السيرة الذاتية.. عربيــًّا

السيرة الذاتية.. عربيــًّا

سيرة ذاتية بلا ذات
أو هل نحن ما نكتبه عن أنفسنا؟

فتحي المسكيني كاتب تونسي

الإشكال

ينطلق هذا المقال من التساؤل التالي: لماذا يكتب المؤلفون في «الغرب» سيرًا ذاتية بقدر واسع من التجرد لا يقيمون فيه اعتبارات كثيرة للقيود المجتمعية، على خلاف الكتاب «العرب» الذين يحرصون على أن تظل صورتهم في سيرهم الذاتية لا تشوبها شائبة، بحيث على العموم لا تتحلى بجرأة الكاتب الغربي؟

قد يوحي هذا التساؤل بأنه يخضع إلى منطق «هم» و«نحن»، وبالتالي لا يُعول عليه في التفكير، إلا أن المنصف لا ينكر أنه ليس فقط يشير إلى إشكال حقيقي، بل هو يحث على التفكير في صعوبة لا تزال بلا تشخيص كافٍ؛ إذ على الرغم من أن العرب، حسب فرانتز روزنتال، مثلًا، قد اكتشفوا «الشعور بالأنا» في كتابتهم عن أنفسهم، فإن «إبداع السيرة الذاتية في الإسلام قد كان أقل ارتباطًا بالشخصية منه بالموضوع. إن تجارب الفرد لم تكن بما هي كذلك في ذاتها تمنح الحافز إلى تشاركها، بل فقط عبر محتواها التعليمي بشكل عام»(١).

ربما من الصعب أن نقبل بوجود «سيرة ذاتية» عند العرب القدامى إلا بتجوز: لقد عرفوا «السيرة»- وهو تقليد يبلغ أشواطه الأخيرة عند السيوطي سنة 1485م تحت عنوان: «التحدث بنعمة الله تعالى»، حيث يقول مؤرخًا لهذا النوع من الكتابة: «ما زالت العلماء قديمًا وحديثًا يكتبون لأنفسهم تراجم. ولهم في ذلك مقاصد حميدة، منها التحدث بنعمة الله شكرًا، ومنها التعريف بأحوالهم ليُقتدى بهم فيها»(٢)– لكن العرب لم يعرفوا «السيرة الذاتية»؛ ليس فقط، إن السيرة الذاتية هي جنس أدبي أوربي حديث (ظهر غالبًا في القرن الثامن عشر كما نرى ذلك في «اعترافات» روسو) لم يدخل الفكر العربي المعاصر إلا بداية من ثلاثينيات القرن العشرين(٣)، بل إن «الذات» نفسها بالمعنى الذي شاع بعد ديكارت وبخاصة منذ كانط، مفهوم غريب عن معجم الملة، ولم يتعامل العرب مع إشكاليته إلا منذ عشرات السنين فقط. ربما ما زلنا نتمرن على تشكيل ذواتنا الجديدة؛ والسؤال اليوم عن أصالة «السيرة الذاتية» هو أحد أشكالها(٤).

الجرأة والتحفظ

لا أحد يحق له أن يدعي أنه «ذات» دون الدخول في أفق الأزمنة الحديثة. و«نحن» اليوم على الأغلب «ذوات» على رغم أنوفنا؛ إذ لا يكفي أن تكون «أنا» حتى تكون «ذاتًا». إن الذات إنشاء وجودي ولغوي «حديث» (له «علاقة بالثقافة الغربية»(٥)، وربما له جذور مسيحية تتعلق بعذابات الضمير بعد «علمنتها»)، ومن ثم هو مستقل تمامًا عن الأنا النحوي التقليدي. إن تقليد «السيرة» -كما فعل العرب في كتب «السير» و«التراجم» و«الوفيات» و«طبقات الأعلام» و«الأنساب»- شيء، وما صار يسمى «سيرة ذاتية» هو شيء آخر. وإن نكتة الإشكال مختلفة بين هذين الجنسين من الكتابة: ربما أن محك «السيرة» التقليدية هو «الحقيقة» التاريخية، أما مقياس «السيرة الذاتية» فهو «جرأة الصدق» أو «البوح». إن من «يترجم لنفسه» (حسب عبارة السيوطي الرشيقة) لا يكتب «سيرة ذاتية»؛ إن مقصد «الترجمة للنفس» هو مطلب أخلاقي ديني هو صناعة «القدوة» في أفق الملة؛ أما مطلب «السيرة الذاتية فهو «البوح»، وهو شخصي محض. وهذا الموقف لم يتغير من السيوطي في «التحدث بنعمة الله» (1485م) إلى المؤلفين العرب المعاصرين، كما نرى ذلك لدى من كتب سيرته مثل فارس الشدياق (أول العرب المعاصرين في هذا الفن) في كتاب «الساق على الساق فيما هو الفارياق» (باريس: دوبراه، 1855م) أو من درس السيرة، مثل إحسان عباس في «فن السيرة» (1956م)، وإن لحظنا انتقالًا واضحًا من القدوة «الدينية» إلى القدوة «الثقافية» حيث وقع الانزياح «نحو السيرة الفنية»(٦).

ومن هنا نأتي إلى السؤال الأساسي: لماذا تكون السير الذاتية التي تأخذ شكل «الاعترافات» أو «اليوميات الحميمية» أو «المذكرات» أو «الأسرار الخاصة» أو «البوح العاطفي» أو «حماقات الطفولة» أو «المحرمات»،… إلخ. أعمالًا أدبية جريئة وصريحة وصادقة في ثقافة، ومتكتمة ومتحفظة ومخاتلة في ثقافة أخرى؟ كيف يكون الكاتب «جريئًا» أمام نوع من «المجتمع» ويكون «متحفظًا» أمام نوع آخر؟ هل هناك علاقة بين «الذاتية» وبين «الخجل من الحقيقة»؟ أو بين الجرأة والفضيحة؟ إلى أي مدى يحق لنا عندئذ أن نصف «سيرة» ما بأنها «ذاتية»، ما دام مقياس طرافتها يوجد خارجها، في «قيود المجتمع» الذي تنتمي إليه؟ هل يمكن كتابة السيرة الذاتية في شكل «دفاع عن الحميمية»(٧) بما هي كذلك ما دامت «السيرة الموضوعية» هي مجرد تناقض في الألفاظ؟

الذات كأنها آخر

لا يتعلق الأمر هنا بالسيرة الذاتية التي تهدف إلى «البطولة». كل «كاتب سيرة ذاتية» يعول على البطولة هو يخدعنا بقدر ما يخدع نفسه. هو لديه «صورة عن نفسه» يريد أن يكرسها أو يدافع عنها. وبهذا هو يخترع سيرة، ولا يكتبها. إن ما يهمنا هو تلك السيرة التي تكون حقًّا «ذاتية»، أي نابعة من «تجارب خاصة» عاشها الكاتب لأنه «كاتب» وليس لأنه شخص في مجتمع له مؤسسة القيم التي تقيد أعضاءه. وأول خاصية «ذاتية» هي عيش ما لا يعيشه «الآخرون» أو «العاديون». لا معنى لما هو «ذاتي» إذا كان سلوكًا «عموميًّا»، أي إذا لم يكن «خاصًّا». إن مقياس الذاتي هنا هو «سياسة الخصوصية»: أي ما لا يُقال إلا لأنفسنا أو كما قال ابن سينا في عبارة رشيقة، «للذين يقومون منا مقام أنفسنا».

طبعًا، علينا أن نسأل أيضًا: متى كان يمكن لكاتب أن يوجد «بمفرده» بمعزل عن «المجتمع» الذي يعيش فيه أو ينتمي إليه؟ ومن المفيد أن نذكر دومًا قولة فيتغنشتاين بأنه لا توجد «لغة خاصة»(٨). كل ما يقال هو قد حدث في لغة لا يقولها أحد لأول مرة بل يستعملها. ومن ثم كل ما يقوله كاتب معين هو لا يعدو أن يكون استيلاء على لعبة لغوية متاحة في أفق ثقافة ما. وعلينا أن نسأل فقط: هل يصدق هذا على ما يقوله عن «نفسه» أيضًا؟ أم يمكنه أن «يمسك لسانه» عندما يكتب عن «ذاته» بوصفه مجرد «صديق» بالتعريف الذي قدمه أرسطو، أي بوصفه «ذاتًا أخرى»؟ وعندئذ نفهم حيلة أنتول فرانس حين سمى سيرته الذاتية «كتاب صديقي»(٩)(!).

إذا كانت اللغة قد «قالتنا» سلفًا -«إذِ القولُ قبلَ القائلينَ مَقُولُ» كما علمنا المتنبي- فمن الواضح جدًّا أنه لا أحد يمكنه أن يتحدث من دون أن «يجرح» أحدًا، نعني دون أن يعامل أحدًا، ولو كان «ذاته»، بوصفه «آخر»، أي بوصفه «متأخرًا» عنه في الوجود أو في الحقيقة أو في الزمان بوجه من الوجوه، أي بوصفه «موضوعًا» أو حتى «شيئًا». أنت «آخر نفسك»، أي أنت متأخر عنها في زمان ذاتك، أي في حضورها عند نفسها. ولأن التأخر عن أنفسنا ليس مشكلًا لغويًّا، فإن «السيرة»- بالمعنى الحرفي «كتابة الحياة» كما عاشها أحدهم أو «كتابة المعيش»، حيث علينا أن نلمح الفرق بين «أن نعيش» (bios) كبشر وبين مجرد «الحياة» (zoé) مثل النبات- هي تثير صعوبة تقع خارج حدود اللغة، من حيث إنها تشير إلى استعمال «الذات كأنها آخر» (حسب عبارة ريكور المأخوذة عن هيغل) تقهقر قليلًا في «مسيره» إلينا داخل الزمان وتحول إلى كائن سردي. من يكتب سيرته هو يحدثنا عن آخر سردي بقدر ما يدعي أنه «هو» وليس شخصًا غيره. السيرة نوع من «كتابة الأنا»، حسب عبارة جميلة لجورج غوسدورف)(١٠) التي تسمح للكاتب بأن يعامل «أناه» بوصفه قد تحول إلى «هو». لا يتعلق الأمر بمجرد تبديل في الضمير من المتكلم إلى الغائب، بل إن الكاتب مدعو إلى بناء علاقة «ذاتية» مع كائن سردي عليه أن يعامله بوصفه «آخر» لا يزال يملك أفضلية وجودية في الادعاء بأنه «نفسه».

حدود الآخرية

لكن حدود «الآخرية» غير واضحة هنا. من هو آخر نفسه؟ – هو من يجرؤ على أن «يفضحها»، أي أن يكشف عما تخفيه عن «الآخرين»، وذلك لسبب أساسي، ألا وهو أنه «يخجل» من شيء ما من نفسه بوصفه مدعاة إلى «الفضيحة» أمام «جمهور» شديد التحديد. إن الآخرية هي هنا ضرب من «سياسة الهوية». وحين يكون من يمارسها هو الكاتب «نفسه» فذلك يضفي طرافة أو خطورة خاصة على المهمة: إن العلاقة بأنفسنا هي عندئذ في جوهرها مشكل سياسي؛ إذ لا تصبح السيرةُ «ذاتيةً» إلا عندما «تبوح» بما لا يستطيع الآخرون قوله أو لا «يحق» لهم قوله. يقف الآخر دومًا على عتبة الذات. يراقبها أو يحبها. أو يقوم بالأمرين كليهما. لكن الآخر هو بالتعريف ذاك الذي لا يحق له سلفًا أن يتكلم باسمنا؛ ذاك الذي لا يملك حقًّا أصليًّا في كتابة سيرتنا الذاتية. فهو لن يكتب أبدًا إلا «سيرة غيرية». وبهذا المعنى هو لا يتكلم بل يحكي. وحده ضمير المتكلم يتكلم. كل ما عداه يسرد قصة. ومن هنا علينا أن نراقب المفارقة التي تهدم مقام الكاتب الذي يقدم على كتابة سيرته الذاتية: هو يقبل معاملة «نفسه» بوصفه «آخر»، وفي اللحظة نفسها هو يحول حياته إلى قصة، أي إلى سياسة للهوية. هو سوف «يختار» عندئذ من «يريد» أن يكون، وليس فقط ما كانه فعلًا. سوف يكون علينا أن نفهم تمييز هايدغر بين «الماضي» (ما وقع في الزمان الطبيعي) و«ما كان» (ما جربناه سابقًا في علاقتنا بأنفسنا). كل كاتب عندئذ هو ادعاء سردي متأخر حول نفسه.

لذلك فإن وراء كل «سيرة ذاتية» يقف سؤال صامت: «من يجرؤ على أن يكون ذاته مرة أخرى دون أي تغيير لتلك الهوية؟». إن «الجرأة» هنا تأخذ هالة خاصة. هي تقودنا إلى أسئلة من هذا القبيل:

– هل ثمة فرق «حقيقي» بين «الذات» التي تكتب وبين «الهوية السردية» التي «تبنيها» عن نفسها؟

– ما معنى أن نصف سيرة ذاتية بأنها «جريئة» أكثر من غيرها؟

– ما الذي يمنع كتابنا من أن يكتبوا سيرًا ذاتية بمثل جرأة تلك التي كتبها كتاب غربيون؟

كل كاتب هو «سيرة ذاتية» وليس «ذاتًا»

إن أخطر سوء فهم لما يفعله «الكاتب» هو أن نختزله في «الشخص»، ومن ثم أن نسمح لأنفسنا بأن نحاسبه وكأنه واحد «منا»، من قبيلتنا أو من ديانتنا أو من دولتنا. قال نيتشه يصف لسان حال كل كاتب: «نادرًا ما أكون شخصًا». علينا أن نقبل بهذا التوصيف: إن الكاتب نادرًا ما يكون شخصًا. إن الشخص المادي هو أضعف انفعالات الكاتب. وإن بعض الانتماء «إلينا» يشبه أن يكون ابتزازًا هوويًّا. من أجل ذلك علينا أن نبدأ أولًا بتحرير الكاتب من الذين يدعون أنه ينتمي إليهم. ليس ثمة «هوية شخصية» ومن ثم ليس ثمة «هوية قومية» جاهزة للكاتب أو تجعل منه كاتبًا. إن شخصية «الكاتب» هي اختراع فني، موقف إنجازي، قوة تداولية، وليس شخصًا طبيعيًّا يمكن أن نحاسبه بوصفه «مواطنًا». علينا أن نرتسم كل انفعال المسافة الذي يفصل الكاتب عن المواطن أو عن شخصه اليومي الذي نعرفه في سياق حياة عامة مشتركة.

ولذلك يجب ألّا تخدعنا ما تسمى «كتابة الذات»: إن «الذات» هي ما يضيفه الإنسان إلى «جسمه». قال سبينوزا: «إن النفس هي فكرة الجسم». لكن «الكاتب» هو شيء آخر: هو ليس «ذاتًا» أو «نفسًا»؛ لأنه ليس «شخصًا» بل هو «شخصية» سردية، أي دور لغوي في نطاق فن إبداعي يحمل توقيعات مختلفة من قبيل «الشعر» أو «الفلسفة» أو «الرواية» أو «الأدب»،… إلخ. كل هذه الأجناس الأدبية تُحيل على «مؤلفين» أي على شخوص إجرائية اختُرِعَت من أجل تنظيم نوع سائد من «سياسة الهوية» في مجتمع بشري: إن سقراط أو الحلاج أو غاليلي أو نيتشه، إلخ. ليسوا «أشخاصًا» بالنسبة إلينا، بل هم «مؤلفون»، أي أسماء سردية تشير إلى أدوار أو وجوه رمزية أو هويات غير طبيعية، بل تم «بناؤها» في ذاكرة عميقة أسس عليها المنتمون إليها تصورهم لأنفسهم.

وبعبارة حادة: كل كاتب هو «سيرة ذاتية» (autobiography) لكنه ليس «ذاتًا» (subject) شخصية. هو «سيرة» أي بناء سردي لذاكرة متخيلة صارت تؤدي «بالنسبة إلينا» دور شخصية «حقيقية» على أساس نوع من «الميثاق الأتوبيوغرافي» الضمني حسب عبارة «كاتب» فرنسي(١١)، أي على أساس نوع من «الالتزام» أمامنا بأن يسرد الكاتب «قصة حياته» بقدر معين من «الصدق» مقابل التزامنا بأن نحكم على ما يسرده بما يكفي من النزاهة والإنصاف. لكن ذلك لا يعني أن الكاتب قد صار شخصًا، أي ذاتًا طبيعية، بل فقط أنه سوف يعيد صياغة أحداث حياته وكأنها وقعت كما يقصها، أي وكأنه هو من «خلقها» كما تصورها. إن السيرة تكون «ذاتية» عندئذ في معنى غريب عن مفهوم «الذات». هي «ذاتية» أي تتعلق بعلاقتنا بأنفسنا، لكنها ليست «ذاتًا» أي لا يؤدي فيها الكاتب دور «الشخص» الطبيعي الذي يمكن أن نحاسبه وكأنه «مواطن» أو عضو في جماعة سياسية. وعلينا أن نتذكر دومًا أن مصطلح «السيرة الذاتية» هو نفسه اختراع أدبي «حديث» أي يشير إلى استحداث ثقافي وأسلوبي خاص بنوع من المجتمعات، وليس إلى صفة طبيعية للبشر.

ذلك يعني أن «من» يكتب عن «نفسه» هو يخترعها، يعيد بناءها، أو هي تقع عليه مثل حجر غريب. «إن السؤال عن الهوية يساهم في تشكيل الهوية»(١٢)، بحيث إن السيرة الذاتية تتعامل مع «الأنا» بوصفه «مادة تشكيلية»(١٣) عليها إعادة صياغتها. وبمعنى ما، تبدو الحاجة المُلِحّة أحيانًا إلى كتابة سيرة ذاتية نابعة من خوف مخاتل ومبهم من انهيار الذات نفسها، أي تشتتها في مقاطع أو شذرات بلا مركز عبثًا يحاول الكاتب أن يلم شتاتها في هوية مستقرة. من يكتب سيرة ذاتية هو بوجهٍ ما يحمي نفسه من جنونه النائم في قصته: قال فوكو: «الجنون هو غياب الأثر».

ولذلك ربما من المخاتلة أن نميز بشكل بارد بين «السيرة الذاتية» و«التخييل الذاتي» (autofiction) الذي ظهر تمردًا رشيقًا على ميثاق السيرة الذاتية(١٤). قال رامبو في إحدى رسائله (13 مايو 1871م): «أنا أريد أن أكون شاعرًا، وأنا أعمل من أجل أن أجعل نفسي عرافًا: أنتم لا تفهمون أبدًا، وأنا لا يمكنني تقريبًا أن أفسر لكم. يتعلق الأمر بأن أبلغ إلى المجهول عن طريق اختلال كل الحواس. إن العذابات هائلة، ولكن ينبغي أن يكون المرء قويًّا، أن يكون وُلد شاعرًا، وأنا قد تعرفت إلى نفسي شاعرًا. ليس هذا ذنبي أبدًا. من الخطأ أن نقول: أنا أفكر: بل قد يجب أن نقول: إن شيئًا يفكرني/ إن أحدهم يفكر في. عذرًا عن التلاعب بالكلمات. أنا هو آخر. اللعنة على الخشب الذي وجد نفسه كمانًا، تبًّا للغافلين الذين يجادلون حول ما يجهلونه تمامًا!».

ما يريده الكاتب أو الشاعر ليس مطلبًا شخصيًّا. إنه لا يريد أن يكون «واحدًا منا». بل هو يكتب كي لا يكون واحدًا منا؛ كي يقع خارجنا، نحن الذين سنقرؤه. إن من يكتب يعرض نفسه لما يقع خارج أفقه كشخص معلوم. الكتابة فن تعريض النفس لما لا يُطاق في أفق الشخص الذي يكونه أيًّا كان. وما لا يُطاق هو أن يصبح المرء كائنًا «آخر»، أي هوية يمكنه أن يسرد قصتها خارج «شخصه» العادي. وهذا يعني أن الكاتب نادرًا ما يكون «نفسه»، أي نادرًا ما يمكنه أن يزعم كما فعل ديكارت، «أنا أفكر». ذلك أن ما «يحدث» هو أن «أحدهم يفكر فيه» أو «يفكره» بفعل قوة لا يراها أو لا تراه. لا يفعل الكاتب سوى أن يعرض نفسه للتفكير، تمامًا كما يعرض نفسه للتهلكة. قال رولان بارت: «أنا لا أعبر عن نفسي، بل أنا أكتبني»(١٥).

الجرأة بين الأدب وسياسة الحقيقة

نأتي هنا إلى المقطع «السياسي» من المشكل، ونسأل: «ما معنى أن نقول عن سيرة ذاتية بأنها جريئة؟». قد يعني ذلك أيضًا أننا نصف سيرة ذاتية أخرى بأنها «جبانة». ولكن ما «الجرأة»؟ هل لدينا تاريخ أو تأويل متفق عليه حول مفهوم «الجرأة»؟ إن تاريخ الجرأة لا يُكتب بالطريقة نفسها أو الدلالة نفسها في مجتمعين مختلفين. عمومًا، يبدو أن الجرأة تُقاس بالثالوث المحرم: نعني بالممنوع الخوض فيه في مسائل الجنس والسياسة والدين، أي ما يتعلق بثلاثية الأب/ الملك/ الإله. أنت لا تُعد «جريئًا» إلا عندما تتخطى حدود الكلام المتفق عليه بين المتخاطبين داخل جماعة تواصلية معينة. والمتفق عليه هو كل ما لا يعرض الثالوث المحرم إلى الخطر، نعني لا يضع سلطة الأب/ الملك/ الإله موضع سؤال. وكل ما عدا ذلك هو قابل للتفاوض الأخلاقي حسب موازين القوى بين المتخاطبين.

إلا أنه لا توجد حدود «كونية» للجرأة بل كل مجتمع يضع لنفسه حدوده الخاصة، أي تعريفاته الخاصة للجرأة وللجريء. وهذا يعني أن تعطل أو تعطيل حدود الجرأة لن يكون مشكلًا شخصيًّا: لا يمكنك اختراع مفهومك الخاص عن الجرأة؛ وذلك أن كل تعريف للجرأة هو مفعول ثقافي لنوع من سياسة الحقيقة يكون شعب ما قد أسس عليها نمطَ السلطة أو أنماطها داخل أُفقه الخاص لفهم نفسه. وبعامة، كان هناك دومًا خط فاصل بين منطقتين من قيم الخطاب، ما يُباح قوله وما يُحظر قوله، وهذا الخط هو الذي يسمح لنا بتحديد درجة الجرأة في خطاب ما. وبالاستناد إلى هذا النوع من الفصل إنما أتى المعاصرون إلى رسم خط قوي بين ما يُقال في «الحياة الخاصة» وما يمكن قوله في «الفضاء العمومي». وبما أن «الكاتب» شخصية عمومية (كل كاتب هو «كاتب عمومي» ولا معنى لكاتب خصوصي) فهو يخضع لهذا التوزيع السياسي للحقيقة. وهو لا يُعَدّ جريئًا فيما يقوله أو يكتبه إلا في ضوء الفصل السائد في مجتمعه بين ما هو «حياة خاصة» (ما يخص جنسه أو جندره أو ميوله أو تجاربه،… إلخ.) وما هو «فضاء عمومي» (ما يهم سلوكه «التخاطبي» إزاء الآخرين ومدى التزامه بقيود مجتمعه).

ذلك يعني عندئذ أنه لا يمكن أن يكون الكاتب جريئًا بالمعنى نفسه في ثقافتين مختلفتين: إن الجرأة هي دومًا وفي كل مرة قيمة ثقافية: أي هي مفعول وظيفي لجهاز معياري ساري المفعول في أفق الفهم الذي يبنيه مجتمع ما عن «نفسه». كل جرأة هي إذن عمل في المفرد ويحمل توقيعًا مجتمعيًّا ويستند إلى مفهوم معين عن الحرية.

ومن حيث التصنيف، هناك على الأغلب نوعان من الجرأة في الأدب: جرأة على الحياة الخاصة، ولا ينحصر ذلك في «الكتابة الحميمية» فقط، فقد تكون «الخصوصية» دينية أو عرقية،… إلخ. وجرأة على الحياة العامة، حيث تدور سياسة الحقيقة بشكل «عمومي» أي «رسمي» و«قانوني» و«أمني». وعلينا أن نسأل: أين تقف جرأة الكاتب؟ هل هي جرأة/ بوح، أم جرأة/ صراحة؟ ربما أن مهنة الكتابة نفسها قد تكون في بعض المجتمعات في حدّ ذاتها جرأة محضة، أي صراحة وقحة وخروجًا صامتًا أو متنكرًا أو خجولًا عن قيود المؤسسة. فمن «يكتب» يخرج عن حدود الكلام العادي حيث يَجْري نشاط تخاطبي وفق خطة «المتفق عليه»، أي ما لا يعرض الاستعمال الرسمي للخطاب إلى الخطر. ولهذا فإن مجرد «استعارة» أو «مجاز» أو «تجوز» أو «تشبيه» يمكن أن يعرض الاستعمال الرسمي للغة إلى مجازفة غير محسوبة. ومن ثم إن كل سيرة ذاتية هي واقعة تحت وطأة «سياسة للكتابة» (حسب تعبير جاك رانسيير)(١٦) تمتد من أفلاطون إلى اليوم.

هناك دومًا ضرورة كي نسأل: ما «حدود السيرة الذاتية؟»(١٧). لا أحد يستطيع أن يطرح السؤال: «كيف عشت؟» أو «كيف سأعيش؟» من دون أن يشعر بأن «تمثيل الذات» يقود بالضرورة إلى استشعار الفاصل المزعج بين «الحياة» وبين «قصة الحياة»؛ إذ لا أحد بإمكانه أن يتحدث عما «عاشه» (وكل حياة يمثل تمثلها بوصفها «صدمة» شخصية مستمرة) من دون أن يستعير من قواعد مجتمعه طريقة تمثيل نفسه أو تمثلها. إن قيود المجتمع هي «هناك» دوما -في «هابيتوس» الخطاب- قبل أن يأتي الكاتب إلى ما يسميه «حياته». ومن ثم كل حديث عن «نفسه» المحكية هو خروج من ذاته الأنطولوجية إلى هوية سردية لا يتحكم في لعبتها إلا جزئيًّا فقط. إن «تمثيل الذات» هو نفسه اختراع مجتمعي ينظم علاقة الأفراد ليس فقط بحياتهم، بل بقصة حياتهم أيضًا. ومن هنا تبدو السيرة الذاتية مثل وصفة علاجية متأخرة لكل مرض قادم: يريد الكاتب أن يجمع حياته في قصة كي يحميها من نفسها، مما عاشته دون أن تراه في لوحة واحدة، أي بلا هوية. ومن ثم لا معنى لأي «تمثيل للذات» لا ينتهي إلى تغيير الذات(١٨).

ومن ثم إن كل جرأة هي تقع سلفًا بين الأدب وسياسة الحقيقة في مجتمعٍ ما: إن «الذاتي» نفسه هو «موقع» دومًا، نعني ليس فقط يحمل بصمة المؤسسة بل هو نتاج داخلي لها. نحن، كما بين فوكو جيدًا، ذوات تَشكَّلت بما خضعت له. ومن ثم إن أي كتابة حقيقية هي مشتقة من جرأةٍ ما: نعني من رغبة حثيثة في أن «نكون على نحو مغاير». قال فوكو: «ثمة لحظات في الحياة حيث يكون السؤال عما إذا كان يمكننا أن نفكر على نحو آخر غير الطريقة التي نفكر بها، وأن ندرك على نحو آخر غير الطريقة التي نرى بها سؤالًا لا غنى عنه حتى نستطيع أن نستمر في النظر أو في التفكير»(١٩).

إن جرأة أي سيرة ذاتية ينبغي أن تُقاس بمدى قدرة كاتبها على أن يفكر في «ذاته» أو أن يرى «شكل حياته» بشكل آخر: أي بمدى استعداده كي يعترف بحدود معرفته بنفسه أو بما فاته من معرفاته بنفسه أو بحياته. لكن «الحق» في الحديث عن نفسه لا يعني أن الكاتب يملك كامل الحرية في أن يكون نفسه مرة أخرى. إن جرأته على أن يقول الحقيقة حول نفسه هي نفسها رهينة سياسة الحقيقة في المجتمع الذي يعيش فيه. ومن ثم هو لا يملك حدود ذاته ما دام لا يملك حدود حقيقته. صحيح أن السيرة الذاتية توحي بأنها عمل «خارج الخدمة»، يسمح للكاتب بالدخول الأسلوبي في ثقافة «الشهادة» أو «الاعتراف» أو «الوصية» أو «التوبة»،… إلخ، ومن ثم كأنه يتحدث بشكل «أركيولوجي» غير قابل للمحاسبة، أي يتعلق بحياة لم يعد يعيشها أحد؛ هي تشبه -حسب أسطورة أفلاطون عن الكتابة في محاورة فايدروس- استدعاء «الأب» الغائب؛ كي يشهد لفائدة «اللوغوس» المكتوب الذي كان محكومًا عليه باليتم لمدة طويلة. لكن الأب هو دومًا جزء لا يتجزأ من ثالوث السلطة، نعني ثالوث الأب/ الملك/ الإله، الذي في ضوئه فقط يمكن لأي مفهوم عن الجرأة في الحديث عن النفس أو عن الحقيقة أن يتشكل.

حدود السيرة الذاتية أو التفاوض بين الصدق والحقيقة

كيف نفهم حدود الجرأة الأدبية في «سيرة ذاتية»؟ هل هي حدود الكاتب أم حدود المجتمع الذي ينتمي إليه؟ هل هي حدود الحرية أم حدود الهوية؟ حدود السيرة كجنس أدبي أم حدود الذات؟ إن سقراط جريء في المدينة اليونانية على نحو مغاير تمامًا لجرأة النبي الإبراهيمي في الجماعة الكتابية؛ ولذلك لا معنى للمزايدة باسم جرأة على أخرى. ومن هنا، لا تكمن خطورة السيرة الذاتية في السؤال: «كيف حكى الكتاب ما عاشوه من تجارب»، بل في شيء آخر: «هل تجرؤوا على أن يصوروا أنفسهم دون تغيير؟». لا يتعلق الأمر بالحقيقة بل بالصدق؛ ذلك أن كاتب السيرة لا يملك من قوة إنجازية غير «ثقة» القراء. وهذا يعني أن ما سُمي «الميثاق الأتوبيوغرافي»، أي أن المؤلف والحاكي والشخصية واحد، ربما هو في شطر منه ادعاء أدبي أو خدعة أسلوبية.

قال أحد الباحثين: «هل ينبغي لصاحب السيرة الذاتية أن يقول كل شيء، وهل يريد ذلك، وهل يستطيع ذلك؟ أليست المطالبة بالصراحة خدعة؟ أليست الحقيقة التي يزعم البعض نقلها، وهمًا وغشًّا؟»(٢٠)، ماذا لو أن كاتب السيرة الذاتية لا يعدو أن يكون مجرد «حامل أسرار» شخص «آخر» لا يملك حق الكلام بلا رجعة؟ ربما داخل كل «منا» هناك «آخر» لم يتكلم قط. وربما لن يفعل أبدًا. وأن من يُقدم على كتابة سيرته الذاتية «هو لا يتوجه إلينا بالخطاب، بل «نحن» مجرد شاشة أو خلفية مخاتلة تساعد غير المرئي للكاتب على الظهور ولو في شكل ظلال سردية. هو ربما لا يكلمنا، بل يساعد الجانب المسكوت عنه من «نفسه» على الكلام. صحيح أنه يقص علينا «وجوده الخاص»، ويحكي عن «تجاربه الفردية»، لكنه لا يفعل ذلك لأنه «يملك نفسه»، أو «سيد ذاته»، بل، على العكس؛ لأن شطرًا خاصًّا وأصيلًا قد ظل محبوسًا في ركن أخرس من «حياته» أو مما يسميه «قصة حياته»، ولم يجد طريقه إلى الخطاب إلا في شكل «سيرة ذاتية». قال مونتاني: «قد يحدث لي ألا أجد نفسي حيث أبحث عنها، فإذا وجدتها كان ذلك بمحض الصدفة» (المقالات، I، 10).

علينا أن نأخذ عبارة «حامل الأسرار» في معنى ما يسمى في لغة المسرح: «النجي» أو «المؤتمن»، أي من يساعد «البطل» على أداء دوره. قد يكون «كاتب السيرة الذاتية» عبارة عن «مساعد للبطل» (أي للمؤلف) وليس هو البطل. إن دوره عندئذ هو أن يقوم بالمهمة «القذرة»: البطل هو الفيلسوف الذي لا يكتب إلا «فلسفة» أو الروائي الذي لا يكتب إلا «رواية». لكن «السيرة الذاتية» هي أقل شأنًا من «أثر» فلسفي أو أدبي؛ لأن «الكاتب» هنا قد يكون «نجيًّا» فقط، أي ساردًا غير مباشر وربما «غير أمين»؛ إذ من يُفشي الأسرار إلا «المؤتمن» عليها؟ قد يفضل الكاتب أن يتحول إلى «نجي»، أي إلى شخصية تحمي البطل من نفسه، أي من «قصته». وتزداد خطورة النجي بقدر انهيار البطل أو فقدانه الطريق إلى عبقريته: هو يخترع له السياق الجيد؛ كي يلتقي نفسَه في قصة تليق بالبطل.

من أجل ذلك لا أحد يكتب «سيرة ذاتية» حقًّا، ولو شبه لنا ذلك كثيرًا. إن أكبر ما يزعج كاتب السيرة الذاتية هو أفق الانتظار وسياسات التوقع. ولذلك هو يلجأ دومًا إلى ما سماه جورج أورويل «قبور الذاكرة»، حيث تُتْلَفُ الوثائقُ في أفران ضخمة، كل سيرة تمتلك قدرًا كافيًا منها. كيف؟ عن طريق «تصحيح أو تكذيب» شيء من أنفسنا؛ «بالتمجيد أو بالثأر»؛ «بالعثور على معنى لوجودنا»؛ ولكن أيضًا، وهو الشيء نفسه، «بالتشويه الإرادي» لمصادر أنفسنا، حيث نصطدم بضرب من «طوباوية الحقيقة والنزاهة»(٢١).

قد نسأل: لماذا يُعد القديس أغسطين جريئًا حين حكى في «الاعترافات» (II، 4، 9) أنه في طفولته «سرق» الكمثرى من بستان الجيران، وأنه قد صار خجلًا من ذلك عند الكبر؟ إن معنى الجرأة هنا ليس «الاعتراف» فقط، بل اعتراف «قديس» بأنه «سارق»: لكن الصدام بين السرقة والقداسة هو هنا تناقض لذيذ ما دام يجري في شكل «حماقة طفل»، وليس في شكل وصية لاهوتية. إن الطفل ينقذ القديس من ذنب السرقة، ويحولها إلى «اعتراف» أدبي أي إلى جرأة ذاتية «مفيدة». وقد نسأل أيضًا: لماذا يُعد فوكو الأخير جريئًا عندما يحكي في حواراته في الولايات المتحدة عن «مثليته» في صيغة «نحن» المثليين؟ ربما هو قد انتهى إلى «الخروج من الخزانة» الذي كان ينقده، لكن ذلك لم يكن «جريئًا» إلا مؤقتًا أو محليًّا فقط، إذ إن المثلية قد صارت معترفًا بها بشكل «جندري» وباتت محمية بالقوانين الشخصية ما بعد الحديثة منذ تسعينات القرن الماضي.

والآن، ما نصيب الكاتب العربي من هذه القضية؟ لماذا يحرص على «سمعته» بمثل هذا الهوس الأخلاقي؟ ما الذي لم يخسره بعد؟ ربما علينا أولًا أن نعود إلى تعريف «السيرة الذاتية»: هل ما حكاه طه حسين في «الأيام»، أو فدوى طوقان في «رحلة جبلية، رحلة صعبة»، أو توفيق الحكيم في «حياتي»، أو ميخائيل نعيمة في «سبعون» أو نوال السعداوي في «أوراقي… حياتي»، أو يمنى العيد في «أرق الروح»… إلخ، هي «سيرة ذاتية» أم «سيرة فكرية» أو «سيرة اجتماعية» أو «سيرة عمومية» بإمكان أي «آخر» أن يكتبها؟ هي «قصص عقلية» وليست «سيرة ذاتية». وعلينا أن نسأل دون مواربة: ما الذي منع «الذات الخاصة» من الكلام في أفقنا الروحي؟ أم السيرة الذاتية العربية لا تزال «بلا ذات» أصلًا؟

لو أخذنا الآن مثالًا «نسويًّا» (بكل تعمد في عصر «قلق الجندر»)، فماذا نجد من «السيرة الذاتية»؟ نعني: من سيرة «الذات الخاصة» الممنوعة أصلًا من الكلام، ليس فقط لدى «الآخر الكبير» (المجتمع) بل «عند نفسها» (حيث تنتصب «هوية» مكرسة ومتسلطة تمنع أي «ذات» منفلتة أو محرمة من أخذ الكلمة أمام نفسها). نلحظ رأسًا أن الموضوع الرئيس للسيرة النسوية لا يزال بشكل مهووس هو «فضح» الهيمنة الذكورية. إن حرص النساء على «كتابة الذات» في شكل «سيرة فكرية» مناضلة وناقدة ومعارضة للنظام الأبوي هو نفسه وقوع غير محسوب في فخ المؤسسة الرسمية التي «سمحت» (تحت ضغط «إبستيمولوجيا الشمال» حيث انتصرت «حقوق الجندر») بأن تقبل ببعض «النقد» النسوي للهيمنة الذكورية، ولكن مع شرط غير مرئي في «العقد السير ذاتي»، ألا وهو ألا تكتب النساء «سيرة ذاتية» بل فقط «سيرة فكرية» موضوعها الوحيد والأوحد هو نقد الذكور، أي نقد الآخر الكبير، ولكن دون خروج عن «قيود المجتمع»، وليس «كتابة الذات الخاصة» حقًّا. إن المؤسسة نفسها (الجامعات، المجلات، مراكز البحث، وسائل الإعلام،… إلخ) هي التي صارت تدفع النساء إلى «كتابة الذات» في شكل «سيرة ذاتية» بلا «ذات خاصة»؛ لأنها سيرة سالبة ونقدية محصورة في مهمة مختومة هي نقد النظام الأبوي بوصفه العدو الرسمي للذات. لا يزال «الذكر» هو محور السيرة النسوية، هو يمنحها الموضوع، ولكن أيضًا هو من يحدد المهمة وأفق الانتظار. وإذا بالسيرة الذاتية تتحول رغم أنفها إلى تمرين «أنثوي كئيب»(٢٢)، نرجسي لكنه ارتكاسي.

في الواقع، إن ما وقع هو حرمان النساء من كتابة الذات الخاصة بكل «واحدة» منهن. ومن ثم حرمان السيرة الذاتية من أن تكون تاريخًا للجرأة الخاصة، وليست استجابة فرحة مسرورة للمنتظر منها في عصر نجح في تدجين هوية النساء عن طريق تبني نضال النساء بوصفه جزءًا من هوية المجتمع ما بعد الأبوي. إن أفق الانتظار الذكوري ما لبث يخاتل بمساعدة النساء على كتابة الذات ولكن من دون خدش لأي نوع من «الحياء» الشرقي. ولذلك حين نشرت غادة السمان «رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان» اختلط الحكم النقدي على «جرأتها» باتهامها بتشويه «سمعة» مناضل؛ إذْ كشفت عن وجهه «الإنساني» بوصفه «عاشقًا»(٢٣). صحيح أن الجرأة قد انحصرت في التنويه بالشجاعة «الأنثوية» على «نشر» امرأة مشهورة لرسائل الحب التي «تلقتها» من كاتب مشهور، لكنها جاءت «بلا مؤلف»، جرأة لبقة، صامتة، تستعمل غيابها بشكل لائق؛ إذْ إن غادة السمان لم تنشر رسائلها التي كتبتها «هي» إلى غسان كنفاني «المعشوق». لقد فضلت «المرأة» في نهاية المطاف ليس فقط أن «تسكت» وتحفظ للنظام الأبوي هيبته الذكورية، بل أن تمتنع صراحة عن التوجه إليه بالخطاب؛ إذ استهلت «الكتاب» (بلا مؤلف) بما سمته «محاولة إهداء: إلى الذين لم يولدوا بعدُ[…] إلى الذين سيولدون بعد أن يموت أبطال هذه الرسائل»(٢٤). لم يكن أمام «السيرة الذاتية» للأنثى سوى أن تستعمل غياب الكاتبة أو أن تتوجه بالخطاب إلى المستقبل.


الرواية‭ ‬العربية والسيرة‭ ‬الذاتية‭ ‬المؤجّلة

فيصل درَّاج ناقد فلسطيني

يحايث الرواية، نظريًّا، مستويان: أحدهما، يضيء المعيش الاجتماعي في وجوهه المتعددة، ويسرد الثاني فعلًا إنسانيًّا يترجم وجوه المعيش ولا يسيطر عليه، منتهيًا إلى ما يكشف من اغتراب الإنسان ونقصه. يتكشّف المعيش الاجتماعي مرجعًا للاغتراب، ويستَظهِرُ المغترب وجودًا متحولًا يخبر عن المعيش ومآله الذاتي معًا.

أظهرت الرواية العربية، من بداياتها الأولى، علاقة المفرد بالمجموع: «زينب» لهيكل، «عودة الروح» لتوفيق الحكيم، «الأيام» لطه حسين… لكنها أخطأت غالبًا في تصوير الطرفين؛ لأنها اشتقتهما من فضاء مجرد ملتبس، واطمأنت إلى اليقين وتركت الاحتمال مكسوًّا بالضباب.

والسؤال الآن: كيف يكتب الروائي سيرة مجتمع يراه «مجردًا» لا يحتمل التفريد، ولماذا يستهل السيرة الذاتية بمفرد يعود فيذيبه في جملة من الوجوه «الغامضة»؟ وإلى أين تؤول هذه السيرة «المستحيلة» إنْ كانت لا تستقيم إلا بمفرد واضح الحدود؟ يخالط هذه السيرة عجز واضطراب؛ لأنها لا تصدر عن روائي معطوب الأداء، بل عن مجتمع يعوّق السيرة قبل البدء بكتابتها!

فرد مغترب وأمة مهزومة

عبدالرحمن منيف

استهل عبدالرحمن منيف روايته «الأشجار واغتيال مرزوق» 1973مـ بشخصية قلقة مسافرة، زرعت الحياة فيها ما يثير الاضطراب. لكن المسافر، الذي لم تتكشّف سماته بعد، يلتقي مسافرًا آخر له حكاياته المحمّلة باحتمالات تسحبه إلى حيث تريد، أنجز الروائي في رواية من «بواكيره» عملًا منقسمًا -قلق الرؤية- محملًا بأبعاد سياسية اجتماعية ميّزت الرواية العربية بعد هزيمة 1967م، وصفت فيه الخيبة والأمل المُصادر والمراجعة الذاتية الناقصة. ولم يكن الحال مختلفًا في رواية حنا مينه «بقايا صور» 1975م، ولا في رواية الراحلة رضوى عاشور «أطياف» 1999م.

توزعت الروايات الثلاث ثنائية: الوعد المنتظر والمآل المرغوب في سياق عربي انتظر «الثورة» وانتهى إلى نقيضها. تعامل مع «الرموز الأيديولوجية» في لحظة الانتظار ولم يتخلّ عنها في لحظة «مواجهة الهزيمة». فرض السياق «المهزوم» مقولات: الفرد المغترب والأمة «المهزومة الجديرة بالحياة»، والمجتمع المُخْضع الذي لا يختار حكّامه ويصفق لما «لا يرى»… والمقولات جميعها أخلاقية انفعالية، تحجب واقعها بأيديولوجيات غير واقعية، وتتوّهم الجواب في «قول تحريضي» مرجعه الأماني، أو في «قول تعويضي» يكاثر الوهم بجملة الحكايات السعيدة.

يحيل القول التحريضي، كما التعويضي، المفرد المحدد إلى لا مكان، ففي الأول يغيب المفرد قبل أن يحضر، طالما أن التحريضي نسيج من الكلمات وفي الثاني يأتي غائب المحاكمة، فالتعويض الروائي يختار ما شاء من وجوه الحياة التي يجهلها. لا مكان للمفرد، في الحالين، يوجد في الخطابة ويمنع عنه الواقع إمكانية الكلام الصحيح. ومن أين يأتي المفرد في رواية لا تعترف إلا بمفرد مستبد؟ وكيف يتشخصن في رواية محاصرة بالرقابة وجمع من المحرّمات؟

حنا مينه

يقال في علم الاجتماع: إن الإنسان محصلة لعلاقاته الاجتماعية. والمفرد العربي المفترض يتأسس، وفقًا لاجتهادات الأستاذين حليم بركات وهشام شرابي، على التربية الأسرية. التي تشل في الإنسان إرادته وتصادر كيانيته، يتوسطها «تربية ذكورية» لا يفلت منها الإنسان العادي ولا الروائي الذي يتناوله في روايته. يملي المجتمع الذكوري مفردًا مركزه خارجه، لا يُسيّس ولا حظ له من الوعي السياسي، الذي ينطوي على الاختيار والرفض والقبول. يتلو العائلة الحارسة للتقاليد والمحروسة بها مدرسة تربي تلميذها على التلقين والاستظهار، لا يهجس بالمبادرة ولا يذهب إلى أفعال حرة. تبني الأسرة والمدرسة، وهما جهازان تربويان متكاملان، صورة «الدولة الأبوية» حيث الفرد يرى في مرؤوسيه عدوًّا له، مثلما ترى «الدولة» في رعاياها أعداء لها، يتبادلان الكراهية وما يمنع عن شخصية «المواطن» النمو والحركة السليمة.

تبني «التربية الأبوية» شخصية لا تقوى على الفعل، حدّاها: الشفهي- القمعي، تذهب من تجريد إلى آخر. فبعد التربية المشار إليها، في أبعادها الثلاثة، تأتي تربية دينية شكلانية قوامها: الجماعة المؤمنة والجماعة الضالة، جماعتان لا تحتاجان إلى الاختبار، تضمن وجودهما التقاليد المتوارثة التي لا تحتاج بدورها إلى الاختبار. والمحصلة فرد لا فردية له، لا يعترف بذاته ولا يتبادل الاعتراف مع فرديات غامضة، لا تعرف من أين أتت ولا إلى أين تذهب. طبقتان انطوت سيرورتهما على صراع أنتج في التحديد الأخير، فاعلًا إنسانيًّا له مكانه الموائم في «الفعل الروائي»، على اعتبار أن كل طبقة اجتماعية متحوّلة تنتج «أدبية» خاصة بها، تتسع لما يدعى: السيرة الروائية.

فضاء القهر الاجتماعي

على خلاف شخصيات الشرط العربي، ولا أقول الرواية العربية، رسمت الرواية الأوربية شخصيات صقلتها التجربة، وتميزت بفرديتها المبدعة. على سبيل المثال، روبنسون كروزو البرجوازي المغامر المنتج الذي عاش علاقة العمل والملكية الخاصة، الحر في المبادرة والتفكير، وشخصية «آخاب» في موبي ديك الذي اغتصب الطبيعة وهزمته. إذا تركنا كروزو مع زمنه التاريخي، يتبقى لنا، ونحن نتأمل السيرة الذاتية في الرواية العربية، مفهوم: التجربة الفردية المغاير منطقها للكل المجرد والتذهين البلاغي وطقوس الرغبة والإنشاد، تجربة واضحة العناصر والأدوات والأهداف. سجّل صنع الله إبراهيم سيرة ذاتية نموذجية في روايته: «تلك الرائحة»، التي رصدت فضاء السجن في زمن سلطوي قاهر رموزه: «العسكري» الذي يمسح حضور «السجين السياسي»، وإشارات السلطة القمعية في الحياة اليومية، ولغة ميكانيكية تنكر التنوّع والاختلاف. تبدأ الرواية: «قال الضابط»، إعلانًا عن القوة الآمرة، وتنتهي بزيارة الأم الراحلة التي تصرّح: باليتم. فكل البشر في مواجهة السلطة الغاشمة يتامى، وكل الأصوات مقابل الصوت المتسلّط قبضة من أثير.

شريف حتاتة

أعطى حليم بركات سيرة ذاتية في روايته «عودة الطائر إلى البحر». رصد السارد هزيمة حزيران، وكل الهزائم من هزيمة حزيران، منتقلًا من «الضفة الغربية» والأردن ولبنان. نقد تخلّف الوعي الاجتماعي والقومي والوطني داخل الأجهزة السلطوية وخارجها، وعاين غياب المسؤولية الفردية، التمس إيضاحًا في الحكاية الشعبية عن «الضبع والعروس»، حيث الاستسلام للضباع يلقي بالعروس إلى الضباع. تتجلى في الحالين سيرة «عربي» وجهاها الرغبة والعجز والرجولة المستحيلة.

ولعل فضاء القهر الاجتماعي، المحروس بأكثر من رقابة، هو الذي استدعى عالم الطفولة مرجعًا لسيرة ذاتية «بريئة» تجلّت في «طائر الحوم» ورواية «الجبل الصغير» لكل من حليم بركات وإلياس خوري و«البئر الأولى» التي استعاد فيها جبرا إبراهيم جبرا طفولته في مكان فلسطيني ابتعد. ولم يكن حال الفلسطيني الآخر إميل حبيبي مختلفًا في عمله «إخطيّة»، حيث شباب مضى وحبٌّ انقضى وذكريات تستدعي البكاء. ما يسمح بالسيرة الذاتية إذن هي الطفولة التي لا تستثير العقاب أو هزيمة واسعة الألقاب ثقيلة الحراسة.

أملى الواقع العربي المقتصد في الحريات موضوعات السيرة الذاتية وعيّن حدودها، التي انطوت على الطفولة وتجربة السجن وحذفت منه المتخيّل الحر؛ إذ الطفولة مرحلة «ما قبل مجتمعية»، إن صح القول، والسجن معيش يعترف بالمجتمع ويلغيه، وبثبات الإنسان وأحلامه ونداءات جسده وما يحيل على «الثالوث المحرّم» الذي وجوهه: الجنس والدين والسياسة. وهذه الأمور كلها التي تستلزمها السيرة الذاتية غير مسموح لها في الرواية العربية إلا كهامش ناقص.

حليم بركات

لم تعرف الرواية العربية السيرة الذاتية الواضحة إلا في نماذج عارضة، مثل: «الخبز الحافي» للمغربي محمد شكري التي لامست «عالم الحواس» ورغبات الجسد المقموعة؛ ذلك أن الجسد في التربية المسيطرة عورة حدودها «الحلال والحرام»، وهناك رواية المصري الدكتور شريف حتاتة: «العين ذات الجفن المعدنية»، في أجزائها الثلاثة التي عطفت «حركة الجسد» على عنف السجن والسجّان. وما أثارته سيرة «شريف حتاتة» الذاتية يعود إلى رجل شاذ اغتصب طفلًا بريئًا، لا أكثر. ولنا أن نذكّر بسيرة لويس عوض الرائعة «خريف العمر» التي التهمت فيها سريعًا القضايا الاجتماعية ما هو ذاتي وفردي.

سير معوّقة

لم تتعامل القراءة العربية مع أعمال: شكري وحتاتة وعوض، التي تتباين قيمها الأدبية، ككتابة تنتمي إلى «جنس أدبي» معترف به، مارسته الفرنسية كوليت والأميركي هنري ميللر وغيرهما، إنما عاملتها بمعايير بقيم أخلاقية خالصة تقضي على الأدب وتقضي بحديث عن «الشرف والانصياع المجتمعي الواضح الحدود». ومع أن الأدب العربي، كما قضت العادة، لا مكان فيه «للأدب المكشوف». فكتابة السيرة الذاتية في مجتمع «معتل الحرية» يلغيها، أو يأتي بسيرة معوّقة يغلب فيها ما بين السطور على السطور، تُقبل ولا يرحب بها، حال «بعض الجمل» في رواية «تلك الرائحة»، وبعض روايات علوية صبح. وقد يكتنفها الالتباس إن كان الموضوع دينيًّا، حال رواية يحيى حقي: «قنديل أم هاشم». وهناك «المجاز الأدبي» الذي تلوذ به الروايات المحدّثة عن القمع السياسي مثل «الزيني بركات» لجمال الغيطاني. في كل معيش مقموع أبعاد من سيرة ذاتية لها شكل «المجاز»، آيته «أولاد حارتنا» لنجيب محفوظ، و«طواحين بيروت» لتوفيق يوسف عوّاد، وروايات هدى بركات المبدعة الغموض. في هذه الروايات جميعًا صور من الأرض والسماء، الحاضر والماضي، الروح والجسد والرغبة والحرمان.. من المحقق، في النهاية أن السيرة الذاتية لا تقف سليمة في مجتمعات غادرتها الحرية…

كتب الإنجليزي إيان واط في كتابه «صعود الرواية»: «يجب على المجتمع أن يعترف بالفرد اعترافًا حقيقيًّا ليكون موضوعًا جديرًا بالكتابة الأدبية». يظل القول صحيحًا في شرط «السيرة الذاتية الأدبية»، لا أدب إلا بفرد حر ولا سيرة ذاتية أدبية إلا بمجتمع متحرر القراءة والكتابة.

تكتب السيرة الذاتية، إذن، عمّا مضى، متخذة من شخص معين وتطوره موضوعًا لها، تتصف بوعي موضوعي يتعرف إلى الفردية وشروط تحققها، يصرح بما يقول بوضوح متحرر من الرقابات المختلفة. لا يعثر هذا التعريف على عناصره في شرط اجتماعي سلطوي عربي تواجهه عقبات متعددة.


إشارات:

– فيصل درّاج: الذاكرة القومية في الرواية العربية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2008م.

– Ian Watt: the rise of the novel 1957, the university of California press.

– Linda Anderson: Autobiogrphy, Rout Ledge, London, 2001, p: 44.

– ينظر أيضًا إلى: Roger Allen: the Arabic novel, Second edition, Syracuse uniersity press, 1995.


أين‭ ‬الذات‭ ‬في‭ ‬السيرة‭ ‬الذاتية؟

شيرين أبو النجا ناقدة مصرية

يقول لي جيلمور: «لا تستمد السيرة الذاتية قوتها من تشابهها مع الحياة الحقيقية، بقدر ما تستمدها من التجاور مع خطابات الحقيقة والهوية، ولا تستمد قوتها أيضًا من الإحالات والمحاكاة، بقدر ما تستمدها من القوة الثقافية لقول الحقيقة»(٢٥).

إعادة تمثل للماضي

إذا كانت السيرة الذاتية تزعم أنها تقدم حقيقة ما حدث وما وقع للذات في سيرتها ومسارها، فهو بالتأكيد زعم باطل. فالسيرة الذاتية -أو النص الذي يُسمي نفسه هكذا- ليست إلا إعادة تمثل للماضي وهو ما يتضمن ثلاثة عوامل رئيسة: المؤلف أو المؤلفة، الذات المكتوب عنها، واستقبال القارئ للنص في سياق بعينه (زمان ومكان). وعلينا أيضًا أن نتذكر ما حذرنا منه بول ريكور في كتابه «الذاكرة والتاريخ والنسيان» (2000م) عن ضرورة التفرقة بين عملية استعادة ذكرى ما وبين التخييل الذي يُعد عملية تقصد إلى إنتاج خيال ما.

إلا أن السيرة الذاتية لا بد أن تتضمن عناصر التخييل، فإعادة تمثل موقع الذات في الماضي يعني إعادة إنتاج لقصة أخرى، وهو ما يجعلها جنسًا أدبيًّا بامتياز، لا يمكن تفسيره عبر معايير الحقيقة والكذب، بل هو نص يمنح المؤلف/ المؤلفة مساحة ليعيد رسم مسار الذات في محاولة لفهمها. أو كما يقول جوليان إنريك: إن الذات ليست منفصلة عن الجماعة والسياق الاجتماعي، بل هي «واقعة في شبكة تتشكل من الممارسات الاجتماعية والخطابات والذاتية، وحقيقتها نسيج العلاقات الاجتماعية»(٢٦). ووقوع الذات في هذا النسيج المتشابك يستدعي دائمًا التفاوض للمضيّ قُدمًا في امتلاك الفاعلية، التي تُعرفها سوزان ستانفورد بوصفها «ظهور الذوات الإنسانية التي تخلق المعاني، وتقوم بالفعل مع التفاوض مع مجموع الأوضاع في النظام الاجتماعي، مهما كانت محددة ومفروضة»(٢٧).

في كتابة السيرة الذاتية يختار المؤلف أو المؤلفة الممكن من بين الخيارات التي يتيحها السياق. وهو ما يجعل مسار الفاعلية بأكمله محكوم بالتفاوض؛ لأن الذات الواحدة قد تعيش مواقع متعددة وأحيانًا متناقضة طبقًا للواقعة التي تستدعيها الذاكرة. السيرة الذاتية إذن ليست صورة مصمتة وأحادية للذات؛ بل هي لمحة من مسار هذه الذات، ومن هنا تظهر أهمية السياق الذي تستعيده هذه الذات. السيرة الذاتية ليست دالًّا على الهوية إنما دال على التجربة التي تُشكل جوهر مفهوم الذاتية التي تتشكل بدورها «عبر أفعال هذا الشخص أو غيره من فعل الكلام/ الكتابة. والخطاب الذي يتناقض مع خطاب آخر لا يلغي تشكل الشخص وتكوينه من حيث الخطاب الأصلي. إن ذاتية المرء هي بالتالي وبالضرورة متناقضة»(٢٨).

وعليه لا يجب النظر إلى السيرة الذاتية وكأنها تقدم رؤى أو أفكارًا في المطلق، بل هي شذرات استدعَتها الذاكرة لتوضيح موقعية الذات مما يشكل سياق النص. وقد شرح حاتم الصكر هذا الأمر بقوله: إن «الزمن في السيرة الذاتية سيكون ثلاثي الأبعاد: فثمة زمن ماضٍ مستعاد هو زمن الأحداث، وزمن حاضر هو زمن الكتابة، وزمن غير متعين يلقيه وعي القارئ أثناء إنجاز فعل القراءة»(٢٩). بمعنى آخر، تستدعي الذاكرة آليات التفاوض التي اعتمدتها الذات في سياق محدد يحكمه النزعات الشخصية والرغبات والآمال، العوامل المعوقة، أو الداعمة كالعائلة، أو الموروث الثقافي، أو عوامل خارجية دخيلة كالاستعمار والاحتلال تؤطر كل ذلك.

الذات الأنثوية والعالم

في عام 1990م، كتبت جين سعيد مقديسي تجربتها في أثناء الحرب الأهلية اللبنانية «شذرات من بيروت»، وفي شهادتها التي نشرتها مجلة «باحثات» (1995م) تحت عنوان «التعبير عن الذات: لماذا كتبت» تعلق جين على كتابها «شذرات من بيروت»، أنها كتبت ردًّا على الأسئلة التالية: «ما مكاني في العالم؟ هل أنا متفرجة سلبية، مجرد متابعة للأشياء، شخص لا يفهم شيئًا مما يجري حوله؟ أم هل أنا مشاركة فعالة في أحداث زمني؟» يؤرشف «شذرات من بيروت» قصة الذات الأنثوية الممزقة في علاقتها بالعالم في لحظة معينة. ويفترض هذا الموقف أن الذات هنا ليست كاملة مترابطة، ولذلك تصبح الكتابة وسيطًا يسد الفراغ بين الذات والعالم.

تحاول هذه المذكرات أن تعالج فجوات التاريخ وانخلاع الزمان والمكان وغياب الأمان والتردد والمخاوف والاضطرابات. ولا نلمس هناك أي محاولة لإخفاء الذات الممزقة وراء قناع الثبات أو التماسك الحازم. كما لا تحاول الذاكرة سرد الأحداث في خط طولي منتظم يُضفي الوحدة العضوية على مسار الذات. وقد انتقدت النظريات النسوية محاولة إظهار الذات في السيرة بشكل عضوي متماسك؛ لأن الحياة أبعد ما تكون عن ذلك. على سبيل المثال، ترى شاري بنستوك أن الذات العضوية في السيرة الذاتية ليست إلا أسطورة مؤلفة وضعها الميتافيزيقيون في الغرب(٣٠). وقد عمدت ليز ستانلي إلى تحليل كثير من كتابات السيرة الذاتية النسوية، وخلصت إلى أن هذه الكتابات تتحدث بصورة واضحة عن وقوع «أمر ما ثم أمر آخر… ولكن… بصورة فيها وعي واضح بالتشظي الداخلي للذات… وتضع السرد في موقع… يخلق ترابطًا ووحدة هوية للذات»(٣١).

تتردد كلمة تجربة كثيرًا في الخطاب النسوي وفي خطابات أخرى كثيرة، تُراوِح بين الفلسفة والتاريخ والحديث اليومي العادي. واستخدم في هذا السياق تعريف تيريزا دي لوريتس حيث ترى أن التجربة عملية تتكون من خلالها الذات. ولا تجعل دي لوريتس النوع الاجتماعي هو أساس تشكل التجربة، ولكنها تستكشف فكرة التجربة بوصفها ممارسةً يعد النوع الاجتماعي أحد العناصر الحيوية بداخلها(٣٢). وتعقب كارين كابلان على ذلك بقولها: «إن الذات التي تتبدى في هذا العمل لديها مقدرة على الفعل وعلى التحليل الفكري، ووعيها بصدد التشكل، فهو لم يصل إلى صورة ثابتة نهائية بل دائمًا يتشكل من خلال علاقته بالتاريخ»(٣٣).

يتضح هذا الأمر في مذكرات لطيفة الزيات التي صدرت بعنوان: «حملة تفتيش في أوراق شخصية». اشتبكت لطيفة الزيات مع حياتها الشخصية ومع حياتها العامة في الوقت ذاته. فكما يشي العنوان (حملة تفتيش في أوراق شخصية) يجتمع الشخصي والعام ليدفعا الذات إلى الخروج. وعلى الرغم من رحيلها في عام 1996م، فإن سيرتها الذاتية تنتهي في عام 1981م؛ إذ تتأمل وتحلل التغيير الذي أحدثته فيها تجربة السجن الثانية. لا تتبع الزيات أي ترتيب زمني طولي للأحداث ولا تفصل بين الخاص والعام إطلاقًا، فبعد أن تبدأ بعام 1973م حيث موت أخيها تعود إلى عام 1965م حين وقع الطلاق بينها وبين رشاد رشدي: «وبدأ التقييم لمجمل حياتي. وكان زواجي قد أثار من الضجة ربما أكثر مما أثاره طلاقي، فقد انتمينا لمعسكرين متضادين، وإن لم أَعِ أنا هذه الحقيقة في حينه».

تضفير الخاص والعام

لم تتورع فدوى طوقان (1917-2003م) عن تضفير الخاص والعام في سيرتها «رحلة جبلية.. رحلة صعبة» الذي صدر عام 1985م وتبعه الجزء الثاني بعنوان: «الرحلة الأصعب» عام 1993م. تقص طوقان بسلاسة اصطدامها بالمنظومة الأبوية الصارمة في نابلس التي أدت إلى حرمانها من التعليم في سن مبكرة. فكان أن تتلمذت على يد أخيها إبراهيم، ولم تخرج إلى الحياة العامة بشكل كامل إلا بعد نكسة 1967م حيث لم يعد الانكفاء على الذات الفردية قادرًا على تفسير العالم/ لم يكن هناك أي خيار آخر سوى المقاومة.

غني عن الذكر أن السير أو اليوميات التي تناولت المقاومة ليست قليلةً في المكتبة العربية، وتتسم هذه السير بالتركيز على مفردات الوعي ومسار تشكله الذي دفع المؤلفة إلى الانضمام لصفوف المقاومة بأشكالها المختلفة، سواء المقاومة المسلحة للعدو الإسرائيلي مثل كتاب «مقاومة» (2000م) لسهى بشارة حيث وثقت تجربتها أيضًا في معتقل الخيام، أو المقاومة الفكرية الدفاعية لمنظومة أبوية تقليدية راسخة في المجتمع مثل مذكرات هدى شعراوي، أو مقاومة أفكار استشراقية استوعبتها مجتمعاتنا، ثم أعادت إنتاجها مثل «نساء على أجنحة الحلم» (1998م) لعالمة الاجتماع الراحلة فاطمة المرنيسي، أو مقاومة أفكار راسخة عن النساء تجعل منظومة القهر في توزيع الأدوار أمرًا طبيعيًّا ومقبولًا مثل: «مذكرات طبيبة» (1985م) لنوال السعداوي. وأحيانًا مقاومة المرض عبر كتابته كما فعلت رضوى عاشور في «أثقل من رضوى» (2013م)، وتبعتها بجزء تالٍ وهو «الصرخة» (2015م). وأخيرًا هناك أيضًا ما أسمته الكاتبة الفلسطينية سحر خليفة «سيرة ذاتية أدبية» حيث دوّنت الأوضاع المصاحبة لمسارها ككاتبة وذلك في «روايتي لروايتي» (2018م).

تتخذ أيضًا السيرة الذاتية أشكالًا أخرى بما يؤكد أن حدود الجنس الأدبي مرنة وقابلة للانزياح، فهناك مثلًا الرواية السير-ذاتية التي يقول الناقد حسين حمودة: إن عالمها يتحرك «حركة رحبة، وأيضًا رواية «المتمردة» 2003م للكاتبة الجزائرية مليكة المقدم، ويصرح الغلاف الخلفي بأن الكتاب مزيج من السيرة الذاتية والخيال الروائي. وفي الممارسة الفعلية للكتابة تستخدم الكاتبة ضمير المتكلم كما في السيرة الذاتية، وتؤكد هذه الرؤية الذاتية بإشارات كثيرة إلى رواياتها السابقة. الساردة هي امرأة جزائرية وصلت سن الرشد في غضون حرب الاستقلال، ثم دفعتها صدمة سنوات ما بعد الاستقلال إلى الهجرة لفرنسا حيث أتمت تعليمها هناك، وفتحت عيادتها الخاصة، وعكفت على الكتابة في مواجهة الأصولية الدينية. وهناك نمط الرسائل مثل: «رسائل الغريبة» للكاتبة اللبنانية هدى بركات (2004م) حيث تجد الكاتبة في النزوح- الذي يبدو إراديًّا- عن المكان، حافزًا على العودة إلى الجذور لتسائل وتؤسس ماضيها هناك (بيروت) وحاضرها هنا (باريس)، وأن تشكل في النهاية سردًا متجاوزًا لا يمكن أبدًا عَدّه صرخة حنين إلى الماضي.

السيرة الذاتية بأشكالها المتعددة ليست مجرد بوح أو فضفضة لهموم، بل هي في حد ذاتها موقف فكري، وموقع معرفي، ونقطة انطلاق، وسعي نحو فهم جاد لمسار الذات وتشكلاتها في ظل العديد من الظروف المتغيرة. تظهر الذات وهي في حالة تغير مستمر وحركة دائمة لا تستقر بشكل مشابه للطبيعة المجتمعية والسياسية للمكان الذي تعيش فيه صاحبة التجربة أو ذاك الذي تأتي منه. وبما أن العلاقات الجيوسياسية والمجتمعية والنفسية تقوم بدور العلامات الدالة على المكان، فإن تلك النصوص تتحرك بحرية بين الشخصي والسياسي حتى تنمحي الحدود بين الاثنين. أي أنها تتجه إلى خارجها لتحتضن التناقضات والنـزوح والتغير، من دون أن تزعم أنها تؤرخ حقيقة ما وقع، ومن دون أن تزعم أنها تتحدث باسم الذات الجماعية. ومن هنا تتجلى أهمية التجربة المعيشة، ومن سماتها عدم الاحتفاظ بشكل ثابت، واحتواؤها على درجة كبيرة من التعقيد. وبما أن الواقع دائم التغير وفق سياسات التاريخ والتاريخانية، فلن يكون هناك أبدًا مقصد نهائيّ اسمه الذات؛ لأن الذات هي سيرورة وسيرة وصورة تتبلور من خلال تجاوز حدود الثابت والمألوف والمرغوب، وتتجاوز محدودية الفهم، وتتجاوز الرغبة في اتباع خط طولي.


‮«‬محمد‭ ‬شكري‭ ‬بين‭ ‬غواية‭ ‬العيش‭ ‬والكتابة‮»‬
قراءة‭ ‬في‭ ‬مذكرات محمد‭ ‬عز‭ ‬الدين‭ ‬التازي

صدوق نور الدين ناقد مغربي

قد لا يحتاج الكاتب الراحل محمد شكري إلى مناسبة للكتابة عنه، فهو حاضر باستمرار، وكتبه تمثل أكثر من مناسبة لاستعادته وإثارة نقاش حول موضوعاتها ومضامينها. وللموضوعية فقد صدرت العديد من الدراسات حول الراحل وحياته الأدبية والشخصية. بعضها نال حظًّا من الاستحسان والتداول داخل المغرب وخارجه، وأخرى حالت ظروف دون انتشارها والاطلاع عليها من لدن شريحة واسعة من القراء في العالم العربي، على الرغم من أهميتها. ومن بين هذه الكتب التي صدرت عن محمد شكري -الذي شكلت سيرته بأجزائها الثلاثة «الخبز الحافي»، «زمن الأخطاء/ الشطار» و«وجوه» علامة فارقة في تاريخ السيرة الذاتية العربية- نجد كتاب القاص والروائي محمد عز الدين التازي الموسوم بـ«محمد شكري غواية العيش والكتابة» (باب الحكمة، تطوان).

ينتمي كتاب التازي إلى أدب المذكرات، ويضيء جوانب من حياة «الكاتب العالمي» كما اختار أن يُلقب، ومثلما هو مدون على شاهدة قبره: «هنا يرقد جثمان المرحوم محمد شكري الكاتب والروائي العالمي»، (الصورة/ المذكرات ص: 200). والواقع أن هذه المذكرات تستكمل حصيلة كتابات ظهرت معظمها في حياة محمد شكري (1935- 2003م) في صيغة حوارات أو نصوص سردية حكائية أو رسائل تَكَفَّلَ بصوغها أدباء وكتاب أو بعض المقربين. واللافت أن معظمها صدر في شمال المغرب (طنجة/ تطوان) اللهم «ورد ورماد» (2014م)، وهي الرسائل المتبادلة بين الناقد والروائي محمد برادة ومحمد شكري الصادرة بداية عن وزارة الثقافة، إلى كتاب الروائي الطاهر بنجلون الموسوم بـ«جان جنيه الكذاب الرائع» (غاليمار/2010م)، والمتطرق فيه للعلاقة بين شكري وجنيه.

بين الصداقة والوفاء

تتشكل بنية المذكرات من كلمة، بمنزلة مقدمة، وثلاثة فصول وخاتمة. هذا التشكل يوحي وكأن الأمر يتعلق بتدوين لسيرة ذاتية من منطلق التجاور الذي يصل بين أدب المذكرات والسيرة الذاتية. والواقع أن تلقي هذه المذكرات لا يجعلنا نقف على تفاصيل من حياة محمد شكري لم تجسدها سيرته وحسب، وإنما على مشاهد ذاتية ارتبطت بحياة كاتب المذكرات محمد عز الدين التازي:

«هذه المذكرات، وهي تحمل اسم محمد شكري، تسعى إلى استحضار شخصه، ولحظات ومواقف عشناها معًا أو عاشها مع غيري، فكنت شاهدًا عليها، وبوحًا باح لي به في أوقات عاش فيها قلقه الخاص». (ص/7). من ثم فالدافع الرئيس لكتابة هذه المذكرات هو تمثُّل جوانب حياتية لم يتأتَّ تدوينها. وهو ما يعدُّه التازي، نوعًا من الوفاء لصداقة «امتدت لأربعة عقود». (ص/13) وإذا كانت كتابة هذه المذكرات تتم بالاستحضار اعتمادًا على الذاكرة، وهو ما يسمها بالتكرار الناتج عن النسيان، فما يمكن ملاحظته عن التشكل كون منطلق المذكرات وفق المتعارف عليه من مكوناتها التي يهيمن فيها التحديد الزمني والمكاني إلى سيادة ضمير المتكلم، لم يتحقق سوى في الفصل الثاني حيث الإشارة الزمنية لبداية العلاقة بين التازي وشكري، والمحددة في (1968م). يقول الناقد والروائي محمد برادة (1938م) في كلمته المثبتة على ظهر الغلاف الأخير: «بل إن ذاكرة كل واحد منا لا تكتمل إلا بقدر ما يتسع عدد الذين يستحضرونها من زوايا مختلفة».

من ثم عمد التازي إلى تقسيم المذكرات لأوقات، بدت في استقلاليتها وحدات حكائية، الناظم الجامع بينها شخصية محمد شكري. هذه الأوقات وعددها (29) تبدأ من «وقت للتعارف» وتنتهي بـ«وقت لقبعة القش».

1968م: بداية التعارف

مثلت سنة 1968م، بداية العلاقة التي جمعت بين عز الدين التازي ومحمد شكري. كان الأول طالبًا بكلية الآداب بمدينة فاس، حيث تقع أعرق جامعة «ظهر المهراز» التي تخرج منها أعمدة الأدب المغربي الحديث. ومن ثم هي الجامعة التي كتب عنها الروائي أحمد المديني نصه «رجال ظهر المهراز» (منشورات أحمد المديني/ 2007م). وأما الثاني، فكان معلمًا يدرس بمدينة طنجة.

كان اللقاء بـ«القصر الكبير» إحدى مدن الشمال، حيث تأتى تنظيم مهرجان ثقافي من طرف جمعية «الشعلة» التي تعد من أقدم الجمعيات المغربية التي تواصل أنشطتها الثقافية إلى اليوم.

اعتقد التازي بداية أن محمد شكري كاتب تونسي من خلال قراءته لقصص حرص على نشرها في جريدة «العلم» (لسان حزب الاستقلال). ويعد ملحقها الثقافي المدرسة الأولى للعديد من الأدباء والكتاب المغاربة؛ إلا أنه تفاجأ به يقدم نفسه كالتالي: «أنا مغربي، ريفي، أصلي من الريف، لكني اليوم أعيش في طنجة. هل تأتي إلى طنجة؟» (ص/ 37)

ستثير الإجابة عن هذا السؤال استغراب شكري. فالتازي لم يكن ليسافر سوى بمرافقة جده الذي تكفل بتربيته بعد طلاق والده من والدته. هذه الحكاية، رأى فيها شكري، إلى حد ما، مرآة لذاته ومعاناته الأسرية. ولعل هذا ما أجج أواصر الحميمية والتقارب بين التازي وشكري. «أنت أيضًا عشت محنة مع العائلة؟ قد لا تكون مثلي، فوالدي ذهب إلى الجندية ولم يعد إلا وهو عاطل يتحشش ويضربنا أنا وإخوتي» (ص/ 37).

وسيلمس التازي لاحقًا، الجرح العميق لانتفاء مفهوم «العائلة» عن حياة محمد شكري، لما تقدم إليه الأخير بطلب رعاية ابنه ثلاثة أيام، لولا أن التازي بكياسته أرجأ الأمر لعطلة الصيف المدرسية القادمة: «قدرت ذلك الحرمان الذي يشعر به لكونه لم ينجب أطفالًا، وفكرت في أن ولدي نوفل، ابن العاشرة آنذاك، ربما لن يستأنس بشكري لحد بعيد طوال تلك الأيام الثلاثة، ثم إن شكري لن يتخلى عن عاداته في ارتياد الحانات، فهل سوف يضطر، لإرضاء عادته اليومية، أن يأخذ الولد معه؟» (ص/11).

الحرمان العائلي طبع حياة شكري في صغره، وعلى السواء كبره، وهو ما جعله «على قلق» باستمرار؛ إلا أن التباين الذي وسم العلاقة في بدايتها، كون التازي كان منتميًا سياسيًّا، فيما أخلص شكري للثقافة والأدب: «أنا لست مسيسًا. لكني مع الإنسان المغربي المسحوق» (ص/35).

طنجة الأسطورية: النهاريون والليليون

سيزور محمد عز الدين التازي طنجة صيف 1969م، لتكون اللحظة بداية صداقة متواصلة إلى أن غيب الموت الراحل محمد شكري. ولمناسبة الزيارة، اقترح شكري الإقامة في بيته عوض الفندق. واشترط شرطين: الأول أن يشتري التازي الفراش الذي ينام عليه. والثاني، أنه في حال الفاقة والعوز، سيضطر لبيعه. هذا السلوك، ينهجه و«الكاتب الكبير» محمد زفزاف. الأخير داوم التردد عليه أصيافًا كثيرة، كما فسح له باب النشر في المنابر الثقافية العربية، كمثال مجلة «الآداب» البيروتية، حيث ستنشر الدار لاحقًا مجموعته القصصية الأولى «مجنون الورد» (1979).

«أخذ يحدثني عن صديقه الكاتب محمد زفزاف، الذي تعود أن يقيم في بيته خلال أيام من عطلة الصيف، وأخبرني بأنه كان يشتري الحصير والفراش والمخدة، فينام عليهما لتلك الأيام، ثم عندما يأتي الصيف القادم لا يجدها، ويضطر لشراء أخرى. سألته: ولماذا لا يجدها؟ قال: لأنني في وقت الحاجة أبيعها. وسأبيع تلك التي سوف تشتريها أنت، بعد عودتك إلى فاس، إن اشتدت بي الحاجة» (ص/43).

أما والتازي يقيم في بيته العادي، فسيعرفه على السيدة «فتحية» التي تساعده في إدارة شؤون البيت. وهنا سيستغرب التازي من كونه يلقبها بـ«السيدة» عوض «الخادمة». وسيطلع شكري التازي على خبايا مدينة طنجة التي وصفها بالأسطورية. فسكانها، حسبه، ينقسمون إلى فئتين: فئة النهاريين، وفئة الليليين. من ثم دعاه للتعايش معهما: «هم سكان مدينة طنجة. منهم من يعيشون حياتهم بالنهار وينامون في الليل، ومنهم من يعيشون حياتهم بالليل وينامون بالنهار» (ص/40).

ويعترف التازي بكونه أفاد من مكتبة شكري كثيرًا، بحكم تنوع الكتب الموجودة فيها، وتنم عن اختيارات دقيقة يصعب حيالها الاستغناء عن أي مؤلف من المؤلفات التي تضمها. وإذا كان شكري قد عرف حياة الفقر والعوز، مما اضطره لاستدانة مبالغ مالية هزيلة (ألف فرنك: دولار تقريبًا)، وبيع الساعات اليدوية في الميناء، إلى الغناء في الحانات بتقليد محمد عبدالوهاب وفريد الأطرش، فإنه تحول من الاستدانة إلى مقرض مالي للكتاب والأدباء، والدليل أنه أقرض محمد عز الدين التازي مبلغ (5000 درهم: 500 دولار تقريبًا) في فترتين متتاليتين: «كان يعطف علي في سنوات المحنة، وهو من زودني بالساعات اليدوية التي كنت أبيعها في الميناء، حتى لا أسرق، كما قال لي» (ص/48).

«أخبرت محمد برادة بأنني قد قرضتك الخمسة آلاف درهم، وأبديت له مخاوفي من ألا تتمكن من تسديدها، فقال لي: السي عز الدين صاحبك، وقد اشتركتما في الحلو والمر، وأنت وسع الله عليك في الرزق، فتخل له عنها» (ص/50).

«الخبز الحافي» سيرة كتاب

يورد محمد عز الدين التازي في الفصل المعنون بـ«وقت للخبز الحافي»، حكاية تأليف محمد شكري لسيرته الذاتية؛ إذ يرى أن عملية التأليف تمت إما في سنة (1972م) أو (1973م) بمقهى «سنترال» بطنجة في غضون عشرة أيام. كان شكري يكتب في دفاتر مدرسية سرعان ما يرقمها كي لا يختل الترتيب المرتبط بالمعنى المعبر عنه في السيرة. ويذكر التازي بأنهما كانا يجلسان في المقهى ذاته، كل على طاولة بعيدًا من الآخر، ولما تنتهي عملية الإبداع يعودان للالتقاء من جديد.

على أنه في تلك المدة كان على اتصال بالكاتب الأميركي «بول بولز» (1910- 1999م) الذي أقام في طنجة إلى حين وفاته، فطلب منه سرد حكايات ينقلها إلى اللغة الإنجليزية لتنشر في مجلتين هما: «بلابوي» و«أنطيوس» في مقابل (5000 درهم: تقريبًا 500 دولار) عن كل حكاية. وسيعترف شكري في لقاء آخر معه بأنه بصدد كتابة سيرة ذاتية سرعان ما طالبه بإحضارها. وهكذا كان يمده يوميًّا بالفصل الذي يكتبه صباحًا، لتتحقق ترجمته في المساء.

«هل لديك حكايات تحكيها لي حتى أكتبها بالإنجليزية؟ جازف محمد بالرد: لدي حكايات كثيرة. ولدي سيرة ذاتية كتبتها بالعربية» (ص/53).

صدرت السيرة بداية باللغة الإنجليزية تحت عنوان: «من أجل الخبز وحده». ويرى التازي أن العنوان قد يكون من وضع «بول بولز»، مثلما الأمر بالنسبة لـ«الخبز الحافي» الذي اقترحه الروائي الطاهر بنجلون. ويقال: إن الناقد والروائي محمد برادة وضع عنوان الجزء الثاني من هذه السيرة الذاتية التي صدرت في المغرب تحت عنوان: «زمن الأخطاء» (1992م)، بينما حملت الطبعة البيروتية عن «دار الساقي» عنوان «الشطار»، وبتقديم من الناقد المصري صبري حافظ.

على أن أول طبعة باللغة العربية ظهرت في المغرب (1982م) في سحب أولي بلغ (5000 نسخة)، لتتواصل الطبعات إلى أن بلغت أربع طبعات، حيث تدخل الاتجاه الديني التقليدي لمنعها بمسوغ المحتوى المعبر عنه. وفي الآن ذاته يشير التازي إلى كون الخميني، وهو يهدر دم سلمان رشدي، أهدر على السواء دم الراحلة فاطمة المرنيسي ومحمد شكري الذي رفض مقترح حمايته: «تقبل شكري الأمر بهدوء. وحينما دعي إلى قسم الشرطة، وسأله الضابط: هل تحتاج إلى حماية؟ أجاب مِن فورِه: كلا. أنا لم أفعل شيئًا ضد أحد. وإن أرادوا أن يهدروا دمي فلن تنفع أية حراسة. ثم إنني لا أطيق أن أعيش وبرفقتي حارس» (ص/62).

يقول التازي: إن «دار الآداب، بيروت» اعتذرت عن نشرها. ولعل من المفارقات أن محمد شكري تندر كثيرًا عقب إصدار الروائي والقاص سهيل إدريس (1925- 2008م) الجزء الأول من سيرته الذاتية «ذكريات الأدب والحب» (2001م)، لما تضمنته من مواقف «غير أخلاقية» حالت دون ظهور الجزء الثاني.

أثار التازي أسئلة وملحوظات نقدية حول «الخبز الحافي» نجملها في التالي: محمد شكري لم يكن حكواتيًّا ويعتمد الشفوي، كما أشارت بعض الدراسات النقدية، وإنما كاتب قصة باللغة العربية السليمة. ولم يكن شكري يتقن اللغة الإنجليزية، مثلما أن «بول بولز» غير متمكن من اللغة العربية. من ثم يطرح التازي السؤال: كيف تحقق التواصل بين المؤلف والمترجم؟ وهنا يرجح بأن الوساطة قد تكون تمت عن طريق محمد المرابط طباخ «بولز» الذي يجيد اللغة الإنجليزية: «مع ذلك فالترجمة كانت تتم، وبكل تأكيد، انطلاقًا من نص مكتوب بالعربية، هو الذي كتبه محمد بمحضري على أوراق تلك الدفاتر المدرسية» (ص/54).

ويشير التازي إلى أن بعض القراء ألمحوا للضعف الأدبي لـ«الخبز الحافي»، مع تأكيد قيمتها النابعة أساسًا من الجرأة التي تفردت بها، إذا ما ألمحنا لكون محمد شكري قد باح للتازي باعتراف مؤداه أنه لم يدوّن الوقائع الاجتماعية كاملة كما عاشها، وإنما مارَس رقابته الذاتية على العديد من القضايا والمشاهد المؤلمة.

يصنف شكري سيرته الذاتية، حسب التازي، فيما يسمى بأدب الشطار الذي يرسم صورة عن أحوال الفقراء والمعوزين ومعاناتهم. وقد يكون تأثير المرجعيات الإسبانية حاضرًا في سياق عملية الإنجاز. على أن ما غفل عنه كاتب المذكرات، كون التصنيف أورده الناقد المصري الراحل الدكتور علي الراعي في كتابه «شخصية المحتال في المقامة والحكاية والرواية والمسرحية» (كتاب الهلال). ويلحظ محمد عز الدين التازي أن سيرة «الخبز الحافي»، حجبت التلقي والنظر النقدي على التعرف إلى بقية أعماله الأدبية، مثلما طبعت شخصيته بالنرجسية: «لم يكن محمد شكري ينظر إلى حياته الخاصة بنرجسية وإعجاب بالذات، بينما أدركته النرجسية ككاتب، عندما اشتهر اسمه وترجمت أعماله إلى لغات عدة» (ص/20).

يبقى كتاب «محمد شكري غواية العيش والكتابة»، تجربة في أدب المذكرات أضاءت جوانب مهمة من حياة كاتب مَثَّلَ في لحظة زمنية من تاريخ الأدب العربي الحديث، وليس المغربي وحسب، ظاهرةً تَستحقُّ الدرس والتحليل النقدي الموضوعي، وبخاصة أن كاتبها الروائي والقاص محمد عز الدين التازي عايش الراحل إلى أن غيبه الموت، ولئن اعتمد في التمثل والاستحضار على ذاكرته، وبالرغم من كون العديد من القضايا المدونة كانت معروفة ومتداولة وتحتاج فقط لمن يوثقها.


سرديات‭ ‬الاعتراف‭ ‬والكتابة‭ ‬الضد

علي حسن الفواز كاتب عراقي

قد يبدو الحديث عن غياب نص السيرة حديثًا مواربًا، ومُضلِّلًا للتغافل عن غياب نص الاعتراف، بوصفه نصًّا يتجاوز الظاهر السيروي، إلى تلمّس الباطن «المقموع» والمستور، والفضائحي، وبما يجعله النص الأكثر تمثيلًا للذات «الصافية»، عبر الكشف عن خفايا سيرتها، وتتبّع المحجوب من وقائعها ويومياتها، وتسريد ما هو محذوف منها، أو ما هو مقموع فيها، وعلى نحوٍ يجعل من نص الاعتراف وكأنه نصٌّ ضدي، تحضر فيه تلك الذات وهي في نوبة تعرٍّ، أو تمرد، أو هذيان، تستفز الذاكرة بوصفها مخزنًا غير بريء، مثلما تستدعي التطهير، بوصفه رغبةً للتخلّص من وهم الخطيئة، والتجاوز على مركزيات التابو في التاريخ، وفي المقدّس الاجتماعي والعائلي والمرآوي.

الاعتراف والخلاص

من الصعب عزل سؤال الاعتراف عن الحياة، أو حتى وضعه داخل توريات اللغة، تخفّيًا، أو تكتّمًا، أو توهمًا؛ لأنّ الاعتراف يتطلب بالضرورة وجود نص مُدوَّن، أو خطاب في التصريح، والإشهار، وهو ما يعني تقويضًا لتاريخ الصمت، والكبت، وحفرًا في «غواطس» اللاوعي التي تتغوّل فيها فكرة التابو، والخوف من الاجتماع السياسي أو الأيديولوجي والديني، حتى التاريخي، وبما يجعل (سردية الاعتراف) الأقرب إلى لعبة تقويض «الأنا المغلقة» وإلى مخاتلة التاريخ/ تاريخ الجسد/ الأيديولوجيا، والإيهام برغبة الانعتاق من الذاكرة القاسية للخطاب العصابي، ومن الثلاثي المهيمن في سرديات «الدين، الجنس، السياسة» بوصفها مجالات تصنعها الذات المغلقة. وهذا ما يُعطي لفعل الاعتراف نوعًا من المفارقة، والتمرد على النسق، عبر تقويضه وفضحه، من خلال تعرية تلك الذات الصيانية، عبر النقض والبوح، والتدوين المُضاد، والكشف عن المخفي في الوثائق، أو في سرائر الذات.

وبقطع النظر عن المرجعية الصيانية لتلك السرديات، أقصد ما يخصّ صناعة النص المغلق للسلطة والجماعة، فإن الكتابة، أي كتابة الاعتراف، بوصفها السيري، أو التمثيلي، ستكون هي الرهان على ما يُسمّى بـ«تدميرية» ذلك النسق، والمجاهرة بالضد، عبر الإبانة عن السر، أو فضحه، وعن علاقة ذلك بالجسد؛ إذ يضع الاعتراف هذا الجسد بوصفه الفيزيقي، أو المفهومي، أمام تعرية أنثروبولوجية، قد تعصف بحصانته، وغروره، وعلائقه ورموزه وشفراته، حيث تتحول «اللغة/ الاعتراف» إلى نصٍّ «سريري» بوصف فرويد، إلى موجّه أنثروبولوجي، له طاقة الكشف عن البنيات العميقة، عبر العلامات، والطقوس بوصف شتراوس، وإلى مجال استعاري، حيث تتعرّى الذات، لتنحل الأقنعة، والتوريات، وليبدو النص الاعترافي، في هذا السياق، وكأنه محاولة تعسفية للتخلّص من ضغوط الكبت والخوف، وإلى اصطناع مواجهة افتراضية مع العالم، وربما مع الذات نفسها، تمثيلًا لرغبتها الحميمة في الإشباع الرمزي عبر التطهير والخلاص.

إذ لا يمكن للاعتراف أن يكون، إلا في لحظة تماهٍ مع فكرة الخلاص، أو عند لحظة تمثيلِ شغفٍ يتماهى عبره المُعتَرِف مع الآخر، بحثًا عن التفريغ، والانتشاء. فكل الاعترافات التي يكتبها الأقوياء هي تماهٍ عميقٍ مع لحظات استحضار للآخر، والادعاء بأنّ سرديات اعترافهم هي تمثيل أخلاقي لتلك اللحظات، وعبر تمثّلات الحب والقوة والعجز، أو لما هو متعالٍ وضاغط في فكرة التطهير، حيث تكون تعبيرًا نكوصيًّا عن الإحساس باللاجدوى، والضعف، التي كثيرًا ما تحدث تحت ضغط نفسي كما في الفشل العاطفي، أو نتيجة للفشل السياسي والنفي والعجز كما في بعض اعترافات السياسيين.

يظل الاعتراف بمعناه «الثقافي» هو الأكثر مكرًا في تمثيل مرجعياته ورمزيته، وفي التعبير عن علاقة النص الاعترافي بذات الكاتب؛ إذ يقترح تمثيله الخطابي عبر «مناصات» إشهارية/ المدونات، واليوميات، المذكرات، التي تتيح للقارئ تلقيًا إغوائيًّا، تشتبك فيه حافزات التاريخي والسيروي، مثلما تتيح مجالًا لتوصيف حدود لهذا النص، بوصفه نصًّا يعمد إلى الكشف عن المضمر، والمحذوف، والمقنّع، الذي يتبدى عبر كتابةٍ تتفجّر فيها الإثارة، والفضح، أو الهتك، أو عبر كتابة توحي بما يشبه التفريغ النفسي، التي كثيرًا ما تُكتب في المنافي، حتى لا تطول الكاتب الاعترافي سلطة الرقابة، أو مكاره التشهير والتنمّر.

نص مثير للغواية

هذه الكتابات هي ما يجعل «أدب الاعتراف» مفارقًا، ويُثير شغف القرّاء وفضولهم الذين يتماهون مع أسرار ما يُكشَف، بوصفها نصوصًا للآخر المفضوح، مثلما ستكون نصوصًا استحواذية للذات القارئة، تلك التي يمارس من خلالها القارئ إحساسه بالإشباع الرمزي، والتطهير عبر تدمير ذلك الآخر، وصولًا إلى التشفّي التعويضي، على مستوى اكتشاف الغامض من العالم، أو على مستوى التعرّف إلى ما يجري في المحجوب من الجسد والتاريخ والأيديولوجيا.

سردية الاعتراف، قد لا تكون واقعية بالكامل؛ إذ يتسرّب إليها التخيّل، ليجعل نصها مثارًا للغواية، كما في اعترافات جان جاك روسو، أو اعترافات أوغسطين. ويمكنها كذلك أن تجعل من ذلك النص نزوعًا إلى الإيهام بالقوة والفحولة، كما في روايات الطيب صالح، وجبرا إبراهيم جبرا، وبما يجعل من تلك السردية نصًّا ضديًّا، يتحول فيه الفقد إلى إشباع، والنكوص إلى تجلٍّ، والطفولة إلى مشاكسة، والشباب إلى فحولة شبق جنسي، والكهولة إلى حكمة، والسقوط الأخلاقي إلى تمرد، وهو ما بدا واضحًا في روايات محمد شكري وفي بعض قصص وروايات عبدالستار ناصر.

الاعتراف السياسي

هذا الاعتراف لا يعني كتابة نصٍّ مجاور، يتناصّ مع السيرة، بل يعني محاولة في «البراءة» وفي تقويض فكرة «المثال» والثابت، والقارّ في اللاوعي الجمعي، الذي سيجعل من موضوع الاعتراف وكأنه مغامرة يكون فيها التشهير تطهيرًا، والفضح تعريةً، ولا سيما المتعلِّق بالاعترافات السياسية، التي يدخل بعضها في نوبة عاصفة من التعريات الأيديولوجية والنفسية كما في «اعترافات عزيز الحاج» و«اعترافات مالك بن الريب» للشاعر يوسف الصائغ، التي كانت في جوهرها اعترافات حزبية، وإكراهية، غايتها عزل الذات عن قامعها، وتسويغ الاعتراف بوصفه خلاصًا مما يشبه الإثم، والضعف، مقابل القصدية في فضح الآخر.

كما تنطوي بعض الاعترافات على مقاربةٍ لتاريخ الأخطاء الوطنية والسياسية، التي تدخل في إطار تصفية الحساب مع الذات، وهي رغبة عمادها التخلّص من عقدة الذنب كما في اعترافات «محسن الشيخ راضي» وكتاب «أوكار الهزيمة» لهاني الفكيكي. وبقدر أهمية وخطورة مثل هذه الاعترافات تاريخيًّا ونفسيًّا وسياسيًّا، فإنها في المقابل ستصطنع لها نسقًا، يقوم على اصطناع تاريخٍ مضاد، تاريخ يُحرّض على إعادة قراءة كثير من الأحداث والوقائع والملفات، وفضح أزمنتها المتقادمة، وشخصياتها المُقنَّعة. كما أنّ مذكرات واعترافات عدد من السياسيين العراقيين الآخرين أمثال حازم جواد وطالب شبيب وصبحي عبدالحميد وغيرهم، كشفت هي الأخرى عن ذاكرة الرعب التي عاشوها، أو ساهموا في صنعها، حتى في قتل ضحاياهم؛ إذ حملت معها هذه الاعترافات نزوعًا مُركّبًا يزاوج بين تجاوز عقد الإثم، وبين التوهم بالخلاص، فضلًا عن محاولة فضح التابوات التي غمرت التاريخ السياسي العراقي منذ أحداث 1963م الدامية وإلى عقود السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات.

خيار الاعتراف السياسي يدخل أيضًا في سياق ما يمكن تسميته بـ«الجريمة السياسية»؛ إذ هي جريمة الفضح والتخلّي، مثلما هي جريمة إخضاع المتهمين إلى التعذيب وتصفيتهم. وأحسب ملفات الأمن السياسي تزخر بكثير من اعترافات الضحايا تحت التعذيب، التي لا تخلو من التسريد والفضح والانتهاك النفسي والجنسي؛ إذ تركت جروحًا نرجسية كبيرة في الجسد السياسي والثقافي، ولا سيما أنّ كثيرًا من ضحاياها كانوا سياسيين معارضين ومثقفين لهم رمزيتهم في الاجتماع العراقي. ولعل رواية «شرق المتوسط» لعبدالرحمن منيف، ورواية «الوشم» لعبدالرحمن مجيد الربيعي، ورواية «نساء زحل» للطفية الدليمي تحمل كثيرًا من شواهد سرديات الانتهاك النفسي والجنسي.

أنا أعترف إذًا أنا موجود

محدودية النص الاعترافي في أدبنا العربي، ترتبط بعقد كثيرة، بدءًا من طبيعة الشخصية العربية، وتكوينها العصابي والديني والعائلي، ولا تنتهي بالسلطة؛ إذ تفرض تلك السلطة قمعها على المختلف، والمفضوح، مثلما تفرض توصيفها للنص الذي يصنعه المثقف، أو يُصرّح به السياسي، أو يستهلكه المواطن التابع، عبر تعويم شيوع «ثقافة النمط» وتأطير الأفكار الضاغطة عن الالتزام والانتماء والصيانة، والخضوع للقانون والأعراف. وهي فرضيات يدخل فيها الأيديولوجي، أكثر من التدخل الأخلاقي، مقابل الخضوع إلى فرضية الرقابة، تلك التي تفرض آلياتها شروطها ووجودها على الجسد والنص والفكر في آنٍ واحدٍ؛ لأنّ إباحة كتابة الاعتراف ستعني إباحة الحديث عن المستور والمقموع، التي يمكنها الدخول إلى تابوات السياسة، وإلى فضح ما هو مضمر في أنساقها المتعددة.

من أكثر الكتب العربية إثارة في سرديات الاعتراف كتب الروائي المغربي محمد شكري في كتابيه «الخبز الحافي»، و«الشطّار»، فضلًا عن اعترافات الكاتب لويس عوض، وكتابات رشيد بو جدرة، وعبدالرحمن صدقي، وسلام إبراهيم، وشكري عياد، وكوليت خوري، وسهيل إدريس، ونوال السعداوي، وفؤاد قنديل وغيرهم. لكن السؤال الفاعل في هذا التوصيف يتعالق بمدى جدّية هؤلاء الكتّاب في أن يُشرعنوا «أدب الاعتراف»، وبمدى حدود المسموح أو عدم المسموح في الإبانة عنه؟

إنّ الخلط بين أدب السيرة وأدب الاعتراف يعكس الطابع الإشكالي في النظر إلى النص «السير ذاتي» وإلى «النص الاعترافي» وتحميلها توصيفات تتجاوز التأطير السردي، إلى الدخول في سياق أدب الإثارة، أو المبالغة، وربما الدخول إلى نص «البورنو» أو «أدب زنا المحارم» أو «جنس القاصرين» كما في قصص وروايات فؤاد التكرلي وناطق وخلوصي، وغيرها من الكتابات التي تدخل في تابوات اجتماعية أكثر منها ثقافية. وهذه عملية ستكون مربكة للقارئ ولتداولية القراءة. وفق ما طرحه آيزر، حول إشكاليات القراءة والتلقي، فإن هذه القراءة تتطلب تفاعلًا، وتجاوبًا، وكشفًا، وتقاطعًا، وتأويلًا. ولأن مثل هذا النص «لا يخضع لصاحبه فقط، بل يخضع لإستراتيجيات معقدة بين القارئ المؤول، بما يمتلك من معرفة وخبرات جمالية من جهة، وبين النص من جهة أخرى، فينتج عن هذا التفاعل استجابات قرائية تكشف عن إمكانات وإجراءات مقروئية جديدة، تتجه نحو فهم الدلالة المغيبة، وفكّ رموزها». كما جاء في كتاب بسام قطوس «إستراتيجيات القراءة- التأصيل والإجراء النقدي» (دار الكندي للنشر والتوزيع، إربد 1998م، ص13)

السيرة والاعترافات

قد تتضمن كتابة السيرة اعترافات كثيرة، لكنها لن تكون مُقنّعة، أو مغالية، بقدر ما ستكون محاولة في تزكية حياة الكاتب، وترميم بعض الفجوات في تاريخه الشخصي أو السياسي؛ لأنّ خروجها من السيري إلى الاعترافي سيدخلها في مجال الأنوية بمعناها الفرويدي، وسيُلقي ظلالًا حول تاريخيتها، ويُجردها من براءتها، وربما يدفع بها لأنْ تكون أكثر من مغامرة، وأكثر من رغبة في تفريغ ركام المسكوتات، مثلما ستكون باعثًا على استدعاء قارئ فضولي، مهووس بأدب اليوميات والسير والاعترافات والمذكرات والفضائح، وهي أنماط تميل إلى خلخلة ما هو واقعي وتاريخاني، إلى أفق يكون فيه السردي والتاريخي، مجالًا لإنتاج «النص الزئبقي» كما سمّاه سعيد يقطين. وهو نص يؤسس اكتفاءه عبر الإشباع الرمزي، الذي سيجعل من نص الاعتراف، نصًّا رهينًا بالكتابة الضد، والسردية المفارقة، وقصدية الإثارة، حيث يتقوّض فيها الواقعي، مقابل حضور التخيّلي وسردية روايته، وستجعل من شخصياتها الورقية، كما يسميها رولان بارت، تدخل إلى الواقع عبر أقنعة سيميائية، واصطناع حيوات يمكن التلاعب بمصايرها، لكنها، على الرغم من ذلك، تبقى على تماسٍّ مع وقائع عامة، أو أحداث، أو حتى تاريخ له رواة آخرون، قد يكتبون اعترافات ضدية، أو قد يجردون ذلك التاريخ من واقعيته، ومن رمزيته.

التقاطع ما بين الاعترافي والسيري والعمومي يكمن في إجادة لعبة التأليف، وفي صياغة جرأة المكتوب، فالاعتراف ليس نزوعًا للاكتفاء بالتطهير، وفضح المقموع، وتفريغ المكبوت، بل هو مجال «نصوصي» تكمن حيويته في الإثارة أولًا، وفي الحفر في تاريخ المهمل ثانيًا، وفي تحويل «الفضيحة» بالمعنى المُفارق، إلى مادة للاستهلاك، وإلى المغالاة في توصيف الحرية، بوصفها جزءًا من «الإرادة والمسؤولية» بتوصيف سارتر، وأحسب أن رواية «المثقفون» لسيمون دي بوفوار هي نص اعترافي، عرّت فيه الكتابة زمنًا ثقافيًّا فرنسيًّا، ومثقفين كانوا يعيشون عوالمهم الخاصة.

سردية الاعتراف، يمكن أن تكون أيضًا لعبة قصدية في تسويغ الحديث عن سردية تجارية للفضائح، تلك التي نجدها في مذكرات نجوم السينما ونجوم الرياضة، حيث تقود اعترافاتهم الجنسية، أو انحرافاتهم، أو تهرّبهم الضريبي إلى اهتمامات واسعة من الجمهور النرجسي، ومن الجهات الرقابية، أو حتى من جانب بعض الجهات الدينية.

في هذه السردية يتجاوز الكاتب النمط إلى المختلف، فبقدر ارتباط السردية الاعترافية بغواية الحرية والتطهير، فإنها تكشف أيضًا عن أزمة وعي تلك الحرية، وأزمة العلاقة مع الآخر، والإحساس بالضعة والدونية، وخرق المألوف. فما كتبه جان جينيه مثلًا من اعترافات، كشفت عن الشخصية المُدمّرة، والوضيعة، وأن تلك الاعترافات لا تعدو أن تبدو كأنها نوع من النزق، وأنّ فعاليتها كأثرٍ أدبي لم تُثر نوازع أخلاقية، أو ثورية، بقدر ما كشفت عن شخصية مأزومة، مُنحلّة، مثلما كشفت عن نزعة احتجاجية على عالم رأسمالي مجنون، وعن جسدٍ تطحنه النزوات وسط عالم فاسد ومحبِط، وفاقد لشروط العدل والأمل والإشباع الروحي.

هذا الفقد هو نظير لسؤال الهوية في ثقافتنا العربية، فمن الصعب الحديث عن هوية عمومية وسط تشظي الهويات العصابية، ووسط عالم غائر في التابوات وبالجماعات القاهرة والمقهورة، حدّ أنّ بعض الاعترافات كانت محاولة نفسية/ احتجاجية، لكنها وُظِّفَت للتعبير عن رفض القهر الاجتماعي والاستبداد السياسي والظلم العنصري والاضطهاد الحقوقي، كما حدث مع نادية مراد الإيزيدية، التي تعرّضت لاغتصاب بشع من جماعات داعش الإرهابية، حيث قادها اعترافها بعمليات الاغتصاب الجماعي إلى الفوز بجائزة نوبل للسلام لسنة 2018م، وإلى تحويل قضيتها إلى إثارة موضوعات فاضحة للمحنة العراقية، ومحنة جماعاتها الإثنية المقهورة.


هل‭ ‬لم‭ ‬يعرف‭ ‬العرب فـن‭ ‬السيــرة‭ ‬الذاتيــة؟

صبحي موسى صحفي مصري

هل لم يعرف العرب فن كتابة السيرة الذاتية؟ ولم لجأ أغلب الكتاب إلى تسريب سيرهم الذاتية من خلال أعمالهم الإبداعية، من دون أن يكتبوا عليها بشكل مباشر «سيرة ذاتية»؟ وما الذي تطلبه كتابة السيرة الذاتية؟ وما المحظور الذي يتجنبه الكاتب العربي؟ أسئلة تطرحها «الفيصل» على عدد من الكتاب.

السيرة الذاتية أدب نخبوي لا ينتجه العامة

سعيد الغانمي

لا يتخيَّل كثير من العرب أن السيرة الذاتية فن من أقدم الفنون الأدبية العربية. وهي نوع من الكتابة تقع في صنف الكتابة التاريخية من حيث المظهر؛ إذ تعدّ تطويرًا لكتابة السيرة. ويكمن الفارق الأساس بينهما أن السيرة يكتبها شخصٌ عن تجربة شخصٍ آخر وحياتِهِ، في حين تتميز السيرة الذاتية بأنها كتابة المرء عن حياته وتجربته الشخصية. ويُفترض بهذه الكتابة أن تكون قريبةً بقدر الإمكان من التوثيق الدقيق، أي ينبغي لها الالتزام بضوابط الكتابة التاريخية. لكن السيرة الذاتية من ناحية أخرى ينبغي أن تتضمَّن عنصرًا أدبيًّا أو إبداعيًّا يُغري قارئ النص بالاستمرار في قراءته. وهذا العنصر هو عنصرٌ إبداعيٌّ، وليس تاريخيًّا. ولذلك تنطوي السيرة الذاتية على عنصرين متناقضين معًا؛ التاريخ الذي ترائي بالانتماء له، والإبداع والابتكار الأدبي الذي ينطوي على جانب خيالي مبتكر مناقض للتاريخ.

من ناحية أخرى، يجب الانتباه إلى أن أدب السيرة الذاتية أدب «نخبوي» لا تنتجُهُ العامة ولا تفكِّر به، ولا سيما في الثقافة العربية التي تتمتع فيها النخب الثقافية بالتميز من الناحيتيْنِ اللغوية والتربوية عن بقية الطبقات الثقافية. وهذا التميز «ثقافيٌّ» صرف، ولا علاقة له بالوضعية الاقتصادية أو المادية. فقد يوجد أثرياء كثيرون في البلدان العربية، لكنهم لا ينتمون إلى طبقة النخبة الثقافية، وبالتالي فهم لا يفكِّرون بكتابة السيرة الذاتية. وإذا فكَّروا بها، فهم يستعينون بخبراء من طبقة المثقفين لكتابتها. وبالتالي فهي ليست بسيرة ذاتية، بل عملية دعائية تزعم أنها سيرة ذاتية. يصح هذا على شيوخ القبائل، والأثرياء، والفنانين، الذين يعيشون في حالة من الرفاهية المادية، وحالة من الإدقاع الثقافي. وبالذات حين يكتبون عن الذات باللغة العربية الفصحى، لا بالعاميات التي يتقنونها.

في أدب السيرة الذاتية، كما يمارسه العرب حديثًا، ينبغي أن نميز بين أهداف متعددة للكتابة. فهناك نصوص تدعي الانتماء للسيرة الذاتية من الناحية المظهرية وحسب. وهذه النصوص تلتزم أو ترائي بالالتزام بكتابة التاريخ الدقيق. وأغلب هذه النصوص يكتبها أشخاص من ذوي المواقع الوجيهة، والمسؤوليات الاجتماعية البارزة، مثل شيوخ القبائل، ورؤساء الأحزاب، وأعلام السياسة، وأصحاب المناصب. وهؤلاء بحكم مواقعهم يحرصون على إبراز الجانب الإيجابي من تجربتهم؛ لأنها ليست تجربة شخصية في الأساس، بل هي تجربة جمعية تتكلم باسم المؤسسات الاجتماعية التي يمثلونها.

في المقابل، هناك أدباء كتبوا سيرهم الذاتية بنوع من البوح الحميم، الذي لا يقل اعترافًا عن نظيره الأوربي. على سبيل المثال، كتب المرحوم إحسان عباس سيرته الذاتية «غربة الراعي»، مُقرًّا ببساطة تاريخه الشخصي، متسائلًا عن دوره الاجتماعي، وهو ليس سوى «راعٍ» بسيط، في إهمال واضح لعمق تجربته الثقافية من ناحية إنتاجه لمكتبة كاملة من الأعمال المهمة.

ناقد وأكاديمي عراقي

سير الأجيال القادمة ستكون مختلفة

حمزة المزيني

ما يتضمنه بعض السير الذاتية من حديثٍ عن مغامرات أشبه بالـ«فضائحيات»، يعود الأمر في أصوله إلى التقليد الكاثوليكي الذي يتمثل في أن الفرد يرتكب ما يرتكب من خطايا ثم يأتي إلى القسيس فـيعترف له بما ارتكب، ثم يبلغه القسيس أنه «رجع كيوم ولدته أمه». هذا التقليد ربما انتقل إلى السيرة الذاتية الغربية التي يمكن القول: إنها اعتراف كاتب السيرة للمجتمع بما ارتكبه من فضائح، ثم يشعر بأنه أزاحها عن ضميره بعد أن دوَّنها ليقرأها الناس الذين ربما يعجبون بجرأته، وربما يسامحونه على فضائحه. لكن مثل هذا التقليد الاعترافي غريب على ثقافة العالم غير الغربي، والعالم العربي والمسلم خاصة.

وهناك سببٌ ثانٍ يتمثل في أن المجتمع الغربي يقوم على الفردية، فيمكن أن يكتب كاتب سيرة فيها فضائح الدنيا كلها ولا تتعدى فضائحياته إلى أسرته مثلًا. أما في الثقافة العربية الإسلامية، وربما في المملكة على وجه أخص، فكاتب السيرة موصول بشبكة اجتماعية مترابطة واسعة ينشأ عنها أن ما يقوله عن نفسه سيتعدى لا محالة إلى غيره، ولا سيما إلى أسرته وأقاربه وأصدقائه؛ فهو ليس في حلٍّ إذن أن يؤذي أحدًا بما اقترف من فضائح لا دخل للآخرين بها.

توجد أمثلة قليلة للسيرة الذاتية الفضائحية العربية، ومثالها الأبرز سيرة الكاتب المغربي محمد شكري «الخبز الحافي»، وهناك من يشكك في صدق ما تضمنته تلك السيرة. وممن يشكك فيها الكاتب المغربي حسن العشاب في كتابه «محمد شكري كما عرفته»، (القاهرة: دار رؤية، 2008م) الذي يصف نفسه بأنه «معلِّم محمد شكري». ومما قاله عنها: «إن هذه السيرة حملت بصمة كاتب أمريكي أعاد صياغتها كعمل فني مصطنع، لتحمل طابعًا فضائحيًّا» وإن «جل أحداث الخبز الحافي غير حقيقية»، فيما يقول الكاتب الجزائري إبراهيم مشارة عن الحرج الذي كان يتخوف محمد شكري منه فيما يخص تعدي ما كتبه إلى الآخرين، ومن أسرته خاصة: «وقد كان شكري يتوجس في نفسه خيفة من صراحتها ومن آثارها على سمعة العائلة خاصة أخواته البنات». في المقابل هناك سير ذاتية عربية وغربية كثيرة لا تتضمن مثل هذه الاعترافات، ولم ينقص من قيمتها الفنية والأدبية والسيرية شيء.

من دون رقابة ذاتية

لكل شخص قصته، ومن المؤكد أن الأجيال القادمة ستكون تجاربها مختلفة عن تجارب جيلي، وما سيقولونه وسيكتبون عن تجاربهم سيكون لافتًا للنظر بما لا يقل، أو ربما يتفوق على السير الذاتية التي كتبها المنتمون للأجيال (غير المرقمنة).

فيما يخص سيرتي «واستقرت بها النوى»، لم أشعر في أثناء كتابتها أني كنت أفكر في الجرأة أو الرقابة الذاتية على ما سأكتبه، فقد حرصت على أنْ أُدوِّن ما كان يتوارد عليَّ من ذكريات مررت بها بعيدًا من الانتقائية أو التحسين. وهناك أشياء لم أكتبها لأن الذاكرة لم تسعفني باستحضارها، وهناك أشياء تركتها لأنها غير مهمة في نظري. كنت أقرأ بعض السير لكتّابٍ سعوديين طوال سنين، وفي الواقع أنا لم أفكر بكتابة سيرتي الذاتية إلا مؤخرًا، ويعني هذا أني استفدت من تلك السير بصورة غير مباشرة ومن غير أن أشعر. وقد كان القراء كرماء جدًّا في استقبال سيرتي، ولهم الشكر على ذلك، وكتب عنها عدد من الكتّاب والنقاد في الصحف والمجلات السعودية، كما كتبت عنها بعض الدراسات الأكاديمية، وقد فازت بجائزة الدكتور غازي القصيبي التي تقوم عليها جامعة اليمامة في دورتها الأولى في مسار الأدب عن السيرة الذاتية عام 2022م.

ناقد وأكاديمي سعودي

لن أستخدم صابونًا لغسل سيرتي الذاتية

أمير تاج السر

أعتقد أن الكاتب عمومًا حين يبدأ الكتابة، أول ما يخطر في باله شيء من أحداث عاشها أو عاشها أشخاص قريبون منه مثل الأهل والجيران وسكان الشارع والحي الذي يعيش فيه؛ لذلك غالبًا تتسرب هذه الأشياء إلى نصه الروائي من دون وعي، وتظهر شخوص يعرفها ويعرف ملامحها جيدًا. وأنا مثل غيري، كان في نصوصي الروائية الأولى مثل «سماء بلون الياقوت» و«نار الزغاريد»، كثير من الحوادث التي صادفتها في طفولتي ومراهقتي، وأيضًا شخصيات التقيتها في الحياة، ولفتت نظري. ومع التقدم في الكتابة واتساع رقعة الخيال والمعرفة، يظهر قليل من هذه الشخصيات والحوادث، ويمكن أن تنعدم تمامًا في نصوص مثل «توترات القبطي»، و«مهر الصياح» وجزء مؤلم من حكاية.

لكن عندي أعمال أسميتها سيرًا مثل: «سيرة الوجع»، و«مرايا ساحلية»، و«قلم زينب»، و«تاكيكارديا»، وهي نصوص من بعض وقائع سيرتي طبيبًا، رأيت كتابتها كما هي دون تدخل مني. وقد كان في «سيرة الوجع» ما يمكن أن يكون تاريخًا اجتماعيًّا لمدينة طوكر في أوائل التسعينيات من العام الماضي، قبل أن أسافر إلى قطر، و«في مرايا ساحلية» رصد لأيام الطفولة في مدينة بورتسودان، وفي «قلم زينب» التي نجحت جدًّا، وتدرس مقررًا في المدارس الثانوية في دولة الإمارات، ذكريات عن عملي في قسم النساء والتوليد بمستشفى بورتسودان، وحادثة تعرفي إلى نصاب مجرم، أزعجني كثيرًا. «تاكيكارديا» الصادرة منذ ثلاث سنوات عن هاشيت أنطوان، أيضًا عن جانب مهم من أيام أخرى في قسم النساء والتوليد نفسه، إنها أيام« مجهول»، ذلك الصبي الذي أرهقني كثيرًا بالمطاردة بسبب موت امرأة من جيرانهم في قسم التوليد، وكانت حوادث جديرة بتوثيقها. وكتبتُها فيما يشبه الرواية أو لنقل السيرة الروائية، وهي أيضًا وجدت أصداء جيدة، وفي ذهني حوادث أخرى أتمنى لو عثرت على وقت لكتابتها.

بالنسبة لكتابة السيرة العربية، فهي أمر مرعب إذا تحرى الكاتب أن يكون صادقًا، ولا يكتب ما أسميه السيرة المغسولة، التي يزيل منها كل الشوائب الأخلاقية، وينشرها بصيغة تصيره ملاكًا. في الغرب لا يهتمون ويكتبون كل شيء مهما كان مقززًا. ولو قرأت قصة «عن الحب والظلام» لعاموس عوز لعثرت على حياة صاخبة، لم يعدل فيها. عندنا المجتمع لا يترك أحدًا يكتب مثل هذا، ولو كتب لا يستطيع أن ينشر بسبب تحرجه. شخصيًّا، لو كتبت سيرة كاملة سأكتبها كما هي، ولن أستخدم أي صابون في غسلها.

قاص وروائي سوداني

الشجعان هم من يكتبون سيرهم الذاتية

صالح معيض الغامدي

كانت السيرة الذاتية في ثقافتنا العربية عمومًا وفي الأدب السعودي خصوصًا؛ سيرة ذكورية، وظلت لوقت طويل على ذلك المنوال. ولم تظهر بعض التغيرات بمشاركة المرأة واقتحامها مجال كتابة السيرة الذاتية إلا في بداية الألفية الثالثة. وكنا قد استبشرنا خيرًا بظهور سير كل من السعوديات مرام مكاوي وليلى الجهني وهدى الدغفق وأميمة الخميس وغيرهن، في وقت متقارب نسبيًّا، ولكن وتيرة الإصدارات السير ذاتية النسائية تراجعت أو على الأقل خفت، ولم تساير الطفرة التي شهدتها السيرة الذاتية الرجالية في أدبنا السعودي.

ويوجد أكثر من تفسير لهذا التباطؤ، فإضافة إلى بعض القيود والمحاذير الاجتماعية، أرى أن انتشار وسائل التواصل الحديثة مثل الفيسبوك وتويتر والسناب شات وغيرها من البرامج والمدونات قد حلت بديلًا سهلًا عن الكتابة الورقية للسيرة الذاتية النسائية. فقد شهدنا كثيرًا من الكتابات السير ذاتية المكتوبة والمرئية تنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي هذه، وتلقى قبولًا جيدًا فيما يبدو من المتابعين. ومع ذلك فلا أظن أنها ستقف عائقًا في المستقبل المنظور أمام ظهور مزيد من السير الذاتية المكتوبة، فالسيرة الذاتية النسائية المكتوبة جنس أدبي يتيح للكاتبة السعودية التعبير عن ذاتها وقضاياها وإبداعاتها الأدبية بشكل عام، ويكسب ما تنتجه المبدعة سيرذاتيًّا انتشارًا واسعًا وديمومة.

وضع معايير صارمة لكل جنس أدبي يبدو أمرًا صعبًا، باختلاف الأزمان والثقافات والأجيال والقناعات الأدبية، وإلا لما ربط الإبداع الأدبي دائمًا بالانحراف عن المعايير الثابتة أو التجاوز للمألوف والثابت منها. وإذا كان بالإمكان تحديد بعض المعايير العامة لبعض الأجناس الأدبية مثل الشعر والرواية والقصة، فإن ذلك يبدو صعبًا جدًّا بالنسبة للسيرة الذاتية، فلكل كاتب طريقته الخاصة تقريبًا في كتابة حياته. بالطبع هناك مفهوم عام للسيرة الذاتية وليس تعريفًا اصطلاحيًّا يشير إلى معايير ثابتة، وهذا المفهوم العام للسيرة الذاتية هو ما مفاده أن السيرة الذاتية هي التي يكتبها الشخص عن حياته. وهذا ما يتفق عليه الجميع، أما كيفية تطبيقه كتابة، فيختلف ربما باختلاف الكُتاب أنفسهم. وهذا ما جعل الناقد التقويضي (بول دي مان) يشكك في دقة مصطلح السيرة الذاتية، بل في كونها جنسًا أدبيًّا له سمات جمالية واضحة أصلًا. ومع ذلك، فكلٌّ مستمرٌّ في كتابة السيرة الذاتية بالطريقة التي يراها.

إن نجاح السيرة الذاتية مرتبط بالتعبير الصادق عن حياة الإنسان بكل ما فيها من إيجابيات وسلبيات لتكون تجربة يفيد منها كاتبها أولًا بالتعرف إلى ذاته جيدًا، ويفيد من تجاربها ويستمتع بها متلقوه. وكما أن المبالغة في تمجيد الذات قد تبدو أمرًا غير مقبول، كذلك المبالغة في التعري وصدام القيم المجتمعية بكل أشكالها. وهناك فرق كبير من مصادمة هذه القيم ونقد ما قد يحتاج منها إلى نقد بطبيعة الحال.

إن الشجعان هم من يكتبون سيرتهم الذاتية، والشجاعة هنا مجازية بطبيعة الحال. كتابة السيرة ليست ضربة لازب على كل كاتب، فكما أن هناك دوافع تشجع الكتاب على كتابة سيرهم الذاتية، هناك في المقابل عوائق تقف ضد كتابتها. ولا سبيل إلى حصر هذه العوائق كلها هنا. ولعلنا نشير فقط إلى أن بعض الكتاب يخشى أن يلحق الضرر بأي من أفراد أسرته أو أصدقائه وذلك بكشف بعض أسرارهم، وبعض الكتاب يخشى ألا يتمكن من سرد كل ما يريد من حياته، وبعضهم يستعير الرواية لكتابة سيرته أو طرفًا منها… وهكذا تُعَدّ الأسباب التي تعوق بعضًا عن كتابة سيرته الذاتية.

ناقد سعودي

من الصعب مكاشفة الجمهور بالسيرة الحقيقية للكاتب

طالب الرفاعي

مند روايتي الأولى «ظل الشمس» التي صدرت بطبعتها الأولى عام 1998م، ارتضيت لنفسي أن أكتب وفق المدرسة الفرنسية لرواية «التخييل الذاتي» التي تشترط للسيرة الذاتية أن يكون المؤلف حاضرًا في العمل الروائي باسمه الحقيقي، وسيرته الحقيقية، وما يحيط به في المجتمع من أفراد أسرته وأصدقائه والقضايا الاجتماعية؛ ولذا فإن «ظل الشمس»، هي رواية سيرة ذاتية حقيقية لعملي مهندسًا إنشائيًّا في مواقع العمل والإنشاء الكويتية، وبوجودي إلى جانب العامل والحداد والنجار وعامل المجاري والخرسانة والميكانيكا. حينما كتبت ونشرت «ظل الشمس» فقد كنت ولم أزل مقتنعًا بأن سيرة حياة الأديب الروائي والقاص والمسرحي والفنان، إنما هي جزء أساسي من سيرة الحراك الفكري والاجتماعي والاقتصادي في أي مجتمع من المجتمعات؛ ولذا من يقرأ «ظل الشمس» سيرى معاناة العمالة العربية والأجنبية التي تعمل في الكويت، وكيف أنهم يخاتلون الموت يوميًّا في سبيل لقمة العيش، ومنهم من يموت دونها! وسيرى أيضًا طالب الرفاعي المهندس الذي يلبس البنطلون «الجينز» وقبعة «الهلمت» الثقيلة، وينزل مع العمال والمراقبين؛ ليقف على صب الخرسانة تحت أشعة شمس مباشرة وحارقة، تصل إلى ثمانين درجة على ترمومتر سيلزيوس.

أجزاء حقيقية من سيرتي الذاتية وأسرتي ووضعي الاجتماعي والاقتصادي جاءت في رواية «الثوب»، التي تتحدث عن الكاتب الخليجي، وأنه ليس كما يتصور الجميع: يعيش غنيًّا وميسور الحال دائمًا، وأن القوة التي تحكم المجتمعات الخليجية إنما هي السلعة والاستهلاك، بما في ذلك التعامل وشراء الأدب/ الرواية بوصفها سلعة لها ثمن كباقي السلع، وبإمكانية عمل الأديب والروائي تحت سلطة المال وأهله! إن قناعتي بتوثيق سيرة حياة الكاتب بوصفها جزءًا من الحراك الاجتماعي في أي مجتمع، وبسببٍ من ندرة الكتّاب العرب، ربما يُعدّون على أصابع اليد الواحدة، الذين امتلكوا شجاعة كتابة شيء من سيرتهم الذاتية. وهو ما دفعني لكتابة أجزاء، وبعضها شائك جدًّا، من سيرتي الذاتية الحقيقية في أعمالي الروائية. إن إقدام أديبة أو أديب عربي على نشر سيرته الذاتية الحقيقية من خلال عمل روائي إنما يضمن له سهولة نشرها ووصولها لشريحة كبيرة من جمهور القراءة. وهذا ما دفعني لنشر جزء من قناعاتي وآرائي وسيرتي الحقيقية، ولأول مرة، في مجموعتي القصصية الجديدة «الدكتور نازل»، وأزعم أنه جاء بشكل أدبي غير مسبوق. مع التنويه إلى أن ضريبة مكاشفة جمهور القراءة بالسيرة الذاتية الحقيقية للكاتب قد تجرّ عليه مواقف كثيرة صعبة ومحرجة.

قاص وروئي كويتي

هل كتبت «ظلال مكة» كسيرة ذاتية؟

أحمد بوقري

حين شرعت في كتابة «ظلال مكة» لم يكن هاجسي الأساس كتابة سيرتي الذاتية أو الأدبية فأنا لم أصل بعد إلى نهاية الأفق الكتابي أو إلى لحظة الاستراحة الذهنية الواجبة، بل- آملًا- أن يكون في العمر بقية إذ ما زال يحتشد بزخم كتابات أدبية وفكرية ونقدية لم تنجز بعد. إنما كان هاجسي الأهم والمفصلي، هو القبض على اللحظة التاريخية المكية الغائبة عن جيلنا المعاصر، لحظة المكان المتواري من تاريخيته المكانية، ولحظة الزمان الذي فقد قسماته ولن يعود إلى تاريخيته النوستالجية المندثرة، بمعنى حين بدأت أكتب الحكايات الصغيرة المتتالية التي جاءت في شكلٍ سردي فني قصير، لم تخلُ من تخييلته بالطبع، أردت من هذه الحكايات أن تكون تعبيرًا بسيطًا كاشفًا عن هاتين اللحظتين الذائبتين، فقسمت الكتاب إلى ظلالين اثنين انضويا تحت ظل مكة القدسي الكبير، وهما ظلال المكان وظلال الذكرى كما كنت عائشًا غائصًا في كنفهما. تعهدت بيني وبين قلمي وضميري أن يكون بوّاحًا شفافًا لا يلوي عن كشف المسكوت عنه فيما ترتضيه أخلاقيات الكتابة وحقيقة الواقع المجردة كما عشته وجربته وخبرته.

وصرحت بذلك في متن الظلال نفسها حين قلت: «في كتابة هذه السيرة الذاتية تحضرني مقولة أبي حامد الغزالي: «المضنون به على غير أهله»؛ إذ يصبح الحديث عن المسكوت عنه هو الهيكل العظمي للبناء القص-سيري؛ إذ دونه يصبح البوح سطحيًّا وباهتًا أو فاقدًا لحرارته وجرأته التاريخية والفنية.

كسرت أنا هذه الحيرة (الأخلاقية) بين ما أضن به على غيري أو ما أسكت عنه في ظلال البيوت، أو حكايا الذكريات مع أبي، لكنني هنا وبشيء من المكاشفة والشفافية التي تقف في منطقة وسطى بين المضنون به والمسكوت عنه سأترك لقلمي فيما بقي من الحكايا الغوص في الدهاليز المعتمة في جنبات هذه السيرة، بمعنى أن أي سرد سير-روائي في نظري يفقد صدقه الفني والتاريخي إن حاول إخفاء بعض الحقائق والوقائع الصغيرة، التي لا يشكل المرور عليها أو ذكرها خدوشًا في اللوحة العائلية، أو اضطرابًا في الجدارية الهائلة الشخصية للمروي عنه.

وكثيرًا ما سقطت الكتابات التاريخية والسيرية في مستنقع التزييف والتمويه والتعمية؛ إما لأهداف أيديولوجية أو (أخلاقية) زائفة أو لا أخلاقية في الوقت ذاته في لَيّ أعناق الحقائق، وإما لفقدان قيمة الجرأة والشجاعة الواعية حين تم التغاضي عن المسكوت عنه من الأحداث والجرائم والوقائع؛ وهو ما خلق لدى المتلقي بالنتيجة وعيًا زائفًا بالحاضر منبنيًا على ضلالات وإكراهات وظلامات الماضي. في الحالة السردية يكتسب الحديث عن هذا المسكوت عنه أهمية استثنائية وفنية؛ إذ كثيرًا ما يكون أدب اعتراف، وكشفًا حميميًّا لصور الضعف البشري وانهيارات الذات أمام إغواءات الحياة ومغريات النفس والروح وشهواتها.

ناقد وكاتب سعودي

أسباب دفعتني للكتابة عن سيرتي الذاتية

علوان الجيلاني

لا أعرف سببًا محددًا لكتابتي عن سيرتي الذاتية، ربما هي طبيعتي الخاصة، وميلي الشديد للاحتفاظ بتفاصيل حياتي، وربما أنه تكويني الأسري والاجتماعي. وأحيانًا أفكر أن الأمر يتعلق بالمكان وما أصابه من تبدلات، بشكل خاص. أقصد التبدلات القسرية التي أحدثتها فيه التيارات الدينية المتطرفة منذ مطلع ثمانينيات القرن العشرين، وهي تبدلات طالت التدين الصوفي الذي كان يصبغ على المكان روحانية ثرية ومتسامحة، كما طالت الفنون الشفافية والموروث المتعلق بها من رقص وغناء وملابس وعادات وتقاليد بالغة الفرادة، وطالت مظاهر التشارك خاصة بين الرجال والنساء في كل وجوه الحياة. ذلك كله ليس بعيدًا من الحنين الذي ملأني به البعد عن المكان معظم الوقت منذ عام 1990م، عندما انتقلت من الجيلانية، القرية الوادعة في قلب تهامة (غرب اليمن)، إلى العاصمة صنعاء، بدأت التفكير في كتابة رواية سيرية عام 2009م، لكني كنت أنتظر ثلاثة أمور:

أولها: اكتشاف طريقة خاصة ينسرد من خلالها المكان وناسه بتناسج محكم ومتناسب مع حضوري طفلًا في السرد. ثانيها: كتابة الرواية بلغة تجترح نفسها بعيدًا من النماذج التي قرأتها. كنت أريد أن أكتبها بلغة تعبر عن روح المكان نفسه، وعن عوالمه التي تختزنها ذاكرتي بشكل جيد. وأنا من ذلك النوع من الناس الذين يحتفظ وعيهم بمشاهد وأحداث وقعت في وقت مبكر جدًّا من طفولتهم. كنت أذكّر إخوتي الأكبر سنًّا مني بأحداث لا يتذكرونها. وأعتقد أني نجحت في كتابة روايتي كما تخيلتها لغة وأسلوبًا. ثالثها: أني كنت أنتظر لحظة وصولي إلى ذروة النوستالجيا كي أبدأ الكتابة، وقد حدث ذلك بالفعل بين نهاية عام 2019م وبداية 2020م. كنت وقتها أقيم في القاهرة، وكانت قد مرت علي خمس سنوات بعيدًا من اليمن، مات أبي مطلع عام 2018م وأنا في زحمة ذلك الغياب، وأبي يشكل بالنسبة لي روح تلك النوستالجيا، ثم أحاطت بي حروب استهدفتني وجودًا وإبداعًا، وفجأة وجدت نفسي أكتب.

فيما يتعلق بخوف الكاتب العربي من الإقدام على كتابة سيرته الذاتية، فإني أعتقد أن الأمر يمكن تقسيم أسبابه؛ فهناك من يحجم لأن في سيرته ما لا يود تذكره، وهناك من يتملكهم الخوف من الكتابة السيرية نفسها. الكتابة عن الذات صعبة بوصفها فنًّا أكثر من صعوبتها كمحاذير اجتماعية أو ثقافية أو دينية. أعرف كُتابًا حاولوا لكنهم عجزوا؛ لأنهم لم يروا في حياتهم ما يستحق، مع أني أعرف أن في حياة كل شخص ما يستحق، المهم كيف نكتبه

شاعر وناقد يمني

العرب يؤمنون بمبدأ «إذا ابتليتم فاستتروا»

محمد عبيدالله

يخيل إليّ أن السيرة الذاتية بجذورها العربية كثيرًا ما استراحت إلى مبدأ (التحدث بنعمة الله) وفق التسمية التي اختارها جلال الدين السيوطي قديمًا وحسين نصار حديثًا لسيرتيهما، مما يعني التركيز على الجوانب المضيئة وعلى النجاح وما يستدعي الشكر والحمد، وربما شيء من التبرير في بعض الأحيان من دون الصراحة والجرأة الكافية في سرد الأخطاء والتجارب الخاصة المخجلة. وفي هذا تغليب لسياسة «إذا بُليتم فاستتروا»، أدى إلى ضمور ثقافة الاعتراف والصراحة الكلية، وإلى التهرب من الإخفاقات والأخطاء والالتفاف عليها بالتناسي والإهمال وطلب الغفران عنها سرًّا وليس علانية.

نوقن أن حياة الإنسان ليست نسقًا واحدًا من اللياقة والتعفف والبراءة، إلا إذا كان المرء نبيًّا أو وليًّا صالحًا. إنها حياة تتصارع فيها العناصر الخيرة والشريرة، فضلًا عن نسبية الخطأ والصواب، من منظور الفرد، والمثقف الذي غالبًا ما يسبق مجتمعه ويصطدم مع قناعاته. مجتمعاتنا تميل إلى التزييف، ولا يتشابه ظاهرها مع باطنها، ومهمة الكتابة هي إعلان الباطن وفضحه، وهي مهمة من مهمات السيرة الذاتية ووجه من وجوه تحدياتها الكثيرة.

أما تسريب السيرة في الأعمال الأدبية تحت قناع روائي أو قصصي أو شعري، فربما تكون أخف وطأة وأكثر ثراء من السيرة الذاتية الخالصة؛ ذلك أن هذه الأنواع تقوم على عقد ضمني مع القارئ أساسه الخيال لا الحقيقة. والصدق الفني مختلف عن الصدق التحقيقي الذي تطلبه السيرة الخالصة وترنو إليه. وأنا شخصيًّا أقدر كثيرًا من الأعمال الروائية التي شكلت قناعًا سيريًّا لمؤلفيها، حتى وإن كان الدافع الأصلي لمثل هذا التحول يتمثل في محاولة تجاوز خطوط المنع والتشكيك والاستنكار، أي الهروب من سلطة المجتمع وممنوعاته باللجوء إلى الشكل الروائي الذي يبني عقده على التخييل وليس قول الحقيقة.

أضرب على ذلك بأعمال كتاب أردنيين راحلين أعرف تجاربهم: غالب هلسا، مؤنس الرزاز، إلياس فركوح. فهؤلاء الثلاثة كتبوا رواياتهم مستهدين بالخطوط الأساسية في سيرهم الذاتية، وأبطالهم الرئيسون هم المؤلفون أنفسهم، بأسماء مستعارة ووقائع تختلط فيها مساحات الواقع مع التخييل، وفي أعمالهم لقاء خاص وثري بين السيرة الذاتية والرواية والهوية، مما أسهم في تقديم تجارب كبرى مميزة لا تنغلق على فردية السيرة وتدوينها المنغلق.

أما في إطار تجربتي الذاتية فقد تسربت سيرتي ووقائع من حياتي وطفولتي وشبابي في ديوانَيْ شِعر نشرتهما قبل سنين طويلة، هما: «مطعونا بالغياب» (1993م)، و«سحب خرساء» (2005م). يسمح الشعر الغنائي، بشكله التقليدي والحديث، لمثل هذا اللقاء مع السيرة بعد تكثيفها واستخراج ما هو شعري منها. ومع أن الشكل الشائع للسيرة هو الشكل النثري فلا يوجد مانع من كتابة السيرة شعرًا، ولكن هذا النوع الشعري لم ينل حظه من الاهتمام كما هي حال السيرة النثرية.

كاتب وناقد أردني

سربت سيرتي في أعمالي الروائية

نبيل سليمان

في روايتي الأولى «ينداح الطوفان» (1970م)، تسربت من سيرتي أمشاج محدودة، من دون أن يكون ذلك متعمدًا أو مقصودًا، مما يتعلق بسنوات إقامتي في القرية، وعملي معلمًا. وسيأتي مثل ذلك في رواية «ثلج الصيف» (1973م)، مما يتعلق بسفري من بيروت إلى دمشق إلى حلب إلى الرقة، حيث كانت مئات الكيلومترات ترفل بالثلج. أما روايتا «السجن» (1972م)، و«جرماتي أو ملف البلاد التي سوف تعيش بعد الحرب» (1977)، فقد جاءتا (بريئتين) من تسريب سيري. وتلك إذن كانت حصيلة الروايات الأربع خلال سبعينيات القرن الماضي.

غير أن السيرية بلغت في رواية «المسلة» (1980م)، أن حملت الشخصية المحورية فيها اسمي الأول (نبيل). وفيما أعلم كان قد سبقني غالب هلسا وحده إلى تسمية الشخصية المحورية باسمه الأول. وقد جاء ذلك أيضًا في رواية «محاولة للخروج» 1980م، لعبدالحكيم قاسم. وستقوم عام 1985م روايتي «هزائم مبكرة» على السيرية، مما يتعلق بنشأتي وسنوات التعليم في خمسينيات وستينيات القرن الماضي. وقد تقنعت السيرية في هذه الرواية بتبديل اسم الشخصية المحورية للرواية، كما توسلت المواربة بنسبة ما فيما يتعلق بالجنس وبالتابو في مراهقة هذه الشخصية.

من ثلاث وعشرين رواية خلال ثلاث وخمسين سنة، اشتبك السيري بالروائي في الروايات العشر التي ذكرتها. وعلى الرغم مما ذكرت من المواربة ومن القناع- وهما غالبان على حضور السيرة في الرواية العربية بعامة- فقد تنامت جرأتي على تشغيل السيري في الروائي، من رواية إلى رواية. بعد شهور من صدور روايتي الأولى «ينداح الطوفان» يبدو أن قارئًا أو أكثر وشى بالرواية وبكاتبها إلى أسرتين من القرية التي يقيم فيها أهلي، فهاجم كبير إحدى الأسرتين والدي، وهاجمني شاب من الأسرة الأخرى. وقد تحاشيت طويلًا أن يقرأ والدي رواية «هزائم مبكرة» لما فيها من الصبوات الجنسية لظلّ الكاتب: شخصية خليل. لكنني اكتشفت بعد عشر سنوات، إنْ لم يكن أكثر، أنه قرأ الرواية. ولعله كان -رحمه الله- أكثر رحابة مني ومن أمثالي من الروائيين الذين يخاتلون السيرية.

لقد تنامى حضور السيرة في الرواية العربية، وتضاعفت روايات التخييل الذاتي، لكن سطوة النفاق والتحريم والتكاذب لا تزال طاغية في الفضاء العربي الإسلامي عامةً. ومن أسف أن هذه السطوة تضاعفت في البلدان التي عاشت منذ عام 2010م ما عُرف بالربيع العربي. ففي سوريا مثلًا يترصد للروايات السيرية وللسيرة الذاتية، كما للكتابة عامةً، رقيب عتيد من رُقباء السلطان الاجتماعي أو السلطان الديني أو السلطان السياسي. ولا يختلف الأمر إلا بمقدار بين جزء وجزء من أجزاء سوريا المقسمة.

وفي المقابل نجد درجة أعلى من الجرأة في الروايات السورية وغير السورية التي تصدر في بلاد المنافي والهجرات والتهجير.

روائي وناقد سوري

كنت صادقًا في سيرتي فلم يكن لدي ما أخسره

عبداللطيف الوراري

ترك لنا العرب القدامى إرثًا سيريًّا كثيرًا ومتنوّعًا، عنوا فيه بالتأريخ للفرد وترجمة حياته بصورةٍ من الصور. وترافق هذا التأريخ للأفراد واتّسع مداه مع ما عرف بــ(أدب التراجم والطبقات)، الذي تلا عصر الرواية والتدوين، وتمخّض عنه تدوين سير الرجال، مترسّمين «علم الجرح والتعديل»، وهو من التجارب الرائدة في مجال تمحيص تاريخ حياة شخص ما حتى أصبح نموذجًا للمعاجم السيرية التي تناولت، بروح الدقة والصرامة، تراجم الرجال في شتى فنون المعرفة. وفي المقابل، ألف آخرون كتبًا ورسائل قائمة الذات هي بمنزلة تراجم وسير ذاتية صرّفوها، تعبيرًا واعتبارًا، في الحديث عن أهواء النفس وصراعها الروحي، وذكرياتهم، وتحوّلات عصرهم المضطرب، وقلاقل دولهم. وتضعنا هذه الكتب والرسائل أمام حقيقة أن فنًّا من الكتابة اسمه «فن التراجم الذاتية أو السيرة الذاتية» كان موجودًا في الأدب والثقافة العربيين، ويبين عن ملامح واشتراطات ومواصفات خاصة لـ«نوع أدبي» كان يتطور باستمرار، وبالتالي يدحض المغالطات التي شاعت في الأدب الغربي وأشاعها الفكر الاستشراقي أو الكولونيالي والإغرابي بعد ذلك، والقائلة: إن أدب «السيرة الذاتية والاعتراف» إنما هو نوع غربي خالص لم يعرفه غير الأورُبيين.

عندما أقبلتُ على كتابة شذراتٍ من سيرتي الذاتية المسماة «ضوء ودخان» (منشورات سليكي أخوين- طنجة 2016م)، وضعتُ نصب عينيّ مبدأ الصدق على نحو من الأنحاء؛ لأني ليس لي ما أخسره بعد الذي خسرته من أيام حياتي، فكتبتُ وفق ما يمليه عَلَيّ شرطي الإنساني، بما فيه من نواقص ومشاعر متضاربة، إلى حد معقول من الحرية الذي لا يتنافى مع الإبداع، ولكن لا يفتتن بالسنن المجتمعي الضاغط بقدر ما هو يسعى إلى تغييره. إن للسيرة الذاتية، كما قال فيليب لوجون، كينونة جميلة مستحيلة، وليس ثمة من مانعٍ لكي تُوجد. لقد كان لي في شذراتي السيرية مساحات من البوح والاعتراف، فسعيتُ قدر الإمكان إلى أن أقتسم مع قارئي جوانب من شخصيتي منذ طفولتي، وأن أظهر بنواقصي وآلامي وأحلامي، كما أملاها عليّ الحال وقتئذ، وأن أُوجد في صميم هذه الشذرات ما يُشعرني وإياه بشرطنا الإنساني الذي هو جماع مقادير وخيبات ومصادفات تقع في منعرجات الحياة. لكن صدّقْني إذا قلتُ: إنّ شيئًا من الأمان ومن الاستشفاء قد أوجدته لنفسي، وأنا أواصل هذه الشذرات؛ هذه الجرعات.

كاتب وناقد مغربي

إشكاليات السيرة الذاتية في الأدب العربي

محمد الشحات

تُعدّ كتابة السيرة الذاتية من أكثر الأنواع الأدبية إشكالية في الثقافة العربية؛ نظرًا لأن حضورها يرتبط بماهيتها وفلسفتها الوظيفية في بنية المجتمع الذي ينتجها ويتداولها. ولأن أغلب المجتمعات العربية تُضيّق الخِنَاق على الكُتّاب والمُبدعين والمُفكّرين، يغدو الأمر أكثر صعوبة عندما يلجأ الكاتب العربي إلى كتابة سيرته الذاتية في شكل سردي مقصود. ولعل سيرة «الأيام» (1929- 1939م) لطه حسين تُعدّ بمنزلة رأس الحربة في هذا النوع السردي الإشكالي. وما أكثر التحليلات والانتقادات التي واجهت هذا الكتاب لطه حسين، ولا تزال.

تعتمد سردية السيرة الذاتية على نوع من المكاشفة الذاتية التي يمثّلها ميثاق السيرة أو عقد السيرة الذي يُنظر إليه بوصفه عقدًا «قانونيًّا» بين الكاتب والقارئ؛ شرطه الأول «الشفافية» وشرطه الثاني «مساءلة الذات» وشرطه الثالث «إلقاء الضوء على قطاع كبير من حياة الشخصية المحورية»، وسرد تجربتها الحياتية التي غالبًا ما يتخذ راويها من زمان ومكان الطفولة نقطة انطلاق أثيرة تمثّل أغلب بدايات السير الذاتية العربية. وهنا، يمكن للقارئ العربي تأمّل عدد من السير الذاتية الشهيرة في القرن الماضي. بيد أن ثمة إشكالية أخرى ذات مرجعية اصطلاحية أو مفهومية؛ إذ ينبغي التفرقة بين «السيرة الذاتية» و«السيرة الذاتية الروائية» و«رواية السيرة الذاتية» و«التراجم» و«المذكّرات». فالسيرة الذاتية نص سردي يُبئِّر على الذات بما يجعلها محور العملية السردية بأسرها، في توازن كبير بين الذاتي والمرجعي. أما إذا طغت صفة الروائية (أي التخييل) على الواقعي (المرجعي) فنحن بصدد رواية سيرة ذاتية. وهي النوع الأكثر شيوعًا في الثقافة العربية في الآونة الأخيرة، وبعضها ينحرف نحو مجرى الترجمة. وفي أحيان أخرى تهيمن على السرد القيمة المرجعية التي تربط تحولات الذات بالمكان والمجتمع في صعوده وهبوطه.

أما نصوص المذكرات فهي ضرب من السيرة الذاتية التي تُعنَى بالرصد اليومي لسلسلة متوالية من الأحداث المتصلة حيث يهيمن على السرد حضور المجتمع أكثر من حضور الأنا، فضلًا عن سلسلة من الأنواع البينيّة المنبثفة من هذا التداخل المعقَّد بين الذاتي والمرجعي، الواقعي والتخييلي، الإنساني والمجتمعي، كما في فنون «الرسائل» و«الصور الشخصية» (أو اللوحات القلمية أو البورتريهات).

لا تزال السيرة الذاتية العربية تعاني وطأةَ سلطةِ القمع وضيق مساحة الحرية التي لا تكفي كاتبًا واحدًا، كما كان يقول يوسف إدريس ذات يوم بعيد. ولأنها كتابة تحتمي بسلطة التخييل الذي يمنحها بعض الحرية يلجأ الكثير من الكُتّاب العرب إلى حيلة تشبه مبدأ «التقيّة» الذي يمزج فيه الكاتب بين الذاتي والمرجعي والتخييلي في بنية سردية واحدة، بحيث لا يستطيع الرقيب الديني أو السياسي أو المجتمعي مساءلته في القول والمساءلة والمكاشفة.

ناقد وأكاديمي مصري

سأكتب سيرتي على هيئة حكي عن موضوع ما

شهلا العجيلي

يفترض في كتابة السيرة الذاتية قيامها على الحكي الاستعادي، وأن تتسم ببلاغة اللغة، وإحكام البناء، وحسن التقسيم، وأن تجمع أجزاءها روح إبداعية واحدة، وأن تتضمن خبرات ومغامرات تجذب المتلقي، ولا سيما مع سرد المواجهات مع واحد أو أكثر من التابوهات، الاجتماعية والسياسية والدينية، ويمكن كذلك سرد الموقف الذاتي من أحد أحداث التاريخ المفصلية، وتفسيره.

ثمة سؤالان جوهريان في فن السيرة الذاتية؛ الأول عن إذا ما كانت أحداث السيرة وقائعية مطلقة أم تتضمن خيالًا، والثاني عن مدى عد السيرة الذاتية وثيقة تاريخية.

يمكن لكاتب السيرة الاستعانة بعناصر ضئيلة من الخيال؛ وذلك لربط أجزاء عمله، فتبدو في صورة محكمة متماسكة، كأن يستعمل الخيال في وصف فضاءات الأحداث والأمكنة، ولا سيما تلك التي تغيب عن ذاكرته، على ألا يسترسل في التخيل، ومن هنا ننتقل إلى إجابة السؤال الثاني، إذ لا تعد السيرة وثيقة تاريخية حول الأحداث العامة، فقد يتدخل فيها الخيال، كما ستحدد الرؤية الشخصية للحدث مسار تأويله من جانب المتلقي، ولا شكّ في أن رؤية الكاتب الذاتية مما حوله مضادة للرؤية الموضوعية التي يفترض أن تنطلق منها كتابة التاريخ، كما أن السيرة لا تخلو من مراوغات الذاكرة، ولا سيما أن معظم السير تكتب في وقت يكون فيه بينها وبين الأحداث مسافة زمنية طويلة، وإن كنا نفترض الصدق في السيرة الذاتية، وذلك بسبب من ميثاق القراءة بين المبدع والمتلقي الذي أشار إليه أمبرتو إيكو.

يجذبني ذلك الشكل المحدث من كتابة السيرة الذاتية، الذي يركز على علاقة الكاتب بثيمة محددة، ولا سيما إذا كان روائيًّا، فالروائي غالبًا يستنفد سيرته الذاتية في رواياته عبر أحداث ملتبسة، ومحورة، وبشخصيات مقنعة، ويتبقى له، من أجل السيرة، أن يروي ما وراء النصوص، أو الحكايات المتعلقة برحلة الكتابة، أما علاقته بثيمة محددة هي التي تحمل الجديد غالبًا. من ذلك ما فعله إبراهيم عبدالمجيد في كتابة سيرته مع السينما وعالم الأفلام في كتابه «أنا والسينما»، وما فعلته إيزابيل الليندي في «أفروديتيّات»، وما فعله الدكتور عبدالسلام العجيلي في كتابه «جيش الإنقاذ»؛ إذ كتب تجربته في حرب 1948م، وكانت سيرة ذاتية عن علاقته بفلسطين، وفيها كثير ممّا غاب عن المتلقّي في تلك المرحلة، ولعلّي أفكّر في كتابة سيرتي الذاتيّة بهذه الطريقة، أي بربطها بموضوع معيّن، ولا شكّ في أنّني لا أفكّر هذه اللحظة في مدى شجاعتي، وبما يمكن أن يقال، أو بالطريقة التي سنتحايل فيها على ما لا يقال، فذلك بالطبع رهن بلحظة الكتابة وبظروفها التاريخيّة.

روائية وأكاديمية سورية

السيرة الذاتية الحرة علامة على صحة المجتمع الثقافي

أمين الزاوي

السيرة الذاتية، بالنسبة لي، هي الحفر بعمق في الأعماق، أعماق الذات الكاتبة، الحفر بعنف ومن دون تحفظ، السيرة الذاتية هي قرينة الحياة، يجب أن تكتب بمرها وحلوها، بأخطائها وتهوراتها، بوسخها ونظافتها. وكتابتها تشبه «الحكة»، فكلما حك الكاتب المكان ازدادت لذة الحك أكثر وأعنف، واختلط الألم بالمتعة. وهي تقليب شجاع للأقاليم المسكوت عنها، وفتح الأبواب الموصدة كي يدخل الهواء، ويدخل القارئ إلى أعماق حياة الكاتب بكل تفاصيلها. وكل كاتب حقيقي بداخله جرح ما، يحمله على كتفيه كالصليب، وهي حالة «باثولوجية» لا تشفى إلا بكتابة السيرة الذاتية الصادقة المحرِّرَة.

وكتابة السيرة الذاتية ليست مرتبطة فقط بشجاعة الإفصاح عند الكاتب، ولكن أيضًا بمدى سقف الحرية الشخصية التي يمنحها المجتمع للفرد، ولأن هذه الحرية مفقودة أو محاربة في المجتمعات العربية والمغاربية فإن السيرة الذاتية غائبة. فالمجتمعات التي يحضر فيها الرقيب الديني والأخلاقي بشكل قامع لا يمكن فيها لكتابة السيرة الذاتية المتحررة أن تزدهر.

وكلما كانت ثقافة «القطيع» سائدة انتفت كتابة السيرة الذاتية الصادقة، تلك التي تبحث عن الفرد في تجلياته الحرة والمستقلة. ونحن أمام مجتمع «متدين» بامتياز، «تدين» مظهري وجماعي، وكل من يخرج عن ذلك فهو «كالذئب» الضائع الذي يسهل مطاردته.

وفي المجتمعات التي تقرأ الأدب بمقياس «العيب» و«الخجل» لا يمكننا تصور ازدهار كتابة السيرة الذاتية المتحررة والصادقة. أما في المجتمعات الغربية القائمة على احترام الحريات الشخصية كقيمة أساسية في المواطنة وحقوق الإنسان، والقائمة على «ثقافة الاعتراف» و«الغفران» كقيمة أساسية في الفكر المسيحي، ففي هذه المجتمعات تزدهر كتابة السيرة الذاتية العميقة الصادقة.

هذا الواقع السيكوثقافي والديني يجعلني أضحك وأنا أقرأ بعض ما يسمى بسيرة ذاتية في الأدب العربي والمغاربي المعاصر، إنها نصوص يبدو فيها الكاتب وهو يستعرض حياته كأنما يستعرض فصول حياة «ملاك» لا يخطئ ولا يذنب ولا يكفر ولا يخون، إن الطهرانية هي مرض عضوي في كتابة السيرة الذاتية عند الكتاب العرب. شخصيًّا كتبت سيرتي الذاتية وبكثير من الحرية ولكني لم أنشرها بعد، ليس خوفًا، لكني أعتقد أن الفرصة المناسبة لنشرها، نظرًا لما تحمله من نبش في ذاكرة طفل ومراهق وشاب من تفاصيل المحيط العائلي وحياة الأصدقاء، غير متوافرة حتى الآن.

روائي جزائري

السيرة الذاتية نتاج الذاكرة أكثر من الواقع

عبدالمقصود عبدالكريم

السيرة الذاتية نوع أدبي فريد، يعشق قراءته قُرّاء كثيرون، ومع ذلك يمكن الحديث عن ندرته النسبية، وبخاصة في مجتمعاتنا، الناطقة بالعربية. وبداية علينا التمييز بين «السيرة» التي يكتبها كاتب أو باحث عن شخص آخر، و«السيرة الذاتية» التي يكتبها صاحبها نفسه، أو يمليها على صحفي أو كاتب كما في السير الذاتية لبعض السياسيين البارزين. لكن الأمر يختلط أحيانًا، حين تكتب زوجة، على سبيل المثال، عن حياتها مع زوجها الكاتب أو الشاعر البارز، حينها يكون الكتاب سيرة ذاتية للزوجة وسيرة للزوج، ويقع في هذا الإطار كتاب انتهيت من ترجمته للتو، من تأليف فريدة لورانس، زوجة د. هـ. لورانس، عن حياتها مع لورانس، ويعتمد في جزء كبير منه على رسائل لورانس.

أول ما يخطر على البال عند الحديث عن السيرة الذاتية ومحاولة وصف هذا النوع الأدبي أنه نوع انتقائي رقابي، نوع يخضع للذاكرة وهي انتقائية بامتياز، ويخضع لأنواع شتى من الرقابة. وأفترض هنا مبدئيًّا أن الكاتب يحاول باستمرار توخي الصدق والدقة بقدر المستطاع.

أكرر كثيرًا أن الذاكرة تعمل بآليات معقدة يصعب تفسيرها غالبًا، وأنها تعمل بفلسفة خاصة بها. ربما يندهش معظمنا من أن ذاكرتنا تحتفظ بأشياء تبدو بالغة التفاهة وكثيرًا ما تنسى أحداثًا ربما نظن أنها بالغة الأهمية. أكرر هذا الآن لأن السيرة الذاتية تعتمد على الذاكرة، والذاكرة تنتقي وتزين وتحرف، وتحتفظ في معظم الأحيان بتفسيرنا الخاص للأحداث وصياغتنا الخاصة لها وليس بالأحداث نفسها. وبالتالي علينا أن ننظر إلى ما نكتبه من الذاكرة بريبة، بصرف النظر عن الدقة والصدق. وبالتالي يمكن القول: إن السيرة الذاتية نتاج الذاكرة أكثر مما هي نتاج الواقع، الواقع كما حدث بالفعل. ويمكن أيضًا إضافة أن الذاكرة لا تعرف الحياد غالبًا وأن ما تخزنه يتأثر بداية بانحيازنا.

نأتي إلى النقطة الثانية، وهي الرقابة. بداية في انتقائية الذاكرة نوع من الرقابة اللاشعورية، يمارسها اللاشعور في قمع أحداث لا نتحمل تذكرها، باختصار أسوأ من أن يتحمل الدماغ تذكرها. وهناك الرقابة الذاتية الواعية التي نمارسها بوعي، باستبعاد أحداث معينة لأننا نرى أنها تسيء إلينا، أو بمحاولة تزيينها وتفسيرها بما يتلاءم مع مزاجنا. في النهاية كتابة سيرة ذاتية حلم يراودني منذ زمن طويل، فقط أنتظر اللحظة المناسبة، واختيار الشكل المناسب لكتابتها، ومن الغريب أن يحيرني اختيار اللغة، وحتى لا يذهب الخيال بعيدًا، الاختيار هنا بين العربية الفصحى واللهجة المصرية، وربما تأتي في النهاية مزيجًا منهما.

شاعر ومترجم مصري

السير الذاتية أكثر مبيعًا من الرواية

خالد لطفي

كُتُب السير الذاتية من أكثر الكتب مبيعًا الآن في المكتبات، حتى إنها تفوقت على الأعمال الروائية، وبخاصة سير المشاهير مثل سيمون دي بوفوار، وجورج أورويل والأمير هاري وغيرهم، ربما لأن الناس تفتقد إلى القدوة الآن، أو أنهم يبحثون عن النماذج الناجحة كي يعرفوا سر نجاحها. فقصص المشاهير من رجال الأعمال تلقى رواجًا كبيرًا؛ لأن الناس تبحث عن الحقيقة أو الشيء المفيد بالنسبة لهم، وليس مجرد حكاية أو قصة خيالية، حتى ندوات الكتابة الذاتية تلقى إقبالًا كبيرًا. بما يعني أن الناس لديها رغبة في معرفة أسرار وتفاصيل حياة المشاهير، وربما هذا هو السبب في أن السير الذاتية التي تحتوي على حقائق وأسرار جديدة من الأعمال الأكثر مبيعًا. كذلك تأتي كتب التنمية البشرية، بما تقدمه من خبرات ونصائح للقارئ، في قائمة الأعمال الأكثر مبيعًا، ومعها كتب الرسائل، مثل رسائل سيمون دي بوفوار وبول سارتر وهنري ميلر، ورسائل غسان كنفاني التي لاقت قبولًا واسعًا، لكن هذا النوع من الكتب مثله مثل كتب السيرة الذاتية لا يوجد كتاب كثيرون له في العالم العربي.

في العموم ليس هناك كتاب كثيرون يحرصون على كتابة سيرهم الذاتية، فهناك كتابة ذاتية، لكنها ليست سير ذاتية، أي أنهم يكتبون روايات بها جانب من ذاتهم، وهذه أيضًا يقبل الناس على شرائها. وبعضٌ لديهم في حياتهم ما يستحق الكتابة والإقبال على شرائه، لديهم قصص نجاح يسعى الناس لمعرفة تفاصيلها، لكن ليس كل الناس لديهم الشجاعة كي يكتبوا سيرهم، وليس كل سيرة تستحق الكتابة.

مدير مكتبة تنمية بالقاهرة

أن تكتب امرأة سيرتها أن تشق بُرقعها لتَرى وتُرى

هدى الدغفق

أحسب أن من تكتب سيرتها أو تسجل اعترافاتها كاتبة شجاعة؛ فهي تخوض معارك غير مضمونة النتائج مع ذاتها ومع ذوي القربى والمجتمع، ثم مع الوسط الإعلامي بل العالم كله. لقد عانيت ألوانَ الهواجس التي ظلت تكدر لحظات كتابتي، كما تمثل لي رقيبي الذاتي وهو يحاصرني شبحًا عصيًّا. ولقد نجحت في مقاومته ليتراجع شيئًا فشيئًا، وذلك بفضل مقدرتي على إقناع ذاتي بأنني لن أنشر ما أكتبه. وذلك ما حفزني لأواصل كتابة كل ما تذكرته عن طفولتي ومراهقتي وشبابي وزواجي وطلاقي وما بعده من دون تحفظ.

أما عنوان كتابي وهو «أشق البُرقع أرى». فلقد توقعت تلك الهجمات التي اعترضت طريقي قبل النشر وبعده مثل عدم فسح كتابي وعدم قبول المتلقي التقليدي للعنوان حسب تفسيره؛ ولذلك هداني حدسي إلى أهمية كتابة مقدمة توضيحية، وكانت فيما بعد حجة لي ذكرت فيها: «كل ما يحول دون ذاتي، كل ما يحول دون رؤيتي، برقع سوف أشقه لأَرى وأُرى».

ولعل تداول وسائل التواصل الاجتماعي وانتشار الحسابات الخاصة والتفاعل مع التعبير الذاتي والتهافت على الكتابة والتفاعل اللحظي وشجاعة المستخدمين في الكتابة عن حياتهم ونشر يومياتهم، هو ما دفعني إلى المسارعة بنشر كتابي؛ فلقد خشيت أن يهدأ حماسي لكتابته ويتغير رأيي بنشره. لذلك عندما أخبرتني دار النشر أنها سوف تؤجل طباعة كتابي عامًا آخر تركتها إلى دار نشر غيرها.

لقد فوجئت بما أشعر به من وحشة مكانية وأنا أحرر كتاب «أشق البرقع أرى» حيث اضطرني ذلك إلى الابتعاد مكانيًّا لألوذ بذاتي عن الرقيب الاجتماعي الذي أحسست بأنه يجثم على جمجمتي، فاخترت الارتحال إلى بعض البلدان؛ كي أحتفظ بروح شجاعتي في السرد. لقد كان الصباح والنهار بشكل عام فرصة حقيقية اقتنصتها للتخلص من شعوري بالرقيب وأنا أكتب سيرتي تلك. فالشياطين لا ترى في الشمس. وبرغم صعوبة الأمر فقد تغلبت على قلقي من موقف بعض الأسماء التي وردت في سيرتي من صديقات وزملاء ومعلمات ومن عائلتي وبعض أقاربي، ومن المؤسسات الحكومية التربوية والثقافية وغيرها.

لم أعرض كتابي «أشق البرقع أرى» على أحد لاستشارته قبل طباعته؛ لأنني لا أريد أن أتأثر برأيه وأفقد شهية السرد. فقد ألمحت لبعض الصديقات عن عزمي على نشر سيرتي وحذرنني من ذلك. قال لي أحدهم: لا يجدر بك أن تكتبي سيرتك قبل الستين، لكن اقتناعي بضرورة كتابة سيرتي من دون الالتزام بالأفكار التقليدية غير العلمية شكل لي تحدّيًا لمواصلة كتابتي؛ لعلي بذلك أفتح بابًا ظل مغلقًا مدةً من الزمن ليس في السعودية وحسب، بل في منطقة الخليج كلها وهو أدب السيرة الذاتية.

بعد طباعة «أشق البرقع أرى» خضت معارك مع تلك القراءات التي حكمت على الكتاب من عنوانه فقط من دون قراءة مضمونه. فلقد انهالت عليَّ انتقادات عبر تويتر والفيسبوك حول العنوان، بل إن بعضهم بعث بردود أفعاله إلى وزارة الثقافة والإعلام آنذاك، وكتب إلى قسم الرقابة مطالبًا بمنع بيع كتاب «أشق البرقع أرى» أو تداوله. فيما كتب بعضهم رأيه بحيادية مثل الأستاذ منذر عياشي الذي أشار في مجلة اليمامة قائلًا: «كتاب لامرأة تحب المرأة السعودية». وهذه الغاية الحقة من كتابة سيرتي وهي مساعدة النسوة في بلادي بشكل خاص، على تجاوز أزماتهن في تجاربهن الإنسانية والعائلية البسيطة.

لا أخفيكم أن هناك اعترافات لم تعلم بها عائلتي مثل تجربة تدربي على السياقة في مدارس تعليم السياقة بالبحرين، وسفري للمشاركة في بعض المهرجانات الثقافية الأدبية كشاعرة، ولقد كانت تلك البلاد تعيش ثوراتها آنذاك. ولعلي أردت أن أخبر عائلتي عن ذلك من خلال سيرتي التي عرفتني بي ومكنتني من تحليل كثير من المواقف الاجتماعية والواقع؛ إذ عشت حوارًا ذاتيًّا يستقرئ تفكيري وأنا أكتب. وكانت سيرتي مسكّنًا أحاطتني بحالة من الطمأنينة الأدبية والروحية. لم تكن سيرتي ثائرة بل كانت واقعية فيما ترويه. وهي وإن كانت فردية عند بوحها فقد أضحت جماعية بعد قراءتها من الآخرين وهذا هو العزاء.

شاعرة سعودية


ليس في سيرتي الذاتية ما يستحق الكتابة

محمود الورداني – قاص وروائي مصري

أتكئ في قصصي ورواياتي على ما عشته وما شاهدته وما لمسته. والاتكاء لا يعني أن تكتب ما جرى، إذ لا يمكن أن تكتب ما جرى أصلًا؛ لأن الكتابة عملية خلق، وهي تستكمل تفاصيلها في أثناء عملية الكتابة ذاتها، فليس كل ما جرى لك صالحًا لأن تسجله، وإلا فسوف تسجل ما لا يندرج في الكتابة؛ لأن الكتابة عملية خلق وليس تسجيلًا، وعندما أبدأ في كتابة أي عمل لا تكون الصورة واضحة في ذهني، بمعنى أن ما أنوي كتابته لا يكون واضحًا في ذهني، فأنا أتعرف إليه في أثناء الكتابة وليس قبلها. خبرتي بالناس وبالمدينة والحواري والشوارع التي عشت فيها والأعمال التي اضطررت لممارستها منذ طفولتي، كل هذا هو الخلفية أو الزاد الذي أستمد منه الكتابة، أنا لا أعرف مثلًا كيف يعيش الفلاحون، لا أعرف كيف يعيش أبناء الأرستقراطية، لا أعرف تفاصيلهم الملموسة، ولا روائحهم، ولا أستطيع أن أكون مفتعلًا، ولا بد أن ما أكتبه في نطاق خبرتي المباشرة. ومن ثم الإدراك الحسي، وهو السبيل لرؤية هذا العالم أو ذلك، يعني أن تسم رائحته، وأن ترى ألوانًا بعينها، وتشم أنفاس من تكتب عنهم. هناك عمل لي قريب جدًّا من حياتي الشخصية وهو «بيت النار»، وهو يتتبع المهن التي عمل بها الروائي منذ طفولته حتى وجوده في السجن بسبب سياسي. كل ما ورد في هذا العمل قريب مني، ولكن ليس هناك تفصيلة واحدة حدثت بالفعل لي، فأنا حين أكتب أتحرر بالفعل من السيرة؛ لأنه لا يجوز لي أن أسجل السيرة، فأنا أستسلم للكتابة ذاتها، فالكتابة هي التي تقودني وليس العكس، قد أبدأ الكتابة عن شخصية ما، وأظنها شخصية طيبة، لكن قد تقودني الكتابة عنها إلى شكل مختلف عن ذلك.

أعرف جيدًا مشكلة كتابة السيرة الذاتية والتعبير فيها عن تفاصيل خاصة أو حجرة في مجتمع مثل مجتمعاتنا، كما حدث مع لويس عوض حين كتب «أوراق العمر»، لكن بالنسبة لي الأمر مختلف، فأنا لا أشعر أن لدي ما أخجل منه في سيرتي الذاتية، لكني لا أرى أن حياتي الشخصية مهمة. وحين حاولت كتابة سيرتي الذاتية في كتاب «الإمساك بالقمر»، الصادر منذ عامين، كتبت عن سيرة الجيل الذي أنتمي إليه، والمدة التي عشتها معه، وانتسبت فيها إلى جماعة أدبية، وذوق أدبي جديد، وعن المغامرة السياسية التي أشرف بالانتماء إليها، ولم أشعر أنني بحاجة للكلام عن أمور شخصية، ربما لأنني كما قلت لا أرى أن سيرتي الذاتية في حد ذاتها تستحق التوقف أمامها والكتابة عنها وحدها، لكن بالتأكيد تأمل ما جرى مع جيلي ومرحلتي أمر يستحق الحديث عنه، وهو ما أسعى إليه في كتاباتي الروائية والقصصية.


هوامش:

(1) Franz Rosenthal, “Die arabische Autobiographie”; in: Studia Arabica 1 (Analecta Orientalia 14), 1937, p.11 : “Das autobiographische Schaffen im Islam ist weniger an die Persönlichkeit als an die Sache gebunden. Die Erlebnisse des Einzelnen bieten nicht als solche an sich den Anreiz zu ihrer Mitteilung, sondern nur durch ihren allgemeinengültigen lehrhaften Gahalt.”

(2) جلال الدين السيوطي، كتاب التحدث بنعمة الله (العباسية: المطبعة العربية الحديثة، 1975م) ص 3.

(3) Thomas Philipp, “The Autobiography in Modern Arab Literature and Culture”, in : Poetics Today 14: 3 (Fall 1993).

(4) Cf. Dwight F. Reynolds (Edited by), Interpreting the Self. Autobiography in the Arabic Literary Tradition (London: University of California Press, 2001), pp. 72 sqq.

(5) Cf. Georges May, L’autobiographie (Paris : PUF, 1979, 1984), pp. 17 sq.

(6) إحسان عباس، فن السيرة (بيروت: دار صادر، 1956م)، ص 35.

(7) Delphine Scotto di Vettimo, “L’écriture autobiographique : un plaidoyer pour l’intime”, in : Connexions 105/ 2016-1, pp. 109 sq.

(8) L. Wittgenstein, Philosophical Investigations, § 256.

(9) Anatole France, Le Livre de mon ami (1885).

(10) Georges Gusdorf, Les écritures du moi. Lignes de vie 1 (Paris : Odile Jacob, 1991).

(11) Cf. Philippe Lejeune, Le Pacte autobiographique (Paris : Seuil, 1975).

(12) Georges Gusdorf, Les écritures du moi. Lignes de vie 1, op. cit. p. 11.

(13) Ibid.

(14) Vincent Colonna, L’autofiction (essai sur la fictionalisation de soi en littérature). Doctorat de l’E. H.E.S.S., 1989, pp. 16 sqq.

(15) Roland Barthes, Le lexique de l’auteur (Pars : Seuil, 2010), p. 100.

(16) J. Rancière, “Politiques de l’écriture”, in : Jean-François Côté et Régine Robin (dir.), “La sociologie saisie par la littérature”, Cahiers de recherche sociologique, n° 26, 1996, p. 19-37.

(17) Leigh Gilmore, The Limits of Autobiography. Trauma and Testimony (London: Cornell University Press, 2001).

(18) Ibid. p. 11.

(19) M. Foucault, L’Usage des plaisirs, Gallimard, 1984, p.15-16.

(20) إيف ستالوني، الأجناس الأدبية. ترجمة محمد زكراوي (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2014م)، ص 214.

(21) Georges May, L’autobiographie, op. cit. pp. 41 sq ; 55 sq.; 81 sq.; 86 sq.

(22) Cf. Catherine Chabert, Féminin mélancolique, Paris, Puf, 2003.

(23) [بلا مؤلف]، رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان. مع ملحق بمقتطفات من آراء نقدية لـ 220 كاتبة وكاتب. قدمت لها: غادة السمان (بيروت: منشورات غادة السمان، ط. 1، 1992م، ط. 13، 2022م)، صص 109-183.

(24) نفسه، ص 4.

(25) Leigh Gilmore, The Limits of Autobiography. 8

(26) Julian Henriques et at., Changing the Subject: Psychology, Social Regulation and Subjectivity (London: Methuen, 1984), 117.

(27) Susan Friedman, Mappings.

(28) Bronwyn Davies, “The Concept of Agency: A Feminist Poststructuralist Analysis,” The International Journal of Social and Cultural Practices, no. 30 (December 1991), 43.

(29) حاتم الصكر، السيرة الذاتية النسوية: البوح والترميز القهري. مجلة فصول، عدد 63، 2004.

(30) Shari Benstock, “Authorizing the Autobiographical.” In Feminisms: An Anthology of Literary Theory and Criticism. Warhol and Herndl, eds. New Brunswick, N.J.: Rutgers U P, 1991, . . 1040-57.

(31) Liz Stanley, “The Knowing Because Experiencing Subject: Narratives, Lives and Autobiography.” Lennon et al., eds. 135

(32) Teresa de Lauretis, (1984). Alice Doesn’t: Feminism, Semiotics, Cinema. Bloomington: Indiana U P, 159.

(33) Caren Kaplan. (1996). Questions of Travel: Postmodern Discourses of Displacement. Durham: Duke U P.

الجزيرة العربية في مرآة الحاضر

الجزيرة العربية في مرآة الحاضر

الكتابات‭ ‬العربية‭ ‬القديمة وحضورها‭ ‬الثقافي

سليمان بن عبدالرحمن الذييب
باحث سعودي ومستشار ثقافي في مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية

يرد بعض الباحثين التطور الإنساني والاجتماعي والمنجز الثقافي في شبه الجزيرة العربية إلى أمرين هما: الموقع والبيئة، وأهمها توافر المياه؛ لذلك يطلقون على مدنها وممالكها اصطلاح «الواحة/ الواحات»، مثل: تيماء، وددن في شمال غرب المملكة، والخرج، والأفلاج في وسطها، وأدوماتو (الجوف)، وجبة في شمالها، والفاو في جنوبها… إلخ.

وقد أغفل هؤلاء بحسن نية أو تعمد -من دون وجه حق- أهم عامل في هذه الإنجازات الثقافية والحضارية، وهو «الإنسان»؛ فلا شك أن من مقومات الاستقرار الدائم، أو حتى المؤقت، الموقع وبيئته المحيطة، التي تؤدي دورًا في إغراء الإنسان ودفعه إلى الاستقرار فيه، لكنه ليس العامل الأهم. ونرى أن إغفال دور الإنسان وتفاعله فيه إجحاف كبير يحتاج إلى وقفة قوية؛ لذلك علينا رد إعمار شبه الجزيرة العربية إلى إنسانها العربي الذي قطن وأسس وأنشأ ما أكد تفاعله مع بيئته وابتكاره الأساليب والمناهج الناجعة لتطويعها وتصالحه معها، وبما ابتكره من أساليب بهدف تطويع قسوتها لتكون في يده سهلة وسلسلة، فاستخدم مثل غيره حيواناتها وطيورها فيما انعكس على مصلحته فعرف دقائقها وأسرارها.

توظيف البيئة المحيطة

تبين لذلك الإنسان، مع دقة الملاحظة، قدرة القنفذ في قضائه على الدواب المضرة على مزارعه، فلم يتردد العربي في حائل الإشارة في نقشه الثمودي، العائد إلى منتصف الألف الأول قبل الميلاد، إلى اصطياد قنفذ للاستفادة من مميزاته في علاج عدد من الأمراض، أو العربي في تيماء الذي عَرَفَ أن بعض الأمراض لا علاج لها إلا «العزل» فكتب نقشه بالقلم الآرامي. إضافة إلى ما كشفه من تعامله مع بيئته (الحيوانية والنباتية) من منافع عدة لها، مثل: الجمال والثعابين، بما تقدمه من أمصال ناجعة لعلاج أمراض الإنسان والحيوان، وكذلك نبتاته الصحراوية والجبلية ودورها الغذائي والصحي (الطبي). كما أبدع العربي في مدينة الفاو في تصريف المياه الداخلية، وهو أسلوب سبق العربي غيره في هذه البقعة من العالم، وغيرها من الأمثلة الدالة على تفاعله مع بيئته ونجاحه في إنجازات لا يتسع المقام لطرحها.

ومن أهم ما يحسب لإنسان هذه الجزيرة الشامخة بقبائلها وقيمها استخدامه للكتابة بشكل لافت مقارنة بأقرانه داخل شبه الجزيرة العربية وخارجها. فما إنْ تَوصَّلَ إنسانُ بلادِ الرافدين ولاحقًا المصري القديم إلى اختراع الكتابة الذي فتح للبشرية أبوابًا واسعة، حتى شارك إنسانها في تطوير هذا الاختراع المذهل الذي غَيَّرَ وجه البشرية، فكان للقبائل الفينيقية المهاجرة من شرق شبه الجزيرة العربية إلى لبنان السبق في هذا التطوير المذهل باختراعه للأبجدية، فتخلى العالم عن مئات الرموز والعلامات التصويرية إلى: «كل حرف له صوت وكل صوت له حرف»؛ وإن كان العربي قد توصل إلى الأبجدية في غير بيئته، أي بعد هجرته، فإنه نجح في تطوير قلمه النبطي من القلم الآرامي في مدينة تيماء، واشتق الحرف العربي الحالي من النبطي في مدينة «ددن» العلا داخل بيئته وأرضه.

أمر لافت

ويعود استخدام العربي للقلم الثمودي -على الأقل- إلى القرن الثالث عشر قبل الميلاد، الذي يُعَدّ حتى اليوم أقدم خط عربي داخل شبه الجزيرة العربية. واللافت في هذه العجالة -مع أن قبائل شبه الجزيرة العربية ذات عرق واحد- أن كل قبيلة (قبائل) اختارت قلمًا مختلفًا لكتابة لهجتها؛ وهذا أمر لافت لنا، فما الذي دفع العربي الشمالي لاختيار أحرف مختلفة عن التي استخدمها أخوه العربي في وسط الجزيرة وجنوبها أو العكس؟ فهل هو دافع الهوية الإقليمية والاعتزاز القبلي؟ والأغرب أن القبائل الجنوبية التي لم تتحد تحت قيادة سياسية واحدة في تاريخها إلا مدة قصيرة- أصرت على استخدام لهجتها عند كتابة نقوشها.

وبعيدًا من أسباب هذا الإصرار الذي لم يقتصر على شبه الجزيرة العربية وشعوبها، بل نجده في العراق وبلاد الشام (سوريا الكبرى) فإنه يجب القول: إن العربي تميز مِن غيره ليس فقط في تعدد أقلامه، بل في العدد الكبير لنقوشه التذكارية على وجه الخصوص التي خطها العوام، على الضد من الشعوب الأخرى التي يغلب على كتاباتها إما الجنائزية أو السياسية. وأهمية هذا النوع من النقوش العربية تكمن في أن الكتابة لم تكن كما هي عند الشعوب الأخرى، حكرًا على فئة معينة من المجتمع، بل شائعة لدى أفراد المجتمع العربي كافة؛ لذلك وجدناها في الصحارى وعلى واجهات الجبال، وفي مناطق متباعدة، وتعكس لا شك معرفة العربي القديم وإتقانه للكتابة الناتج عن وجود مدارس تعليمية خاصة بهم. كما تعكس الحرية الاجتماعية والدينية التي عاشها العربي في جزيرته وجعلته محبًّا للحرية والانطلاق، لا الانكفاء والانعزال.

أقسام الكتابة

وكتابات شبه الجزيرة العربية -إذا استثنينا النقوش القادمة من خارجها، مثل: المسمارية الرافدية (تيماء) والهيروغليفية (تيماء) واللاتينية واليونانية (أماكن عدة) والعبرية (عسير والعلا)، والسريانية (نجران)، والتدمرية (الجوف)- تنقسم ثلاثة أقسام هي:

الأول- المسندية: أطلق هذا المصطلح من قبل عدد من المؤرخين المسلمين على نوع من الكتابة التي وجدت آنذاك في اليمن؛ لاستقامة حروفه فجاءت كأنها مستندة إلى دعائم، وقيل: لأن نصوصه تسند على ألواح حجرية أو معدنية. وكلمة م س ن د، تعني في اللغات العربية الجنوبية «نقش، لوح نذر عليه نقش، نص منقوش».

وفي الوقت الحاضر يطلق هذا المصطلح على أقلام عدد من اللغات أو اللهجات التي تطابقت وتشابهت في عدد من الظواهر اللغوية. وقد قسَّمها الدارسون ثلاثةَ أقسامٍ، هي:

أ- الشمالية: قلم نشأ في شمال شبه الجزيرة العربية، وانتشر بعضها في معظم مناطقها، وتمتاز بأن أغلبها نقوش اجتماعية نبعت من أفراد الشعب، عكست مشاعرهم واهتماماتهم. وأكثرها انتشارًا وعددًا هي النقوش المعروفة بالثمودية، نسبة إلى القبائل التي ذُكرت مرات عدة في النقوش الآشورية والسبئية والنبطية واليونانية وغيرها. وكان انتشارها واسعًا؛ فقد تعدى شبه الجزيرة إلى إيطاليا. ونظرًا لطول مدة استخدامه التي زادت على الألف والنصف (1500 عام) فقد قُسمت استنادًا إلى أشكال حروفه، واتجاه كتابة النقش، والاختلاف في المفردات إلى: الثمودي المبكر، والمتوسط (الانتقالي) والمتأخر. أما الدادانية التي تناولت معظم نقوشها الجانب الديني وتقديم الزكاوات عن ثرواتهم وممتلكاتهم الثابتة وغير الثابتة، فانتشرت فقط في منطقة العلا وشمالًا حتى تبوك. في حين امتازت الكتابات المعروفة تجاوزًا بالصفائية بذكرها النسب إلى الجد العاشر وأحيانًا إلى الحادي عشر، كما هو معروف عند العرب حتى يومنا هذا.

ب-  الجنوبية: قلم عدد من اللغات أو اللهجات عند بعضٍ -مصدره الأصلي جنوب شبه الجزيرة العربية؛ وقد استَخدَمه عددٌ من شعوب اليمن القديم وممالكه. وعندنا أن خط المسند الجنوبي اشتق من الثمودي، والأخير تطوّر من خط يُعرف باسم «الخط العربي، الخط الأم أو الخط العربي القديم» (Proto-Arabic) الذي تطوّر من الخط الكنعاني القديم (Proto-Canaanite)، في حدود القرن الرابع عشر/ الثالث عشر قبل الميلاد، بمعنى آخر أنه الخط الوسيط بين الخطين الكنعاني القديم والمسند الجنوبي؛ لذلك فإن المسند الجنوبي تطوّر من المسند الشمالي.

وقد انتشر استخدام المسند في العديد من المواقع داخل شبه الجزيرة العربية وخارجها. أمّا داخلها، فعُثر عليه -إضافة إلى موطنه الأصلي اليمن- في مواقع عدة في المملكة العربية السعودية، مثل: قرية الفاو (قُرية) الواقعة جنوب مدينة الرياض، والعلا في الشمال الغربي للمملكة، وكذلك بكميات متفاوتة في كثير من المواقع داخل السعودية من نجران جنوبًا إلى تبوك شمالًا والأحساء شرقًا. كما كان لهذه اللغات المسندية استخدام واضح في عدد من المواقع
في سلطنة عُمان.

أما خارج شبه الجزيرة العربية، فإنه على الرغم من قلة النقوش مقارنة بما وجد في شبه الجزيرة العربية، فقد تعددت أماكنه، فعلى سبيل المثال وجدت نقوش في موقعي «أور ونيبور» ببلاد الرافدين، وفي مصر وجارتها الشمالية الشرقية فلسطين وتحديدًا في موقع «تل خليفة» (إيلات)، حيث عُثر على جرة تعود إلى القرن الثامن أو السابع قبل الميلاد. ونظرًا للفروق والاختلافات فقد قَسم الدارسون المسند الجنوبي إلى خمس لغات/ لهجات استنادًا للمنطقة الجغرافية أو الكيان السياسي، وهي: السبئية، والمعينية، والحضرمية، والقتبانية، والأوسانية. وأكثرها انتشارًا خارج اليمن هو الخط المعيني الذي وُجِدَ حيثما استقر التاجر المعيني، الذي جاب الأرض للتجارة، مثل: جنوب نجد وشمال الحجاز ومصر.

الثاني- الغربية: هي الكتابات التي عُرفت في سوريا الكبرى، ومنها الأوجاريتية والفينيقية والإبلاوية، وهي كتابات أبجدية عكست القيمة الحضارية لهذه الشعوب ودورها الحضاري والثقافي في الجدار الحضاري. ويهمنا منها النقوش التي وجدت في شبه الجزيرة العربية، وأهمها: الآرامية بقسميها المبكر والدولي، الأول سُجل في العلا (ددن)، والآخر في تيماء والعلا والشارقة، وجبال كوكب في نجران:

الثالث- الشرقية: هي النقوش المعروفة بالحسائية، وقد انتشرت في منطقة الأحساء بقلم عربي جنوبي، وبلهجة شمالية. وهي نقوش وكتابات لم يبدأ فعليًّا في الاهتمام بها إلا في السبعينيات من القرن الماضي، عندما سمح الملك فيصل -رحمه الله- لبعثة «كندية- أميركية» إجراء مسح في شمال وشمال غرب المملكة. وقد قدمت كثيرًا عن إنسان هذه الجزيرة، وبينت دوره الفعّال فيما أسميه الجدار الحضاري، فساهم مثل غيره من شعوب العالم القديم في بناء هذا الجدار، وهذه الاكتشافات على الرغم من قصر مدة البدء فيها، فإنها أظهرت أن حضارة إنسان الجزيرة (العربي) لم تكن فقط ثقافة شفاهية، توارثت العادات والأفكار، بعكس كثير من الحضارات الأخرى، بل مادية أيضًا، فهذا المجتمع يعود إليه أقدم رسم للكلاب المستأنسة في العالم، وأقدم رسوم ثلاثية الأبعاد، وأقدم رسم لمخططات (خرائط) صيد الحيوانات، وكلها وجدت في منطقة الجوف، وتعود إلى الألف التاسع قبل الميلاد، وبها ثاني أقدم نحت للخيول في وادي الدواسر (يعود إلى الألف السابع). إضافة إلى المواقع الحجرية الموغلة في القِدَم، فبعضها يعود إلى مليون ونصف عام، وأحيانًا مليوني عام، في مناطق، مثل: الشويحطية في شمال المملكة، والدوادمي في وسطها، ووادي فاطمة في غربها، ونجران في جنوبها.

لذلك يمكنني القول: إننا ننظر اليوم بتفاؤل إلى مستقبل المملكة العربية السعودية، فهذا المجتمع قادر بمشيئة الله أن يعيد توازنه بالمشاركة الفعّالة في التقدم الحضاري والتقني المعاصر في ظل «رؤية 2030» التي تبنتها حكومة بلادنا الرشيدة؛ كيف لا وقد اختار الله سبحانه وتعالى أرض الجزيرة مكان بيته العتيق وكعبته المشرفة، واختار من قبائله نبيه المصطفى خير البشر.


صورة‭ ‬الممالك‭ ‬القديمة في‭ ‬المصادر‭ ‬الرومانية‭ ‬والإغريقية

حياة عمامو باحثة وأكاديمية تونسية

تناول العديد من الباحثين العرب والغربيين تاريخ شبه الجزيرة العربية وحضاراتها في حقبة ما قبل الإسلام؛ لذلك فإن ما سيرد في هذه الورقة عن هذا الموضوع لا يُعد من باب البحث العلمي الذي سيأتي بالجديد، بقدر ما يسعى إلى نشر معرفة تقطع مع ما ساد في الثقافة العامة التي تستهجن كل ما سبق الإسلام وتحط من قيمته. ويمكن تفسير هذا الفكر السائد الذي ينعت ما سبق الإسلام في الجزيرة العربية بـ«الجاهلية» أسوة بما ورد في القرآن، على أساس أنها كتلة مجالية واحدة، تسودها القيم الثقافية والاجتماعية نفسها القائمة على الحيف والقتل والفوضى، ويسيطر عليها النظام السياسي والاقتصادي نفسه المعتمد على الظلم والفساد والتمييز.

علمًا أن هذا الفكر السائد ليست له أية علاقة بواقع شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام إذا ما اعتمدنا على ما بينته الدراسات التاريخية والأنثروبولوجية العديدة التي استندت في البداية على المصادر الأدبية الإغريقية واللاتينية، لتعتمد بعد ذلك وانطلاقًا من سبعينيات القرن الماضي على نتائج الحفريات والاستكشافات التي أسفرت على العديد من المعطيات التاريخية المادية التي وردت في النقوش والخربشات والنقود والخزف، فضلًا عن مختلف أشكال الآثار الأخرى من معالم وبقايا بنايات وأوانٍ وأدوات… وقد طورت هذه المصادر كثيرًا معرفتنا عن شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام، بالرغم من أن هذه المعرفة ظلت، في أغلب الأحيان حكرًا على علماء الغرب الملمين أكثر من غيرهم باللغات القديمة مثل: البابلية، والآشورية، والمصرية القديمة، والعبرية، والآرامية، والإغريقية واللاتينية.

تأثير متبادل

خلافًا لما يتبادر إلى أذهاننا، مثلت شبه الجزيرة العربية مجالًا ديناميكيًّا أثر وتأثر بالحضارات العالمية لذلك الزمن سواء كانت الشرقية منها (الهند- الصين- إيران…) أو الغربية، وأساسًا الحضارات المتوسطية وشرق إفريقيا… وقد نتج عن هذا التأثير المتبادل ظهور العديد من الممالك والمدن التي لم تطبع تاريخ الجزيرة القديم وحضارته فقط، وإنما أثرت أيضًا في الحضارات المجاورة والبعيدة وتأثرت بها.

نتج عن شُسُوع مساحة شبه الجزيرة العربية، وتنوع تضاريسها ومناخاتها، وتوسطها لفضاءات حضارية مختلفة، تنوع في الحضارات التي عرفتها منذ آلاف السنين. ولعل أقدم حضارات شبه جزيرة العرب هي تلك التي برزت على سواحل الخليج مثل: دلمون ومجان، وارتبطت مع حضارات نهر الهند وسومر بعلاقات تجارية قامت على اللؤلؤ الذي تنتجه المناطق الخليجية، وقد تأثرت هذه الحضارات كثيرًا بحضارات بلاد الرافدين، وبخاصة البابلية والآشورية منها. بالتوازي مع حضارات الخليج، شهدت العديد من المناطق في وسط الجزيرة وغربها، وبفضل مواردها المائية الباطنية، ونشأة العديد من الواحات ذوات الزراعات المتدرجة، بدءًا من النخيل فالأشجار المثمرة، ثم الحبوب والخضراوات. إلى جانب المياه الباطنية في الواحات، عرفت المنتوجات الزراعية بمختلف أنواعها، وبخاصة البخور واللبان والعطورات، بفضل تطور أساليب الري تطورًا كبيرًا في اليمن الذي كان يُطلق عليه الإغريق والرومان اسم العربية السعيدة. ساهمت الموارد التجارية والزراعية التي انتشرت في مناطق متعددة من الجزيرة العربية طيلة الألفية الأولى لما قبل الميلاد في ظهور العديد من المدن على طول طريق التجارة القوافلية، مثل: شبوة، مأرب، نجران، قريات، تيماء…

الممالك القديمة

وقد أدت الشبكة التجارية الممتدة انطلاقًا من اليمن إلى الهند شرقًا والحبشة جنوبًا عبر البحر، وعبر طرق القوافل البرية في اتجاه مصر وبيزنطة وبلاد فارس، إلى ظهور العديد من الممالك. ففي الجنوب ظهر العديد من الممالك في اليمن منذ القرن السابع قبل الميلاد، ومن أكثر هذه الممالك ذكرًا في المصادر بمختلف أنواعها:

مملكة سبأ: تعود نشأتها إلى منتصف القرن السابع قبل الميلاد، وتحتل موقعًا إستراتيجيًّا؛ لأنها تتوسط الطرق التجارية القوافلية التي تربط بين حضرموت شرقًا والمناطق القريبة من البحر المتوسط في الشمال الغربي، حيث يُحمل عن طريق الجمال العديد من المواد، مثل: العطور والبخور واللبان والمر، وهي مواد إستراتيجية في ممارسة الطقوس الدينية والأنشطة الاقتصادية والاجتماعية للدول المتوسطية والإفريقية وبخاصة المسيحية. إلى جانب ازدهار التجارة في مملكة سبأ بفضل موقعها الإستراتيجي الذي يربط بين الشرق الأقصى عن طريق البحر، والشمال الغربي عن طريق القوافل البرية. ازدهرت الزراعة بفضل الأراضي الخصبة والأمطار الموسمية التي خولت إقامة نظام ري محكم، ما زالت آثاره تشهد عليه إلى اليوم.

مملكة معين: نشأت في حضرموت شمال مملكة سبأ نحو سنة 500 قبل الميلاد، ومثل مملكة سبأ كانت مملكة معين مركزًا لمرور القوافل التجارية المحمّلة بالعطور والبخور والتوابل واللبان. توسعت تجارة هذه المملكة إلى خارج اليمن في اتجاه مصر ومناطق عدة محيطة بالبحر المتوسط، وكانت في هذا النشاط التجاري تتنافس مع مملكة سبأ حتى سقوطها الذي حدث في منتصف القرن الأول للميلاد. وتُعتبر مدينة براقش المزينة بالنقوش التاريخية من أشهر مدن مملكة معين.

مملكة حِمْيَر: قد يرجع تاريخ تأسيس هذه المملكة إلى نهاية القرن الثاني قبل الميلاد؛ إذ عثر الباحثون على بعضٍ من آثارها ومعالمها التي تعود إلى سنة 110 قبل الميلاد. وجاء قيام هذه المملكة نتيجة حشد القبائل في مناطق شاسعة من الجزيرة العربية من بينها اليمن وعُمان. وقد استند اقتصاد المملكة على التجارة والزراعة؛ إذ كان الحميريون يتاجرون بالبخور واللبان والصمغ مثلما تدل على ذلك كتاباتهم القديمة في النقوش، كما أقاموا عددًا من السدود الصغيرة ورمموا سد مأرب. وتمكن الحميريون من فرض سيطرتهم على اليمن في ظل الصراعات مع القبائل، ومع ذلك أمكنهم المحافظة على ملكهم قبل أن تزيد الأوضاع اضطرابًا مع تدخل الأحباش في حدود 533م للانتقام من ذي نواس الملك الحميري اليهودي الذي حفر أخدودًا لنصارى نجران، وأشعل فيهم النار بعد أن رفضوا الدخول إلى اليهودية. وللرد على غزو الأحباش لليمن، استنجد سيف بن ذي يزن الملك الحميري بالفرس الذين تدخلوا للسيطرة على اليمن وإنهاء سيطرة البيزنطيين عن طريق الأحباش. واستمرت السيطرة الفارسية على اليمن إلى أن خضع لسيطرة المسلمين قبل وفاة النبي.

مملكة كندة: هي مملكة قديمة نشأت منذ القرن الرابع قبل الميلاد، في نجد عاصمتها قرية كاهل (قرية الفاو حاليًّا). يبدو أن نشأة هذه المملكة تعود إلى السياسة التوسعية لمملكة سبأ من أجل حماية القوافل التجارية الخارجة من اليمن إلى العراق وفارس، وهي بمنزلة المحطة التجارية لاستراحة القوافل مثلما أثبتت ذلك النصوص السبئية والمعينية واللحيانية والنبطية الصادرة عن تجار مروا بمملكة كندة.

مملكة الأنباط: أسسها العرب البدو، في نهاية القرن الرابع قبل الميلاد، وعاصمتها البتراء المدينة الأثرية المشهورة. تقع هذه المملكة على مفترق طرق قوافل البخور القادمة من اليمن والمتوجهة إلى مناطق الهلال الخصيب (الشام ومصر) وإفريقيا. اهتم الأنباط بالزراعة عن طريق مد قنوات الري، واستغلوا الموارد الطبيعية الباطنية مثل النحاس والحديد، وضربوا النقود على الطريقة الشامية، وجمعوا ثروات ضخمة نتيجة الازدهار الاقتصادي لمملكتهم. كتب الأنباط بالآرامية، وهذا ما جعل بعض الباحثين ينكر انتماءهم إلى العرب. انتهى حكم الأنباط بعد هجوم الرومان عليهم في عهد الإمبراطور تراجان في بداية القرن الثاني بعد الميلاد.

مملكة المناذرة: وتُعرف أيضًا بمملكة اللخميين، ظهرت في القرن الثالث للميلاد وعاصمتها الحيرة الواقعة على الضفاف الغربية لنهر الفرات. يعود أصل سكان مملكة المناذرة إلى قبائل تنوخ ولخم اليمنيتين، ومن أبرز ملوكهم جذيمة الأبرش التنوخي وعمرو بن عدي اللخمي. وعلى الرغم من انتماء دولة المناذرة للعرب في مجال يمتد في الشمال الشرقي للجزيرة العربية، فإنها كانت موالية للفرس في حروبهم ضد البيزنطيين لذلك انهارت مباشرة بعد الهزيمة التي لحقت بالفرس سنة 623م.

مملكة الغساسنة: قامت هذه المملكة على تخوم بيزنطة بين 300 و628م، وعاصمتها بصرى. عرفت مملكة الغساسنة بولائها للبيزنطيين، ولذلك خاضت حروبًا عدةً ضد المناذرة حلفاء الفرس. انتهى حكم الغساسنة بعد انتشار الإسلام في الجزيرة العربية وابتداء حملاته على بادية الشام التي كان يستوطنها العرب، ولذلك عُدَّت امتدادًا لجزيرتهم.

المصادر الإغريقية والرومانية

خلافا لما يتبادر إلى الذهن، لم تكن شبه الجزيرة العربية بمعزل عما يدور في عالم الحضارات القديمة، وبخاصة الإغريقية والرومانية منها، بدليل ما ورد عنها في المصادر الإغريقية واللاتينية بدءًا بهوميروس الذي عاش على ما يبدو في بداية الألفية الأولى قبل الميلاد، والذي كانت معلوماته في أشعاره عن شبه الجزيرة تفتقد إلى الدقة وغير موثوق بها. وقد وردت معلومات أخرى يبدو أنها أكثر موثوقية عند هيرودوت (ت: 425 ق. م.)، غير أن أهم المصادر التي يمكن اعتمادها في معرفة تاريخ شبه الجزيرة العربية من بين المصادر الكلاسيكية هي كتاب «الجغرافيا» لسترابون (ت: 21م)، وكتاب «التاريخ الطبيعي» لبلين الأكبر (ت: 79م). أما سترابون فقد تناول في الجزء السادس عشر من كتابه، بالدرس شبه الجزيرة العربية والعرب والأنباط وغيرهم من الشعوب المحيطة بالعرب وجزيرتهم. ولم يعتمد سترابون في كتابته عن هذه المواضيع إلا على الكتاب اليونانيين، وأغفل الرومان؛ ولم يعتمد إلا نادرًا على التقارير الحربية للرومان على الرغم من مشاركته في بعضها، فضلًا على اعتماده على هوميروس غير الموثوق واستبعاده لهيرودوت الأكثر مصداقية، ومع ذلك يبقى كتابه موسوعة جغرافية مهمة في معرفة العالم القديم بما في ذلك جزيرة العرب. وفيما يتعلق ببلين الأكبر فقد خص شبه الجزيرة العربية بقسمين من كتابه، تعرض في الأول على نحو موسوعي إلى كل ما يختص بها بشريًّا وجغرافيًّا، ومدنا في الثاني بتحقيق علمي عن طيوب الجزيرة وتوابلها وأنواعها وطرق استخراجها وإنتاجها وأشجارها واحتكار بعض الأسر لتجارة أصناف منها، والأماكن التي تشتهر بكل نوع، وأثمانها وبعض الشعائر الدينية المرافقة لمعالجة الطيوب، وهو أمر لم يسبقه إليه أحد.

وعلى الرغم مما وفرته المصادر الكلاسيكية من معلومات عن واقع شبه الجزيرة العربية في حقبة ما قبل الإسلام، فإن الدراسات التاريخية والأنثروبولوجية لم تعرف منعرجًا إلا مع عمليات التنقيب والمسوحات الأثرية التي بدأت مع منتصف القرن الماضي، وعرفت بعد ذلك كثيرًا من التطورات التي أدت إلى العديد من الاكتشافات المهمة، وبخاصة النقوش والنقود والخزف وبقايا المعالم التي أثرت كثيرًا في تدقيق المعرفة حول تاريخ الجزيرة القديم وأهمية دورها في عالم ذلك الزمن؛ فبعثت نتيجة هذه الاكتشافات برامج عديدة لتجديد معرفتنا عنها، التي كانت أبعد ما يكون عن «الجاهلية» مثلما رسخ في وعينا الجماعي.


التواصل‭ ‬الحضاري‭ ‬للجزيرة‭ ‬العربية مع‭ ‬مصر‭ ‬في‭ ‬الألف‭ ‬الأول‭ ‬قبل‭ ‬الميلاد

علاء الدين شاهين باحث وأكاديمي مصري

شهدت بدايات الألف الأول قبل الميلاد تغييرًا ملموسًا في المسرح السياسي الدولي باختفاء المراكز الحضارية الدولية الرئيسة في وادي النيل، بلاد الرافدين (ميزويوتاميا) والحضارة الحيثية في مرحلتها الأخيرة في بلاد الأناضول والمينوية بحوض شرق البحر المتوسط. وترتب على ذلك تاليًا ظهور العديد من دويلات المدن في بلاد الشام (شرق حوض البحر المتوسط) وبخاصة ما عرف باسم مملكة آرام دمشق، ممالك شرق نهر الأردن: الحضارة العمونية والمؤابية والأدومية، وبدون شك العديد من دويلات/ ممالك جنوب غرب شبه الجزيرة العربية (اليمن)، وعلى طول خط التواصل البري التجاري لها عبر شرق البحر الأحمر في غرب وشمال غرب شبه الجزيرة العربية ضمن الحدود السياسية الحالية للمملكة العربية السعودية.

التأثيرات المصرية

عكست بعض المكتشفات الأثرية من بعض مراكز حضارات شمال غرب وجنوب غرب شبه الجزيرة العربية، وعلى امتداد خط التجارة البري الرئيس الواصل بين بلاد الشام واليمن، تأثيرات حضارية مرجحة لمصر القديمة بصفة رئيسة -في العصر الفرعوني، ومن بعد في العصر البطلمي/ الروماني- على المكان، وبخاصة في مجال اللغة والعقيدة والعمارة والفخاريات والتماثيل بصفة رئيسة. وتمثلت مظاهر الاشتراك بين اللغة المصرية القديمة واللغة العربية الجنوبية خاصة في وجود حَرف العين بين حروفها، وشيوع المصدر الثلاثي بين أفعالها، وغلبة الفعل المعتل الآخر فيها، وإضافة تاء التأنيث في نهاية بعض أسمائها وصفاتها المؤنثة، وفي المحافظة على الخصائص العامة للكتابة البروتوسينائية، ومنها الاتجاه الرأسي للكتابة ووجود العلامات المزدوجة والاتجاه من اليمين إلى اليسار ومن اليسار إلى اليمين.

في مجال العقيدة يلحظ التشابه أيضًا في استخدام الرموز الدينية: الهلال الأفقي للدلالة على القمر، وقرص الشمس المشع للدلالة على إله الشمس، والنجمة للدلالة على الزهرة في الارتباط للمعبودات المصرية واليمنية القديمة خاصة، وفي الإشارة إلى أصول مشتركة مرجحة لبعض المعبودات المصرية مع تلك الجنوبية، وبخاصة ما ارتبط بالإله حور (الصقر) Hr، وترجيح ارتباط أصله اللغوي باللغة العربية الجنوبية والإله مين Min المرجح تشابهه مع الإله الموقة السبئي وربما أيضًا الإله بس، وإن رجحت أغلبية آراء الباحثين فيما يرتبط بالإله بس أصولًا إفريقية له.

يرجح أيضًا وجود شكل آخر من أشكال التأثير المصري الحضاري المتبادل مع حضارات جنوب غرب شبه الجزيرة العربية، في ضوء ما أبانت عنه بعض أعمال الكشف الأثري في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين. حيث وجدت «دفنات» جنائزية بهيئة قبور صخرية وأضرحة حجرية، وبخاصة تلك المجموعة من القبور في شبام (الغراس) التي اشتملت على ودائع مهمة محنطة، محفوظة حاليًّا في متحف جامعة صنعاء، ومؤرخة تقريبًا من النصف الثاني من الألف الأول قبل الميلاد، حسبما يذهب إلى ذلك جان كلود رو. وربما تتشابه في طريقة التنفيذ جزئيًّا مع مثيلاتها من الحضارة الفرعونية، وإن لم يتضح لنا من خلال النصوص اليمنية القديمة في القرن الثالث قبل الميلاد مدى وجود مفهوم «البعث والخلود»، المعروف عن العقيدة المصرية القديمة، بين أهل المكان آنذاك، في ارتباطه بنهجهم للحفاظ على الجسد للمتوفى. كما أن ما كشفت عنه أعمال التنقيب الأثري في صرواح، العاصمة السبئية، من وجود «حوض للمياه» قائم الزوايا ومحاط بأعمدة، بعضها مثمن وبعضها ذو ستة عشر ضلعًا، داخل حرم المعبد للإله القمري بالمكان ما قد يرجح وجود تشابه مع الحضارة المصرية، على الرغم من ندرة وجود مثل ذلك النمط في المعابد المصرية، فيما عدا ما رجحه عبدالمنعم عبدالحليم سيد من العثور على مثل ذلك النمط أمام مدخل معبد أبي صير من الأسرة الخامسة الفرعونية.

إضافة إلى ذلك عثر على شكل مقلد لنمط موائد القربان المصرية بهيئة مربعة الشكل من الحجر، وبها رسوم محفورة لأنواع الأطعمة وأواني الشرب، وفي وسطها تجويف يبرز من أحد جوانبها على شكل مجرى لتصريف السوائل، وقد عثر عليها في مأرب والسوداء (الجوف) وتعود لنهاية القرن الثامن ق.م، وهي من المرمر، ويبلغ ارتفاعها 18 سم وطولها 47 سم (متحف صنعاء)، وما استُخرِج من موقع العلا ومن الفاو (مملكة كندة) من المملكة العربية السعودية.

وعثر بين أنقاض تمنة، نحو 15 ميلًا شمال خليج العقبة، على أنماط فخارية من الطراز الميديناتي، المنتمي إلى حضارة مدين، التي كان لها -استنادًا إلى الآثار والنصوص- علاقات مع مصر الفرعونية في العصر البرونزي المتأخر (عصر الرعامسة) وهو ما يتشابه مع مثيله من الأنماط الفخارية لمصر الفرعونية. وبفحص البقايا للأنماط الفخارية المنشورة من مواقع شبه الجزيرة العربية يتضح لنا غلبة الأنماط المحلية عليها في الصنعة والأشكال، وندرة التقليد لأنماط أجنبية الأصل، اللهم إلا التأثيرات العبيدية المبكرة من بلاد ما بين النهرين، والسندية من حضارة موهنجدارو وهارابا، في الألفين الرابع والثالث قبل الميلاد، ثم من بعد الأنماط الكاشية والبارثيانية في الألفين الثاني والأول قبل الميلاد، في مراكز الساحل الغربي من الخليج العربي، ثم في الداخل وبعض مناطق شمال غرب وجنوب غرب شبه الجزيرة العربية، لأنماط ميسينية (مينوية) الأصل من النمط المعروف باسم زمزمية الحاج Pilgrim flask، مثلما عثر عليه بين أنقاض قرية الفاو بصفة أساسية، والمرجح تأريخها من القرن الثالث قبل الميلاد وما تلى ذلك.

وهناك تشابه أيضًا بين بعض أنماط الزخارف للفخار النبطي مع مثيلاتها على الفخار المكتشف من هجر بن حميد اليمني، أو الامتداد الجغرافي الحضاري للحضارة النبطية ذاتها إلى ما يقرب من حائل ومدائن صالح (الحجر) في شمال غرب شبه الجزيرة العربية. مع الأخذ في الحسبان أن فخار الحضارة النبطية لم يعرف إلا منذ نحو القرن الأول قبل الميلاد. ويرجح عدم العثور على أنماط مصرية من الفخار بمواقع شبه الجزيرة العربية؛ ربما لانعدام المواد الخام المرجح اشتمالها عليها، والمصدرة من وادي النيل إليها، على نقيض ما نعرف عن العديد من الأنماط الفخارية السورية الطابع (شرق حوض البحر المتوسط) من مواقع الحضارة الفرعونية، التي احتوت حين تصديرها إلى مصر الفرعونية على الزيوت والنبيذ المرغوب فيه من مصر بصفة رئيسة.

التأثير الهيلينستي

تتناقض تلك الصورة في العصر الهيلينستي حسبما أبانت عنه البقايا الأثرية التي كشف عنها التنقيب الأثري للبعثة اليمنية السوفييتية المشتركة في موقع ميناء قنا (بير علي أو حصن أبو غراب الحالي) من الحضارة الحضرمية في القرن الأول ق.م، وبخاصة تلك الجرار الفخارية المعروفة بنمط الأمفورا، وبالمثل الأواني الزجاجية الهيلينستية الطابع، والمرغوب فيها من مراكز حضارات العالم القديم آنذاك والمصدرة من الإسكندرية، مركز الحضارة البطلمية. وتظل هناك احتمالية ضعيفة أو مرجحة لتأثير حضاري مصري مع اليمن في طريقة تنفيذه لشكل مقبض إناء بهيئة الوعل، مشابه لمثيله المصري من منطقة تل بسطة بشرق الدلتا، ولكن بشكل ماعز يقفز برجليه الأماميتين.

وفي مجال فنون النحت، وبخاصة ما يتعلق بالتماثيل بهيئة بشرية، فإنه من اللافت للنظر أن معظم النماذج الفنية للتماثيل، التي عُثر عليها من مواقع حضارات شمال غرب وجنوب غرب شبه الجزيرة العربية، تعود زمنيًّا بصفة رئيسة إلى العصر الهيلينستي في القرن الثالث قبل الميلاد وما أعقبه من مراحل حضارية. ويمثل ذلك تلك المجموعة الممتازة لأسدي تمنع وتمثال مريم (مريام) وغيرها، عاكسة تأثرًا واضحًا بفنون النحت الهيلينستي من مدينة الإسكندرية، حاضرة مصر البطلمية، وكنتيجة تالية لتزايد الاتصالات البحرية والتجارية نتيجة لحسن الاستغلال الأمثل للاتصالات البحرية عبر قناة سيزوستريس (دارا/نيكاو)، التي حُفِرَت منتصف الألف الأول ق.م، وهو ما أدى إلى ربط البحرين المتوسط والأحمر عبرها، عبر أفرع نهر النيل السبعة آنذاك بصفة أساسية.

أبانت كثير من المكتشفات الأثرية من المواقع في شبه الجزيرة العربية، وبخاصة جنوبها الغربي (اليمن) وشمالها الغربي (الحجاز)، العديد من التماثيل بملامح حضارية محلية وتأثيرات أجنبية مثل تلك المجموعة التي عكست تأثيرات في الوجه وتزجيج العيون وتسريحات الشعر وأوضاع اليدين والقدمين. كما أن تلك المجموعة من التماثيل التي عثر عليها بين أنقاض المواقع الأثرية في شمال غرب شبه الجزيرة العربية من مملكة لحيان، المستعمرة النبطية آنذاك تعود زمنيًّا إلى مرحلة متأخرة من الألف الأول ق.م.

ولعل ندرة ما عُثِر عليه من حقبة زمنية سابقة على حقبة الوجود الهيلينستي بين أنقاض المواقع الأثرية من حضارات جنوب غرب شبه الجزيرة العربية بصفة أساسية، ومن مواقع شمال غرب شبه الجزيرة العربية بصفة فرعية، لا يتيح لنا الكشف عن مظاهر التأثر الحضاري المتبادل المحتمل بين شبه الجزيرة العربية ومصر الفرعونية، في الحقبة الزمنية العائدة إلى القرن الثالث قبل الميلاد، وإن ظلت ملامح التأثر للمدرسة الهيلينستية لفنون النحت بالقواعد النمطية لفنون النحت من مصر الفرعونية واضحة في طريقة التنفيذ، وبخاصة ما يعرف بتزجيج العيون، وإظهار الفتوة والشباب بالمبالغة في محيط الصدر والرشاقة في الخصر، وفي استقامة اليدين بجوار الجسد، أو في تقدم أحدهما قابضة على علامات شرفية، أو في تقدم القدم اليسرى عن اليمنى.

ويعكس تمثالُ معدي كرب -الذي عُثر عليه بين أنقاض معبد أوام، مأرب، المؤرخ نحو القرن الرابع ق.م ضمن أعمال حفريات البعثة الأميركية في بدايات الخمسينيات من القرن العشرين الميلادي والمصنوع من البرونز البالغ ارتفاعه 93 سم، والمحفوظ حاليًّا في متحف صنعاء الوطني- بعضَ تلك القواعد الفنية المراعاة في فنون النحت اليمني القديم في التأثر بالمدرسة المصرية، وبخاصة ما تعلق بإبراز محيط الصدر ونحافة الخصر وتقدم اليد، ربما للقبض على علامة الشرف، وتقديم القدم اليسرى للأمام عن اليمنى، وفي ارتدائه جلد حيوان، ربما الفهد أو الأسد، يغطي ظهر التمثال؛ وهو ما يذكرنا بما كان يرتديه بعض الكهنة المصريين، وبخاصة طائفة كهنة «سم» المكلفين بأداء طقوس جنائزية أمام جثة المتوفى، أو مشابه في رأي آخر لزينة الإله الفينيقي بعل ملقار في القرن السابع ق.م أو الإله الإغريقي هيراكليس من القرن السادس قبل الميلاد.

وبناءً على هذا، فإن المراكز الحضارية المنتشرة في شبه الجزيرة العربية من جنوبها الغربي وشمالها الغربي خاصة، أظهرت بعض المكتشفات الأثرية ملامح لتأثيرات حضارية متبادلة مع المراكز الحضارية من الشرق الأدنى القديم، وبخاصة مع الحضارة المصرية القديمة وما تلى إلى العصر اليوناني بها.


طريق‭ ‬القوافل‭ ‬وممالكه‭ ‬القديمة

محمد مرقطن باحث وأكاديمي فلسطيني

يعود أقدم نشاط بشري في شبه الجزيرة العربية إلى نحو مليون عام من الآن، أما النشاط البشري ذو السمات المتطورة فإنه في العصر الحجري الحديث، أي منذ نحو ثمانية آلاف عام قبل الميلاد، وقد كُشِفَ عن بقايا بحيرات وأنهار، في الربع الخالي، تعود إلى عشرات الآلاف من السنين. ويعد أهم مصدر لدراسة الإنسان الأول هو الرسوم الصخرية، والجزيرة العربية تكاد تكون متحفًا مفتوحًا للرسوم المنقوشة على الصخر في أنحائها كافة.

وإذا أردنا الحديث عن الممالك في الجزيرة العربية، فهناك العديد من المستقرات البشرية التي تعود إلى العصر الحجري الحديث، كانت موجودة في أنحاء الجزيرة العربية كافة. فالقفزة الحضارية المهمة كانت قبل الميلاد بنحو ألف عام، على الرغم من أن الألف الثاني قبل الميلاد كانت به مستقرات أساسية مثل تيماء في شمال غرب المملكة العربية السعودية الآن، وهي قريبة من مدائن صالح، وكانت في الألف الثاني قبل الميلاد. لكن القفزة الأساسية جاءت في الألف الأول قبل الميلاد، وفيها ممالك اعتمدت على أنظمة الري التي لعبت فيها دورًا أساسيًّا، وبخاصة في اليمن حيث ظهرت ممالك سبأ وقتبان ومعين وحضرموت. وقد منح الطريق التجاري هذه الممالك دفعة قوية بداية من الألف الأولى قبل الميلاد، وهو الطريق الذي كانت ترتاده القوافل التجارية التي تحمل اللبان أو البخور، ولدينا نقوش ومصادر عديدة تتحدث عنه.

ممالك القوافل

ارتبط ازدهار الممالك العربية بتدجين الجمل، فمن دونه ما كان للطريق التجاري العابر للجزيرة العربية أن يكون لنحو ألفي كيلو متر، بدءًا من عمان إلى غزة، ومنها إلى مصر، هذا الطريق كان له دور أساسي في تطور الحضارة في الجزيرة العربية. ففي الجنوب ظهرت الممالك التي يسميها بعضٌ ممالك القوافل، لكنها لم تكن تعتمد على التجارة بالدرجة الأولى؛ إذ إنها ارتبطت بالزراعة. لكن ممالك القوافل التي ارتبطت به كانت في خور «روري» في عمان، ومن هناك كانت القوافل تتجه إلى «شبوة» عاصمة مملكة حضرموت، ثم «تمنع» حاضرة مملكة قتبان، ثم «مأرب» عاصمة سبأ، ثم «قرناو» عاصمة مملكة معين شرق صنعاء الآن، ومنها إلى «نجران»، حيث كانت تتفرع إما إلى الشرق حيث الفاو أو «الدواسر»، ومنها إلى مملكة «هجر» في شرق المملكة العربية السعودية اليوم، وإما تجاه الحجاز في الغرب، حيث «مدائن صالح»، ثم «البتراء» عاصمة مملكة الأنباط، ثم تذهب إما إلى غزة ومنها إلى مصر، أو إلى تدمر بالقرب من حمص في سوريا الآن، ومنها إلى بلاد الرومان أو الفرس.

ليس طريقًا بل جسرًا ثقافيًّا

يمرّ طريق القوافل عبر وادي السرحان في السعودية، وهناك فروع عدة لهذا الطريق التجاري الذي لعب دورًا أساسيًّا في حضارة شبه الجزيرة العربية. وقد حدثت تقلبات أدت إلى توقف الطريق البري في القرون الأولى الميلادية، حيث تحولت التجارة إلى الطريق البحري، لكن في نحو خمس مئة ميلادية عادت القوافل إلى الطريق البري من جديد. هذا الطريق لم يكن طريقًا تجاريًّا فقط، ولكن كان جسرًا ثقافيًّا يربط بين بلاد الشام ومصر واليونان، وهناك نقش في محافظة الجيزة بمصر، من القرن الثالث قبل الميلاد، لتاجر من مملكة معين اسمه زيد إيل. وعمل مشرفًا على توريد اللبان وأنواع البخور كافة والمر للمعابد المصرية، هذا التاجر عندما مات دفن على الطريقة المصرية في تابوت، لكنه نقش على التابوت بلغة وطنه الأصلي «معين» الكثير من المعلومات عن عمله وبلده. ولدينا كثير من النقوش، بعضها من العهد القديم، تمدنا بمعلومات قيمة عن هذا الطريق التجاري.

وقد كان العلماء في خمسينيات وستينيات القرن الماضي يتحدثون عن وجود موجات هجرة خرجت من الجزيرة العربية نحو الشام والعراق، وبالفعل كانت هناك تحركات بشرية، لكنها ليست موجات ضخمة، ولعل بني هلال وبني سليم كانوا آخر هذه التحركات، لكن المعلومات الموجودة في المصادر العربية كثير منها غير دقيق؛ لأن النقوش لا تدعم ذلك. ومن بين نظريات الهجرة ما يقول: إن الساميين هاجروا من الجزيرة العربية، في حين تذهب فرضيات أخرى إلى أنهم هاجروا من أرمينيا، وبعضها يقول: من «فزان» في ليبيا، لكننا لا نستطيع أن نجزم بأي منها. وكل ما يمكن القول به: إن هناك حركات أو تحركات بشرية في داخل شبه الجزيرة العربية، وشبه الجزيرة العربية ليس لها حدود سياسية في ذلك الوقت، ومن ثم فهي تمتد من اليمن جنوبًا إلى جبال طوروس شمالًا، والتحركات فيها تشمل كل ما بين جنوب الجزيرة والشام وصولًا إلى مصر، حيث الدلتا والصحراء الشرقية تلك التي كان يقال إنها عربية لأن بها هجرات عربية، لكن هذه التحركات لم تكن هجرات ضخمة، وكانت تعتمد على نوعية البشر، فالبدو وأشباه البدو هم الذين كانوا يتحركون هربًا من القحط وبحثًا عن مصادر الرزق، أما الحضر فإنهم مستقرون في أماكنهم، ومستقبلًا سوف تكشف لنا النقوش والحفائر المزيد عن تاريخ الحضارة في شبه الجزيرة العربية.


عصور‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬التاريخ في‭ ‬الجزيرة‭ ‬العربية

خزعل الماجدي باحث عراقي

كانت شبه جزيرة العرب جزءًا من القارة الإفريقية قبل العصر الجيولوجي السحيق المسمّى بـ(ما قبل الكامبري). لم يكن البحر الأحمر قد تكوّن بعد، وعند تكوّن ما يُعرف بالـ(خسف الإفريقي العربي) تكوّن البحر الأحمر وتكونت معه جبال البحر الأحمر على جانبيه، التي كانت من الصخور الجرانتية. ومع بداية العصر الكامبري، وخلال دهر الحياة القديمة والوسطى والحديثة تراكم التراب الرسوبي في حوض عميق، وفي نهاية العصر الطباشيري بدأت بوادر الحركات التكتونية التي كونت جبال الجزيرة العربية، وفي أواخر العصر الثالث ظهرت صخور المقعرات الجيولوجية أو أحواض الترسيب وانفصلت جزيرة العرب عن إفريقيا. وخلال العصر الرابع كان المناخ فيها رطبًا وظهرت البحيرات القديمة.

العصور الحجرية

العصر الحجري القديم ( الباليوليت 1500000 – 10000 قبل الآن): أ. الباليوليت الأسفل:

كان المناخ متذبذبًا في درجات الحرارة، وهو ما أثر في الغطاء النباتي والحيواني للجزيرة العربية. ويبدو أن العصر الحجري القديم السفلي يمتد بعيدًا في الأطراف الغربية والشمالية الغربية من الربع الخالي الصحراء، وهو ما قد يشير إلى حدوث المزيد من الأطوار الرطبة الممتدة في وقت سابق من العصر الجليدي. الظروف البيئية القديمة في وقت مبكر من العصر الجليدي غير واضحة. والأدوات الحصوية التي تميز عصر الفجر الحجري تكونت من المفارم والمكاشط. ظهرت الأدوات الحجرية الأولداوية في جزيرة بريم، على الجانب الأيمن من باب المندب. وظهرت الأدوات الحجرية الآشولية في الدوادمي ووادي فاطمة وسط وغرب المملكة العربية السعودية. الأدوات الحجرية الآشولية المميزة هي: المفارم، الأدوات ثنائية الوجه، الفؤوس، المعاول.

ب. الباليوليت الأوسط: في العصر الحجري القديم الأوسط للجزيرة العربية ظهرت المواقع التي غالبًا ما توصف بأنها (موستيرية) في منطقة بئر حما، وهناك الأدوات (العتيرية) ذات الوجهين في موقع «شيبات ديا 1»، وغيره في وادي سردود في غرب اليمن وفي ظفار. وضمت الجزيرة العربية، من خلال فحص أدوات هذا العصر، تجمعات شبيهة بالإفريقية. أهم أنواع الأدوات الموستيرية هي: النوى المخروطية المزدوجة، المكاشط، المثاقب، الأنصال، السكاكين.

ج. الباليوليت الأعلى: ظهرت بعض الأدوات الخاصة بهذا العصر، من الطراز السولتيري في بعض مواقع الربع الخالي وفي جبل عنيزة، ومنها مناقش كبيرة الحجم، ذات شكل منشوري مشحوذة الأطراف، ومكاشط طرفية وذات أطراف حادة. وهناك ما يعرف بمجموعة (زيمرمان) من اللقى الحجرية، من منطقة الشوقان في الطرف الشمالي للربع الخالي.

العصر الحجري الانتقالي (إبيباليوليت 10000 – 6000 ق. م.)

ظهرت الأدوات المايكروليثية (الدقيقة) بشكلها البرعمي المثلث وحوافها القاطعة كالمسننات، رؤوس السهام، المجارف، المكاشط، الأنصال المنشورية. وفي هذا العصر ظهرت الثقافات المميزة للجزيرة العربية وهي: أ. الثقافة الوعالية: شكّلت الأدوات الحجرية الصوانية المكتشفة في منطقة جبل (أم وعال) مجموعة نادرة وفريدة اضطرت الآثاريين لإطلاق تسمية الثقافة الوعالية على مجمل النشاط التقني والثقافي الذي رافق هذه الثقافة. وكان أهم هذه الأدوات هي الأدوات الحجرية على شكل الحرف الإنجليزي (T)، وتُراوِح ألوانها بين الأصفر والبرتقالي والرمادي المرقّش، وهناك أصناف كثيرة لهذه الأدوات كالمناقش والمكاشط والمثاقب.

ب. ثقافة كَلْوا (ثقافة المقلع): اكتُشفت ثقافة كلوا في شرق جبال (أشات بيرج)، وتمتاز أدواتها الصوانية بكبر حجمها التي قد تصل إلى نصف متر طولًا وربع متر عرضًا، وراوَحَتْ أنواعها بين الفؤوس اليدوية والأدوات البيضوية والورقية الشكل. وترتبط هذه الثقافة بمناطق مقالع الأحجار التي توفر المواد الخام لصناعتها الحجرية؛ ولذلك يطلق بعضٌ عليها اسم (ثقافة المقلع).

العصر الحجري الحديث (نيوليت 6000 – 3000 ق. م.)

ظهرت بواكير الزراعة في هذا العصر، ومعه تبدلت صناعة الأحجار فكانت هناك الأنصال مسطحة القفا ومشحوذة، والقوادم، الأدوات المسننة، مطارق، مناقش، أزاميل، مجارف. وظهرت الأدوات الزراعية المرتبطة بأعمال الزراعة ومعها الأدوات الفخارية. ولعل من أهم الظواهر الحضارية هو ظهور مستوطنات ثقافة العُبيد التي نشأت في وادي الرافدين وانتشرت في المنطقة كلها، في جميع الاتجاهات. ففي الألف الخامس قبل الميلاد ظهرت في جزيرة العرب، وكانت مستقرة تقريبًا، وتتناثر على نحو واسع في المنطقة الشرقية مع امتداد الخط الساحلي. وكان موقع دوسرية هو أكبر مستوطنات ثقافة العبيد في جزيرة العرب. وربما ظهرت بمرافقة حضارة العبيد في السواحل الشرقية صناعات الفخار المميزة. ومن ملامح عصر النيوليت العمرانية ظهور المساكن كأماكن دائمة للحياة المستقرة الفلاحية. وظهرت الهياكل الحجرية والسياجات الحجرية وركامات القبور. وظهرت بدايات رسومات الصخور، وكان رسم الحيوانات مادتها الأساسية.

العصر الحجري النحاسي (كالكوليت 3000 – 2000 ق. م.)

على الرغم من ظهور استعمال النحاس في صناعة الأدوات، لكن الأدوات الحجرية، في عصر الكالكوليت، استمرت مثل الأنصال، والمكاشط، والمخارز وغيرها. تمثل هذا العصر الجماعات القروية شبه المستقرة، ومن ملامحه ظهور المدافن والمعابد البدائية والاستقلال الاقتصادي للواحات، وظهور مصادر ومناطق التعدين، وطرق التجارة مع بلاد الشام ومصر. أما الأماكن المهمة لهذا العصر فهي وادي سرحان وتيماء وغوريا. استمرت معالم البيوت السكنية وظهرت معها الأبنية السهمية الشكل، والمصايد والمنصات والأعمدة ومقابر تلال الكهوف.

تطورت رسومات الصخور وظهرت مشاهد الصيد وحيواناتها، واتضحت ملامح الغرض البعيد من وراء هذه الرسومات حيث هدفت لإقامة نظامٍ للاتصالات بين مختلف التجمعات البشرية في شبه جزيرة العرب. وقد تمتعت هذه الرسومات بمستوى فني متميز.

وفي نهاية العصر الحجري النحاسي ظهرت البدايات الأولى لثلاث ثقافات مهمة في شرق جزيرة العرب، وكانت ثمارها واضحة في العصر البرونزي، وهي:

ثقافة دلمون: امتدت ثقافة دلمون على طول الساحل الشرقي لشبه الجزيرة العربية ابتداءً من الكويت عند جزيرة فيلكا وجزر البحرين وجزيرة تاروت، إلى مجان في سلطنة عمان. وكانت مصادرها الثقافية الأولى قد قدمت من وادي الرافدين والسند، وقد مثلت. ضمت مقبرة دلمون الواسعة جدًّا تراثًا هائلًا من الأختام وبقايا المواد المدفونة مع الموتى. وكانت حلقة وصل بين حضارات وادي الرافدين والسند (ثقافة ملوخا) وحضارة مصر القديمة. وقد تجلت مظاهر ثقافة دلمون في بناء المعابد، وخصوصًا فوق التلال مثل معبد باربار، وكذلك بناء المقابر، كتلال حجرية، واهتمت بالتجارة والأختام المسطحة والأسطوانية والرسم على الفخار والجدران. وفي هذه المرحلة ظهر فخار متميز جدًّا يسمى بفخار (دلمون– باربار).

ثقافة أم النار: ظهرت في إمارة أبوظبي، وانتشرت في المناطق التي حولها، وكانت أم النار جزيرة صغيرة ومستوطنة لها دور نشِط في التجارة الإقليمية، فقد عُثِرَ على بقاياها في المقابر والبيوت. ويشمل تراثها أدوات الزينة الشخصية والأسلحة النحاسية والأدوات الفخارية الحمراء المستوردة، وأدوات الصيد من صنارات الصيد وشِباك الغطاسين. وهناك مقابر فوق الأرض، كانت فيها القبور دائرية الشكل يُراوِح قطرُها من 6 أمتار إلى 12 مترًا، ويبلغ ارتفاعها أمتارًا عدة، وتنقسم إلى حُجرات يُوصَل إليها عبر مداخل صغيرة. وظهرت الرسومات الصخرية في جبل حفيت.

ثقافة مجان: اشتهرت ثقافة مجان بصناعة السفن وصهر النحاس، الذي كان يُصدّر إلى بلاد ما بين النهرين، وأوضحت الآثار ظهور تنظيم اجتماعي هرميّ، وتشهد البضائع التي عثر عليها في المقابر على ارتفاع مستويات الاقتصاد الاجتماعي والتغيرات الاجتماعية بسبب التجارة التي كانت تصل لمكانات بعيدة. وفي الوقت الذي لعبت فيه مجان دور التفاعل مع حضارتي وادي الرافدين والسند، كان لظفار دور مهم في تفاعلها مع الحضارة اليمنية.

العصر الحجري النحاسي (كالكوليت) في اليمن القديم (3500 – 2800 ق. م.)

كان هذا العصر مبكرًا أكثر من غيره من مناطق جزيرة العرب، وكانت له مظاهر ثقافية واضحة المعالم خصوصًا المباني الحجرية ذات الطابع الديني (الميغاليث والمدافن). امتاز مناخ اليمن، في تلك الحقبة، بالاعتدال، كما كان في عصر النيوليت. وكانت النباتات والحيوانات، بين مدجّنةٍ وبرّيّة، تملأ تضاريس اليمن، وانعكست وفرتها في الرسومات الصخرية التي نشطت في هذه المرحلة. أما المستوطنات البشرية فقد استمرت القرى الزراعية ولم تظهر المدن بعد. وظهرت المجتمعات الريفية التي كانت تستعمل الأدوات الزراعية والحجرية معًا. وتميزت ثقافة الكالكوليت في اليمن بظهور ثلاث ثقافات هي:

أولًا- الميغاليت والدولمن والمدافن: ظهرت في سهل تهامة الساحلي. وفي وادي حضرموت ظهرت أقدم نصب الميغاليت (الأنصاب الحجرية الضخمة)، وأشهر مواقع الميغاليت هي (حريب القراميش في صنعاء- جبل مصنعة ماريا في ذمار- وادي حريب في شبوه- نصب جبال جردان والروبق المعزولة وسط رملة السبعتين وصحراء الربع الخالي). وقد تحرّت البعثات الآثارية سهل تهامة الساحلي على البحر الأحمر وكشفت عن سبعة مواقع ذات هياكل ميغاليتية تعود إلى نهاية الألفية الثالثة قبل الميلاد وبداية الألف الثاني قبل الميلاد، التي كانت كعمارات مقدسة أو كشواهد قبور. وتحرى البحث عن بعض شواهد الدولمن، أما المدافن فقد تنوعت واخترنا منها المدافن الركامية والدائرية.

ثانيًا- هياكل الصيد القديمة: على شكل الطائرات الورقية، وهي أفخاخ لصيد الحيوانات، وتتكون من غرفة صغيرة في الأرض على شكل رأس طائرة ورقية كالسهم، وهي خنادق لإطلاق سهام الصيادين أو فخاخ يسقط فيها الحيوان الذي يُراد اصطياده. وقد ظهرت في اليمن بين محافظتي صنعاء ومأرب وبأشكال مختلفة، وتضم ممرات طويلة تتوسع ليلتقي بعضها ببعض في ساحة كبيرة مغلقة.

ثالثًا- فن الصخور الذي كان متميزًا ومتفردًا حيث شهد ظهور رسوم الحيوانات المنقرضة كالجاموس والثور الوحشي والسنوريات الكبرى والأسد والنمر أو الفهد، وظهرت أساليب مختلفة لنقش الرسومات والمخربشات.

وفي عصر الكالكوليت ظهرت العلاقات التجارية الحضارية لشبه جزيرة العرب من الحضارات والثقافات التي تحيطها، مثل حضارات وادي الرافدين والسند ومصر وبلاد الشام وعيلام وشرق إفريقيا والحبشة. وسينتج عن هذا التفاعل الحضاري نقلة واسعة تؤدي للعصر البرونزي الذي يعد بداية العصور التاريخية في جزيرة العرب.


مصادر‭ ‬دراسة‭ ‬تاريخ‭ ‬جنوب‭ ‬الجزيرة‭ ‬العربية‭ ‬وآثارها‭ ‬قبل‭ ‬الإسلام

زيدان عبدالكافي كفافي باحث وأكاديمي أردني

الهدف من أي دراسة هو تقديم المعلومة الصحيحة حول موضوع البحث الذي ينوي الباحث القيام به. وتعتمد مصداقية المعلومات الواردة في البحث على المصادر التي استقى منها الباحث معلوماته، وهي في رأيي الأسس التي تقوم عليها الدراسة. وموضوعنا هذا يقدم بعجالة المصادر التي يجب الاتكاء عليها في تقديم صورة واضحة حول تاريخ جنوب الجزيرة العربية قبل الإسلام بجميع أشكاله الاقتصادية والاجتماعية والدينية وأنظمتها السياسية وعلاقاتها الخارجية.

يا للأسف اعتاد الناس على تقديم صورة نمطية حول الجزيرة العربية وسكانها في الحقبة السابقة للإسلام وأطلقوا عليها اسم «الجاهلية»، وكأن مجتمعات الجزيرة العربية في ذلك الوقت كانت متخلفة حضاريًّا، ويغلب عليها طابع البداوة، وأن الناس كانوا أميين، ولا يفلُّ بينهم إلا حد السيف. وللأسف إن كثيرًا من تقارير المستكشفين والرحّالين الأجانب الذين زاروا الجزيرة العربية عامةً قد رسّخوا هذه الصورة في أذهان الغرب. إلا أن هذه الصورة آخذة تدريجيًّا في التغير نتيجة للجهود التي يقوم بها بعض البعثات الأجنبية، والمحلية والباحثين العرب في الوقت الحاضر.

منذ سنوات طويلة أجرت بعثات أجنبية ومحلية عدة في اليمن وعُمان العديدَ من التنقيبات والمسوحات الأثرية، وكشفت النقاب عن معلومات جديدة أضافت الكثير حول حضارة جنوب الجزيرة العربية. فقد كشفت الحفريات الأثرية التي أجرتها الحكومة اليمنية بالتعاون مع «المؤسسة الأميركية لدراسة الإنسان» في معبد أوام؛ عن عدد كبير من النصوص المكتوبة والمنقوشة التي زودتنا بمعلومات جديدة حول حضارة اليمن. ويقوم على دراسة هذه النقوش الآن عضو بعثة «المؤسسة الأميركية لدراسة الإنسان» محمد المرقطن، الباحث والمتخصص في دراسات شبه الجزيرة العربية وبلاد الشام. كذلك الأمر في عُمان حيث أجرى قسمُ الآثار بجامعة السلطان قابوس بإشراف ناصر الجهوري وأعضاء القسم العديدَ من التنقيبات الأثرية في عدد من المواقع العُمانية، وبخاصة في منطقة سهول الباطنة، حيث زودتنا نتائج هذه الحفريات بمزيد من المعلومات حول حضارة «أم النار» في عُمان والمؤرخة للنصف الثاني من الألف الثالث قبل الميلاد. وتعدُّ نتائج الحفريات التي توصل إليها فريق من قسم الآثار والمتاحف بجامعة الملك سعود في المملكة العربية السعودية في موقع «الفاو» عاصمة مملكة «كندة» على أطراف الربع الخالي، التي نشرت حديثًا في ستة مجلدات، من أهم المصادر التي يجب الاعتماد عليها عند كتابة تاريخ الجزيرة العربية عامةً، والمملكة العربية السعودية خاصةً.

الدراسات العلمية

إضافة للحفريات والمسوحات الأثرية، فإننا نعدّ كثيرًا من الدراسات العلمية الرصينة التي نشرها عدد من الباحثين العرب والأجانب حول الحِقَب السابقة للإسلام من أمثال عبدالرحمن الأنصاري، وسليمان الذييب، وعبدالله الشارخ، ويوسف محمد عبدالله، ومحمد بافقيه، ومحمد المرقطن، ومنير عربش، وناصر الجهوري، وحمد بن صراي، وجواد علي، مصادر مهمة للحصول على معلومات تفيدنا بأحوال جنوبي الجزيرة العربية قبل الإسلام. وإذا كانت هذه المصادر قد كتبت اعتمادًا على نتائج أعمال ميدانية أثرية، فإن تقارير الرحّالين والمستكشفين والجغرافيين والمؤرخين اليونان والروم، أمثال: هيرودوتس، وديودور الصقلي، وسترابو، وبليني، تعدُّ عونًا لنا للتعرف إلى أحوال المناطق التي زاروها وأحوال الناس فيها في العصور اليونانية والرومية والبيزنطية. لكن على الرغم من أصالة المعلومات الواردة في تقاريرهم، فإنها تبقى تمثل وجهة نظر غربية متحيزة ومحصورة في المنطقة التي زاروها، وبخاصة عند حديثهم حول الناس وطبيعة الأحوال الاجتماعية. هذا لا يعني استبعادها في دراساتنا لتاريخ شبه الجزيرة العربية وآثارها قبل الإسلام، بل نؤكد ضرورةَ دراستها وتمحيصها قبل الأخذ بكل ما فيها.

على أي حال، تشمل مصادر دراسة جنوب الجزيرة العربية قبل الإسلام النقوش، والكتابات، والآثار، والمصادر الدينية، والشعر الجاهلي، وكتابات المؤرخين الكلاسيكيين، وتقارير الرحّالين والمستكشفين. ويرى كثير من الباحثين أن النقوش والكتابات والآثار هي أهم المصادر وأصدقها عند كتابة تاريخ أية منطقة في العالم؛ إذ إنها شاهد حي وناطق على الحدث في زمانه أو حين وقوعه. والنقوش والكتابات هي نصوص نقشت على الصخر، أو العسيب، أو الجدران، أو المسلات، وعلى شواهد القبور، والألواح الحجرية والطينية (الرقم)، والورق، والجلد وغيرها من المواد. وتدل كتابة النقوش والكتابات بلغات أو لهجات معينة على انتشار الناس في المنطقة التي وجدت فيها هذه الوثائق المكتوبة. وإذا عثر في الموقع الواحد على نقوش أو كتابات متعددة اللغات أو الخطوط أو اللهجات، مثل موقع الفاو، فيدل هذا على أن الموقع كان يمثل نقطة التقاء مجموعة من الأجناس في المكان نفسه، وربما يكون ذا أهمية دينية أو تجارية. وكُتبت النقوش والكتابات في شبه الجزيرة العربية عامة بخطوط متعددة، منها: المسند، والآرامي، والنبطي، واللحياني، والداداني، والثمودي والصفوي. ويعدُّ الخط المسند أو ما يعرف باسم العربي الجنوبي، هو القلم الرئيس لكتابات ونقوش جنوبي شبه الجزيرة العربية، ويتكون من 29 (تسعة وعشرين) حرفًا أبجديًّا.

وتضمنت هذه النصوص معلومات حول النواحي العامة في اليمن القديم، وأخرى تذكارية، وحمل بعضها أسماء المكربين، ومنها ما يحمل تاريخًا. ويرى كثير من الباحثين أن النقوش العربية الجنوبية تفيد كثيرًا في دراسة النواحي اللغوية والدينية والاجتماعية أكثر منها في التعرف إلى النواحي السياسية. ونستردف بالقول: إن الكتابات والنقوش العربية التي عثر عليها في اليمن أفادتنا بأسماء ملوك الممالك التي نشأت هناك، كما أنها أشارت إلى الصراعات العسكرية التي حصلت هناك. ومن أفضل الأمثلة على ما ذكر، نقش «ماسل» السبئي الذي يؤرخ لعام 516م، وعثر عليه في وادي ماسل إلى الجنوب الشرقي من مدينة الدوادمي في المنطقة الوسطى من المملكة العربية السعودية، ويتحدث عن حملة الملك «معد يكرب يعفر» ملك سبأ ضد الملك «المنذر الثالث» ملك الحيرة.

كما وثقت السجلات الآشورية العلاقة التي سادت بين اليمن وآشور، فهناك نص يعود تاريخه لعام 714 قبل الميلاد، يذكر أن الملك الآشوري سرجون الثاني تلقى هدايا من الملك السبئي «أتي وتر»، وتكرر الحال في نص آخر من عام 685 قبل الميلاد، ويذكر أن الملك الآشوري «سنحاريب» تلقى هدايا من «كريبي إيلو» ملك سبأ. كما اكتشفت البعثة الألمانية في عام 2005م نقشًا يؤرخ لعام 715 قبل الميلاد يخص الملك السبئي «يتع أمر وتر بن يكرب ملك»، إلى جانب نقش آخر يؤرخ لعام 685 قبل الميلاد ويخص الملك السبئي «كرب إل وتر»، واسما هذين الملِكيْنِ مذكوران في المصادر الآشورية.

تعدُّ الآثار سواء المنقولة أو غير المنقولة المرآة الحضارية للشعوب؛ وذلك لأنها تعكس فكرها الثقافي. وتشير الدلائل الأثرية المكتشفة في شبه الجزيرة العربية أن الناس سكنوها منذ عصور ما قبل التاريخ حتى الحاضر من دون انقطاع، وتركوا لنا آثارًا تعدُّ مصادر أصلية لكتابة تاريخها. ولا يتسع لنا المجال في هذه المقالة أن نتحدث عنها بالتفصيل، لكن يمكن للقارئ العودة للكتب والأبحاث المنشورة حول نتائج التنقيبات الأثرية في المواقع المهمة في جنوبي شبه الجزيرة العربية، مثل: مأرب، وشبوة، وصرواح في اليمن، ومواقع في ظفار وسهول باطنة وجبل الحجر في عُمان، للاطلاع على طبيعة وتاريخ الآثار المكتشفة في هذه المواقع في جنوبي شبه الجزيرة العربية.

الرحالون والمؤرخون

تعدُّ كتابات المؤرخين والجغرافيين الكلاسيكيين من المصادر المهمة في كتابة تاريخ شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام. ونذكر من هؤلاء أخيلوس (525 – 456 قبل الميلاد)، وهيرودتس الذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد، وبليني، وسترابون، وغيرهم كثيرون. وتتضمن كتاباتهم معلومات تاريخية وجغرافية مهمة حول جغرافية شبه الجزيرة العربية وسكانها في الحقبة السابقة للإسلام. وقد استقى هؤلاء معلوماتهم إما عن طريق زياراتهم الشخصية، أو من الجنود الذين شاركوا في الحملات العسكرية على الجزيرة العربية، أو عن طريق التجار الذين جاؤوا لليمن للحصول على البخور واللبان.

وبطبيعة الحال سواء أكان الوصفُ على نحو مباشر عند الزيارات الشخصية أو غير مباشر عن طريق الجنود والتجار، فقد وصفَ هؤلاء الأمورَ من خلال رؤاهم هم وبعقليتهم وأفكارهم. فمثلًا نادرًا ما وصف هؤلاء المجتمعات العربية المسيحية في شبه الجزيرة العربية. كذلك لا نعلم كيف تواصل هؤلاء مع أبناء القبائل العربية إن لم يتقنوا أو يحسنوا فهم اللغة العربية حتى يتمكنوا من التواصل مع الناس وفهم ما يقولون. على أي حال تبقى هذه التقارير ذات قيمة؛ لأنها كانت معاصرة للأحداث عند كتابتها. لكننا نودّ الإشارة إلى أن ما أورده المؤرخ هيرودتس في كتاباته، فيه موضوعية قريبة من القضايا العامة. لكن تقارير قادة الإسكندر المقدوني (بطليموس وأرستوبولوس) والأخير متخصص في الجغرافيا والتاريخ الطبيعي، جاءت تتركز حول مساحة شبه الجزيرة العربية وحدودها. كما نود الإشارة إلى دراسة أمين مكتبة الإسكندرية (إيراتو سثينيس 275- 194 قبل الميلاد) التي تطرق فيها للأقوام اليمنية محددًا حدود منطقة نفوذ كل منها، وعواصمهم، وطبيعة الحياة السياسية فيها.

أما تقارير الرحالين والمكتشفين الأوربيين فقد بدأ هؤلاء بالقدوم إلى اليمن في المدة بين 1500-1505م، وذلك عندما زار الإيطالي لودفيكو دي فارتما مدن عدن وذمار وصنعاء؛ تبعه رحّالون آخرون من أمثال: الدنماركي «كارستن نيبور» الذي وصلت بعثته إلى اليمن عام 1762م، وكتب وصفًا لشبه الجزيرة العربية، وبخاصة جغرافية اليمن وتاريخها. كما زار الألماني «أولريش يسبر ستزن» في عام 1810م عددًا من المواقع الأثرية اليمنية، وأوصل إلى أوربا أول نقش يمني قديم اكتُشف في ظفار. كما زار اليمن عدد من الرحالِين الغربيين والعرب والمصريين في القرنين التاسع عشر وبداية العشرين، ونسخوا عددًا من النقوش العربية الجنوبية المكتوبة بخط المسند.

ختامًا؛ نستطيع القول: إن مصادر دراسة شبه الجزيرة العربية عامة، وجنوب شبه الجزيرة العربية خاصةً، هي مصادر أصلية ومتعددة، فهناك النقوش والكتابات والآثار التي تعدُّ الأصل في كتابة تاريخ أي منطقة. نستطيع القول: إن شبه الجزيرة العربية بجميع مناطقها الجغرافية كانت ولا تزال مركزًا ومستودعًا حضاريًّا عالميًّا متميزًا لم يكتشف منه إلا القليل.


الاتجاهات‭ ‬الفكرية‭ ‬والدينية في‭ ‬جنوب‭ ‬شبه‭ ‬الجزيرة‭ ‬العربية‭ ‬قديمًا

حسين أبو بكر العيدروس باحث وأكاديمي يمني

ظهر ما يُعرف بالإنسان الأول في جنوب شبه الجزيرة العربية منذ ما يقرب من مليوني عام، فيما يصطلح على تسميته بحقبة البلايستوسين، بعدما انتقل في ظروف مناخية مناسبة من إفريقيا (الجنوبية الشرقية) أو (إثيوبيا والحبشة) عبر مضيق باب المندب، ومنها انتشر وجوده في الجزيرة، ثم ارتحل شمالًا وشرقًا إلى بقية أنحاء العالم. تميز هذا الإنسان المسمى (الهوموإيريكتس) بقدرته على التفكير طويل المدى، كما أن قدراته الجسمانية لا تختلف كثيرًا عن إنسان الوقت الحاضر من حيث الاستقامة أو انتصاب العمود الفقري الذي يجعله يمشي بالقدمين، إضافة إلى حجم المخ الذي يصل إلى 1400 جرام، عدا القليل من الامتداد للفك الأسفل.

البدايات الأولى للتفكير

كانت الظواهر الطبيعية التي يشاهدها هذا الإنسان بشكل يومي في محيطه هي التي تشغل تفكيره، مثل: شروق الشمس وغروبها، وبزوغ القمر واضمحلاله، وتكون السحب الكثيفة وهطول الأمطار الغزيرة مع وجود الصواعق التي تسبب الحرائق في الغابات، إضافة إلى النشاطات البركانية التي قد توجد في بعض المناطق القريبة منه وما يصاحبها من هزات أرضية أو زلازل وما قد تسببه من فيضانات. كل ذلك بالتأكيد كان يجعل الإنسان في تلك المراحل يتأمل تلك الظواهر التي أضحت تؤرقه وتجعله يتوتر من الخوف والهلع؛ فهو لا يعلم من الذي يحركها، ولا مصدرها؟ لكنه كان يشعر بداخله بوجود محرك عظيم يقف وراءها.

لقد رسم لها في خياله صورة قدسية ممزوجة بالخوف والرهبة، فأراد أن يكسبها اتقاءً لغضبها وطمعًا في محبتها والقرب منها، وكل ذلك استدعى منه أن يُضحِّي بالنفيس والغالي لأجلها. كان يرى في شكل قرون الثور مثلًا شبهًا كبيرًا بالهلال في أطواره الأولى؛ لذلك أصبحت قرون الثور تمثل له صورة من صور القمر الذي اعتبره مصدرًا للنور، الذي يُرشد المسافرين في الصحراء. لذلك فهو شيء مُهم يبعث على الحياة، لكونه يظهر ويختفي، لكنه كان أكثر نفعًا من غيره، فأصبح أحد المعبودات لديه. وكان يرى في الشمس ذلك الشيء الكبير الذي يمد الأرض عبر خيوطه الذهبية الحارقة فسمَّاه (الحميم) الذي يُشرق كل يوم في الصباح، ليمد الأرض بالحياة، ويغادرها قرب المساء ليبدأ من جديد في اليوم التالي وهكذا.

عبادة الظواهر الطبيعية

تلك رحلة إلى الإله الشمس، وهو الذي أصبح رب الكون في خياله. كما أن صفحة السماء المزينة بالكواكب المضيئة، يبرز من بينها ذلك الكوكب الوضاء المسمى (الزهرة) في عنان السماء وهاجًا متلألئًا، فاعتقد أنه الابن الودود للشمس والقمر، فكان مدعاة لتسميته (عثر/ عشتار/ عشتروت) وهو إله الخصب، الذي من دونه لا توجد الكائنات ولا تتجدد حياتها، فكان أن رمز له برمز الوعل على الأرض، وهو رمز للخصب والحياة. كما رسم في ذهنه صورة خيالية واسعة لتجدد الحياة وخصوبتها، فالسماء العالية التي تحتضن السحب المحملة بالمياه لا تهطل على (الأرض) التي هي في ذهنه الأم الولود إلا بإذن من الأب (السماء) لينتج عن ذلك التلاقح والخصب، فتصل قطرات ذلك السحاب إلى الأرض الجافة المجدبة، فتجعلها خضراء مليئة بالحياة، وهؤلاء هم الذرِّية الذين أنجبتهم بعد تلاقح السماء بالأرض.

التحول الديني

إن التطورات الفكرية والدينية تأخذ وقتًا طويلًا في التحول من مرحلة إلى أخرى، فالخروج من فكرة إلى غيرها، يشوبها كثير من التعقيد ولا سيما في أشكال رموزها وصورها على الأرض، وقد تتشابه كثيرًا في أصولها وجذورها ناهيك عن أهدافها. لقد كانت مرحلة الوثنية طويلة إلى حد كبير ليس في جنوب الجزيرة العربية فحسب؛ بل في العالم أجمع، فقد كان الإنسان متصلًا بأرضه وبجذوره وبمحيطه، ويرى فيه الأصل الذي لا يمكن أن يتجاوزه إلى الآخر، لذلك كان وقع بعض الدعوات المسماة الدينية عليه يعتبره شيئًا منافيًا لقيمه، وعليه ألا يتنازل عنها.

لقد كان على الإنسان أن يخصص مكانًا يختلي فيه ويناجي ربه بالطريقة التي يرى أنها مناسبة؛ ليشكي كل قضاياه إلى الخالق المتحكم في الكون، ولذلك برزت فكرة المعابد كمكان مقدس لتلك المهمة، وكانت بداياته في العراء، ثم أخذ أشكالًا متعددة تبعًا لظروف كل منطقة، وتعددت فيه المواضع وتطورت مع الزمن ليتسع لكل الطقوس التي كانت هي الأخرى تتطور وتصبح طقوسًا جماعية تتجلى فيها مظاهر التقرب من الإله والانقياد إلى تعاليمه، وأصبح هناك تخصصات لعدد من الناس الذين سخروا أنفسهم لمهمه خدمة الإله والوساطة بينه وبين البشر، وأضحى المعبد مركزًا مهمًّا تحيط به بقية المنشآت المعمارية الأخرى. وتخبرنا النقوش القديمة عن الاعتذار الذي يبديه بعض الناس للتعدي على الحرمات في الأماكن المقدسة، وسميت تلك النقوش بـ(نقوش الاعتراف)؛ لأن المخطئ يعترف فيها بذنبه بكل وضوح ويرتجي الغفران والتوبة.

وفي جزيرة العرب برزت أعداد هائلة من المعابد منذ عصور ما قبل التاريخ (عصر الوثنية) واستمرت حتى جاءت اليهودية والمسيحية، ثم تحولت إلى مساجد في العصر الإسلامي. وكان (محرم بلقيس) أو ما يعرف بـ(معبد أوام) في العاصمة السبئية (مأرب) أعظم تلك المعابد في الجزيرة العربية، فكان يعتبر محجًّا لكل الناس القادمين من الجزيرة، وحوله يمكن الحصول على كل الخدمات التي يحتاجها الحجيج والمسافرون، وما زالت أطلاله الضخمة شاهدة حتى وقتنا الحاضر، ولم يكن ذلك المعبد الوحيد في جنوب الجزيرة، فهناك معابد أخرى في كل منطقة تقوم بوظائفها، وتعبد فيها ما تسمى بالآلهة التي تختلف تسمياتها وطقوسها ورموزها الدينية. وهكذا استمر الفكر متصلًا بالعقيدة في تطور مستمر لا ينفك أبدًا، باحثًا عن الحقيقة، وخلال مرحلة من القرن الرابع الميلادي، أي قبل الإسلام بنحو ثلاثة قرون ونيّف، تبرز في النقوش قضية مهمة تسمى مرحلة عبادة الرحمن (ر ح م ن ن)، بمعنى عبادة الإله الرحمن الواحد، الذي في السماء حتى إن بعض المعبودات سميت بـ(ذي سماوي). ونستطيع القول: إنها مرحلة الاهتداء لرب العزة، كما عُرف في وسط جزيرة العرب وجنوبها أيضًا، وبرز في النقوش من خلال كلمة (العزى/ العزة)، ولكن كانت البداية في أشكال وثنية.

ولم تفصح النقوش صراحة عن أسماء للرسل من الأنبياء الذين كانوا في الجزيرة العربية وجنوبها منذ إبراهيم حتى محمد عليهما السلام. وربما هناك دوافع دينية/ سياسية وراء اختفاء ذلك، وما زلنا نأمل أن تكشف الدراسات عن الروابط بين التاريخ والدين بشكل حقيقي وعادل لا يشوبه شائب من العنصريات والإقصاءات التي شوهت التاريخ الحضاري لجنوب الجزيرة العربية.


تاريخ‭ ‬الجزيرة‭ ‬العربية‭:‬ اكتشافات‭ ‬جديدة‭ ‬وبعثات‭ ‬تواصل‭ ‬حفرياتها

الاستيطان البشري في الجزيرة العربية

أحمد الزيلعي

هناك فرق بين الاستيطان البشري في الجزيرة العربية، والحضارات. فالاستيطان البشري تعود دلائله إلى أكثر من مليون سنة. أما الحضارات فهي مرتبطة بالكتابة، والاستقرار والزراعة، وتكوين المجمّعات السكانية من مدن وقرى ودارات، ونشوء الدول ونحو ذلك. وتعود مرحلة الحضارات إلى ما عُرف بعصر الممالك العربية سواء في شمال الجزيرة العربية أم في جنوبها، وهي مرحلة تسبق ما عُرف بالعصر الجاهلي، أي ذلك العصر الذي يسبق الإسلام بما لا يزيد على مئة وخمسين سنة.

صورة الجزيرة العربية كانت ضبابية، وأكثر من ضبابية في المصادر القديمة غير العربية، وإن زعم كثيرون بوضوح تلك الصورة فيما يُعرف بالمصادر الكلاسيكية. ولم تتضح صورة الجزيرة العربية للغرب مثلًا إلا مع نشاط الرحالين الغربيين إلى جزيرة العرب. ولعل خير من يصور جهل الغربيين بجزيرة العرب ذلك الكتاب العظيم الذي أَعَدَّتُه الباحثة الفرنسية جاكلين بيرين تحت عنوان: «اكتشاف جزيرة العرب»، وتكوين خريطة عنها للغرب، يتضح ذلك من عناوين فصول ذلك الكتاب، ومنها «العربية السعيدة»، و«العربية القفراء»، ولم تتكامل صورة الجزيرة العربية لدى الغرب الأوربي إلا بمدة وجيزة قبيل غزوها، واستعمار بعض أطرافها.

أما كون الجزيرة العربية مهد الإنسان الأول فذلك ما يتردد على ألسنة كثيرين دون أدلة مادية تدعم هذا الرأي؛ فالاستيطان البشري، الذي أشرت إليه في بداية الحديث، له ما يماثله في أقطار شتى من العالم خارج الجزيرة العربية. أما العثور على أدلة من عظام بشرية في جزيرة العرب فلا تتجاوز 90 ألف سنة من الآن، على أن هناك أدلة خارج جزيرة العرب تصل إلى 200 ألف سنة، ولكم أن تتصوروا الفارق.

الهجرات من الجزيرة العربية إلى خارجها كبيرة ومعروفة، وفي ظني أن أكبرها تلك المصاحبة للفتوحات الإسلامية، والاستقرار في البلاد المفتوحة، نعم تلتها هجرات أخرى جماعية، ومنها هجرة بني هلال، وبني سليم إلى الغرب، ولكنها ليست مثل الهجرات الأولى التي أشرت إليها آنفًا. أما الهجرات المعاكسة التي استهدفت جزيرة العرب من خارجها، واستوطنت فيها فلا أعلم هجرات ذات أثر واضح شبيهة بالأثر الذي تركته الهجرات من جزيرة العرب إلى خارجها إلا أن يكون الجيش الذي استعانت به قبيلة حِمْيَر من بلاد فارس ضد الأحباش، وبعد الانتهاء من مهمته استوطن اليمن، وتزوّج أفراده من نساء يمنيات، فأنجبوا منهن سلالة عُرفت بالأبناء، منهم بَاذَان الذي كان حاكمًا لصنعاء حين ظهور الإسلام، فأسلم، وأقرّه النبي -صلى الله عليه وسلم- على ولاية صنعاء حتى قُتل على يدي مدّعي النبوة عَبْهَلَة العَنْسِي. وهناك فئات من أصول إفريقية عرفوا في الجزيرة العربية منذ ما قبل الإسلام، وربما لا يكون ذلك مُتَرَتِّبًا على هجرة جماعية، وإنما هجرات فردية، أو مسترقّين جلبهم من استرقهم من إفريقيا إلى جزيرة العرب لبيعهم. وقد لحظنا أثر الحج في الحجاز بعد ظهور الإسلام، خصوصًا من إفريقيا، وآسيا، وشرق أوربا.

ليس هناك في جزيرة العرب ما هو مسكوت عنه حتى يتجاهله المؤرخون؛ لأن القرآن الكريم كشف كثيرًا من أحوالهم، وما هم عليه من الضلالة، وسوء العاقبة، والمؤرخون يكتبون عن كل ما يصل إلى أيديهم من معلومات عن عصور ما قبل الإسلام في جزيرة العرب وسكانها ما كان لهم وما كان عليهم. والتنقيب عن الآثار في المواقع القديمة كشف لنا الشيء الكثير عن أحوال شعوب الجزيرة العربية في العصور القديمة مما لا نجده في المصادر الأدبية التقليدية.

ليس عندي حصر دقيق عن كل جديد يُكتشف في جزيرة العرب في عصور ما قبل الإسلام، ولا بد أن أعترف بأنني قليل المتابعة لأخبار تلك المكتشفات في الآونة الأخيرة؛ لانشغالي بأمور أخرى كثيرة. ولكن إذا علمنا أن على تراب المملكة العربية السعودية الآن أكثر من 40 بعثةً أثريةً تنقب عن الآثار في طول البلاد وعرضها، بعضها سعودية بحتة، وبعضها سعودية بالتشارك مع بعثات أجنبية من مختلف أنحاء العالم، فإننا نقدّر أنها توافينا كل يوم بجديد، وأن معرفة ذلك الجديد على وجه الدقة واليقين يتجاوز قدرات أشد الناس متابعة؛ لذلك الجديد الذي يُكتشف على أرض المملكة مثلًا من مختلف العصور التاريخية، وما قبل التاريخية بفضل الله، ثم بفضل الجهود الكبيرة التي تبذلها وزارة الثقافة في المملكة العربية السعودية ممثلة في هيئة التراث بقيادة رئيسها التنفيذي الدكتور جاسر سليمان الحربش، والفريق العامل معه.

أكاديمي وباحث سعودي

كيف يمكن أن نقرأ تاريخ الحضارة العربية القديمة الآن؟

يعرب دحام العبد الله

تميزت شبه الجزيرة العربية بموقعها الذي يتوسط بلاد الشرق الأدنى القديم، ودورها البشري المؤثر في تكوين السلالات الأكثر عددًا بين سكانه القدماء. كما كان لها نصيب أيضًا من دور الوساطة والتأثير في بعض خطوط اتصالاته. وتدل الآثار الباقية أن شبه الجزيرة مرت بفترات متعاقبة، بداية بما خلفه الإنسان القديم في العصور الحجرية من أدوات حجرية صوانية ورسوم بدائية متفرقة. كما أنها تتضمن أساسًا ما تركته الجماعات العربية المتحضرة في عصورها التاريخية القديمة من أوابد عمرانية، كبقايا المعابد والأسوار والسدود والحصون والأبراج والمساكن والمقابر، وما عثر عليه من آثار متنوعة لأدوات الاستعمال اليومي وأدوات الزينة وفنون النحت والنقش، في مناطق عدة من أنحاء شبه الجزيرة العربية.

الاكتشافات تسطر التاريخ

أشارت الاكتشافات والمسوحات الأثرية التي قامت بها البعثات الأثرية ضمن الجزيرة العربية إلى وجود مجتمعات منظمة تحترف الزراعة والرعي والصيد حتى منتصف العصر الهولوسيني (9000-2500 ق.م). ولكن بسبب التغيرات المناخية العالمية في أواخر العصر الهولوسيني، التي ظهر أثرها في (4300 ق.م)، بدأت الأمطار تقلّ في الجزيرة العربية، وتجف الأنهار، فاتجه أهل الجزيرة العربية تدريجيًّا إلى الشمال، حيث الأنهار مثل دجلة والفرات. ويقول بعض العلماء: إن الجزيرة العربية قبل ذلك كانت أكثر إغراء للعيش فيها من العراق أو الشام. ويلحظ العلماء أن حقبة نهاية المستوطنات في الجزيرة العربية مثل مستوطنات «ثقافة العبيد» تترافق مع ظهور المستوطنات في بلاد ما بين النهرين، وذلك في أواخر عصر ما قبل التاريخ.

نلحظ وجود أقدم الحضارات التاريخية في منطقة نجران. ومن أقدم الحضارات المكتشفة في شبه الجزيرة حضارتا العبيد ودلمون اللتان ازدهرتا في منطقة الأحساء والخليج العربي، حيث اكتشفت أقدم آثار الحضارة الإنسانية. وقد جاء ذكر دلمون في الكتابات المسمارية القديمة التي تعود إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد التي وجدت في بلاد الرافدين وشمال سوريا.

حقب الاستيطان التاريخية

حقبة العُبَيد: كانت مناطق الخليج العربي وشرق الجزيرة العربية على تواصل مستمر مع مناطق جنوب العراق القديم، وظهرت آثار هذا التواصل في وجود آثار حضارة العُبَيد بمراحلها المختلفة. وتمثلت تلك البقايا العُبَيدية في النماذج الفخارية التي تحمل بصمات بلاد الرافدين، وانتشرت على طول خط ساحل الخليج العربي من الشمال إلى الجنوب. وقد انتشرت آثار حضارة العُبَيد في عدد كبير من مواقع الخليج العربي وشبه الجزيرة العربية، وأكثر هذه الآثار كانت شمالًا حيث القرب من مواقع العبيد، ثم تأخذ في الانحسار كلما اتجهنا جنوبًا؛ أهمها (عين قناص في الهفوف والدوسرية ورأس الزور وأبو خميس في الجبيل).

حقبة أم النار: اكتشفت في ستينيات القرن الماضي في جزيرة أم النار بإمارة أبو ظبي. وهي حضارة نشأت في الإمارات وشمال سلطنة عمان، وتعود للعصر البرونزي في المدة بين 2600- 2000ق.م.

حقبة دولمون: نشأت تلك الحضارة في المدة ما بين 2800 و323 قبل الميلاد، وتمتدّ بطول الساحل الشرقي لشبه الجزيرة العربية من الكويت عند جزيرة فيلكا، حتى حدود حضارة مجان في سلطنة عمان وحضارة أم النار في إمارة أبو ظبي بدولة الإمارات، وكانت نقطة الوصل وحلقة الربط الرئيسة ما بين الطُّرق التجارية القديمة الشرقية والغربية.

ارتبطت أغلب الاكتشافات الأثرية في سواحل الخليج العربي وجزره، منتصف القرن الماضي، بجهود بعثة دنماركية لآثار ما قبل التاريخ، وتبعتها بعثات أجنبية وعربية ووطنية.

بعثرات أثرية في العلا

كثير من المكتشفات الأثرية تبلورت في الساحل الشرقي من المملكة، كما كُشِفَ عن مساكن قوم عاد التي كانت في الأحقاف في جنوب الربع الخالي. وحاليًّا تعمل العديد من البعثات الأثرية الفرنسية والأسترالية والأميركية في منطقة العلا التي كانت مهد حضارة قوم ثمود. ومن خلال المسوحات الأثرية التي تقوم بها البعثة الأثرية لجامعة غرب أستراليا اكتُشِفَ العديد من الأبنية التي كانت تُستعمَل كجبانات جنائزية، حيث ميّز علماء الآثار العاملين في السعودية، مستعينين بصور الأقمار الصناعية والتحقيقات الأثرية الميدانية، كثافةً غير عادية للصروح الجنائزية التي تعود إلى ما قبل التاريخ، والتي لا مثيل لها في أي مكان آخر. ففي منطقة خيبر وحدها استطاع الباحثون إحصاء نحو عشرة آلاف بنية جنائزية مشيدة بالحجارة المقامة بلا إسمنت، وكان معظمها قائمةً قرب مصادر مياه دائمة.

أجمعت كتب التاريخ القديم على أن أرض شبه الجزيرة العربية، تعد من أغنى دول العالم في نقوش الفنون الصخرية، تلك التي دلت تفاصيلها على وجود حضارات إنسانية قامت على أرضها خلال زمن ما قبل التاريخ، أي قبل اكتشاف الكتابة. وبرز بعضها في نقوش صخرية وجدت في «الحنكية» بمنطقة المدينة المنورة، و«الشويمس، وجبة» في منطقة حائل المدرجتين ضمن قائمة مواقع التراث العالمي بمنظمة «اليونسكو».

باحث وأكاديمي سوري

دلمون والعُبيد وبداية حضارات الشرق

سلطان الدويش

الاكتشافات الأثرية التي ظهرت في شبه الجزيرة العربية تأخرت كثيرًا عن مثيلاتها مصر والعراق بأكثر من مئة وخمسين عامًا تقريبًا؛ وذلك لأن الباحثين كانوا يعتقدون أن شبه الجزيرة العربية منطقة صحراوية ليس بها آثار. حتى حين ظهرت آثار لحضارة «دلمون» في العراق وبابل اعتقدوا أنها من حضارة الهند، ثم وصلت بعثة دنماركية إلى الكويت عام 1958م. واكتشفت «دلمون» التي تحدث عنها البابليون والسومريون، وعن أنها موجودة في جزر الخليج ومنطقة «تاروت» في المملكة العربية السعودية. البعثة نفسها عملت في كل من البحرين وقطر والإمارات وأثبتت هذه الاكتشافات في مدن «دلمون».

دلمون حضارة كبيرة في منطقة الخليج، كانت لها علاقة بالحضارة المصرية وبحضارة فارس، وحين تحدثت المصادر المصرية عن استيراد التوابل والبخور، لم يكن المقصود بلاد النوبة، كما اعتقد بعضٌ، بل الخليج؛ فالبخور والتوابل كانت تأتي إليها من الخليج لا من النوبة.

وقد سبقت دلمون حضارة أقدم، وهي حضارة «العُبيد» التي كانت بداية الحضارة التي نشأت في الشرق، وتعود إلى بدية تطور الإنسان من العصر الحجري إلى المدني. فقد وجدنا قرية في الكويت بها بداية مستوطنات، وهي بداية اتصال الحضارات، وهذه المستوطنات كانت من المحار وعظام الأسماك. لم يكن بها وجود للمعادن، فقد كانت قائمة على صيد السمك، واستخدمت الفخار والمحار والخرز. وتواصلت «العبيد» مع المراكز الحضارية الأخرى في العراق سواء بأور أو العبيد.

المراكز الحضارية الخمس في ذلك الوقت كانت في كل من مصر والهند وسوريا القديمة وبابل ودلمون. وقد علمنا باتصالها بالمراكز الحضارية الأخرى عن طريق الأختام؛ إذ وجدنا مئة ختم من بلاد الرافدين، و40 ختمًا من السند، و5 من الجعران المصري، فضلًا عن أختام الخليج. وكانت الكتابة لديهم عبارة عن نقوش على ألواح من الحجر الصابوني والنحاس، وكانت في جانب منها ترصد الحياة اليومية في دلمون، فهناك نقش يؤرخ فيه صاحبه لأنه جاء على سفينة كبيرة من مدينة أور.

الموقع الإستراتيجي

اكتشافات منطقة الخليج بدأت تظهر بقوة في المدة الأخيرة، وهناك دراسات كثيرة عنها، والعامل الرئيس في نشأة حضارات الجزيرة العربية هو الموقع الإستراتيجي؛ فدلمون تقع على الخليج، والموانئ في الساحل الغربي، أو العربي، للخليج؛ لأنه منبسط وسهل. أما الجانب الشرقي أو الإيراني منه فإن طبيعته الصخرية صعبة؛ لذا لا توجد عليها موانئ. ومن ثم فقد ظهرت مراكز حضارية في أم النار بالإمارات وغيرها. وأهمية الموقع الإستراتيجي تأتي من أنه كان طريقًا للتجارة بين الهند والغرب. لمدة قريبة لم يكن العالم يعرف طريقًا للتعامل التجاري بين الشرق والغرب سوى الخليج، فالبحر الأحمر يتمتع بطبيعة صعبة تغلب عليها الجبال والصخور، ومن ثم كان من الصعب أن يصبح طريقًا للانتقال من الصين والهند إلى الغرب. وقد صارت السفن كبيرة، ومحملة بكميات ضخمة من اللبان، وكانت تأتي من السند إلى ماجان (إقليم عمان) إلى دلمون، محملة بالبخور الذي كانت تحتاجه المعابد المصرية، ولم تكن تذهب إليها من اليمن، وإنما من الخليج مباشرة.

وقد وجد العلماء في «التيماء» نقشًا لرمسيس الثاني، وهو ما يدل على أن التجارة كانت تصل إلى الممالك العربية ثم تُنقَل إلى مصر، وهو ما يعني وجود اتصال لها بالحضارات الأخرى، وأن التقارب بينها وبين هذه الحضارات أدى إلى نمو الممالك العربية وتطورها. وهذا ما دونه السومريون عن دلمون، فقد ورد ذكرها في أسطورة جلجامش، وهي أرض الخلود حسبما كان السومريون يعتقدون، أو الأرض المقدسة. وقد ورد ذكر دلمون في المصادر اليونانية، فقد استعمر اليونان أجزاءً من ساحل الخليج، وأطلقوا على جزيرة فيلكا اسم إيكاروس تيمنًا باسم جزيرة إيكاروس في بحر إيجة لديهم، وأطلقوا على البحرين اسم تايلورس، وكل كُتَّاب الإسكندر (أرياتوس وبطليموس، إسترابون وأجاثار خيديس الكنيدي) كتبوا عن الجرها التي جاؤوا بعدها بنحو ألف وخمس مئة عام. فقد وصلوا إليها وكتبوا عن العرب التجار، وأنهم كانوا أغنياء، وكانوا يلعبون الدور نفسه الذي يقومون به الآن، كما كانوا يصكون عملات نحاسية، وهو ما يعني أنهم عرفوا النقود، وقد كتبوا أسماء ملوكهم بالخط العربي المسند.

ظواهر حضارية

وقد ذكرت دلمون في «ماري» بسوريا، ووجدت أختامها في حيدرآباد بالهند، والفاو في السعودية، وفي أم النار بالإمارات، وقد وردت كتابات عنها في كل من سومر وأكاد، وكذلك في ماري بالشام. وفي الحقبة اليونانية كتبوا عنها كثيرًا بالخط اليوناني القديم. وحضارة دلمون بها كثير من الظواهر الحضارية مثل الأختام، فقد اكتشف بها نحو 800 ختم، كل ختم يختلف عن الآخر. الختم يتكون من نقوش حيوانية، وبعضها حمل اسم الإله. وفي جزيرة «أجاروم» قبل ألفي عام من الميلاد، أي قبل نحو أربعة آلاف عام من الآن، كانوا يكتبون بالخط المسماري القديم، وكانت لديهم كثير من النقود وأدوات الزينة النسائية، وتركوا كثيرًا من المعابد والقصور والأفران والقبور الصخرية.

فقد وجدنا بالصبية أناسًا مدفونين على شكل الجنين، ووجدنا كثيرًا من الأشياء المدفونة معهم. وفي حضارة دلمون كانت الأختام عليها رسومات قوارب الصيد وغيرها من مظاهر حضاراتهم.

الهجرات البشرية بين حضارات الجزيرة العربية والمراكز الأخرى في منطقة الشرق القديم ساهمت في تشكيل معالم التكوين السياسي والحضاري والتعايش والاستقرار في المنطقة، وتركت بصمتها في المجال الاقتصادي وزيادة النشاط التجاري، وكذلك في المجالين الديني والفكري.

باحث وأكاديمي كويتي

الدين في جزيرة العرب بين التوحيد والوثنية

حيدر قاسم مَطَر التميمي

إنَّ قراءة متأنية في العقائد الدينية في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام، تُعيد إلى الأذهان شكلًا مألوفًا من العبادة عرفته المنطقة العربية القديمة قبل آلاف السنين، وهو الشكل الذي يعلن وجود خالق وحيد للكون مع المستوى الإيماني الذي يُقيم شعائره وطقوسه متوجِّهًا إلى الأرباب، ممَّا يخلق مناخًا متوافقًا بين العُمق والطقس، وممَّا أدَّى كذلك إلى تناسخ هذا النمط من التوحيد وظهور الوثنية في شبه الجزيرة العربية. فعبادة الأرباب في الجاهلية كانت تخضع بشكلٍ أو بآخر إلى وجود مناخ مناسب يميزها من غيرها، مع فسحةٍ تسامحيةٍ في انتشار الأديان، وتعايش أنماطٍ ومذاهب مختلفة شديدة التنوع من العقائد التوحيدية مع العبادات الربوبية المعروفة. والمتتبع لتطور التوحيد الربوبي الجاهلي، سوف يرى أنَّه يظهر في دور الكهنوت القوي، الذي كان كأسلافهِ في المنطقة العربية قبل الميلاد، مسؤولًا بشكلٍ مباشر عن انهيار هذا النمط التوحيدي، وذلك بتسطيحهِ للعقيدة الأسرارية، واختصارها إلى طقوسٍ ربوبية في إطار السعي المحموم وراء الثروة التي تؤمِّنها هذه الطقوس، عن طريق النذور والقرابين والهبات إلى المعبد. كل ذلك في محيط ذهني شعبي.

التنوع الديني

كانت العبادة في شبه الجزيرة العربية لوحة متنوعة الألوان والأشكال، فمنهم من كان يعبد السماء، وهناك عبادة الرحمن التي كانت منتشرةً في الجنوب، وفي أعالي الحجاز، وذلك قبل أن يدعو إليها مُسيلمة الكذَّاب بأكثر من مئتي سنة، كما أشار إليها المؤرخون والشعراء بشعرهم وتأريخهم الشعري، حيث أوجدوا عبادةً لـ(إيل) التوحيدية في شبه الجزيرة العربية، تحت عنوان الديانة الإبراهيمية، التي ورد ذكرها في القرآن الكريم بوصفها ديانة توحيدية، تُنزِّه الله (I)، وتُقرُّ عبادته وحده.

وفي استكمال هذه اللوحة الفسيفسائية ولدت ظاهرة الحنفاء، ونحن إذ نراها ظاهرة وليدة تميُّزها عن محيطها التوحيدي الذي كان قائمًا، إذ كانت هناك عبادات عديدة قائمة ومعروفة منذ قرون في البقعة الجغرافية نفسها، تحمل المضمون الديني ذاته، مثل عبادة (إيل)، وعبادة (الرحمن)، ونحو ذلك. ممَّا يميِّز الحنفاء عن هذا المحيط، وأدى إلى ظهور تيار جديد آخر من التيارات التوحيدية التي تقول بوجوب عبادة الله وحده.

إن الفارق النوعي المهم بين ما ذُكر من المعتقدات والتيارات التوحيدية، وبين ظاهرة الحنفاء إنما يكمن في أن الأخيرة قد ولدت وهي تحمل مشروعًا سياسيًّا ودينيًّا على مستوى الجزيرة العربية كلها، هذا المشروع يستبدل التعددية العقائدية التي ذكرناها على المستوى الذهني، والتشرذم القبلي على المستوى السياسي، الذي يمر عبر إلغاء جميع أشكال العبادة المحلية التي تعكس وتُكرِّس التفتُّت الاجتماعي في صورة الحضور المتعدِّد للأرباب التي تتنوَّع بتنوع الجغرافية والانتماء القبلي. وسنحاول في هذا المقال المركَّز أن نسلط الضوء فقط على الديانات التوحيدية التي إمَّا كان منبعها وأصلها أرض شبه جزيرة العرب، أو أنها كانت وافدةً عليها من الثقافات والأُمم المجاورة لها.

الديانات التوحيدية

عند التفكير في الفكر الديني في شبه الجزيرة العربية في بداية القرن السادس الميلادي، لا بد من التساؤل عن تنوع العقائد الدينية في تلك الحقبة الزمنية، فقد ملأ الجاهليون فراغهم الروحي بالإيمان بآلهة الأوثان والأصنام، فضلًا عن إيمانهم بالله، فهناك الأديان السماوية التي تقدَّمت على الإسلام، وهي اليهودية والنصرانية اللتان كانتا تعمَّان الجزيرة العربية، ولكلٍّ من تلك الأديان مصادر فكرية تستقي منها تعاليمها، وتبني عليها معتقداتها، فصاغ منها أصحابها طقوسهم الدينية على اختلافها. وكل واحدٍ من أصحاب الديانتين كوَّن تيارًا دينيًّا بنى عليه معارفه من محيطهِ الغني بالمذاهب والعبادات التوحيدية، وصاغ مشروعه الفكري على هَدي سياسي ديني يقيم فيه النُّظُم السياسية والدينية تخلِّفها النُّظُم الاجتماعية؛ ولذلك نرى العقائد الدينية تؤدي دورًا مهمًّا في خلق التنظيم الاجتماعي والسياسي، وما يترتَّب عليهما من علاقاتٍ اقتصادية ومادية مهمة، فضلًا عن العلاقات الدينية والفكرية التي تقوم بين الإنسان وربِّهِ، وما يجسِّد هذا المعتقد من أقوالٍ وأعمال.

انتشرت اليهودية في شبه الجزيرة العربية في قبائل وبطون عربية كانت تعيش خارج مكَّة، منهم: بنو النضير، وبنو قريظة، وبنو ثعلبة، وبنو زريق، وبنو حارثة، فضلًا عن دخول بعض القبائل العربية في الديانة اليهودية، حيث تهوَّد قومٌ من الأوس. وهم أقوام جاؤوا إلى الجزيرة العربية للاتِّجار والربح، وقد أقاموا فيها لهذه الغاية، وهم قلَّة، وقد سبقوا الإسلام بمدة قصيرة من دون أن يكون هناك أي دليلٍ مادي على وجودهم في شبه الجزيرة العربية منذ القِدَم، وخاصةً في النقوش والتراث التاريخي الذي كان لغيرهم من الأديان الأخرى، وقد يحتمل مجيئهم من الحبشة أو من الشمال، حيث أقاموا في يثرب وأم القرى. وأقدم النقوش في الجزيرة العربية تعود إلى رجلٍ يُدعى (يحيى بن شمعون)، التي يعود تاريخها إلى سنة ٣٠٧ ميلادية، وهي كتابات شخصية لا تفصح بشيءٍ ذي بال عن عقيدة أصحابها، ولا عن تاريخهم في هذه الأرض.

وعلى الرغم من أن بعض العرب تهوَّدت قبل الإسلام من الأوس والخزرج لمجاورتهم يهود خيبر وبني قُريظة، وتهوُّد قوم من بني الحارث بن كعب، وقوم من عنان وجذام، إلَّا أن هذه الديانة لم تكن منتشرةً في الجزيرة العربية بشكلٍ واسع. ونتيجة للعنصرية التي امتاز بها يهود شبه الجزيرة العربية، فقد كانت شعوبًا منطوية منغلقة على ذاتها، همها جمع المال والعمل على الفائدة بالربا، وخلق الفتن بين القبائل كي تحافظ على وجودها، على الرغم من أنها استوطنت في أماكن مهمة في شبه الجزيرة العربية، وبخاصة منابع المياه ووديانها الخصبة، مع دفعهم الإتاوة لزعماء القبائل والعشائر العربية التي كانت تتحكَّم بالجزيرة العربية ومقدراتها.

ومن جانبٍ آخر، فقد انتقلت الديانة النصرانية إلى شبه الجزيرة العربية، حيث دخلتها عن طريق التجارة التي كان يقوم بها التجَّار العرب مع بلاد الشام والعراق، وكان يأتي بعض التجَّار المسيحيين إلى مدن الحجاز واليمن والبحرين. وكانت هناك أديرة على تلك الطرقات يأوي إليها العرب للراحة والتزود بالماء والكلأ. ومن ثمَّ يتعرَّفون إلى هذه الديانات في كنائس تلقى الدعم والإعانات من كنائس العراق وبلاد الشام، حتى تمكَّنت من الانتشار بين كثيرٍ من القبائل العربية، وأمام هذا الانتشار الديني دخلت قبائل عدَّة في النصرانية في شبه الجزيرة العربية، ودان لها كثيرون، منهم: بنو تغلب، وبنو امرئ القيس، وطيئ، ومذحج، وبهراء، وسليم، وتنوخ، وغسَّان، ولخم. ولم تقف النصرانية عند هذا الحد من الانتشار، بل تَعَدَّتْه إلى أن دخلت مكَّة وتنصَّر بعض رجالاتها، ومنهم: عثمان بن الحويرث، وورقة بن نوفل. كما وُجِدَ في مكَّة بعض النصارى ممَّن كانوا من الغرباء والرقيق والنازحين والعبيد.

وما كان واقع هاتين الديانتين في أرض شبه جزيرة العرب إلَّا متناقضًا إلى حدٍّ كبير من حيث التطبيق العقائدي والفكري للدين. فكما أشرنا إلى سِمَة العنصرية والتزمُّت التي اتصف بها اليهود جاعلين من أنفسهم «شعب الله المختار»، وأنَّ إلَهَهُمْ خاصٌّ بهم وحدهم. في حين اختلفت النصرانية عنهم جذريًّا، لتعتقد أنَّ دين البشرية جمعاء، وأنَّ الإله هو للجميع، حتى تسود المحبة والتسامح.

وفي الختام، نود الإشارة هنا إلى ملاحظة جديرة بالاهتمام والعناية من قبل الباحثين المختصين في التاريخ الفكري والحضاري لجزيرة العرب، ألا وهي دور الشعر والشعراء في توثيق وتأصيل كثيرٍ من الحالات الاجتماعية والدينية عبر العصور. إذ عكس الشعر الجاهلي ديانة العرب الوثنية منها والتوحيدية على حدٍّ سواء، ممَّا يؤكِّد انتشارَها بينهم، بدايتها تعودُ إلى زمنٍ بعيد جدًّا عن الإسلام. وقد رأيت أن الديانات الوثنية قد تطورت مِنْ عبادة أحجارٍ لا شكل لها، كانت تُؤخذُ مِنْ حَرم مكَّة، إلى عبادة أصنامٍ وأوثانٍ منحوتة. وقد رجَّحت أنَّ هذا التطور في الشكلِ أتاها من البلدان المجاورة لشمال الجزيرة العربيَّة وشرقها؛ ذلك أنَّ أشهَر الأصنام التي كانت تُعْبَدُ عند العرب، لها ما يماثلها عند الأقوام الأخرى.

باحث وأكاديمي عراقي


نايف‭ ‬بن‭ ‬ثنيان‭ ‬آل‭ ‬سعود‭:‬ مركز‭ ‬الملك‭ ‬سلمان‭ ‬لدراسات‭ ‬تاريخ‭ ‬الجزيرة‭ ‬العربية يسعى‭ ‬إلى‭ ‬إثراء‭ ‬المكتبة‭ ‬بالدراسات‭ ‬المتطورة

الفيصل

يعدّ مركز الملك سلمان لدراسات تاريخ الجزيرة العربية وحضارتها المركز الوحيد المتخصص في هذا المجال في الجامعات السعودية. تأسس المركز في عام 1431هـ. وهو منصة مهمة لدعم البحوث الأكاديمية وتعزيز البحث العلمي في مجال تاريخ الجزيرة العربية وحضارتها. ويضم فريقًا من الباحثين والأكاديميين المميزين في هذا المجال، ويقدم دورات تدريبية وورش عمل ومؤتمرات دولية للمساهمة في نشر المعرفة والوعي بتاريخ المنطقة وثقافتها.

بحسب المشرف العام على مركز الملك سلمان لدراسات تاريخ الجزيرة العربية وحضارتها، الأمير الأستاذ الدكتور نايف بن ثنيان آل سعود، فإن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود رحب بفكرة تأسيس مركز يحمل اسمه ويختص بتاريخ الجزيرة العربية وحضارتها، مشيرًا إلى أن هذا الترحيب جاء تقديرًا منه «لأهمية الدراسات التاريخية والحضارية المتعلقة بالمملكة العربية السعودية خاصةً والجزيرة العربية عامةً؛ وذلك لما عُرِفَ عنه من اهتمام بالغ بالتاريخ وشجونه واطلاعه الواسع وقراءاته النقدية والتحليلية، ولا سيما فيما يتعلق بتاريخ الوطن، فلم تَحُلْ مسؤوليات الملك سلمان المتعددة بينه وبين عشقه المتأصل للتاريخ بصفته سجلًّا خالدًا للأمة ومرآة لتطورها وتوثيقًا لأحداثها، فكان دائمًا حفيًّا بالتاريخ والمؤرخين، ومشاركًا ومصححًا لما يُثَار من موضوعات ومداخلات وآراء. من هنا جاء ترحيب الملك سلمان بفكرة إنشاء مركز يحمل اسمه في رحاب جامعة الملك سعود في سنة 1431هـ، مُكرّسًا للدراسات التاريخية والحضارية للجزيرة العربية، حافزًا على حركة البحث التاريخي وتشجيعها؛ لاستجلاء القيم العظيمة في تاريخ المملكة العربية السعودية خاصة، والجزيرة العربية عامة».

مستهدفات ثمينة

حول أهم مستهدفات المركز للارتقاء بهذا المجال البحثي المهم، ذكر الأمير نايف أن للمركز مجموعة من المستهدفات؛ أبرزها: «إجراء الدراسات والبحوث المتعمقة التي تتناول تاريخ الجزيرة العربية وحضارتها، وتدعيم حركة النشر العلمي، ولا سيما في الدوريات المتخصصة ذات السمعة العالمية، والمشاركة في الإنتاج البحثي الوطني والعالمي والإلمام بالتقنيات الحديثة، وتحقيق أرضية مساندة لبرامج التنمية الوطنية، وعقد ندوات ومؤتمرات عامة ومغلقة تبحث في تاريخ الجزيرة العربية عامة، وتاريخ المملكة العربية السعودية خاصة، وعلاقاتها مع جيرانها ومع الدول والتجمعات الإقليمية الأخرى، وتقديم الاستشارات العلمية في كل ما يتعلق بالجزيرة العربية، سواء من حيث النشر والتأليف أو في وضع المناهج التاريخية لكل المراحل الدراسية، وتأسيس قاعدة بيانات معلوماتية تاريخية في كل ما يتعلق بتاريخ الجزيرة العربية وحضارتها، ومساعدة الباحثين في حقل تاريخ الجزيرة العربية وحضارتها». وأضاف أنه من بين المستهدفات الأخرى: «تأسيس العلاقات مع المراكز المتماثلة وتوثيقها، وكذلك مع الأفراد المهتمين بتاريخ الجزيرة العربية وحضارتها، ودعوة الأساتذة الزائرين وتنظيم برامجهم العلمية في أثناء مدة إقامتهم، والمتابعة المستمرة لكل ما يُنشَر عن تاريخ الجزيرة العربية وحضارتها باللغات العالمية، والاستفادة من وسائل التقنية الحديثة للتعريف بتاريخ الجزيرة العربية وحضارتها عبر العصور».

جهود بحثية متميزة

وفيما يخص أبرز الجهود البحثية للمركز أوضح الأمير نايف قائلًا: «للمركز مجموعة من الجهود تتمثل أبرزها في احتضانه عددًا من الفعاليات والمناشط المهمة المتخصصة في مجال دراسات تاريخ الجزيرة العربية وحضارتها؛ لعل من أهمها: نشره للمؤلفات والدراسات والبحوث المتخصصة في تاريخ الجزيرة العربية وحضارتها، التي بلغت حتى الآن أكثر من ثلاثين كتابًا علميًّا محكمًا تتناول موضوعاتها مختلف جوانب تاريخ الجزيرة العربية، قديمًا ووسيطًا وحديثًا، إلى جانب احتضانه جائزة الملك سلمان العالمية للدراسات العليا في تاريخ الجزيرة العربية وحضارتها، وهي جائزة سخية أهداها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان لأبنائه الطلاب في مرحلتي الماجستير والدكتوراه، وعُقد منها حتى الآن دورتان، والمركز بصدد الإعلان عن الدورة الثالثة منها بصفتها جائزة عالمية؛ لكي يشارك فيها الطلاب من جميع أنحاء العالم لإثراء مجال تاريخ الجزيرة العربية وحضارتها بآراء ومناهج جديدة ومبتكرة».

وأشار الأمير نايف إلى أنه من بين جهود المركز أيضًا: «احتضانه الندوة العالمية لدراسات تاريخ الجزيرة العربية التي تحظى بسمعة علمية فائقة في الأوساط البحثية والأكاديمية والعلمية منذ إنشائها قبل نحو خمسة عقود؛ إذ استوعبت خلال مسيرتها الطويلة من الأبحاث والعلماء من المملكة وخارجها، وهو ما يجعلها في طليعة الندوات التاريخية المتخصصة في تاريخ الجزيرة العربية على مستوى العالم، وإصداره مجلة علمية محكمة نصف سنوية عن تاريخ الجزيرة العربية وحضارتها، وهي المجلة الوحيدة المتخصصة في هذا المجال في الجامعات السعودية، إضافة إلى تقديم عشرات المحاضرات العلمية والدورات وورش العمل على مدار العام الدراسي لطلاب الدراسات العليا والباحثين المتخصصين في تاريخ الجزيرة العربية».

وتطرق الأمير نايف إلى أن المركز عمل على إنشاء قاعة بحثية وثائقية تشتمل على أهم الوثائق والمخطوطات والصور النادرة المتعلقة بتاريخ الجزيرة العربية وحضارتها؛ لإتاحتها للباحثين وطلاب الدراسات العليا، كما أنشأ موقعًا إلكترونيًّا ثريًّا، يتيح للجميع الاطلاع بسهولة ويسر على المناشط والمشروعات البحثية للمركز، والتعرف إلى أبرز الأخبار، فضلًا عن منصات التواصل الاجتماعي النشطة والمفعلة على نحو دائم ومستمر.

واقع البحث الراهن

لا شك أن مجال دراسة تاريخ الجزيرة العربية وحضارتها مجال ضخم وشاسع؛ إذ يشمل دراسة جميع مناطق وأقاليم الجزيرة العربية في جميع العصور التاريخية، وهو ما قد يجعل واقع البحث والدراسة في تاريخ الجزيرة العربية وحضارتها من الأمور الصعوبة لكنها ليست مستحيلة، وقد أوضح الأمير نايف طبيعة هذا المجال في الوقت الراهن بقوله: «على الرغم من الصعوبات التي قد يواجهها الباحث في بعض الفترات التاريخية للجزيرة العربية من قلة المادة العلمية وشح المصادر، فإن المتخصصين في التاريخ عامة، وتاريخ الجزيرة العربية وحضارتها على خاصة، يعلمون أن معين تاريخ الجزيرة العربية لا ينضب أبدًا، وأنه على الرغم من حجم الدراسات والبحوث التي انتُجت، فإن تاريخ الجزيرة العربية ما زال ميدانًا خصبًا للبحث والدراسة، ولا سيما في الجوانب الحضارية والاقتصادية».

وأضاف: «من المعروف أن الجوانب السياسية والعسكرية في أي حقبة تاريخية دائمًا ما تحظى بالاهتمام والتركيز من جانب الباحثين المتخصصين أكثر من غيرها من جوانب الأخرى، وهذا لا شك نابع في الأساس من توافر المادة المصدرية في الأحوال السياسية؛ لكونها قد حظيت بالأولوية في التدوين من المؤلفين المعاصرين عما سواها من الأحوال الأخرى. ولكن هذا لا يعني أن الجوانب الأخرى فقيرة مصدريًّا، بل إن الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ميدان خصب وثري للباحث الجادّ، وبخاصة مع تطور أدوت البحث الحديثة، وظهور المصادر والمراجع الرقمية التي تسهل كثيرًا الحصول على المعلومات، فضلًا عن تنوع وثراء المصادر التاريخية التي يستند عليها الباحث التاريخي، فلم يعد محور اهتمامه المؤلفات التاريخية التقليدية، بل إن هناك مؤلفات أخرى لا تقل أهمية بل ربما تفوق مثيلاتها من المؤلفات التاريخية، وهي المؤلفات في الأدب والفقه والحسبة والجغرافيا وكتب الفنون العسكرية والعلوم التطبيقية والصحافة والوثائق على اختلاف أنواعها، والصور، إلى غير ذلك مما يمكن للباحث أن يستند عليه».

تطوير الدراسات التاريخية

ويطمح المركز في المرحلة القادمة إلى تطوير مجال الدراسات التاريخية والحضارية للجزيرة العربية عبر جهود مستمرة لا تتوقف، فأشار الأمير نايف إلى أن «المركز يسعى إلى إثراء مكتبة تاريخ الجزيرة العربية وحضارتها بدراسات متطورة ومبتكرة وجديدة، وذلك عبر تبنّيه نشر هذه الدراسات بعد عرضها على التحكيم العلمي الدقيق، كما يطمح في المرحلة القادمة إلى وضع آلية معينة تكون وسيلة ربط بين الأقسام الأكاديمية داخل الجامعات والطلاب لدفعهم ناحية الاهتمام بتاريخ الجزيرة العربية وحضارتها».


المرأة‭ ‬في‭ ‬الجزيرة‭ ‬العربية‭ ‬قبل‭ ‬الإسلام
دراسة‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬السياسي

يسلّط كتاب «الملكات العربيات قبل الإسلام- دراسة في التاريخ السياسي» الضوء على دور المرأة العربية قبل الإسلام. وتتناول مؤلِّفتُه، الدكتورة هند محمد التركي، قصص الملكات والقائدات العربيات اللواتي حكمن في ذلك الوقت ولعبن أدوارًا سياسية وعسكرية كبيرة. كما تركز على دور المرأة في الشعر والأدب في عصر ما قبل الإسلام. ويُعد الكتاب الصادر عن مؤسسة عبدالرحمن السديري الخيرية مصدرًا قيِّمًا عن تاريخ المرأة العربية قبيل ظهور الإسلام.

من خلال دراسة أكاديمية موثّقة يستعرض الكتاب الأنظمة السياسية في الجزيرة العربية، والمكانة التي كانت تحظى بها المرأة العربية في النظم الحاكمة آنذاك. وقد بينت المؤلفة أن المرأة العربية قبل الإسلام كان لها شأن كبير في المجتمع. كانت كاهنة وعالمة بأمور الطب والتعاويذ، إلى جانب دورها الطبيعي في رعاية أسرتها وأولادها.

يتألف الكتاب من تمهيد وأربعة فصول. وبداية تتحدث المؤلفة عن الإطار الجغرافي والحضاري للمنطقة الشرقية الأدنى القديمة ومكانة المرأة في الجزيرة العربية وما جاورها من مناطق مثل: إيران ومصر والشام وبلاد الرافدين والأناضول. ولفتت التركي إلى أن أقدم الأدلة حول النظام السياسي في الجزيرة العربية وطبيعته تعود إلى مصدرين رئيسين: كتاب العهد القديم والمصادر الآشورية. وتؤكد تلك المصادر أن العرب قد عرفوا أنظمة الحكم وأنها كانت نتاج تطور فكري سياسي.

ويقدم الكتاب عرضًا للنظام السياسي في الجزيرة العربية قبل الإسلام، مع توضيح للألقاب السياسية التي كانت تستخدم في ممالك جنوبي الجزيرة وشمالها، ولفت الكتاب إلى أن العرب عرفوا ثلاثة أنماط من أنظمة الحكم:

نظام المشيخة القبلية: وفيه كانت القبيلة هي أساس التنظيم السياسي، والعمود الفقري لحياة البادية. ثم تحول هذا النظام تدريجيًّا إلى نظام الملكية، وهو ما أدى لنشوء دويلات وممالك مستقرة في جنوبي الجزيرة ووسطها وشماليها.

نظام المكربين: ظهر هذا النظام مع ارتقاء الوضع السياسي للقبائل إلى تنظيم الدويلة المستقرة. ويتمثل في تحالف بين عدد من القبائل ذات المصالح المشتركة ويجمعها الجوار. وكان لها زعيم يحكمها تحول لقبه من شيخ إلى مكرب. وهو لقب شاع استعماله في ممالك سبأ وأوسان وقتبان وحضرموت. وقد اختلف الباحثون في تفسير معنى مكرب، فأشار بعضهم إلى أن معناه المُوحّد. وقد ظهر هذا النظام الوراثي في جنوبي الجزيرة العربية فقط، ولا يوجد شاهد تاريخي يدل على أن المرأة قد حكمت في ظل النظام المكربي.

النظام الملكي: مع تطور النظم السياسية في الجزيرة العربية تحولت مناطقها إلى وضع أكثر استقرارًا، وقد وردت لفظة «ملك» في النقوش التي خلّفتها الممالك العربية القديمة، منها نقش النصر الذي يعدّ من أقدم نقوش المسند. حيث يشير إلى أن (كرب إل وتر) اتخذ لقب ملك وتمكن من إقامة دولة مركزية قوية. وقد تتبع الكتاب ظهور هذا النظام في ممالك الجزيرة العربية مع ذكر أمثلة لملوكها الأوائل. وقد ظهرت المرأة الملكة في هذا النظام، فنجد ملكة سبأ، وملكة تدمر التي نافست الإمبراطورية الرومانية.

وتطرقت المؤلفة إلى الألقاب السياسية التي شاعت في تلك الممالك؛ مثل «قين» بمعنى وزير أو نائب، و«كبير» التي تساوي أميرًا أو واليًا، و«قيل» التي توازي زعيمًا أو شيخًا أو مسؤولًا حاكمًا، و«العاقب» وهو موظف يُختار من أسرة ذات نفوذ ليتولى حكم منطقة ما ضمن المملكة، و«المقتوي» وهو القائد العسكري الذي يتولى قيادة قوات مختلفة ولا سيما في مملك جنوب الجزيرة العربية. أما في شمالها فقد انتشر لقب موازٍ آخر وهو «هفركا»، وهي كلمة يونانية الأصل تعني القائد. ومع تزايد أطماع الممالك المجاورة في ممالك الجزيرة العربية القديمة انتهى بها الأمر إلى زوالها، وظهرت على أنقاضها ما تسمى بالدويلات أو الممالك العربية.

نقوش وآثار

تتوقف المؤلفة عند الملكات العربيات من خلال النقوش والآثار العربية القديمة مثل: النقوش الآشورية والسبئية والنبطية والتدمرية والمصادر الرومانية. ويتضمن الكتاب صورًا للعديد من العملات البرونزية والفضية التي تصوّر تلك الملكات، فقد حرص الآشوريون منذ عهودهم الباكرة على تسجيل أسماء ملوكهم وسنوات حكمهم وما حققوه من إنجازات عمرانية.

خلافًا للنقوش الآشورية، فإن النقوش السبئية لم تتضمن أي نقش يشير إلى أي ملكة تولت الحكم، سوى نقش واحد أشار إلى ملكة حضرمية، لم تشارك في قيادة أو حكم، لكنها كانت زوجة الملك، وهي «ملك حلك»، وهي أيضًا ابنة الملك «علهان نهفان»، ملك سبأ وذي ريدان، وأخت الملك «شعر أوتر». وعلى الرغم من كثرة النقوش النبطية، فإنها لم تشر إلى أي ملكات نبطيات، لكن كان اسم زوجة الملك أو والدته يوضع معه على العملة تكريمًا لها، وكان الملك عبادة الثاني أول ملك يُظهر صورة زوجته الملكة على العملة. ومن أبرز الملكات النبطيات اللواتي ذكرت أسماؤهن على العملات: الملكة خلدو، والملكة شقيلة زوجة حارثة الرابع، والملكة شقيلة زوجة مالك الثاني، والملكة شقيلة أم الملك رب إل الثاني، والملكة جميلة أم الملك رب إل الثاني.

أدوار سياسية مهمة

وتحدثت المؤلفة عن الملكات العربيات في المصادر الدينية والموروث العربي. فذكرت قصة ملكة سبأ مع النبي سليمان، وبينت اللبس عند بعض المؤرخين العرب بين الملكة زنوبيا، ملكة تدمر، وملكة أخرى أطلقوا عليها اسم «الزباء». كما تطرقت إلى الملكات العربيات وزوجات الملوك المؤثرات، ملكات شمالي الجزيرة العربية وعلاقتهن بدولة آشور. ومن الملكات التي تطرق لهن الكتاب، الملكة يافا التي تشير الآثار الباقية إلى أنها كانت تحكم منطقة اليمامة، وقُتِلَت على يد الملك الآشوري أسرحدون، بعد صراع عسكري للدفاع عن مصالح مملكتها. يُذكر أن الملكة باسلو قُتِلَت أيضًا ضمن الملوك الذين قتلهم الملك الآشوري أسرحدون. أما الملكة الكاهنة تعلخونو فقد هزمها الملك الآشوري سنحاريب، ووقعت في الأسر، ونُقِلَت إلى عاصمة الآشوريين (نينوى)، ونُقِلَت معها غنائم كثيرة وتماثيل آلهة أدوماتو. أما الملكة تبوأة فقد دخلت في مهادنة جديدة مع الآشوريين في عهد أسرحدون، وكانت علاقته به تقوم على الولاء والتبعية وتقديم الإتاوات.

أما ملكة سبأ فقد اختلفت المصادر في تحديد سبب زيارة الملك سليمان. في الإنجيل والتوراة ذُكِرَ أن السبب هو الوقوف على حكمة سليمان والتأكد منها، أما القرآن فقد حدد سبب الزيارة بالدعوة إلى توحيد الله. ووفقًا للموروثات العربية فقد ترتب على زيارة ملكة سبأ النبيَّ سليمان علاقات دبلوماسية وتجارية.

خالد الساعي: الفنان المنشغل بالحرف متصوف بطريقته

خالد الساعي: الفنان المنشغل بالحرف متصوف بطريقته

تتحول الحروف في تجربة الفنان السوري خالد الساعي إلى كائنات والأشكال إلى حروف. في حوار «الفيصل» معه، يتحدث الساعي عن المصادر المختلفة التي يستلهم منها أعماله وعن دمجه بصريًّا بين البيئات الشرقية والغربية، ودمجه بين الصورة والحرف ومتى يمكن للفنان أو ينبغي له أن يجعل من عمله الفني وثيقة تاريخية تحفظ المعالم التاريخية. كما يتطرق إلى تجربته في الرسم أمام الجمهور والهدف منه والفائدة التي تحصل عليها باحتكاكه بالجمهور من جنسيات مختلفة. يتحدث عن جداريته «سوريا حديقة التاريخ»، وكيف أن طينة هذا العمل مستمدة من ألوان المدن السورية المختلفة ومن معاني أسماء المدن وتاريخها. وعن استفادته من التراث الصوفي، وعن الحاسب الآلي كأداة في يد الفنان يمكنه ترويضها لصالح إنتاج أعمال بصرية لكنها، كما يرى، ستظل أداة قاصرة بحكم أن الفن تجربة تُعاش، يترجمها الفنان بتفاعله مع المحيط ومع دواخلنا وليست مسألة تنفيذية تقنية كما هو حال الحاسب الآلي. ويتوقف عند معارضه التي جاب بها العالم، وهو يحمل معها بيته الدمشقي.

  كيف أثرت نشأتك في عائلة تعشق الرسم بالخط العربي في مسيرتك، وكيف طورت دراستك الأكاديمية الموهبة لديك؟

  كان مناخ البيت عندنا مناخًا ثقافيًّا بامتياز، حيث قراءة الشعر تحدث بانتظام وانتقاء، وتتداخل معها مناقشات مشوقة، وأيضًا ورش الخط العربي كانت شبه دائمة. والرسم كذلك. كل ذلك ساهم في نضجي المبكر لفهم الفن والأدب وممارستي المبكرة لهما، والأهم من ذلك الاستمتاع بالفن والثقافة. نعم، بكل تأكيد ساهم الجو العائلي في ذلك، حتى أكثر من الحياة الأكاديمية، حيث التحقت بكلية الفنون الجميلة بدمشق وأنا على اطلاع كامل على المادة النظرية ومقرراتها ورصيد عملي جيد، ولكن الاحتكاك مع بقية الفنانين من الطلاب كان له دور في تبلور التجربة، وكنت لا أتوقف عن البحث في المراجع، وصالات العرض في دمشق حيث كنت أزورها بانتظام، والمراكز الثقافية كانت رافدًا مهمًّا لي. لكن دراستي في إسطنبول أضافت بُعدًا آخر لمشروعي في فن الخط وبخاصة أنها كانت في مناخ مشبّع بالفن روحيًّا وماديًّا. إضافة إلى أن البعد التاريخي والمتمثل في الشواهد والآثار والمصادر هناك في إسطنبول عمّق ورسّخ البعد الفني لديَّ عن فن الخط.

  للخط العربي تاريخ طويل في تزيين جداريات القصور والمساجد وغيرها، فضلًا عن أنه انتقل إلى بلدان كثيرة أضافت إليه خصوصياتها الفنية والثقافية، فكيف استفدت من مجمل هذا الثراء الفني في تجربتك؟

  خصائص اللوحات الصغيرة تختلف عن الأعمال الجدارية؛ فهناك معايير مغايرة. وقد استحوذت عليَّ جداريات بوتشيللي وتونتوريتو وروبنز والجريكو. فن الرسم من حيث تحوير نِسب الأشكال وطبيعة التلوين وبناء العمل هو تمامًا مثل التأليف الموسيقي السيمفوني فهناك من يغلب عليه الإيقاع وهناك من يميل إلى التناغم إلخ. لكن في فن الخط المسألة مختلفة، وقد راقتني فيه مدرستان: المدرسة العثمانية بدقتها وصرامتها ومنطقيتها، والمدرسة الأندلسية/ المغربية بارتجالاتها وسردها البصري العفوي. حاولت في عملي الحروفي دمج مفهومي الجدارية التصويرية والخطية بحيث يمكن للمتلقي أن يراها من أية زاوية. إنه دمج خاص بي تحوَّل الحرف فيه إلى كائن وتحولت الأشكال إلى حروف. الاطلاع على مدارس العمل الجداري كان له أثر في توجّه بحثي الفني. لكني لم أتوقف عند ذلك فقد خضت رهانات أكثر تنوعًا، إيمانًا بأن هذا الحرف مطواع بشكل لا محدود ويمكنني الذهاب به إلى الأقاصي.

  قدمت نحو 32 معرضًا فرديًّا، فضلًا عن 20 جدارية كبرى في عدد من المدن العربية والأجنبية، فما الذي كان يميز كل معرض من الآخر، وكل جدارية من غيرها؟

  ما يميز كل معرض عن الآخر هو نضوج التجربة، وطبيعة البحث والتصدي لثيمة كل معرض. في الصيف الماضي كان لي معرضان، في شهرين متتاليين: الأول في فرنسا والثاني في السويد. الأول تناول مقاربات الشعر العربي والفرنسي ومفهوم الشراب. والثاني، وإن كان عن الشعر السويدي لكنه كان عن تحويل الإيقاع والمناخ الشعري إلى مناخ بصري بالاعتماد على إيقاع اللغة الصوتي وإيحاءاتها التعبيرية وتحويل ذلك إلى حدث بصري حرفي (من الحروف)، فكانت الأعمال في مجملها بالأسود والأبيض، مثل لغة الشتاء والثلج. وكان اسم المعرض «جمرات الثلج» والآخر كان يتغنى بالبذخ اللوني والإيقاعي للشعر، كشعر أبي نواس وإيف بونفوا ومالارميه وابن الفارض.

المعرضان كانا عن الشعر من زوايا مختلفة والنتيجة تؤكد ذلك. لكن، وهذا مهم: ليس الشعر. وبالتالي اللغة مصدر إلهامي الوحيد، لكني أستلهم من مفاهيم وأفكار ومشارب متنوعة ومجرّدة أحيانًا. فقد عملت معرضًا عن الطبيعة في مناخ الفرات ومحيط منطقة لا لوار في فرنسا؛ مقاربة بصرية بين نهرين عظيمين. لكن شكل الحرف كان الرائد في تلك المغامرة (بين الفرات ولا لوار).

ثيمة كل معرض تساهم في إعطائه خصوصية واختلاف، الأمر ينسحب على العمل الجداري أيضًا، فجدارية «سفينة نوح» (المغرب) اعتمدت فيها على الثنائيات ضمن إطار عام وهو شكل السفينة الهائلة. بينما جدارية «لامية العرب» (وولفسبرغ ألمانيا) كانت الوحشة والصحراء. ليست مهمة الفنان أن يصور بشكل مباشر، بل أن يأخذ الفكرة إلى مستوى فني عالي من حيث التأويل والتصرف الفني. فكانت جداريتي في متحف الفن في ميشيغان عن الإنسان والماء، البحيرة والبشر، والأثر المتبادل بينهما، حيث أخذ شكل اللوحة تأويلًا عميقًا وذهنيًّا أكثر منه تمثيليًّا؛ فلكل فكرة إملاؤها الخاص على قريحة وفكر الفنان.

بين الحرف والصورة

  لماذا عمدت في لوحاتك إلى مزج الصورة بالخط؟ هل لم تعد القيمة الجمالية للخط العربي قادرة وحدها على تقديم القيمة الجمالية التي تقدمها الصورة للوحة؟

  ما يعجبني في العمل التجريدي الحروفي هو أن الفنان يبتكر فيه على الصعيد الكلي والجزئي. أقصد من حيث البناء والحركة واللون، وأيضًا من حيث التفصيل في صياغة الحروف ومتوالياتها. وبالتالي من يستقبل العمل يملك الحرية في التأويل والقراءة لكن في عمل «سوريا حديقة التاريخ» أردت تثبيت صورة معينة في ذهن المتلقي (وهذا جزء من رسالة اللوحة) فلم تكن لوحة تأويلية بالمنطق المفتوح، بل فيها جانب توثيقي وجب الوقوف عليه وهو حفظ أشكال الأوايد والتماثيل والجغرافية التي دمّرتها الحرب وتوثيقها للتاريخ.

ما قمت به هو شكل من أشكال الأرشفة في زمن الحرب؛ إذ اقتضت عليّ الأمانة أن أحفظ وأحتفي بصور تلك المعالم والعناصر والأشخاص. إن مسألة التزامن البصري بين الحرف والصورة ليست مسألة سهلة كأن تدمج الفن الواقعي بالفن التجريدي. جداريتي الأخيرة في أصيلة -«صمتت كل اللغات»- هي من وحي قصيدة الشاعر نوري الجراح، ولم تتضمن أية صورة، بل اشتغلت على الحركة الداخلية للحرف واللون. في نواح أخرى أعمد إلى الكولاج/ الصورة لإغناء السطح. وتكون مادة الكولاج خارجة عن سياقها. بمعنى مقصوصة بشكل مجتزئ لا يشي بالأشياء ولا يشتت الرؤية، بل يدعم جمال الحرف ويثري خلفية العمل. وفي «سوريا حديقة التاريخ» كان الحرف هو العمود الفقري والهوية البصرية للعمل، أما الصور فتساهم في إتمام السرد وتثبيت الصور في عين المتلقي.

  في معرض «سوريا حديقة التاريخ» رسمت أمام الجمهور لمدة شهر تقريبًا في متحف بيرغامون في برلين جدارية من ثمانية أمتار في مترين، فكيف كان تأثير هذه اللحظة فيك؟ وكيف اخترت حروف المدن والألوان المناسبة لها؟

  كان الجانب الأهم في إنجاز اللوحة أمام الجمهور هو التبادل الثقافي والمعرفي والتحاور معه وتداعيات ذلك. وكانت فرصة كبيرة للحديث عن بلدي وتاريخه أمام جمهور عالمي ومنوع. فقد التقيت أناسًا من أكثر من سبعين جنسية، تقريبًا. أتاحت تلك الفرصة النادرة قراءة ردود أفعال الناس من مشارب مختلفة عن العمل وعن سوريا عامة، وهذا ساهم في تزويدي بكثير من المعارف والأفكار عن الفن والحياة وطرق التفكير والتفاعل من الطرف الآخر. كان هناك تصميم متفق عليه على شكل اللوحة الأساسي، وفقًا لدراسات تبادلتها مع إدارة المتحف. لكن كان هناك هامش تفصيلي، هامش للارتجال والإضافة والتطوير، وهذا جزء من صيرورة أي عمل إبداعي. كل ذلك ساهم فيه ذلك المحيط الملهم في المتحف من ناس وقطع فنية تاريخية. «سوريا حديقة التاريخ»، كان البحث فيها على مستويات عدة: المستوى اللوني كان مستمدًّا كله من ألوان التراب السوري ومناطقه المُشار إليها في اللوحة ضمن سياق تاريخي. فالألوان المحيطة بجبل الشيخ، بألوانها الأبيض والأزرق والأخضر الناعم، تختلف عن ألوان إدلب بأخضرها الداكن وتربتها الغامقة البنية الرطبة واللون القرميدي، في حين تتميز ألوان مدينة تدمر بدرجات لون الأوكر والبني الفاتح والأصفر، وهي ألوان تعكس شكل الصحراء والنخيل.

أخذت من كل مدينة رمزًا حروفيًّا مستمدًّا، إما من معنى اسمها أو من سيرتها وتاريخها. فمن مدينة الحسكة أخذت حرف الكاف (حيث نشأت فيها أولى الزراعات في التاريخ وطرق تحويل الماء للسقاية كحرف تحويل)، ورمزت لدمشق بحرف الشين، بمعنى الشرق والإشعاع -وهكذا هي دمشق كانت وستبقى- ورمزت لحمص بحرف الصاد، وهي المقلة أو العين البشرية، ومدينة طرطوس بحرف الطاء. تلك المدينة الفينيقية، مدينة البحر والطيران والاكتشاف. ورمزت لمدينة حلب بحرف الحاء، الحب والحقيقة، ودير الزور بحرف الزاي، حرف الزينة والحسن،… إلخ.

تصوف الفنان والتقنيات الحديثة

  كيف استفدت من تراث الصوفية في تطوير تجربتك، وإلى أي مدى كنت مطلعًا على علم الحروف لديهم؟

  في سنة 2000م كان عندي معرض عن الصوفية برعاية المركز الثقافي الإسباني. بدأ في المتحف الوطني بدمشق ثم في قصر اليونيسكو في بيروت وعمان وعبَرَ شمال إفريقيا إلى سبع مدن إسبانية آخرها مرسية. كانت في حد ذاتها تجوالًا صوفيًّا بامتياز من خلال لقاء المختصين في كل بلد والتحاور معهم. لقد كان المعرض يمثل رحلة ابن عربي بشكل معاكس. الفنان المنشغل بالحرف هو متصوف بالضرورة لكن بطريقته؛ فالحرف هو تقشّف الشكل وهو صورة الكائنات الصوتية والذهنية وبالتالي التعامل مع التجريد يتماثل مع تجربة العرفان. وممارسة الخط هي طقس صوفي بامتياز، طقس ينفصل فيه المبدع عن عالم الصورة صوب المعاني. درست التصوف من الناحية الأدبية الشعرية والتأويلية وفهم العالم بشكلٍ أعمق. والتناص بين اللغة والتصوف مدهش، بل إنه حتمي، والفكر الصوفي يعطي معنى وقيمة مختلفة لكل شيء.

لا شك أني مأخوذ بتلك التجربة التي تنظر إلى كل شيء من الداخل ومن الصورة الكلية ذات المعنى الكبير. لم تضف لي تلك المعارف على الصعيد التقني فحسب، لكنها فتحت لي آفاقًا رحبة للتعامل مع الحرف كموجود وكهدف وكطريقة تعامل مع فني والعالم. التعالق بين الحرف والتصوف جدلي بل هو ثنائية كونية بين المجرد والمشخص، الواقع والخيال، وهي تجربة تغذي الطرفين على الدوام. يقول التوحيدي: كنا حروفًا عاليات لم تُقرأ.

  في عالم يسوده الحاسب الآلي وتقنياته العديدة، ما أهمية الرسم بالخط العربي، وكيف يمكن للفنان أن يكون مختلفًا؟

  الحاسب الآلي أداة لتسهيل وتيسير أمور كثيرة في الخط، وعلى الأغلب من الناحية التقنية واختصار الزمن. وفي الإجمال هو مُعين في الأمور الخدمية، وهو تقنية مساعدة إلى حد كبير. ومؤخرًا هناك عدد من فناني الحرف اتجهوا إلى إنتاج أعمال بالاستفادة من تقنياته وبرامجه وتنفيذه، ليس في فن الخط فحسب، بل في سائر الفنون.

يجب استغلال ذلك إلى حد بعيد، لكن كيف للحاسب الآلي أن يتفاعل مع قصيدة للسياب ويقوم بتأويلها! ثمة ذاتية وآنيّة في التفاعل مع الفن يستحيل أن تكون لدى الآلة مهما بلغ ذكاؤها. أصبح الحاسب الآلي ضمن أدوات الفنان كالريش والأوراق والألوان الحقيقية. والفنان الحقيقي مختلف ومتميز ويتطرق لموضوعات جديدة ويحاول قدر المستطاع الاستفادة من كل ما هو متاح أمامه. هناك أعمال في الفيديو آرت والأنيميشن تُنتج فنًّا رقميًّا يتحاور مع الحواس الخمس، فإلى أي مدى يمكن أن نتصور أن تصل التقنية؟ لكن الفن تجربة تُعاش ويترجمها الفنان، هي تفاعل مع المحيط ومع دواخلنا وليست مسألة تنفيذية تقنية، في حين أن عمق الأفكار وأصالتها لا تتأثر في هذه المتغيرات التقنية.

  كيف تبرز ذاتك وما يعتمل فيها من خلال رسم محدد ومعروف سلفًا كالخط والصورة الموضوعة بطريقة الكولاج في اللوحة؟

  هناك نظام خوارزمي مذهل لخط الثلث. وهذا النظام يتيح استيلاد أشكال لا نهائية من صيغ كتابة الكلمات والجمل وابتكار التصاميم في هذا الخط. بمعنى أن أية كلمة ممكن كتابتها بما لا يقل عن ٤٠ شكلًا مختلفًا. وبالتالي فإن الفنان الخطاط يغرف من بحر، وما تلك القياسات الأولية إلا لمساعدة المبتدئ، لكن الفنان يأخذ ذلك بعيدًا، إلى ركن يخصّه. الفن التشكيلي له مدارس مختلفة ولكل مدرسة فلسفتها وصفاتها الشكلية. إنها مسألة تصنيفية لا إطار. الشعر العربي، بمفهومه التقليدي، ذو قوالب محددة بنسبة كبيرة. لكن هل قتل ذلك الشعر وخيال الشعراء؟ يمارس الفنان الخطاط ما هو متعارف عليه باسم المنسي الفعّال كما قال كانط، وسبقه إلى ذلك ابن الجهم.

الخط في حقبة الأندلس كانت له أصوله وتفريعاته ولكن معظم تلك الأنواع لم تخضع لمدرسة مقننة كما في الحقبة العثمانية وعند أهل المشرق. كان للخط هامش من الحرية والارتياب؛ إذ لم تكن الحروف مقعّدة تمامًا. فترى الكلمة ذاتها عنده تأخذ أشكالًا لا تتطابق، حتى في نوع الخط الواحد؛ حيث هناك اعتباران لما يقوم به: حِسُّ اللحظة عند الفنان وإملاءات المحيط الفني للكلمة. خُلِقت القواعد ليكسرها المبدع، أما الخطاط أو الرسام التقليدي فهو سجين تلك الشروط.

في آخر الحقبة العثمانية كان مُدَرّس الخط (مصطفى حليم) في الأكاديمية في إسطنبول يحاول أن يشرح للطلبة الفارق في كتابة حرف الألف بين الخطاطين مصطفى الراقم ومحمود جلال الدين، لكنه لم يُفلِح؛ لأنهما بصريًّا شبه متطابقين؛ لخضوعهما لقواعد صارمة. فما كان منه إلا أن خرج من الصف وعاد يمشي بجسد مشدود ورأس يتجه إلى أعلى وعين تتقد، ثم عاد بهيئة رجل عجوز محني الظهر ورأسه للأسفل. هكذا صاح الطلبة: آه، فهمنا. كانت الأولى ألف مصطفى الراقم. أقصد حتى في الخط التقليدي يكون هناك تمايز وتبرز شخصية الخطاط ونبضه.

نجا المهداوي، أحد أهم الحروفيين في عالمنا العربي. أجزم أنه كتب ملايين من الحروف، لكن يستحيل أن يتطابق الحرف عنده مع الحرف نفسه في نص آخر له. هناك آنيّة وأريحية في التصرف. خط الثلث هو خط مشرقي، لكنه في الجزائر والمغرب أخذ صيغة مختلفة، وكذلك في الهند ونيبال وأوزبكستان.
نقول: ثلث مغربي؛ فقد تنفس الحرف مناخه الجديد وخضع لمزاجية وفلسفة مختلفتين.

ليست كل أعمالي تستند على الكولاج، هي إحدى محطات عملي، لكن حتى تلك التي تحتوي على الكولاج يكون توظيفه في اللوحة مدروسًا ويخدم الغرض منه. الكولاج يبقى عنصرًا رديفًا وخلفية من طعم آخر تسمح للحرف عندي بأن يخوض مغامرة أخرى. هناك بعض تجارب الكولاج، والأسود والأبيض، كان المحرك لها هو موسيقا الجاز والبلوز، وكان عماد تلك اللوحات هو حرف الثلث أو خط الإجازة. وكانت عناصر الكولاج تؤجج حركة الحرف مثلما تفعل موسيقا الترومبيت أو إيقاعات الآلات المعدنية في موسيقا الجاز. الكولاج في أعمالي عن الطبيعة اختلفت مفرداته وألوانه، وكأنها فروع وأغصان اشتُقَّتْ من حروف خط الديواني الجلي؛ وذلك لخلق تناغم شكلي وحركي ولوني. إنه توظيف غير معهود للكولاج، ليس توظيفًا ذهنيًّا بصريًّا، بل هو توظيف عضوي وتوأمة مع الحرف.

المحلية والعالمية وتأثير المكان

  إلى أي مدى كانت إقامتك في الإمارات، وتحديدًا الشارقة، عاملًا مهمًّا في نقل تجربتك من المحلية إلى العالمية، وكيف حملت سوريا عبر فنّك إلى العالم؟

  لا شك أن للمكان والجغرافيا والمحيط بكل حمولاته وأبعاده أثرًا في الفنان؛ إما على المدى القريب أو البعيد. ربما وفّرت لي الشارقة الهدوء المطلوب وبيئة مناسبة للخط والثقافة (حيث مرسمي وسط الشارقة ضمن المدينة القديمة)، وهذا وحده يعطي طاقة إيجابية. لوحتي «مشوار في الصحراء» التي رسمتها في الشارقة كانت لوحة مهمة على صعيد أثر المكان. وبعد ذلك نقلت المكان (الصحراء) إلى متحف الفن في مدينة بون الألمانية ضمن معرض لغات الصحراء، حيث عملت من تلك اللوحة الصغيرة لوحة جدارية تتجاوز ١٢ مترًا في خمسة أمتار.

جئت للاستقرار في الشارقة، من أميركا، حيث بقيت لسنوات عدة هناك أُدَرِّس في جامعة ميشيغان ووليسلي كوليدج. عُرضت أعمالي في عدد من المتاحف والقاعات المهمة هناك، في أميركا وأوربا، وقبلها كان لي معرض مهم في باريس (معهد العالم العربي) وعدد من المدن الإسبانية، وسبقها المعرض الأهم لي في روما سنة ١٩٩٩م. كان العالم مفتوحًا لي سلفًا، وقد جئت إلى الخليج بعد أن كرّست تجربتي عالميًّا إلى حد بعيد. لكن الشارقة، كحاضنة ومناخ، وفّرت لي الهدوء المطلوب. ولا شك أن للأمكنة والتاريخ الشخصي اعتبارات في الفن والذكرى والاستلهام. وأنا أُحب المدن النهرية وقد كان بيتنا على شط الفرات، ثم في حضن بردى، بيتي الدمشقي، وبعدها جنب نهر هيورن في ميشيغان، سكني الآخر، ثم نهر لا لوار في فرنسا. قدري مجاورة الأنهار، لكن لا يزال لبيتي في الميادين وبيتي الدمشقي الهيمنة الكبيرة في التأثير فيَّ وفي إنتاجي الفني.