارس الخاصة، سواء التي تتبع المنهج الأميركي أو البريطاني، وتقلصت أعداد المواطنين المسجلين في التعليم الحكومي.
ومن الأمور التي يثار الجدل حولها عند الحديث عن إصلاح التعليم هو أساليب تدريس المواد المرتبطة بالتعليم الديني؛ إذ يري بعضٌ أن النهج التقليدي الذي يتم به تناول هذا التعليم هو الأسلم، ويعتبرون تغييره هو تنفيذ لمطامح الغرب في تقليص دور القيم الإسلامية في المجتمع. بينما يرى آخرون أن التعليم الديني بحاجة ماسة للإصلاح، وأن تطويره يضمن بقاء الدولة. ولضمان تحقيق الإصلاح الديني فلا بد من تطوير المنظومة التعليمية بأكملها من مناهج وأساليب تدريس وإدارة مدرسية وبيئة تعليمية، وعدم الاقتصار على بعض الجوانب دون غيرها، أو علوم دون أخرى. ولا يقتصر تطوير التعليم على المؤسسة التربوية، بل إن للأسرة والمجتمع الدور الأكبر في إحداث هذا الإصلاح عن طريق حث الأبناء على طلب العلم، وتأديبهم بأخلاق أهل العلم.
وتجدر الإشارة إلى أن المتشددين يشيرون إلى أن التغيير في مناهج التربية الإسلامية هدفه حذف مفاهيم آيات الجهاد، ولا شك أن التركيز على هذا المفهوم يشتت توازن الطالب. وغني عن الذكر أن سيد قطب ركز في بداية كتاباته على آيات الجهاد، هذا النهج الذي استمر في تدريس مواد التربية الإسلامية. ومع أهمية إدراج هذه الآيات إلا أنها ليست هي المحور الرئيس في القران الكريم. ولتطوير مادة التربية الإسلامية يجدر بنا تطوير أساليب إعداد المناهج بها، لكي يكون المنهج مشوقًا جاذبًا للطالب، يتيح له فرصة التعبير عن آرائه، وتدريب المعلم على أحدث أساليب التدريس.
المسافة بين أزمة التعليم وإصلاحه

عزيزة الطائي – أكاديمية وكاتبة عمانية
أصبح إصلاح المؤسسات التعليمية في مقدمة أولويات السياسات التربوية، وفلسفتها في الجزء الأخير من القرن الحادي والعشرين، وبخاصة -إذا أدركنا- أننا أمام متغيرات عصرية متفرعة وعميقة تواجه المجتمع الإنساني كافة، على الصعيدين العلمي والمعرفي. وباتت المنظومة التعليمية بحاجة إلى إصلاح تربوي شامل، يفتح نافذة تعليمية تواكب المعرفة الجديدة، بكل ما تحمله من تقنيات تعين التربويين والمتعلمين على السواء كي يسيروا بتوازن مع متطلبات الحياة التقنية الحديثة، والنهوض بالمجتمعات الإنسانية، ومواكبة ما يحدث في العالم الآخر من تقنية، وتوجهات تتماس مع ما يحدث من حراك قوامه التشابك الفكري والتطور التعليمي.
ونؤكد أهمية نجاح الخطط والتجارب التي لا بد من تحقيقها حتى نأخذ بتطوير التعليم الديني في منظومة ثلاثية متمثلة في (طبيعة المتعلمين، ووعي المعلمين، ومرونة المنهاج) لهذه الفئات الثلاثة (فكريًّا، واقتصاديًّا، واجتماعيًّا) غير غافلين أهمية الاحتفاظ بخصوصية ثقافة مجتمعاتنا العربية، وما يتطلبه الدين الإسلامي من التزام ومرونة ووعي تمكن المتعلم وتسير به للتوفيق بين خصائص الدين الذي يحث على التعلم والتعليم مستمدًّا ذلك كله من أركانه وأسسه، وبين مستجدات العلم الحديث وتطوره؛ ولعل تعزيز هذه الخاصية في ذات الإنسان تسهل العديد من المزايا التي تمكنه في أثناء تعليمه وتعلمه كل جديد يطرأ على المجتمع، ليواكب العالم باقتدار وموضوعية ومراس أمام ذلك التحديث الذي غزا المجتمع.
حذر وتوازن
ولعل الحديث عن هذه القضية شائك جدًّا أمام الرؤى الدينية، وما كشفت عنه الصراعات والحروب من طوائف وأحزاب وإثنيات تختلف وتتشابك بين القبول والرفض، الحلال والحرام، الشك واليقين، المجاراة والتمرد؛ علاوة على تلك الأفكار الحديثة، أو الدخيلة التي تتوافد وتتوارد وتتزاحم وتتداخل على مجتمعنا العربي يومًا بعد آخر بسرعة فائقة، على الأصعدة العلمية والثقافية والتعليمية كافة؛ لذلك بات لزامًا علينا النظر إليها بحذر وتوازن، والعمل بكافة الإجراءات، وتفعيل الأهداف، وتفعيل النتائج المترتبة على ذلك كله، وتشخيصها في سبيل إصلاح التعليم دون المساس بقضايا الدين وثوابته المتعارف عليها.
إننا -بلا شك – أمام معضلات ثقافية، وتحديات تربوية، وإشكالات تعليمية تجعلنا نشعر بقلق أمام جيل يتنامى ويتجدد، ومناهج تعليمية تنشد التطوير والانفتاح لأجل إصلاح المنظومة التعليمية التي صارت تستقي فلسفتها من مناهج الآخر وتجاربه البحثية حتى تكون في مصاف الدول التي تسعى إلى التطوير والتحديث، والتخطيط لمناهج لا تحيد عن مسايرة الآخر؛ ناهيك عما تقدمه سبل المعرفة المتنوعة من مصادر انفتاح أصبحت يسيرة، وفي متناول الصغير قبل الكبير من خلال الشبكة العنكبوتية التي أصبح سوقها المعرفي والعلمي والتقني رائجًا، وفي متناول الجميع بكل ما تحمله من إيجابيات وسلبيات.
نوعية التعليم
لقد كثرت الأحاديث عن أزمة التعليم والحلول الطامحة للرقي به؛ وكتب كثيرون معلقات ومؤلفات عن الوضع البائس والمتذبذب للتعليم في الوطن العربي قاطبة. ويكاد لا يختلف اثنان أن كلَّ نكباتنا التي نراها اليوم في المجالات كافة سببها الأول والمباشر هو نوعية التعليم، وأساليبه المتبعة؛ وعدم تنفيذ مراميه بالأسلوب الفاعل. ومع أننا جميعًا لدينا القناعة التامة بالمشكلة التعليمية، وضرورة إصلاحها.
والحقيقة التي لا غياب عنها أن كثيرًا من طلبة المدارس هم ضحايا النظام التعليمي الذي يكلف الدولة مبالغ هائلة، ثم يكلفها مبالغ أكثر من أجل رعايتهم كباحثين عن عمل، أو منفيين تعليميًّا بعد التخرج، حتى باتت بلداننا بسببه في أزمة حقيقية، ممثلة في تلك الفجوة العميقة بين إصلاح نظام التعليم وتطوير التعليم الديني من جهة، وبين برامج التعليم ومتطلبات سوق العمل من جهة أخرى؛ فتغدو هذه الفجوة أكبر قضية يواجهها إصلاح التعليم. فلا بد من تشخيص مواطن الخلل أولًا، وتحديد أسباب تعثر المشروعات التي تهدف إلى إصلاح التعليم وتطويره ثانيًا، وإيضاح أسباب وقوف الجهات المسؤولة عن التعليم مكتوفة الأيدي في مواجهة الخلل ثالثًا، وعجزها عن إطلاق نظام تعليمي متطور قادر على إحداث النهضة المنشودة في مناحي الحياة المختلفة رابعًا.
فكلنا نشاهد ونلامس الخلل، لكننا لا نستطيع أن نحدد علاج طبيعة المشكلة ومكمنها؛ لذا لم نخرج بالوصفة الأكيدة لمعالجة الداء وتقويم الخلل؛ والحلول لن تتأتى إلا بتشخيص الداء بناءً على دراسة علمية واقعية مبنية على أسس واعية لنحدد الأهداف، ونتبين العوائق، ونفهم طبيعة البيئة، وثقافة المجتمع، ونخرج بمؤشرات دقيقة ذات استنتاجات شاخصة بما يتلاءم مع رؤى العصر دون الحياد عن المرتكزات الأخلاقية التي يعززها الدين؛ لنتمكن من إعداد مواطن يحترم ذاته، ويقدر الآخرين، وينتمي لأرضه، ويحترم كل من يخالفه معرفيًّا وفكريًّا وعلميًّا وجنسًا. بهذا سنتمكن من الارتقاء بجيل قادر على مواكبة الحداثة دون الإخلال بأصالته. فالدعوة اليوم ليست إصلاح التعليم فحسب، بل إلى تعجيل الإصلاح وجعله على رأس الأولويات الإنسانية.

بيان رؤية
ما ذكرته -سلفًا- يكاد يكون متفقًا عليه اليوم، فالتعليم العربي في أزمة؛ وفي اعتقادي أن النظام التعليمي لدينا يحتاج أول ما يحتاج لما يسمى ببيان الرؤية، التي أرى أنَّها ينبغي أن تقارب، استهداف المؤسسات التعليمية في مجتمعنا لتمكين جيل بعد آخر من أبناء مجتمع المستقبل يتحلون بقيم أصيلة، ورؤية العصر، وبمؤهلات معرفية تجعلهم قادرين على المساهمة الفاعلة والخلَّاقة والإيجابية في إحراز التقدم والسلام الاجتماعي، وجودة نوعية الحياة على كافة المستويات من خلال تعزيز المعرفة بالتقنية والارتقاء بقيم المجتمع الإنساني.
ولعل أهم قيم العصر التي ينبغي للمؤسسات التعليمية غرسها في عقول وضمائر هذا الجيل المنشود هي: حب التعددية بشتى مظاهرها المادية والفكرية والعرقية والدينية والسياسية والثقافية بصفتها من أهم وأجمل حقائق الحياة، واحترام الذات والآخر، وتقدير نتائج المثاقفة بيننا وثقافة شعوب العالم، وأهمها الغيرية والسماحة الثقافية والدينية وترسيخ الإيمان بعالمية وإنسانية العلم والمعرفة؛ واستئصال كل بذور التعصب، واحترام حقوق الإنسان والأقليات، وإعلاء مكانة المرأة كنصف البشرية عددًا، وتقدير التقدم التقني، وغرس الاحترام العميق للعلم، وتأسيس ثقافة الوجود المشترك بين كل البشر، وحب الفنون بسائر صورها وأشكالها كثقافة لها قيمة لتطور الشعوب وتعزيز موروثها، وتقديس الحياة الإنسانية وثقافتها، واحترام العمل الجاد مهما كان نوعه.
أسس حديثة
ولقد سعت سلطنة عُمان إلى تطوير التعليم العام والخاص أسوة بمثيلاتها من دول الجوار، وبدأت بعملية إصلاح كبيرة في منظومتها التعليمية، عندما وضعت أسسًا حديثة في نظامها التعليمي، وتبنت مشروعات تتواءم والنظرة المستقبلية لما سيؤول إليه تعليم المستقبل، كما سعت إلى تحديث المناهج والتركيز على المهارات اللغوية في اللغتين (العربية والإنجليزية)، وأولت الإجراءات المنهجية المبرمجة اهتمامًا كبيرًا بحيث أصبحت المناهج الدراسية تتضمن تقنيات حديثة تدعم نماء شخصية المتعلم، وتعزز من قدراته ومهاراته، وتصقل اتجاهاته وميوله مستفيدة من النظريات الحديثة في التعليم أو التعلم، مركزة على التعلم الذاتي، وحل المشكلات، والتفكير الناقد، والحوار البناء، والعصف الذهني؛ وغيرها من أساليب تدريسية تصقل شخصية المتعلم، وتأخذ بيده إلى عوالم يحبها.
حتمية التطوير لتلافي الأخطاء
ناصر الحسني – أكاديمي عماني
عانت الأمة العربية والإسلامية في العصر الحديث ظاهرةً خطيرةً جدًّا أدت إلى انقسام الآراء حولها بين مؤيد ومعارض، ألا وهي ظاهرة وجود تنظيمات يراها بعضٌ استبدادية ظالمة بالية، بل إرهابية تعود إلى العصور الوسطى مثل «القاعدة» و«داعش» وغيرها، بينما يراها بعضٌ صناعة غربية بامتياز؛ ومن يستقرئ التاريخ يجد أن مثل هذه الصناعات كانت موجودة ومصنوعة حتى ما قبل ظهور الإسلام، تتمثل في مملكة الحيرة التي صنعها الفرس لحماية مصالحهم من الهجمات التي يشنها بين الفينة والأخرى العرب في البادية؛ والمملكة الغسانية التي صنعها الروم بالهدف السابق نفسه على حدودها مع العرب، ولهذا كان لزامًا على دول الخليج، وهي تتجه إلى الليبرالية الحديثة واقتصاد المعرفة، أن تسحب البساط من دول عملاقة ساهمت ولا تزال في كثير من الخراب والدمار في الشرق الأوسط.
لهذا كان لزامًا عليها أن تواكب متطلبات العصر وتحدِّث من برامجها التعليمية ومناهجها التي لا سبيل إلا في تغييرها وتطويرها بما يتناسب مع الثورات الصناعية المتلاحقة والذكاء الاصطناعي، وعليه فقد كانت المناهج الدراسية توجد فيها بعض الهفوات المتعلقة بتأويل النصوص القرآنية مثل آيات الحث على الجهاد والقتال، وغيرها من القضايا التي ناقشها القرآن الكريم، فكان لا بد من تخفيفها بغية تحقيق الخطاب الإسلامي الوسطي والمعتدل والمنفتح مع الآخر، دون إحداث صدام أو تأويلات يتشدد بعضٌ في فرضها دون شرط أو قيد على مستوى تعليمي خاص بالمدارس.
بعض الأخطاء
ومما لا شك فيه أنه كانت توجد بعض الأخطاء في صناعة المناهج ببعض الدول، وهو ما جعل المخرجات ضعيفة يسهل السيطرة عليها من جانب بعض التنظيمات، لتحقيق مآرب سياسية لا دخل فيها لمعظم الحكومات والشعوب الخليجية، وهو ما حدا بالأمر على مراجعة هذه المناهج وتصويب ما وقع فيه بعضٌ من أخطاء، واستدراك ما فات من فرص لدول المنطقة في أن تستثمر في اقتصادها، والسير بشعوبها قدمًا نحو حياة كريمة تتقبل الآخر أكثر من أي وقت مضى، وهذا ما تحقق فعلًا على أرض الواقع، وهو تسيير وتسييس حكيم ومفيد للمنطقة ودولها وشعوبها وللعالم أجمع.
لقد فرضت الأيديولوجيا الدينية نفسها مدة من الزمن، واستطاعت أن تهيمن على كثير من المناهج، لكن مع الصحوة الفكرية والدينية الثانية في هذا العصر أصبح الأمر مكشوفًا وظاهرًا لدى كل شعوب المنطقة وحكوماتها، وهو ما جعلهم يعتقدون أن التطوير في المناهج التعليمية والبرامج الدراسية شيء بات حتميًّا، لا يمكن من بعده الرجوع خطوة واحدة إلى الوراء؛ ذلك أن الإنسان دومًا يستفيد من الأخطاء لمعالجة أي مشكلة تعترضه وتهدد كيانه ومستقبله.
ثوابت عمان
في الحقيقة، إن سلطنة عُمان تنطلق من ثوابت ومعتقدات متجذرة في عمق التاريخ والحضارة؛ فهي ليست وليدة النهضة الحديثة فحسب، إنما لديها إرث فيما يتعلق بقبول الآخر والانفتاح عليه دون إفراط ولا تفريط؛ وهي بهذا جعلت من مناهجها تنويعًا بين الدين واللغة والتاريخ والحضارة، مع الأخذ بعلوم العصر العلمية كالرياضيات والفيزياء والكيمياء والأحياء؛ وقد واكبت السلطنة التعليم الأساسي وعقدت المؤتمرات الدولية لتطوير التعليم في الصفين الحادي عشر والثاني عشر؛ وأعطت برنامجًا يختار فيه الطالب المواد الدراسية، وأدخلت خدمة التوجيه المهني في المدارس، بل اتجهت اليوم لمواكبة التعليم التقني والمهني، كل ذلك أدى إلى تأكيد الخط الذي مضت فيه عُمان منذ فجر التاريخ حتى يومنا هذا، لم تتبدل طريقتها في التعاطي مع قضايا الأمة ومقدرات الإسلام والمسلمين، ولم تتغير في دعم ومساندة الآخرين بما يتواءم مع مصالح الأمة العربية والإسلامية، وبما لا يتعارض مع القوانين والاتفاقيات والمعاهدات الدولية، ويضمن للشعوب في كل مكان حقوقهم المنصوص عليها في الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية كافة، وهو ما يسهم في الأمن والسلام والاستقرار لدول المنطقة كافة، وبما ينعكس إيجابيًّا على الشعوب نحو تحقيق الأهداف والطموحات والآمال التي يسعى لتحقيقها والظفر بها.
التعليم أزمة صامتة بين الأصالة والحداثة

علي الطراح – أكاديمي كويتي
الأزمات من القضايا المعتادة التي تمر بها المجتمعات البشرية، وغير المعتاد أن تحتضن الأزمات المجتمع ولا يعي طبيعتها ويفقد القدرة على التعامل معها لجهله بأدوات التشخيص والعلاج. فالتعليم أحد أهم أزماتنا في المنطقة العربية، ومنبع لحالة الغيبوبة والتعطيل لقدرات الإنسان لكوننا نجهل فعل التعليم، وكيفية نقل المجتمعات من حالة الخمول إلى الحيوية والنشاط، من خلال صناعة العقول القادرة على استيعاب متغيرات مراحل تطور المجتمعات البشرية.
توجه كثير من الدول نحو الاستعانة بخبرات حديثة لتطوير التعليم، إلا أن أي عملية تطوير هي بمنزلة علاج دون البحث في أسباب المرض. فالتشخيص الناجع لأسباب تدهور التعليم يعد الخطوة الأولى نحو اختيار أدوات العلاج لتحقق النقلة النوعية في طبيعة النظام التعليمي. وفي معظم بلادنا العربية تتعدد الرؤى دون الوصول إلى مواجهة مع حقيقة الأزمة المتراكمة لعلة التعليم. والسؤال الذي يبحث عن إجابة: ماذا نريد للتعليم أن يحقق لنا؟ فطالما نجهل ماذا نريد فإننا نجهل الأهداف ونجهل الطريق نحو حل الأزمات، وندخل في متاهات الضياع، ونهدر إمكانياتنا المادية والمعنوية.
وقبل الولوج في طرح طبيعة أزمتنا فلعل أوضح أزمة للتعليم في الكويت. فقد عرفت التعليم منذ عقود طويلة، حتى قبل اكتشاف النفط، وتمكنت من بناء مؤسسات تعليمية بفعل عوائد النفط، وكان من الممكن أن تسجل نجاحات في مجال تطور التعليم في الإقليم الخليجي، إلا أنها عانت انتكاسات نتيجة لتبنيها سياسات معادية أو غير قادرة على فهم متطلبات مراحل التطور. فقامت بالاستعانة بخبرات دولية مثل البنك الدولي وغيره لتقديم رؤية لكيفية حل أزمة التعليم وتطويره، إلا أنها في نهاية المطاف تنتهي، لخوف قابع في نفس صانع القرار، من مواجهة طبيعة الأزمة ومن تسبب فيها، إلى أزمة المواجهة بين الأصالة والحداثة التي عطلت عمليات التطوير، وزادت من تراجع التعليم دون اكتراث سواء من مجلس الأمة أو الحكومة. فالنموذج الكويتي يعبر عن طبيعة الأزمة في كثير من دولنا؛ لكونه يشكل أحد أهم التحديات التي تواجهنا في عصرنا الحالي. فأزمة المواءمة بين الحداثة والأصالة أو التراث تتجلى بقوة بين جماعات الإسلام السياسي التي سيطرت على مفاصل الدولة الكويتية.
الإطار الأساس
وصف جون ديوي التعليم بأنه المحرك الذي يدفع المجتمع، ومن هنا فإننا بحاجة إلى فهم دور التعليم في صناعة العقول باعتباره المحرك والقوة الأساسية لتطور المجتمعات البشرية. وتتمحور عملية تطوير التعليم حول الإجابة عن الأسئلة التالية: ما الذي يجب أن نفعله اليوم لإعداد الأطفال للتفاعل مع طبيعة المرحلة الزمنية؟ ما الذي يحتاج الأطفال إلى معرفته؟ ما أنماط السلوك والمهارات المهمة لهم؟ وكيف يستطيع الآباء والمربون وأفراد وهيئات المجتمع المدني والحكومة الإسهام في نجاح الأطفال في المستقبل؟
هذه التساؤلات تشكل الإطار الأساس لفهمنا لدور التعليم وقدرته على صناعة العقول، وهي تساؤلات ليست بجديدة بقدر ما هي مفيدة في رسم خريطة تقودنا نحو المستقبل، وتجنبنا الوقوع في أزمات نهدر فيها الإمكانيات. فعالمنا اليوم تتنازع فيه قوى التغيير، ولا يمكن لمجتمعاتنا العربية إلا أن تتعامل مع التغيير وفقًا لأسس ومنطلقات عقلانية تضمن المواءمة بين الأصالة والحداثة من جانب، وتكسر جدار القطيعة مع ضرورات التحديث من جانب آخر. فالأزمة التي نعيشها عميقة؛ لأننا ما زلنا نعشق العودة للماضي الذي نعتقد أنه يجسد لنا الأصالة دون فهم جدلية التغير، وكيف نوظف أدوات المواءمة كما فعلت دول جنوب شرق آسيا التي تمكنت من كسر حواجز المقدس المفتعل.
أزمة التعليم
فرضت تطورات ظاهرة العنف، وبخاصة مع ظهور ما عرف بالدولة الإسلامية «داعش»، ضرورة مراجعة منابع العنف ومحاولة القضاء عليها، وجاء التعليم في مقدمة هذه الضرورات، حيث يشكل أهم المحاور التي تحتاج إلى إعادة تقييم في ضوء المناهج الدراسية، وخصوصًا الدينية. وبالرغم من ترابط العديد من العوامل المختلفة التي سببت هيمنة مناخ التخلف على كثير من الدول العربية، إلا أنه تم الإجماع على أهمية تطوير التعليم باعتباره الأداة والوسيلة الأهم لإحداث نقلة نوعية في مجتمعاتنا.
السؤال حول ماهية التخلف وأسبابه طرح كثيرًا، وهل الثقافة السائدة هي نتاج للنظام التعليمي أم إن التعليم هو نتاج لثقافة جامدة اتسمت بعدم تواؤم عناصرها مع التحولات العالمية؟ وقد كتب عن ذلك المفكر العربي عبدالله العروي في كتابه «الأيديولوجيا العربية المعاصرة» 1970م، وخلدون النقيب في كتابه «فقه التخلف» عام 2002م، وقد تجسد الهاجس الذي سيطر عليهما، وعلى غيرهما من المفكرين، حول كيفية تجاوز ثقافة التخلف باتجاه الحداثة الكونية؟ ودون الخوض في نقاش لما قدمه الجابري ومحمد جابر الأنصاري وغيرهما من المفكرين في تحليل الأزمة؛ نجد أنفسنا متجهين نحو التعليم باعتباره كسرًا لجدار التخلف، وأداة للاندماج في الحداثة. فالتربية والتعليم والثقافة في حاجة ماسة دومًا إلى التطوير والتجديد، ولا سيما في عصرنا الحالي الذي سيطرت فيه منتجات المعرفة من تقنيات وأفكار، وما تفرضه المرحلة نحو تحولات عالمية لما يعرف بـ«ما بعد الإنسان»، وفي ظل هذه التحولات نجد أن منطقتنا العربية تتأرجح في نجاحاتها بين الصعود والهبوط وفقًا لمرئيات المواءمة بين الحداثة والأصالة التي تشكل أحد أهم محاور الإصلاح للنظم التعليمية.
مما لا شك فيه أن المتغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم في مجالات شتى، على رأسها المجال التنموي الاقتصادي، قد بدأت في الضغط على مجتمعاتنا العربية والإسلامية بشكل ملحوظ، عظم من شأن هذا الضغط التعامل مع البعد الأمني الذي يؤرق العالم ويوتره، كما يؤرقنا ويحبطنا. وكما نعرف فإن موضوع المنهج الديني الذي يدرس في معظم مدارسنا يشكل أحد أهم محاور الإصلاح في النظم التعليمية.
تفاوتت البلاد العربية في رسم سياساتها التعليمية بما يتوافق مع مبتغى الدولة من جانب، وبين القدرة على التواؤم مع المتغيرات العالمية. وعلى الرغم من التطور الكمي من حيث عدد المدارس والمعاهد العليا وتخفيض نسب الأمية؛ فإن المشترك بين معظم دولنا يتجسد في اختلال السياسة التعليمية. فالتعليم ببنائه جاء استجابة لمتطلبات الدولة، ولم تكن هناك تصورات حول طبيعة السياسة التعليمية من حيث أهدافها ورؤاها. فالتعليم في معظمه توجه نحو إشباع سوق العمل واحتياجاته دون مراعاة لطبيعة المنهج وما يحتويه من تكوين ومحتوى يمكن الطالب من تحقيق التفكير الإبداعي من جانب، والإمكانية على التفاعل مع الثقافات الإنسانية المختلفة من جانب آخر. فالسياسة التعليمية تجسد رؤية الدولة وما تسعى إلى تحقيقه وفق إستراتيجيات واضحة المعالم. على سبيل المثال وضعت كل من الهند وماليزيا رؤيتها لـ 2020، واستطاعت كلتا الدولتين تحقيق أهدافهما وفقًا لإستراتيجياتها، بينما غاب ذلك عن معظم دولنا، وتركت الأزمات تتراكم دون حلول وتشخيص لها إلى أن واجهنا خريجين فاقدين للمهارات الحياتية التي تمكنهم من تطوير ذواتهم، كما تضاعفت نسب البطالة نتيجة للخلل في سياستنا التعليمية.
معظم سياستنا التعليمية ومناهجنا الدراسية لا تلامس التطوير والتكيف مع المتغيرات المعرفية؛ مما أنتج لنا كثيرًا من الأزمات، وكان منها على سبيل المثال: اللامبالاة، ونمو التطرف بين الشباب، والخلل في مفهوم المواطنة. فالتعليم أحد أهم ركائزه تحقيق التوافق الاجتماعي بين مكونات المجتمع من طوائف وانتماءات فرعية لها تأثيراتها في بلورة فكرة المواطنة والانصهار الاجتماعي.
وما نخلص إليه أن السياسات التعليمية عبر مراحل التطور التاريخي تشكلت وفق اتجاهين: الأول فعل التعصب القومي في الخمسينيات والستينيات، والثاني رد فعل التعصب الأصولي الديني في السبعينيات والثمانينيات من القرن المنصرم. وكلا التيارين كما يصفهما المفكر خلدون النقيب يشكل رد فعل واحد متجسد في إغلاق أدمغة التلاميذ. وإذا ما مكنا العقل من الخروج من أزمتنا فسنجد أهمية توفير المعرفة باعتبارها حقًّا من حقوق المواطنة والدولة الفاعلة المتمكنة من التفاعل مع الكونية.
بين الدين والعلم
الدين بطبيعته وبعمومه يتجه نحو فكرة القبول دون فحص وتمحيص عقلي في أي تشريع. وقد شهدت البلاد الإسلامية صراعات تاريخية بين ما يعرف بقول النص والعمل به وبين استخدام العقل للوصول إلى الحقيقة الدينية. فثمة فلاسفة كثيرون، كابن رشد وابن سينا وغيرهما، نعتبرهم من أنصار المدرسة العقلية التي واجهت الأشاعرة. والصراع بين التقليد ونهج العقل مر بمراحل مختلفة وفقًا لطبيعة السلطة التي تنظر إلى الدين باعتباره مصدرًا تشريعيًّا يحمي السلطة.
لا نريد الخوض في طبيعة النص والنزاع بين المدراس الفقهية المختلفة التي اختلفت في تفسير النص، وما نحاول أن نضعه ضمن فهمنا لطبيعة التعليم ووظائفه، وإلى أي درجة نتمكن من تقييم جدوى الدخول بالجدل الفقهي ونقله للطلاب في المدارس على اختلاف مراحلهم الدراسية. فالتعليم باعتباره مؤسسة له وظائف محددة تتجسد في القدرة على فهم المعرفة واكتساب مهارات حياتية تمكن الطالب من استخدامها نحو مزيد من المعرفة.
والجدل السائد في فهم طبيعة العلاقة بين الدين والعلم منبعه تأكيد مدلول العلم، بوصفه العقل، ودوره في فهم السببية أو ما يطلق عليه العلة والمعلول. فهذه القضية شكلت أحد أهم محاور الأزمة في الفقه الإسلامي. فالجذور التاريخية تعيد لنا طبيعة الجدل الذي ساد في مراحل تاريخية مختلفة. فلدينا مؤشرات وشواهد عبر التاريخ تؤكد طبيعة الجدل بين العقل والنقل. والفلسفة الإسلامية مليئة بحوادث تاريخية لمدارس العقل عند ابن رشد والرازي وابن سينا والفارابي، فهم كانوا يدفعون بتفضيل نهج العقل على النقل، وكان لنهجهم تداعيات منها الوصف بالزندقة من أصحاب المدرسة الأشعرية. ومن ثم فنحن لدينا تراث من الأزمات المتراكمة حول تعدد المدارس الفقهية التي ابتعد بعضها من تحكيم العقل، مما نتج عنه رفض السببية كقاعدة علمية تحكم العلم بمختلف مناهجه. فالأزمة بين دروس الدين في المدارس ومدى تأثيره في عقول التلاميذ أمر في غاية التعقيد، حيث تعدد المدارس الفقهية ومدى تباين المعلمين في اعتناقهم لأي مدرسة فقهية، وقدرة المعلم على توصيل المعلومات بموضوعية، كلها قضايا شائكة يتباين موقف الدول في كيفية معالجتها.
أزمة إصلاح التعليم
بعض من الدول مثل المملكة العربية السعودية تمكنت، إلى درجة كبيرة، من إدراك تعقيد أزمة الدروس الدينية وتأثيرها في تلاميذ المدارس، وعملت على إدخال إصلاحات على مناهجها التعليمية، إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه هو: إلى أي مدى نتمكن من فك العلاقة بين الدين والعلم؟
يبدو لي أن الأزمة عميقة، ولعل مراجعة التراث الديني المنقول الذي طرحه سمو ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان شكَّل تحولًا مهمًّا في تشخيص الأزمة؛ لطرحه أهمية مراجعة الأحاديث المنقولة وأهمية تنقيتها من بعض الشوائب، وهو ما نعتبره خطوة مهمة في مجال الإصلاح الديني. وفي هذا المضمار نشير إلى ما كتبه روبرت رايلي في كتابه «إغلاق عقل المسلم: كيف خلق الانتحار الفكري.. الأزمة الإسلامية الراهنة»، فمعالجته اتسمت بغاية الموضوعية من حيث تسلسل الأحداث التاريخية وسيطرة فقه الأشعرية على تفسير النص الديني.
وضمن هذا السياق نجد أنه يجب أن توجه الجهود نحو التحديث في الخطاب الديني من جانب، وخلق أدوات جديدة في كيفية تعليم الدين من حيث كونه يحمل قيمًا متسامحة ومسالمة. فجميع الديانات، سواء السماوية أو الوضعية، احتضنت قيم السلام والتسامح والدفع بعمل الخير. ومن الطبيعي أن ندرك أن الموضوع الديني توسع تأثيره حتى في الغرب، حيث إن بعضًا من الأحزاب السياسية تبنت الدين وسيلة للوصول إلى العامة، إلا أن الجميل أن هذه الأحزاب تواجه صعوبات في اختراق البنية الثقافية في هذه المجتمعات، وذلك بخلاف مجتمعاتنا التي اتسمت بنيتها الثقافية بسيطرة المكون الديني في إنتاجه للثقافة.
ومن المفيد أن نؤكد أن هناك أصولًا ينبغي أن تصاغ في اللغة المعاصرة في مبادئ ونظريات ملزمة للجميع، وذلك عندما يجري الاتفاق المقبول والمعقول عليها من قبل معظم شرائح المجتمع لتكون دليل عافية وقوة. فعلى الرغم من الصراعات العنيفة في أوربا فإن هناك إجماعًا على مبادئ عامة مثل الحرية والمواطنة، وهي مبادئ يتفق عليها اليميني واليساري والقومي وغيرهم. بمعنى أن هناك حاضنة تتسم بالثبات. وذلك بخلاف وضعنا في مجتمعاتنا العربية التي هي بحاجة إلى نهضة تنويرية تقودها الدولة. فعملية الإصلاح التعليمي قضية ملحة بدأتها بعض الدول إلا أنها ما زالت تحتاج إلى جهود جامعة تتبناها مختلف المؤسسات العربية باعتبارها أولوية من الممكن الإجماع عليها.
بواسطة الفيصل | مارس 1, 2023 | الملف
بهدف الاعتزاز بلغة الضاد والمحافظة على فن الخط العربي وجمالياته الموجودة في هندسته وتفاصيله وأشكاله وفنه المتطور خلال تاريخ الحضارة العربية؛ أطلقت وزارة الثقافة في عام 2020م مبادرة عام الخط العربي لتعزيز ثقافة الخط العربي لدى أجيال الحاضر والمستقبل، تذكيرًا بما يزخر به من مخزون ثقافي وفني وإبداعي ليؤكد بذلك ثراء الثقافة العربية الإسلامية. المبادرة اقتُرِحَت انطلاقًا من رؤية وزارة الثقافة في أن تصير السعودية عاصمةً للخط العربي، لكونه رمزًا من رموز هويتها ويتصل اتصالًا وثيقًا بتاريخها ونهضتها. وقد أسهمت المبادرة في تعزيز حضور الخط العربي معرفيًّا في المحافل والمؤتمرات المحلية والدولية، وهو ما أتاح آفاقًا جديدة للتعامل مع الخط العربي نجحت في نقله من مجرد أداة إلى أيقونة تمثل الهوية الحضارية للسعودية وفنها المتجدد وإرثها الثقافي، من حيث إن الخط وسيلة اتصال عالمية عابرة للثقافات في مجال التراث والعمارة والفنون والتصميم.
ومُدِّدَت المبادرة لعامٍ آخر إضافي، لخدمة فن الخط العربي وتعزيز حضوره. وسعت المبادرة لتحقيق أهداف عدة، أهمها: تقديم السعودية حاضنةً للخط العربي، وراعية أمينة عليه، ورائدة في تشجيع فنانيه وتعزيز حضوره، إلى جانب إبراز فن الخط بوصفه فنًّا جميلًا قائمًا بذاته عبر أشكاله المتعددة وجمالياته اللافتة التي تعكس ثراء ثقافتنا العربية بوصفه الوعاء الناقل لتلك الثقافة، مع نشر ثقافة استخدامه بين الأجيال الناشئة، إضافة إلى توحيد جهود القطاعات المختلفة والمبادرات الفردية من أجل حماية فن الخط العربي من الاندثار وبقائه حيًّا نابضًا بأفكار معاصرة.
نجاحات ملموسة
على مدار عامي 2020 -2021م نجحت مبادرة عام الخط العربي التي أطلقتها السعودية بالتعاون مع خمس عشرة دولة عربية، في إدراج عنصر «الخط العربي ضمن المعارف والمهارات والممارسات» على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، كما نُفِّذَ سبعة وخمسون مشروعًا وطنيًّا رئيسًا ومئة وسبعة مشروعات فرعية، عملت في مجملها على تأكيد استعمال الخط العربي في المجالات المختلفة، كما عملت المبادرة على ابتكار وسائل عصرية لتعزيز حضور الخط العربي في الحياة اليومية المعاصرة، إلى جانب استعمالاته في الجهات الحكومية والخاصة والأهلية، إذ أُصدِرَ عدد من الطوابع البريدية بهوية الخط العربي عبر شراكة ناجحة مع مؤسسة البريد السعودي، كما طُبِّقَت الهوية البصرية الخاصة بعام الخط العربي، بخطوطها وألوانها الزاهية كصورة تعكس الاحتفاء بفن الخط وبقيمته في تاريخ الثقافة العربية، عبر تعاون مثمر مع شركة الخطوط السعودية وطيران ناس، كما عُرِضَت فيديوهات تعريفية عن تصاميم الخط العربي على شاشات معلومات السفر على متن بعض الطائرات.
كما كُلِّلَت جهود المبادرة بالنجاح بعد تعاونها مع إستراتيجية مركز الأمير محمد بن سلمان العالمي للخط العربي «دار القلم»، فحُوِّلَ المركز الواقع في المدينة المنورة إلى منصة عالمية للخط والخطاطين بهدف احتضان المواهب وتنمية المعارف في مجالات الخط العربي. وتلخصت إستراتيجية المركز في خمسة محاور: المعرفة والتطوير، والأعمال والفرص، وتنمية المهارات، والمشاركة المجتمعية، والابتكار. واندرج تحت هذه المحاور عشرة برامج رئيسة بخطط تنفيذية ومعالم مفصلة، من أبرزها: وحدة البحث والأرشفة المتخصصة في محاور متعلقة بالخط العربي، ووحدة تطوير المعايير المتعلقة بالخط العربي، ومتحف الخط العربي الدائم، وبرنامج تعلم الخط العربي، ومِنح دار القلم للدراسات والأبحاث.
معرض في ثلاث عواصم
في سياق متصل دُشِّنَ معرض مكتبة الملك عبدالعزيز للخط العربي، وهو معرض عالمي للخط العربي وفنونه، شارك فيه أشهر الخطاطين المحترفين، وتزامن تدشينه بين فرع المكتبة الرئيس بالرياض وفرعيها الآخرين في الدار البيضاء وجامعة بكين، كما نفذت مجموعة من الجداريات المزينة بزخرفات الخط العربي وفن الرسم على الجدران «الغرافيتي» في بعض مناطق السعودية، بالتعاون مع وزارتي الشؤون البلدية والقروية والإسكان، ووزارة الداخلية ممثلة في المديرية العامة للجوازات، التي ختمت جوازات سفر القادمين إلى السعودية عبر مطارات الرياض وجدة والدمام، بختم يحمل هوية الخط العربي ويعبر عن مناسبة عام الخط العربي، وذلك بهدف رفع وعي المسافرين بأهمية الخط العربي وترسيخ الاعتزاز به. كما دشنت حملة لتعريب أسماء اللاعبين على قمصان الأندية الرياضية بالتعاون مع وزارة الرياضة، حيث كتبت أسماء اللاعبين بخط الثلث الذي يعود تاريخ نشأته إلى القرن الرابع الهجري.
بواسطة الفيصل | مارس 1, 2023 | جوائز
في هذا الحوار الذي يجمع بين منطق الأفكار ومنطق الخيال يتحدث عبدالفتاح كيليطو وعبدالسلام بنعبد العالي عن مسألتين مركزيتين هما: علاقة الأدب بالفلسفة والترجمة بوصفها إعادة كتابة. في المسألة الأولى يتحدثان عن الكتابات خارج إطار التصنيف وتماسها مع الفلسفة، ويستشهدان بنماذج بارزة؛ سارتر وكامو، وبارت ودريدا، من ناحية استناد مفاهيم الفلسفة إلى مجازات متوارية واتصاف الأدب بأنه حامل التجربة الإنسانية العميقة، وشهادة على حياة المفهومات. وفي المسألة الثانية يتناولان حالة استثنائية يكون فيها الكاتب مترجمًا لأعماله: هل يلجأ إلى الترجمة لتوضيح الغامض في الأصل؟ ويتساءلان، في ظل هذه الازدواجية اللغوية، عن مكان النص الأصلي: أهو في اللغة الأولى التي كُتب بها النص أم في اللغة المنقول إليها؟ أم هو بينهما؟ كما في حالة بيكيت وكونديرا.
في هذا الحوار، الذي أنجزه الدكتور بنعبد العالي باقتراح من «الفيصل»، بمناسبة فوز كيليطو بجائزة الملك فيصل العالمية، يتكلم كيليطو وبنعبد العالي جميع اللغات بالعربية ويعيدان النظر في مفهوم الأصل الذي يرقى بالنسخ إلى مرتبة النماذج، ويجعل الأصول وليدة الفروع. عن الترجمة التي تجعل الأصل نسخة، أو مسودة، تنفخ فيها الحياة من جديد. ويطرقان باب الحديث عن الأدب بوصفه منبعًا لا ينضب عن الإنسان، وعن الرواية التي تفتح لنا العالم بمختلف قاراته وأراضيه وبحاره، وعن الشعر وهيمنته على العقل في عصر وارتباطه بالتسول في عصور لاحقة، وعن الاغتراب ودلالة تمزيق الكتب وعلاقة ذلك بالتخلي والخروج ومحو الأثر، عن البقاء بالمحو، والحضور بالغياب.
الفيصل
بين الأدب والفلسفة
بنعبد العالي: أنت تكتب كتابات، حتى وإن كان يتعذر تصنيفها ضمن جنس بعينه من الأجناس الأدبية، فهي تندرج، في النهاية، ضمن ما نطلق عليه اليوم “أدبا”، فبأيّ معنى ترى إمكانية حوار مع من ينصبّ اهتمامه على ما يدعى “فلسفة”؟
كيليطو: عندما نشرتُ أوّل كتاب لي، “الأدب والغرابة”، تفضلتَ بنشر مقال عنه “الألفة والغرابة”. تفاجأت لأنه كان أوّلَ مقال حظي به الكتاب، وأيضًا لأنك عاملته ككتاب فلسفي، فكان حالي كحال السيد جُورْدان في مسرحية موليير، حين اكتشف أن النثر هو الكلام الذي يصدر عنه يوميًّا. مازحت نفسي بكوني فيلسوفًا دون أن أعي ذلك، وبعض القراء يعتقدون هذا. في الواقع ليس لي أيّ تكوين فلسفي، كل ما أتخيل أني أعرفه من الفلسفة هو، من جهة ما التقطته من روايات كـ “الإخوة كرامازوف” لدوستويفسكي ومن “هكذا تكلم زاردشت”، الكتاب الوحيد الذي قرأته لنيتشه باعتباره نصًّا شعريًّا، ومن جهة أخرى ما تعلمته من بعض كتب النقد الأدبي، رولان بارت، تزفيتان تودوروف، ومن فلاسفة يحيلون ضمنيًّا أو علانية على الأدب، أمثال جاك دريدا وإميل سيوران، دون أن ننسى فرويد الذي استفدت منه كثيرًا.
بنعبد العالي: ألا تعتقد، بالرغم من ذلك، أن ما تقوم به في أعمالك يلتقي مع انشغالات الفيلسوف، خصوصًا أمثال هؤلاء الذين أتيت على ذكر بعضهم، والذين نعجز اليوم عن تصنيفهم. ولكي نأخذ مثالًا واحدًا من هؤلاء، ألا تذكر أنّ دريدا كان يأتينا إلى الكلية، لا بدعوة من قسم الفلسفة، وإنما من القسم الذي كنت تدرِّس فيه، أي الآداب الفرنسية؟ فضلًا عن أن الذين كانوا يحضرون محاضراته، كانوا مزيجًا من القسمين معًا.
وكما تعلم، يمكننا أن نعطي أمثلة كثيرة على ذلك، بل يمكننا أن نتراجع حتى الرومانسيين الألمان، أي بالضبط الحقبة التي تحدّد فيها الأدب بالمعنى الذي نتداوله الآن. وعلى ذكر هؤلاء الرومانسيين، لنتذكر ما قاله عنهم بلانشو من أنهم “كانوا يشعرون وهم يكتبون، بأنهم الفلاسفة الحقيقيون”. سيتمخض عن موقف هؤلاء أن الفلسفة تتحدد بنتائجها التي تتحقق في الكتابة، وأنها تخضع، مثل أي كتابة، للتدفق الدلالي غير المحكوم، وأن مفهوماتها تستند إلى مجازات متوارية، وأنها لا يمكن أن تُتصوّر خارج المجال النصي المتحقق.
إضافة إلى خضوع الكتابة الفلسفية إلى هذا التحقّق النصّي، فإن مفهوماتها لا “تحيا” في انعزال مطلق. على هذا النحو، وكما بين دولوز، فبقدر ما يرسم العمل الأدبي من شخوص، بقدر ما ينحت من مفهومات. المفهومات شخوص والشخوص مفهومات. كأن الأدب، بوصفه حامل التجربة الإنسانية العميقة، شهادة على حياة المفهومات. أذكر أنني عندما كنت قد كتبت مقالًا عن كتابك “الغائب” لم أستطع أن أفصل السروجي عما كتبه بودريار عن آلية التشبه وعن النسخ والسيمولاكرات. ها أنت ترى أنك تعرض في كتابك أفكارًا، صحيح أن ذلك لا يتمّ عبر تحليل مفهومات مجردة، ولكن عبر تحليل لشخوص المقامة. ها أنت إذن “في” الفلسفة أكثر بكثير من السيد جوردان مع النثر.
كيليطو: متى أخذتُ أهتم بالفلسفة؟ في البداية، إن كان لهذه الكلمة من معنى، لم أكن مطلعًا إلا على مقالات مونتيني، وزرداشت نيتشه. أما غيرها من المؤلفات فكنت أتجنبها رهبة منها. ومن جهة أخرى كنت حبيس الاختصاص، فما شأني، أنا الأديب، بالفلسفة؟ لذا كنت أقرأ روايات سارتر وكامو، وأعرض عن كتبهما الفكرية. اليوم حين أتذكر تلك الحقبة أرى أنني كنت شبه أمي وأخجل من نفسي. في 1970م ألقى رولان بارت دروسًا في كلية الآداب، حضرت أربعة منها متهيبًا وجلًا. في أحدها ذكر اسم جاك دريدا وقال إنه ذو أمانة فكرية كبيرة. قرأت “الكتابة والاختلاف” فإذا بي أكتشف أن اهتمامه ينصب ليس على الفلسفة فحسب، وإنما أيضًا على الأدب، فشعرت بالاطمئنان، وأن عليَّ أن أعالج تقصيري وأتخلص من فكرة الاختصاص، فدخلت مرحلة جديدة ملؤها الحيوية والفضول المعرفي. أشاطر جيل دولوز حين يدعو، بجانب قراءة الفلسفة، إلى قراءة غير فلسفية للفلسفة، وغير موسيقية للموسيقا، وغير أدبية للأدب…
بنعبد العالي: في حديثك عن علاقة الفلسفة بالأدب، أشرت إلى جيلين: جيل سارتر وكامو، ثم جيل بارت ودريدا. أعتقد أن الفرق بين موقفي هذين الجيلين من شأنه أن يوضّح لنا ما يمكن أن يكون اليوم علاقة بين الفلسفة والأدب.
أكاد أجزم أن تلك العلاقة عند جيل سارتر ظلت إلى حد ما علاقة مرآتية إن صح التعبير، فمؤلفات سارتر الأدبية “مرآة” لكتبه الفكرية، حتى لا نقول تجسيدًا. وربما، الأمر أكثر وضوحًا عند كامو. فحتى إن كانا يربطان الأدب بالفلسفة فهو ربط خارجي، ربط منفصل. لهذا نميز بسهولة تأليفهم الأدبي عن الفكري، الأمر الذي نعجز عنه بصدد دريدا على سبيل المثال. ولعل هذا هو ما سمح لك أن تقول إنك اقتصرت على المؤلفات الأدبية لسارتر وكامو. وفي رأيي، يمكن أن نقول إن قراءة الأدب في هذه الحالة تعفي من قراءة المؤلفات الفكرية. الأمر مخالف لذلك عند بارت ومن نحا منحاه. هنا الحمولة الفكرية مبثوثة في ثنايا التحليل الأدبي. ليس هناك تنظير مستقل. وبالعودة إلى ما قاله بلانشو عن الرومانسيين الألمان، لنقل معه إن هؤلاء أيضًا فهموا النظرية كأدب والعكس.
كيليطو: لماذا أندهش حين أعلم أن سارتر كان يفضل قراءة الروايات البوليسية على كتب الفلسفة؟ أما بارت فكانت له طقوس قرائية ليلية من طينة روايات جول فيرن، وفي وقت ما كان يحب الاستشهاد بروايات أيان فليمينغ، صاحب جيمس بوند؟ أتخيل أن هيجل كان يفضل قراءة الجريدة، هو الذي قال عنها إنها صلاة الصباح بالنسبة للإنسان الحديث.
العين التي نقرأ بها
بنعبد العالي: ربما ستزداد دهشتك إذا ذكّرتك بأن سارتر لم يكن، عند كتابته لـ “الوجود والعدم”، قد قرأ لفرويد أو لنيتشه إلا كتابين لكل واحد منهما، على حد اعتراف رفيقة دربه سيمون دو بوفوار. ولكن المهم في نظري، ليس العناية التي نوليها لتاريخ الفلسفة، وإنما الكيفية التي نتعامل بها مع ذلك التاريخ. كما أن المهم ليس ما نقرأ، وإنما العين التي نقرأ بها. فقد ينصب اهتمام القارئ على ما أهمله التاريخ، إلا أن قراءته قد تكون أكثر إنتاجًا وربما تجديدًا. يحضرني هنا مثال دولوز الذي قال عن نفسه: «كنت أفضل الكتاب الذين كان يبدو أنهم ينتمون إلى تاريخ الفلسفة، إلا أنهم كانوا ينفلتون من أحد جوانبه، ومن ثمة يخرجون منه كلية، أمثال لوكريتيوس وسبينوزا وهيوم ونيتشه وبرغسون».
أعتقد أن اهتمامك أنت بالمقامات والجاحظ والمعري، يمكن أن يدخل في هذا الباب، فمتون من هذا القبيل، تنتمي إلى تاريخ الأدب، إلا أنها «تنفلت من أحد جوانبه، ومن ثمة تخرج منه». ربما كان هذا الانفتاح على “الخارج” هو ما يمكن من “إنعاش” الكتابة. والخروج يمكن أن يتم في الزمان، كما يمكن أن يكون بين النصوص، ولعل القراءات التي أشرت إليها عند بارت، تدخل أيضًا في هذا السياق: إنه الخروج نحو اللانص.
كيليطو: ربما أن أفضل وصف للكاتب المتميز، ولبارت بالتحديد، أن له أسلوبًا “لا يعوّض”. وفي هذا الصدد قال أندري جيد: «ما قد يفعله غيرك بالجودة نفسها، فلا تفعله». وقّع بارت على عقد مع ناشر لترجمة أحد كتبه إلى الإيطالية، فاقترح الناشر أن يقوم بتحوير نص بارت «بحيث يصير مفهومًا بسهولة حتى من طرف قراء غير مختصين». رفض بارت هذا الاقتراح رفضًا قاطعًا: «لست معممًا، وإنما أنا كاتب، ولا يمكنني قبول أي تصويب خارجي على شكل ومضمون ما أكتب، وهو تمييز، من جانب آخر، لا أعتقده».
الكتابة بين لغتين
بنعبد العالي: ذكّرتني بشذرة سيوران التي أوردتها في كتابك “التخلي عن الأدب”، والتي يقول فيها: «إنه لمن شقاء المؤلف أن يتمّ فهمه». وقد ذهبتَ، في ذلك الكتاب، حتى اعتبار الغموض خاصية الأدب العربي القديم، الذي يصر «ألا يُفهم لأول وهلة، وأن تصادف القارئ صعوبة في إدراك معنى النص. فكأن أدبيته تكمن في غموضه». ما همني، في هذا السياق، هو أنك جعلت مترجم اليوم يحل محل شارح الأمس، فذهبت إلى أن النص لم يعد يشتاق لشارحه، وإنما أصبح يحنّ إلى مترجمه.
لو كنت مكان هذا الناشر الإيطالي، لما تدخلت، ولتركت الترجمة، واللغة الإيطالية تفعلان فعلهما. فهما لابد أن «تدخلا الضيم» على لغة بارت، حتى وإن أوصى بارت بالحفاظ على نصه، وحرص المترجم على أن يراعي وصية صاحب النص الأصلي.
بودّي أن أعرف ما الذي يفعله المترجم إذا كان هو نفسه صاحب النص. ولعلك تعيش هذه التجربة عندما تنقل أعمالك من الفرنسية إلى العربية، أو العكس. فهل تكتفي الترجمة، هنا كذلك، بشرح ما ظل غامضًا في الأصل؟ هل تلجأ إلى الترجمة لتوضيح الغامض، أم لتوليد الأصل وجعله يرقى ويستمر في البقاء Sur-vivre على حد تعبير دريدا؟
كيليطو: الغريب في الأمر في تجربتي الكتابية أنني أعتبر النص المترجَم كأنه النص الأصلي، فيصير الما بعد زمنيًّا هو الما قبل. هذا ما حصل على سبيل المثال مع رواية “والله إن هذه الحكاية لحكايتي” التي أنجزت أولًا بالفرنسية، لكنني أراها مجرد تمرين، مسودة للنص العربي. تبدو لي النسخة العربية هي الأصل، والنسخة الفرنسية مثل ملحق، تذييل، ظل ونظير. ومما يزيد في شعوري هذا أن النسخة العربية صدرت قبل النسخة الفرنسية. وحين يسألني القراء عن لغة النسخة الأولى يتملكني شعور بالدهشة وأفكر هنيهة قبل أن أهتدي إلى الجواب وأصرح أنها بالفرنسية، على الرغم من رفضي غير المنطقي لهذه الحقيقة.
بنعبد العالي: ربما لست وحدك من يعيش هذه التجربة. تحضرني الآن حالة م. كونديرا الذي، بعد أن عمل على تدقيق معظم الترجمات الفرنسية لرواياته التي كانت قد حُررت بالتشيكية، قرر ألا يعتبر الصيغة الفرنسية لأعماله مجرد ترجمة، فكتب في صحيفة لوموند الفرنسية سنة 1993م: «أعتبر النص الفرنسي كما لو كان نصي أنا، وأسمح بنقل رواياتي إما عن اللغة التشيكية أو عن الفرنسية، إلا أنني أميل إلى تفضيل الاختيار الثاني».
كأنكما بالفعل تجعلان الترجمة ترقى بالنص، كما قال دريدا، بل وكما قال الجاحظ قبله في كتاب الحيوان: «وقد نُقلت كتب الهند، وتُرجِمت حكم اليونان، وحُوّلت آداب الفُرس؛ فبعضها ازداد حسنًا». كأن الترجمة تجعل الأصل نسخة، أو كما تقول، تجعله ظلًّا لها. ها هو الأدب يمارس الفلسفة في عقر داره، فيفكك ثنائية الثنائيات الميتافيزيقية، ثنائية نموذج/نسخة، ويعيد النظر في مفهوم الأصل، ويقلب الأفلاطونية، ليرقى بالنسخ إلى مرتبة النماذج والمُثل، ويجعل الأصول وليدة الفروع، والمابعد زمانيًّا هو الماقبل.
غير أنك، على ما يظهر تذهب أبعد من ذلك حينما تقول إن النص الفرنسي لروايتك الأخيرة، هو مجرد مسودة. وأنت تلتقي هنا، لا مع الكاتب التشيكي هذه المرة، وإنما مع الأرجنتيني الذي يقول إن النص لا يعتبر أصليًّا إلا من حيث كونه إحدى المسودات الممكنة التي تعبّد الطريق لنص سيُكتب بلغة أخرى. في هذه الحال، وإن تشبثنا بالحديث عن خيانات الترجمة، فإن الأصول، وكما يرى بورخيس أيضًا، هي التي ستخون ترجماتها.
ولكن، ألا ترى معي أن موقف بورخيس يمكن أن يحمل معنى أقوى؟ فربما كان مسعى المفكر الأرجنتيني أن يبين أن الترجمة إذ ترى في الأصل مسودة، فلأنها تنظر إلى كل نص على أنه دومًا قبل-نص pré-texte. بهذا تغدو الترجمة نوعًا من التنقيب عن مسوّدات الكاتب الثاوية خلف مُبيَّضته. فكأن مسعاها هو أن تعيد إلى النص مخاض ميلاده، فتنفخ فيه الحياة من جديد، وتلبسه حياة أخرى ولغة أخرى وميلادًا آخر.
ولكي نعود إلى ما سبق أن قلتَه، هل لي أن أسألك ما إذا كان ينبغي أن نفهم من ترددك بين لغتين، أنك تعتبر الفرنسية لغة تسويد، والعربية لغة “تحرير” بمعاني الكلمة جميعها؟
كيليطو: لا أستطيع الجواب عن هذا السؤال، ولا أطرحه على نفسي، وإلا يلزمني أن أروي علاقتي مع اللغتين منذ أن ولجت المدرسة في سن السابعة، بل قبل ذلك في المدرسة القرآنية. ثم إنني لم أمارس الترجمة، وما قلته ينطبق على رواية “والله…” فحسب، فنادرًا ما أنقل ما أكتب إلى لغة أخرى. وليس لي أن أقول إنني أشعر بالراحة أكثر في إحداهما، بل أتذمر في كلتيهما. ثم إنني لعلة ما كتبت نصوصي السردية بالفرنسية، وهي قليلة على كل حال، وألحظ أن المفرنسين لا ينتبهون إلا إليها، أما المعرّبون فتظل مهمشة عندهم لأنهم يعدّونني “ناقدًا”. ينبغي أن نُدخل في اعتبارنا القراء. بعضهم من معارفي ينتظرون صدور النسخة الفرنسية لقراءة روايتي، لأنهم ببساطة لم يألفوا قراءة الروايات بالعربية، وبعضهم قرأ النسخة العربية ويتوق إلى الاطلاع عليها في لغة أخرى، ربما لأن ليس فيها اسم مترجِم.
جماليات متقشفة
بنعبد العالي: أتذكّر أنني قرأت عن ص. بيكيت شيئًا شبيهًا بما تقول. إلا أن نقطة الاختلاف بينكما، على ما يبدو، هو أن الكاتب الإيرلندي لم يكن ليختار لغة “الأصل” جزافًا، أو لأسباب بعيدة من الكتابة. فإن كان ينطلق في رواياته من الفرنسية، فـ “لجماليتها المتقشفة”، كما يذهب أحد النقاد، وإن كان في مسرحياته ينطلق من اللغة الإنجليزية، فـ “لبراعة خطابها”، هذا إن سلمنا أنه ينطلق من نص أصل، إذ إنه، وكما بيّن بعض المهتمين بأعماله، لم يكن يتعامل مع النصين واللغتين كمترجم، ولم يكن يشعر في الحالتين كلتيهما أنه أمام أصول مكتملة، فهو كان يعيد الكتابة حتى وهو يترجم، ولم تكن الترجمة الذاتية عنده إلا إعادة كتابة.
لعل ذلك ما دفع بعض الدارسين إلى القول إن الأصل، عند بيكيت، يوجد بين اللغتين، وهم يستدلون على ذلك بكون الأكاديمية السويدية، عندما قدمت له جائزة نوبل، فإنها أخذت في الحسبان مؤلفاته جميعها، الفرنسية والإنجليزية، فكأنّما اعتبرت النص الأصلي بين اللغتين.
كيليطو: الفرنسية، وعلى الرغم من كونها أساسية في تكويني وقضيت حياتي أدرُسها وأدرِّسها، تظل بالنسبة إليَّ “اللغة الثانية”، أي لغة أجنبية. وإحدى الدلائل على ذلك أنني حين يلزم أن أترجم قطعة ما، أرتاح أكثر حين يكون النقل من الفرنسية إلى العربية. نشرت كتبًا عدة بالفرنسية، لكنني لم أسع إلى نقلها إلى العربية. تولّى المستعرب فرنسيس غوان هذه المهمة ولولاه لبقيت رهينة العربية. هذه المسألة شبه عامة وتنطبق على جل الذين يكتبون بلغة الضاد. أستطيع أن أذكر لك روايات وأشعارًا عربية نقلت إلى لغة أوربية، لكن ما حظ المؤلفات النقدية والفكرية في ذلك؟ تقريبًا لا شيء. وفيما يخصني ليُسمح لي أن أضيف شيئًا، وهو أنني لن أقبل أن أترجَم إلى الفرنسية إلا من طرف فرنسي قح أصيل الولادة واللسان. أما لغات أخرى فلا أعير اهتمامًا لهوية من يتفضلون بنقلها.
بنعبد العالي: لديَّ بعض التحفظ في كون ازدواجية اللغة تترك لصاحبها أن يقرر ما هي لغته الأولى، لأن اللغتين في نظري تتسابقان، إن لم يكن على لسانه، فعلى الأقل في قلمه وكتابته. وقد سبق لك أن قلت ذات مرة إن النص عندك يبدأ بلغة وينتهي بأخرى. بهذا المعنى، فليست التعددية اللغوية هي أن نكون أمام كثرة من اللغات المنفصلة عن بعضها، وإنما هي أن تتشابك هذه اللغات في عمليات ترجمة، وهذا يعني أن مزدوج اللغة لا يكفّ يترجم. إنه مثلك «يتكلم جميع اللغات»، حتى وإن تكلم بالعربية. كان المرحوم عبد الكبير الخطيبي قد كتب: «ليست الازدواجية اللغوية، وتعدّد اللغات، مجرّد علائق خارجية بين لغة وأخرى، وإنما هي عناصر تدخل ضمن النسيج البنيوي لكل فعل كتابة، لكل غزو للمجهول تعبّر عنه الكلمات. في كل كلمة، وفي كل اسم أو لقب ترتسم دومًا كلمات أخرى، كتابتها الضيفة. في كل كلمة كلمات أخرى، في كل لغة لغات أخرى».
لعل هذا هو ما يدعوه دريدا في “أحادية لغة الآخر” بـ “الترجمة المطلقة”، أي الترجمة التي لا تُقيّد ولا تُربط بأصول تنسخها. كأنما يُلقى بازدواجية اللغة دائمًا في هذه “الترجمة المطلقة”، التي هي، كما يقول: «ترجمة من غير قطب يحال إليه، من غير لغة أصلية، من غير لغةٍ منطلق. فليس لديه، إن شئت، سوى لغات وصول».
كأنما ينصحنا الفيلسوف الفرنسي ألا نسأل عن الأصول ولغاتها، ما نكون متأكدين منه هو لغات الوصول، اللغات التي تنتهي إليها الكتابة. إلا أنها، كما يعقّب دريدا: «لغات لا تتمكن من بلوغ منتهاها، ما دامت لا تعرف أي وجهة سيتخذ مسارها».
كليطو: حين تحدثتُ عن اللغة الثانية كنت أعني أنني تعلمتها بعد العربية، فهي مضافة إلى العربية، في رتبة زمنية لاحقة. وحين قلت إنها أجنبية قصدت أنها في فضاء مختلف عن فضاء المدينة العتيقة حيث المدرسة القرآنية. إنها خارج السور لأنني في المدرسة الابتدائية كنت أخرج من فضاء “المدينة” إلى فضاء مختلف، لم أكن قد ولجته على الإطلاق قبل أول يوم في المدرسة العصرية، خرجت من الفضاء الأول وولجت الفضاء الآخر. هذا لا يعني أن كل لغة منغلقة على نفسها، ففي المدرسة الابتدائية كنا نتعلم يوميًّا اللغتين. وكذلك الشأن بالنسبة للكتابة بالفرنسية، تتم حقًّا في الفضاء الثاني، لكن الذهن لا ينفك عن الانشغال بالأول.
التخلي والاغتراب والمحو
بنعبد العالي: أنت تعيش بين لغتين، ولكن أيضًا بين أدبين. فأنت تتنقل بكل سهولة من “الليالي” إلى رواية “جاك القدري” لديدرو، إلى “أوجيني غراندي” لبالزاك، ورواية “السجينة” لمارسيل بروست، ومن بلزاك إلى “الإلياذة”، ومن السندباد إلى روبنسون كروزو، وقد أظهرت في كتابك الأخير “التخلي” قدرة فائقة على الربط بين أسماء متباعدة في المكان والزمان، أمثال ثيربانتيس ودانتي والمعري… وعلى رغم ذلك، فأنت تعترف أنك، بعد أن درّست الأدب الفرنسي حوالي أربعين سنة، فإنك لم تحتفظ بما ألقيته من دروس، بل إنك كنت، ما إن تنتهي حصة التدريس، حتى تمزق أوراق التحضير.
ما يهمني هنا هو دلالة فعل التمزيق هذا، الذي صرنا نلحظه اليوم أمام مدارسنا الإعدادية حينما يغادر التلاميذ صفوف الامتحان، فنلفي باب المدرسة مغطى بأوراق الدفاتر الممزقة، ربما محاولة منهم طيَّ صفحة، وتخطّيَ مرحلة، وتسجيلَ انفصال.
لا أخفيك أن عملية التمزيق هذه التي تحدثت عنها تذكرني بعمليات إحراق الكتب التي عرفتها كثير من حقب التاريخ، وأنت أكثر الناس دراية بأنها كانت تبوء بالفشل على الدوام.
أنت لا تقول إنك عملت على تفكيك الأدب الفرنسي، وإنما على إتلاف أوراقه. فهل يعني ذلك أن التمزيق هنا كناية عن “التخلي” عن ذلك الأدب، ونسيانه أو “الخروج” منه. تستعمل عبارة “محو الأثر” دلالة على نيتك في الانفصال عن تلك الحقبة من الدراسة والتدريس. ولكن، هل يُمحى الأثر؟ أليست بنية الأثر بالضبط هي البقاء بالمحو، والحضور بالغياب. وهي، كما تعلم بنية كل تراث. ولعل ذلك ما يسمح لك اليوم بأن تجد الكيخوتي في المعري، وروبنسون كروزو في السندباد، وما يجعلك، كما تقول، «تقرأ الأدباء المحدثين بالعربية، وذهنك منصرف إلى الفرنسية».
كيليطو: لست أدري كيف استقبلَ الطلبة ما ألقيت عليهم من دروس، وعلى العموم أحتفظ بذكرى جميلة لذلك الزمان. أما لماذا لم أحتفظ بأوراقي فذلك ربما راجع لكوني لم أر نفسي جديرًا بأن أخوض في الأدب الفرنسي. وهكذا حين ناقشت، في إطار شهادة الدراسات العليا، رسالتي عن روايات فرنسوا مورياك، سنحت فرصة ثمينة لنشرها، لكنني رفضت لأنها بدت لي ضعيفة جدًّا مقارنة بكتب النقد التي كنت أطلع عليها في ذلك الوقت (رولان بارت، شارل مورون…). بعد مدة من التردد قمت بتسجيل “المقامات” موضوعًا للدكتوراه.
ربما كان هاجس الكتابة بالعربية يسكنني منذ البداية. اجتزت كما قلت شهادات في الأدب الفرنسي، غير أنني كنت أنتظر أن أنتهي منها وأوطد قدميَّ في مهنة التدريس لكي أشرع، أخيرًا، في الكتابة بالعربية. لماذا لم أواظب على الكتابة بالفرنسية؟ لأنني دومًا أتوافق مع المهزومين، واللغة العربية كانت مهزومة، أقصد أدبها. لا مجال للمقارنة بين الأدب العربي والأدب الفرنسي في القرن العشرين، كان هذا شعوري آنذاك، اليوم أتجنب قدر المستطاع الأحكام المتسرعة. باختصار، نادرا ما أكتب عن الأدب الفرنسي، وحين أكتب بالفرنسية أتحدث في أغلب الأحيان عن الأدب العربي. أول كتاب نشرته “الأدب والغرابة” والأخير إلى حد اليوم “التخلي عن الأدب”، شاءت الصدف أن يصدرا بالعربية. أما بينهما فأعتقد أن الموازنة بين اللغتين عادلة.
أوافقك على أهمية الأثر، وعلى أن محوه قد يبرزه. لا شك أنك تتذكر ما كتبتُ في هذا الصدد عن المعلقات في “الكتابة والتناسخ” الذي تفضلت بنقله إلى العربية. وفي “التخلي عن الأدب” عقدت فصلًا للأثر في رواية “روبنسون كروزو”، أثر قدم على رمل شاطئ الجزيرة. انزعج روبنسون لأنه خمَّن أنها لمتوحش من أكلة لحم البشر، أما أنا فافترضت وجِلًا أنها لحي بن يقظان.
نظرة إلى العالم
بنعبد العالي: عندما تتحدث في كتابك الأخير عما تصفه بالقطيعة بين الأدب العربي الحديث والأدب العربي القديم، تنعت الأدب العربي القديم بأنه “الآخر”. كأنك في النهاية، تتعامل مع آخرين: الآخر الأوربي والآخر العربي القديم. وإذا استعملنا لغتك في كتابك الأول، يمكننا أن نقول إنك تعيش غربتين. كان تزفيتان تودوروف قد نعت المثقف بأنه «لا ينفك يغترب». ليس لأنه يهجر وطنه، وإنما، وكما يقول، لأنه «يميل إلى نظرة غربة عن العالم». على هذا النحو فهو يميز المناضل عن المثقف. فليس دور المثقف هو أن يقوم بعمل يهدف إلى غاية بعينها، وإنما هو «أن تكون له نظرة غربة عن العالم». المغترب لا يتقاسم العادات الفكرية نفسها. الغربة تبعث الدهشة وتخلق المسافات، فتسمح بإعمال الفكر. ولعلها هي الطريق الملكي للوعي بالذات. وربما بهذا المعنى، وبالضبط لخروجه وانفتاحه على اللغة والفكر الألمانيين، كتب جون بوفري: «نغترب حتى نبلغ ذواتنا».
ها أنت تلحظ أنني، بعد أكثر من أربعين سنة، أعود بك إلى كتابك الأول (والحب الأول)، الذي كنت ذكرت فيه العبارة المأثورة: «طوبى للغرباء»، والذي اعترفت لي مؤخرًا أنك «أحببته» بعد أن عدت إلى قراءته لتصحيحه.
كيليطو: أعيش غربتين؟ ربما، لكن نسبة لأي ألفة؟ هذا هو السؤال الذي من الصعب الإجابة عنه. ماذا كان الحال قبل الغربتين، إذا اتفقنا على صحة فكرة الغربة؟ ربما حقبة السنوات السبع الأولى من حياتي، قبل أن «أخرج من السور». كان العالم صغيرًا، الأسرة، الجيران، زقاقات، مسجد كان يؤمه جدي، ناس طيبون، رعاية شاملة… ثم حدث “الخروج”، اكتشفت المدرسة، فوجئت بمخلوقات غريبة، معلمون ومعلمات ذوو شعور شقراء، يتحدثون لغة عجمية عجيبة ويكونون مجموعة لا علاقة لها بمعلمي العربية.
تعلمتُ الفرنسية وابتليت بقراءة الروايات، فكان ذاك هو الخروج الثاني، الخروج من الفضاء المحلي والانتقال إلى الفضاء العالمي، ذلك أن الرواية تفتح لنا العالم بمختلف قاراته وأراضيه وبحاره، اكتشفت جوانب منه قبل أي درس جغرافي. كل رواية تمنحني هوية جديدة لأنني وأنا أقرأ سارق هويات، تتناسل بعدد أبطالها.
كنت أشعر بغبطة كبيرة، لكن مع من أشاطرها؟ لا أحد في أسرتي يقرأ الأدب، وباستثناء واحد أو اثنين لم يكن رفاقي التلاميذ يقرؤون خارج المدرسة. كنت أتعجب من حالتهم، كيف يغفلون عن هذا “العلم” الذي تتيحه الروايات؟ الغربة الحقيقية في النهاية هي أن تكون الوحيد الذي يقرأ. لا أتذكر أني قلت «طوبى للغرباء» في “الأدب والغرابة”. كنت أستغرب من ميل القراء إلى هذا الكتاب الذي كنت أنظر إليه ظلمًا ببعض الاحتقار إلى أن راجعت مؤخرًا بروفات نشر جديد له، فتبين أن اكتشفت أن في ثناياه نواة الكتب التي ألفتها بعده. أذعنت حينئذ لاختيار القراء. طوبي للأساتذة الذين يثابرون على تدريسه.
بنعبد العالي: ذكَّرني قولك بأن الرواية «تفتح لنا العالم بمختلف قاراته وأراضيه وبحاره». وأنك «اكتشفت جوانب منه قبل أي درس جغرافي» بما كان قاله بارت في درسه الافتتاحي بالكوليج دو فرانس من كون الأدب «يأخذ على عاتقه معارف متعددة. ففي قصة كقصة روبنسن كروزو، هناك معرفة تاريخية وجغرافية واجتماعية وتقنية ونباتية وأنثربولوجية، فروبنسن ينتقل من حالة الطبيعة إلى حالة الثقافة».
في المعنى نفسه يؤكد تودوروف بأن الأدب «كان هو العلم الإنساني الوحيد خلال قرون عدة». بل إننا يمكن أن نعتبره إلى اليوم منبعًا لا ينضب عن الإنسان. فـ«العلوم الإنسانية الحالية تظل مدينة للأدب. والحكايات حول أوديبوس أو أنتيغون هي من القوة، بحيث ما تزال تلهم أكثر من علم إنساني». فهل يصح في نظرك أن نجعل ما يقوله هذان المفكران العملاقان يمتد إلى ما يمكن أن ندعوه أدبنا الكلاسيكي؟ هل يمكننا أن نقول إن أدبنا العربي القديم كان هو “علومنا” الإنسانية؟
كليطو: حسب ما نعلم عن الأدب الجاهلي أن الشعر هو جوهره، مع أمثال وسجع كهان ورسائل يلفها الغموض. في العصر الأموي استمر الشعر يهيمن على العقول، ونظرا لاتساع الإمبراطورية تطور فن الرسالة ونما دور كتاب الدواوين، أبرزهم عبد الحميد الكاتب. أما في العصر العباسي فإن الشعر لم يعد له الدور الأساس الذي كان له من قبل، نافسته علوم جديدة، من بينها علم الكلام والفلسفة، وبالتدريج صار لفن الرسالة الدور المركزي الذي كان للشعر. في هذا السياق يمكن الحديث عن بزوغ للعلوم الإنسانية أو لبعضها. وانتهى الأمر بالشعر أن ارتبط بالتسول، وهذا ما تجسده مقامات الهمذاني.
حوار الفكر والخيال
بنعبد العالي: أقترح عليك في خاتمة هذا الحوار، أن نعمل معًا على انتقاد أنفسنا، وأن نعود القهقرى كي نربط خط الوصول بنقطة الانطلاق، فنحاول أن نتبين كيف بلْورنا العلاقة بين الفلسفة والأدب، وكيف مارسناها بالفعل.
لا أخفيك أنك، من خلال ردودك جعلتني ألمس فعلًا ما قد يكون عليه الأدب، أو على الأقل، كيف تمارسه أنت و”تحياه”. لقد كنت في أسئلتك وردودك ألصق مني بـ “الآن وهنا”. بينما كنت أسعى لأن أجرّك إلى “حياة الأفكار”، كنت تحاول أن تردني إلى “الحياة” وكفى، الحياة في تلقائيتها، بل ومفارقاتها. لم يكن يهمك أن تُخضع ما تقوله لمنطق عقلاني صارم، منطق الأفكار، بقدر ما كنت تحرص على إيصال خواطرك وإحساساتك على النحو الذي عشتهما به. لذلك لم تكن تستنجد كثيرًا بما قاله هذا المفكر أو ذاك، لم تكن تريد أن تتسلح بمعرفة. فكأنك كنت تفضل لغة الحلم والحنين والجسد على لغة المنطق والحجاج، كنت تفضل التلقائية على أي غلاف فكري. لنقل إنك كنت تفضل صدق الفكرة المستمد من إحساس ومعاناة وخبرة “بسيطة”، على حقيقة الفكرة المرتكزة على دعامة تاريخية وسلطة معرفية.
وربما قد نهجتُ أنا عكس ذلك، فكانت أسئلتي وردودي يحكمها أساسًا الانسجام المنطقي، والاستناد إلى تاريخ الأفكار، وأقوال من يعتبرون سلطات فكرية، أكثر مما كانت استجابة لمعيش، فأعطت السبق للغلاف الفكري على حساب حيوية التفاعل و”حرارة” الإحساسات.
أنا كنت أقتصر على “منطق الأفكار”، أما أنت فقد كنت تفتح الأبواب لمنطق الخيال. أنت تحدثت عن أمور عشتَها ومارستها والتقيتها في يقظتك وأحلامك، أما أنا، فلم أكن أرى للفكرة قيمة إلا حينما تكون جزءًا من تاريخ، ولم يكن يكفيها ويكفيني أن أراها قطعة من “حياة”. أيكون هذا بالضبط هو الفرق بين ممارسة الفلسفة والاشتغال بالأدب، على الأقل، مفهوم معين عن الفلسفة، وممارسة بعينها للأدب؟
كيليطو: أتفق معك في الموازنة التي عقدتَها بين الفلسفة والأدب. أنا شخصيًّا قرأت ما لا يحصى من الروايات والأشعار والحكايات، هي دومًا سندي وعضدي حين أكتب.