العلمانية أسُسها في القرآن وجذورها في التراث القديم

العلمانية أسُسها في القرآن وجذورها في التراث القديم

حسن حنفي – مفكر مصري | أغسطس 31, 2017 | الملف

انتقل إلينا هذا الموضوع «الدين والعلمانية» من الثقافة الغربية بعد انتشارها في الثقافة العربية وكمصدر ثانٍ للفكر الإسلامي المعاصر. فالموضوع غربي. نشأ في سياق الثقافة الغربية الحديثة، نشأة وتطورًا. فقد تسلطت الكنيسة على الفكر الغربي. واضطهدت المفكرين الأحرار منذ مارتن لوثر وحركة الإصلاح الديني في القرن الخامس عشر حتى إسبينوزا وفولتير في القرنين السابع عشر والثامن عشر. وكان الدين كما تعرضه الكنيسة دينًا عقائديًّا. يصعب فهمه بالعقل الصريح الذي اعتمد عليه الغرب في بداية عصوره الحديثة منذ ديكارت في القرن السابع عشر.

فماذا يعنى التثليث والتجسد، وابن الله، وأم الإله؟ وهل يجوز صلب الأنبياء في التوراة والإنجيل؟ وماذا تعني الطقوس الكنسية السبعة من أول طقس العماد حتى طقس الزواج؟ ولماذا سلطة الكنيسة والمعبد وهما مؤسستان تاريخيتان من صنع البشر بحثا عن السلطة الدينية في مقابل السلطة السياسية، سلطة الأباطرة والملوك، وكلاهما يتسلط على رقاب الناس، ويتحكم في عقولهم، ويدخل في قلوبهم لتحديد من المؤمن ومن الكافر وكأنهما قد شقّا قلوب الناس؟ وهي معصومة من الخطأ. وهو الدين الغيبي الأسطوري، دين الخطيئة والخلاص، وحصار الإنسان العاقل الحر بين ذنب لم يرتكبه؛ خطيئة آدم، وخلاص لم يسع إليه، والإيمان بالمسيح أو بشعب الله المختار. فاليهود هم أبناء الله وأحباؤه، والعودة إلى أرض الميعاد.

حركة المفكرين الأحرار

فكان من الطبيعي أن تنشأ حركة المفكرين الأحرار في كل مكان في فرنسا وألمانيا وإنجلترا وإيطاليا وإسبانيا وهولندا وأميركا دفاعًا عن العقل والبرهان وعن مركزية الإنسان في الكون. فنشأ الصراع بين الدين والعلمانية. وتعني العلمانية، الاتجاه نحو العالم Mundus وليس الاتجاه إلى خارج العالم في الغيبيات والأساطير والخرافات التي مثّلتها المسيحية واليهودية في العصور الوسطى الكنسية. هذا هو السياق التاريخي الغربي الذي نشأت فيه العلمانية في صراعها  ضد الدين. ثم أسقط المتغربون، أنصار الثقافة الغربية، هذا السياق على التاريخ الإسلامي وقرؤوه من منظور السياق الغربي. فأخفقوا مرتين: الأولى، إخراج الموضوع من سياقه الغربي. والثانية، إسقاط السياق الغربي على السياق الإسلامي المختلف تمامًا عن السياق الغربي.

أما الإسلام فإنه منذ البداية وكما عبّر عن ذلك القرآن الكريم مرات عدة فإنه دين العقل الذي دافعت عنه العلمانية ضد الخرافة والجهل. وهو ما عبّر عنه القرآن صراحة في مئات من الآيات مثل: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. وهو ما ظهر في التراث الإسلامي وبخاصة عند المعتزلة وبعض الفقهاء في صيغة العقل أساس النقل. ومن قدح في العقل فقد قدح في النقل. وهو ما ظهر أيضًا عند الفقهاء، وبخاصة عند ابن تيمية في «موافقة صريح المنقول لصريح المعقول»، ووضع مبادئ للمنطق الإسلامي الذي يعتمد على العقل والبرهان مثل «ما لا دليل عليه يجب نفيه». والدليل العقلي هو الذي يجعل الإيمان راسخًا في القلوب كما سأل الله تعالى إبراهيم عليه السلام: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾. بل إن الفلاسفة أطلقوا على الله اسم «العقل والعاقل والمعقول». والاجتهاد وهو المصدر الرابع من مصادر التشريع يقوم على العقل الذي يقوم باستنباط العِلّة من الأصل قبل أن يجدها في الفرع. والعقل هو مناط التكليف. فالمجنون لا يُكلف.

والإسلام دين العلم. يقوم على النظر والمشاهدة والتجربة؛ لذلك تتكرر آيات النظر في الأرض مثل: ﴿فَانْظُرُوا﴾، ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ﴾. ولما طلب إبراهيم عليه السلام الدليل على قدرة الله أعطاه الله دليلًا تجريبيًّا وهو قطع الطير أربع قطع. ونثر كل قطعة في اتجاه ثم يأتينه ويعدن طيرًا بإذن الله. ولما أراد أن يعطي إبراهيم عليه السلام قومه دليلًا على أن الأصنام ليست آلهة قام بتكسيرها، وعلق الفأس في رقبة كبير الأصنام. ولما سأله قومه ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ. قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُون﴾. يعتمد الإسلام على النظر في ظواهر الطبيعة مثل: الشمس والقمر والنجوم والكواكب بل يُقسم بها. ولا يعتمد على المعجزات بمعنى خرق قوانين الطبيعة مثل قلب العصا ثعبانًا أو إنزال مائدة من السماء كما طلبت بنو إسرائيل من عيسى. فالمعجزة للإبهار والدهشة.

والإسلام دين العقل والتجربة ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ﴾. ويعتمد المصدر الرابع في أصول الفقه على التعليل. وهو وجود العلة من الأصل في الفرع، ومعرفة علة الفرع بالتجربة. فالخمر مسكر في الأصل. ومعرفة هذا الشراب مسكر أم لا يتم بالتجربة. فإذا ثبتت علة السكر في الفرع أخذت حكم الأصل. وعندما ادعت امرأة أن رجلًا ضاجعها بدليل وجود منيه على ثوبها فركه علي بن أبي طالب رضي الله عنه بيديه واكتشف أنه زلال بيض. لذلك ازدهر العلم التجريبي في التراث القديم مثل: الطب والصيدلة والنبات والحيوان، والرياضيّ مثل: الهندسة والجبر، والموسيقا والفلك. فإذا كانت العلمانية تقوم على العلم كما قامت على العقل فإن الإسلام كذلك. والعلماء ورثة الأنبياء.

مركز الإنسان في الكون

وإذا كانت العلمانية تعني مركزية الإنسان في الكون والدفاع عن حرية إرادته، وتأسيس المجتمع الديمقراطي الاشتراكي الحر، فإن هذه الأهداف تنبع من الإسلام. فالإنسان هو خليفة الله في الأرض ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾. وقد ذُكر الإنسان خمسًا وستين مرة في القرآن الكريم مما يدل على أهميته. كما يركز القرآن على مجتمع المساواة والعدالة ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ. فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ. وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِين﴾، ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾. وفي الحديث «ليس منا من بات شبعان وجاره طاوٍ». وهذه هي دلالة الصيام والزكاة، الإحساس بالآخر.

وقد نادى الصحابي أبو ذر الغفاري بمجتمع المساواة عندما رأى البون الشاسع بدأ يظهر بين الأغنياء والفقراء. وعند الأصوليين لقد وضعت الشريعة ابتداءً حفاظًا على الحياة ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾٭، ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ. بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ والحفاظ على العقل بالرغم من النسبة العالية للأمية في بلادنا، والحفاظ على الدين أي الحقيقة المطلقة ضد الحقائق النسبية والأهواء البشرية والمصالح الشخصية، والحفاظ على العرض أي على الشرف والكرامة والحياء، والحفاظ على المال ضد تبديد الثروات وبخاصة تلك التي في باطن الأرض في مظاهر الاستهلاك الذي لا يفيد، وليس في بناء المستشفيات والمدارس. والمجتمع الإسلامي مجتمع ديمقراطي حر. الأمر شورى بين المسلمين ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾، ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾. وهو مجتمع حر يقبل المعارضة والرقابة على الحكام طبقًا لمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، المبدأ الخامس من مبادئ التوحيد عند المعتزلة مثل العدل، والاستحقاق، والحسن والقبح العقليين. وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه من فوق المنبر: «رحم الله من أرشدني إلى عيوبي»، فأجاب أحد المصلين: «والله لو رأينا فيك عيبًا لقومناه بسيوفنا». ونذكر ذلك دائمًا والمعارضة ضعيفة عندنا، في السجون والمعتقلات أو هاربة إلى الخارج.

لذلك لما كان الإسلام آخر الأديان فقد احتوى كل القيم العلمانية فيه: العقل، والعلم، وحقوق الإنسان، وديمقراطية الحكم. المصلحة مصدر للتشريع طبقًا لمبدأ «لا ضرر ولا ضرار»، «وما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن». والكافر العادل خير عند الله من المسلم الظالم. والإنسان بعمله. هكذا نادى الفقهاء القدماء والمصلحون المحدثون. فأي إيهام بتعارض الدين والعلمانية هو نسيان لجذور العلمانية في التراث القديم وأسسها في القرآن الكريم أو التبعية للثقافة الغربية وإخراجها من سياقها، وإسقاطها على سياق آخر طبقًا لعقلية التعارض بين الصوري والمادي، العقلي والتجريبي، الأنا والآخر، الدنيا والآخرة، من دون الجمع بين الحسنيين.


المرأة والنساء في ضوء دراسات الجندر

فتحي المسكيني – كاتب تونسي | نوفمبر 1, 2017 | الملف

إذا كانت اللغة منزل الوجود كما قال هيدغر ذات مرة، فهذا يعني أنّ اللغة تكون قد سبقتنا دومًا إلى ما نعتزم التفكير فيه، ولا سيّما إذا كان مشكلًا ليس فقط يتعلّق في نواته العميقة بهويّة أنفسنا، بل على الخصوص بذلك الجزء المسكوت عنه من الإشارة عندنا إلى «الإنسان» بعامة بقولنا: «هو» وليس «هي». فنحن نتكلّم لغة(1) هي قد تعوّدت من دهرها أن تعتبر أنّ «الذكر» هو أصل «التجنيس» في التعبير عن صيغة الجمع: إنّ أنثى أو أكثر إذا دخلت على جماعة من الذكور لا تغيّر من جنسهم (النساء والرجال قائمون)؛ في حين أنّ ذكرًا واحدًا يمكنه أن يذكّر جماعة من الإناث (الفتيات والولد قدموا). إنّ الإناث لا تكون إناثًا صرفة إلّا في غياب الذكر. أمّا الذكور فإنّهم لا يُجمعون جمع المؤنّث أو يُفردون إفراد المؤنّث إلّا إذا كانوا ذكورًا «غير عاقلة». وتعريف «غير العاقل» هو كلّ ما ليس إنسانًا. وهكذا تبدو اللغة العربية وقد حسمت أمرها «نحويًّا» فيما يتعلق بمعنى «الفرق بين الجنسين» بحيث تصبح مساحة التفكير الأخلاقي في المسألة ضيّقة جدًّا أو هكذا يبدو.

ثمّة أطروحة أولى علينا بسطها: لا تكون الأنثى أنثى صرفة نحويًّا إلّا في غياب أيّ مخالطة لها مع الذكر. وفي المقابل لا يمكن تأنيث الذكور نحويًّا إلّا إذا كانوا غير عاقلين أي لم يكونوا بشرًا. إنّ النحو قد بلغ شوطًا مربكًا في رسم خطّ هوويّ بين الذكور والإناث بحيث لم يبق أمام الفقه بعد ذلك سوى استنباط القيم التي تتساوق مع هذه الحدوس اللغوية الصامتة أو البدائيّة، المعطاة سلفًا للمخاطبين والمتكلّمين. كأنّ النحو قد أمرنا سلفًا بحصر الإناث في دائرة هووية مغلقة في حين أنّه سمح للذكور بإمكانية الولوج إلى هذه الدائرة بل بإمكانية «تذكيرها» من دون خوف يُذكر على هويته. وعلى الباحث أن يحلم عندئذ بأنّه قد يمكن يومًا بناء لغة محايدة إزاء التأنيث والتذكير(2). وعلينا أن نسأل: هل يمكن فعلًا تحرير اللغة العربية من طابعها الذكوري؟ وماذا لو أنّ هذا الطابع هو سمة أنثروبولوجية لا تخلو منها اللغات السامية بعامة؟ أو اللغات القديمة جميعًا؟ قد لا نعثر لأوّل وهلة على تعريف «نحوي» صلب لدلالة المذكّر أو المؤنّث أكثر من اسم الإشارة إذْ يُعرّف المذكّر بأنّه «ما يصحّ أن تشير إليه بقولك: «هذا»، مثل رجل، كتاب»؛ كما يُعرّف المؤنّث بأنّه «كل اسم دلّ على مؤنث، ويُشار إليه بــ«هذه»، نحو: هذه الشجرة»(3). وهذا اصطناع نحويّ لا يوحي بأيّ تأسيس أخلاقي.

أمّا من ناحية لغوية فإنّ فقهاء اللغة يؤسّسون تأويلات أخلاقية يقدّمونها على أنّها طبائع لغوية للذكور والإناث ومن ثَمّ للرجال والنساء، وأخيرًا للمجتمع برمّته. إنّ لسان العرب مثلًا، لا يثبت من المعاني المحايدة في تعريف الجنسين سوى مجرّد التناسب: فتعريف الذكر ليس سوى هذا: «الذكر خلاف الأنثى»؛ وفي المقابل فإنّ تعريف الأنثى ليس سوى هذا: « الأنثى خلاف الذكر من كل شيء»؛ أمّا بقيّة التعريفات في الحالتين فهي تحمل أحكامًا أخلاقية مربكة في التذكير والتأنيث تبلغ حدًّا مزعجًا بحيث تهدّد بتدمير هويّة الأنثى وتؤسس لعلاقة ذكورية متسلطة لا غبار عليها. فيُقال «يوم مذكّر» إذا وُصف بالشدة والصعوبة وكثرة القتل؛ و«طريق مذكّر» أي مخوف صعب، في حين يُقال: «سيف أنيث» أي الذي ليس بقاطع، و«الأنيث من الرجال» المخنّث، بل إنّه يُقال للموات الذي هو خلاف الحيوان: «الإناث». لكنّ ذلك لا يعني أيّة دعوة للمرأة قد تتشبّه بالذكر، فإنّ العرب تلعن «المرأة الذَّكِرة والمذكَّرة والمتذكِّرة». ذلك أنّ الذكورة هي شأن خاص يحتكره الذكور، ويُمنع على المرأة المزاحمة أو الطمع فيه. ليس ذلك من باب عداوة المرأة أو الأنثى بل من باب أنّ العرب قد خصّصوا لكلّ جنس مزايا من نوعه لا يخرج عنها: إنّ الذكر يُمنع من أن «يتأنّث» بنفس الحدّة التي تُمنع فيها الأنثى من أن «تتذكّر». بالطبع لا يجدر بنا أن ننكر أنّ سلّم القيم السائد كان يحثّ على أوليّة الذكر على الأنثى صراحةً. نقرأ في لسان العرب: «وفي حديث الميراث: لأَوْلى رجلٍ ذكرٍ؛ قيل: قاله احترازًا من الخنثى؛ وقيل: تنبيهًا على اختصاص الرجال بالتعصيب للذكورية». لكنّ التعصّب للذكورية هو أمر يدخل في سياسة الهوية ولا يتناقض بالضرورة مع أفق الانتظار الذي يقع رسمه تلقاء الأنثى: إنّ «الأنوثة» ليست سبّة أو تهمة، بل يمكن أن تُعامل باعتبارها نوعًا من الكمال الخاص بالمرأة. إذْ «يُقال: هذه امرأة أنثى إذا مُدحت بأنها كاملة من النساء، كما يُقال: رجل ذكر إذا وُصف بالكمال». وفي هذا الصدد يُقال: «بلدٌ أنيثٌ أي ليّن سهل». بل إنّ علماء اللغة قد بذلوا وسعهم في تأسيس هذا المعنى التأويلي لتحديد دلالة المرأة. إذْ جاء في لسان العرب: «وزعم ابن الأعرابي أن المرأة إنما سمّيت أنثى، من البلد الأنيث، قال: لأن المرأة ألينُ من الرجل، وسُمّيت أنثى للينها». والعرب تؤنّث العطور وتذكّرها حسب التصنيف الهووي بين الجنسين، وليس حسب خصائصها أو استعمالاتها.

مفهوم النساء

في ضوء هذه الإشارات النحوية واللغوية علينا أن نواجه أسئلة تأويلية معاصرة (لا سيّما بعد ظهور المذاهب النسوية وبخاصة بعد انبثاقة الدراسات الجندرية) من قبيل: هل فعلًا نستطيع أن نتحدّث عن خطاب عن «المرأة» عند العرب القدامى؟ أم أنّهم لم يعرفوا سوى مفهوم «النساء»، كما هو مثبت في سور القرآن وفي كتب الفقه؟ ثمّ ما الفرق في آخر المطاف بين خطاب المرأة وخطاب النساء؟ هل يتعلق الأمر بمجرد فرق بين المفرد والجمع؟ أم أنّنا أمام نواة إشكالية أو جندريّة ما زالت تستعصي على الامتحان النظري والتاريخي.

علينا أوّلًا التمييز بشكل واضح بين تقاليد الحركات النسوية المعاصرة، والنظرة الجندرية للــ«مرأة» كنوع اجتماعي.

تقول جوديث بتلر في تصدير الطبعة الثانية (1999م) لكتابها مشكلة الجندر: النزعة النسويّة وتقويض الهويّة: «منذ عشر سنوات، أنهيت مخطوط كتابي مشكلة الجندر وأرسلت به إلى دار راوتليدج بغرض النشر. لم أكن أعلم أنّ النصّ سيكون له جمهور بهذا القدر الواسع الذي كان له، ولا كنت أعلم أنّه سيشكّل «تدخّلًا» استفزازيًّا في النظرية النسوية أو سيتمّ الاستشهاد به باعتباره واحدًا من النصوص التأسيسية لنظرية الكوير أو الشذوذية»(4).

يبدو أنّ مخاطبة المرأة في المفرد يختلف اختلافًا مربكًا عن مخاطبة النساء في الجمع. لنلاحظ بشكل مؤقت فيما يخصّ ثقافتنا أن الأفكار النسوية العربية، التي تمتدّ جذورها «الرجالية» إلى قرن ونيف(5)، هي في صميمها أجيال أو موجات «سياسية» أو حقوقية من الاحتجاج على وضع النساء في المجتمع التقليدي. وهي تنخرط في تقاليد النسوية الحديثة منذ إعلان وثيقة الثورة الفرنسية عن الحقوق المدنية للإنسان والمواطن، وعلى مدى القرنين التاسع عشر والعشرين؛ إنّها تناضل من أجل طيف من «الحقوق» المدنية ما لبث يتوسع حسب محطّات الحياة الحديثة (من حرية ومساواة وتعليم وشغل وانتخاب…). وهي في الأغلب تحثّ «النساء» على التحرّر من سلطة «الرجال» في الجماعة التقليدية باسم تصوّر فردانيّ وليبرالي لشخص «المرأة» بوصفها «إنسانة» من حقّها المساواة مع «الرجل»، وكأنّ الرجل هو كائن معياريّ مستقرّ ونموذجي يجب على المرأة أن تفتكّ منه الاعتراف الحقوقي بها. وهو تاريخ نسويّ من نوع تنويري صاحب العرب المعاصرين سواء في حقبة النضال ضد الاستعمار أو حقبة معارك الاستقلال ما بعد الكولونيالي عنه(6). وما لبث أن تطوّر في كل مهجة، وبخاصة منذ التسعينيات من القرن الماضي، وصار لدينا كتابات حول «الأدب النسوي» و«النقد النسوي» و«الشعر النسوي» و«الرواية النسوية»، … إلخ(7) في خلط غير متفكَّر فيه بين مسائل «النساء» و«المرأة» و«الأنثى»، والحال أنّها مساحات معيارية وهوويّة مختلفة إلى حدّ مزعج. إلّا أنّه علينا أن ننبّه إلى أنّه ليست كلّ كتابة عن «المرأة» هي كتابة نسويّة. إنّ كتابات «الرجال» عن المرأة ليست «نسويّة»، بل تتنزّل في إطار نقدي وتنويري أوسع (ولا ضرّ إن كان علمانيًّا أو إسلاميًّا) قد لا تؤدّي فيه النساء أيّ دور تأسيسي، إذْ يردّ «المرأة» إلى «الإنسان» من أجل جعلها قابلة للنقاش في علاقة بنيوية مع «الرجل» ولكن دون أن تشارك فيه. إنّ مؤلّفات الطاهر الحداد(8) والشعراوي(9) أو بوعلي ياسين(10) أو نصر حامد أبو زيد(11) أو عبدالوهاب المسيري(12)، وغيرهم هي لا تدافع عن حقوق «المرأة» إلا «بقدر ما تقبل الردّ الماهويّ إلى مفهوم «الإنسان» وبالتالي بقدر ما يمّحي الفاصل الجندري الذي يفصلها عن «الرجل» في معنى محو الفرق بين «الأنثى» و«الذكر» باسم «جنس» الإنسان الذي يشملهما.

أسئلة غير مسبوقة

أمّا الدراسات الجندرية فهي تطرح أسئلة غير مسبوقة حول جنوسة «المرأة» يقع تصنيفها عادة على أنّها تمثّل الجيل الرابع من الحركة النسوية العالمية التي اشتدّ عودها في التسعينيات من القرن الماضي في أميركا. لم يعد يتعلق الأمر بالدفاع الحقوقي عن «المرأة» بالمعنى النسوي (والذي ظلّ على ما يبدو يفهم الجندر في إطار المطالبة النسوية بإزالة التمييز بين الجنسين(13)) بل بتفكيك تداولي لمفهوم «المرأة» ومفهوم «النساء» نفسه وذلك باعتباره مجرّد «بناء اجتماعيّ» يجدر بنا أن نبحث عن بناه ومفاعيله في كل الميادين، من النحو إلى التاريخ، ومن الاقتصاد إلى الدين، ومن القانون إلى الأخلاق، ومن أنظمة القرابة إلى الأدب. بذلك التفكيك فقط يمكن إعطاء المرأة فرصة التعبير عن هويتها الخاصة بوصفها قادرة وتملك الحق في رسم هويتها الجندرية. لم يعد المشكل «حقوقيًّا» أو «مدنيًّا» (رغم أنّ بعض البحوث النسويّة المطعّمة بالدراسات الجندرية قد وجدت نفسها مضطرّة لمواصلة التنوير النسوي، وتحت وطأة نقد أنظمة التمييز ضد المرأة ظلّ التأصيل الجندري محدودًا) بل صار متعلقًا بضرب غير مسبوق من «سياسة الهويات» (اختيار النوع الاجتماعي، تكسير التقابل البيولوجي بين الذكر والأنثى، بلورة هوية جندرية حرّة، التحوّل من جنس بيولوجي إلى آخر… إلخ).

ما يهمّنا في هذا المبحث هو مدى إمكانية مراجعة الفرق بين المرأة والنساء في ضوء الدراسات الجندرية. لا يتعلق الأمر بالدفاع النسوي التنويري عن حقوق المرأة، بقدر ما يتعلق بالعمل النقدي على بلورة سياق مناسب لفهم تجربة هوية الأنوثة في ثقافتنا العميقة. وهو أمر يستوجب إرساء تقاليد بحث جندرية طويلة النفس تحفر في تاريخ تقنيات الذات وأشكال الذاتية منذ ما قبل الإسلام إلى اليوم(14). لكنّ الدراسات الجندرية ليست نزعة نسوية بالضرورة. إنّها موقف نظري وإشكالي أوسع نطاقًا من التنوير النسوي. إلّا أنّنا قد نلاحظ أنّه لم يتحقّق الكثير على هذه الطريق اللّهم إلّا بعض تجارب النقد السردي الرشيق(15) أو بعض الوثائق التأسيسية حول النوع الاجتماعي للمرأة(16) أو ترجمة بعض الكتب التأسيسية حول المرأة(17).

– وبعامة لا تزال أبحاثنا الراهنة بالعربية تميل إلى مواصلة الدفاع النسوي عن الأنثى بواسطة الدراسات الجندرية عن المرأة(18). والحقّ أنّ ذلك قد يؤدّي إلى تأمين استعمال أداتي وخارجي للمكاسب المعيارية التي تحقّقت بفضل الدراسات الجندرية، لكنّ صعوبات نظريّة عميقة ما زالت تعسّر الذهاب قدمًا وبلا قيد أو شرط أخلاقوي أو ديني في تبنّي أو احتمال الوعود الأخلاقية لفيلسوفات الجندر، من قبيل جوديث بتلر، وهي وعود تقويضية وتفكيكية من طراز رفيع. وفي صيغة فلسفية مزعجة يمكننا أن نتساءل: إلى أيّ حدّ يمكن للدراسات النسوية العربية أن تحرّر النساء (ضدّ تاريخ التفاوت الحقوقي بين الجنسين) من دون تحرير الأنثى داخل المرأة (باسم حقّها في سياسة هوية خاصة «ما- بعد- أنثوية») من تاريخها النسوي؟ ذلك بأنّ تحرير النساء هو معركة حقوقية وسياسية مع مجتمع الرجال وسلالم أخلاقهم وتاريخهم الاستبدادي،… إلخ، في حين أنّ تحرّر جندر المرأة (النوع الاجتماعي أو الجندر) أو جندر الأنثى (الكائن الهووي المفرد والمستقل) هو مشكل ذاتي وما- بعد- نسويّ تمامًا. إنّه يخص طبيعة الجندر بما هي كذلك، كما هي مختفية في حُرمة الجسد ما- بعد-النسوي واستعمالات الرغبة الخاصة وحرية التعبير الفردي واختيار الشخصية الجندرية وسياسات الهوية،… إلخ. طبعًا، للغة رأي آخر علينا استحضاره والتعامل معه. إنّ العربية لا تفرّق كثيرًا بين «المرأة» و«النساء» فليست الثانية غير صيغة الجمع للأولى كما أنّ الأولى هي صيغة المفرد للثانية. والجواب الشائع هو أنّ النساء أو النسوة هو جمع المرأة من غير لفظه. ومن الجدير بالباحث أن يتساءل: هل ثمّة معنى لأن تكون «النساء» جمع امرأة «من غير لفظها»؟ من غير لفظه يعني لا مفرد له من لفظه.

هشاشة التسمية

علينا أن نلاحظ هنا هشاشة التسمية: إنّ «امرأة» هي مؤنّث «امرئ»؛ كما أنّ «النساء» هي جمع المرأة من غير لفظها. كما نرى، إنّ الأصل هنا هو الذكر. تأنيث «المرء» (ومعناه الإنسان) هو الذي أعطانا لفظ «المرأة». إنّ السلسلة الاصطلاحية هشّة لأنّها لا تملك منطلقها: لا «امرأة» من دون «امرئ»؛ ولا «نساء» من دون «امرأة وامرأتين وأكثر». قد يعني ذلك أنّ المعالجة النحوية للقرابة المعنوية بين المرأة والنساء هي تعمية اصطلاحية على مشكل معياريّ عميق لا نراه. فقد قيل: إن دلّ الاسم على جمع ولا واحد له من لفظه سمّوه «اسم جمع». هذا يعني أنّ تسمية النساء هي قرار لغوي خطير نابع من سياسة هووية واعية بنفسها، لم يفهمها النحاة ولذلك اضطرّوا إلى تبريرها بالحيل الاصطلاحية المتاحة.

إنّ العرب يؤنّثون ويذكّرون كلّ شيء حتى الجمادات. ومن ثمّ هم «يجندرون» العاقل وغير العاقل. لا نعني التأنيث والتذكير النحوي، فلا معنى لأن يكون البحرُ مذكّرًا والشمس مؤنثة، بل نعني التأنيث والتذكير الذي من شأنه سحب الصفات الاجتماعية لنوعيِ «المرأة» و«الرجل» (الصفات الجندرية) على الصفات البيولوجية لجنسيِ الأنثى والذكر (الصفات ما قبل الجندرية) ليس فقط لدى البشر والحيوانات بل حتى لدى الجمادات أيضًا. بلا ريب، ليس كلّ تأنيث وتذكير «جندرة»، فالنحو لا «يجندر» أحدًا، بل فقط ذلك التأنيث والتذكير الذي ينقل «النوع الاجتماعي» (الجندر: المرأة / الرجل؛ النساء/ الرجال) إلى مناطق كينونة أو عوالم حياة، لئن كانت تؤنَّث وتذكَّر (بيولوجيا: مثل الحيوانات)، فهي لا تتضمّن أيّة تصنيفات «جندريّة» معطاة سلفًا (حسب النوع الاجتماعي: رجل/ مرأة، نساء/ رجال). الحيوان لا «يجندر»: ثمة في عالم الحيوانات أنثى وذكر فقط، لكن ليس ثمّة مرأة/ رجل، أو نساء/ رجال. إنّ المشكل الجندري ينبع من الخلط المتعمّد بين معجم حيواني (أنثى/ ذكر) ومعجم اجتماعي (مرأة/ رجل، نساء/ رجال). وهو خلط لا علاقة له بالطبيعة، بل هو موقف إنجازي لنوع من السلطة. وبالتالي فإنّ المشكل الجندري لا يمكن طرحه بشكل مناسب إذا بقينا في حدود الدفاع المدني عن حقوق «المرأة» ضدّ سلطة «الرجل»؛ لأنّ ذلك يفترض أنّنا قبلنا بالتقسيم الجندري السائد، حيث لا تخرج «المرأة» عن مفهوم المرأة ولا يخرج «الرجل» عن مفهوم الرجل إلّا حقوقيًّا فقط. الجندر ليس مشكلًا حقوقيًّا إلّا عرضًا، بل هو مشكل هوويّ.

ربما نعثر هنا على بعض إجابة عن هكذا سؤال: بأيّ وجه يجدر بنا أن نفهم أنّ القرآن المدني قد تضمّن «سورة النساء» وليس سورة «المرأة»؟ حتى لغة القرآن المكّي هي لم تذكر «المرأة» بالتعريف بل جعلتها في أغلب المواضع القصصية مضافة إلى «زوجــ»ها (امرأتي، امرأة فرعون، امرأة نوح…). وما بقي من المواضع هي «امرأة» (أو امرأتان) في صيغة التنكير، وليس «المرأة» ككائن مخاطَب لذاته. قد يُقال: إنّ هذا المفهوم حديثٌ وقد تشكّل في نطاق ثقافة «الفرد» التي ندين بها إلى أفكار التنوير والحداثة. في حين أنّ النساء هو مصطلح قديم ينتمي إلى الثقافات التقليدية للجماعة. ومع ذلك فهذا التبرير ليس مقنعًا.

إنّ مدوّنة الحديث لا تخلو من استعمال لفظة «المرأة» هكذا بالتعريف وذلك في تقابل جندريٍّ صريح مع «الرجل» بالتعريف، حيث ورد الحديث عن «شهادة المرأة» كيف هي «نصف شهادة الرجل»، وذلك بالتوازي مع التقابل الذي يفصل بين «النساء» و«الرجال». وهذا يعني أنّ المفهوم كان متاحًا، لكنّ قرارًا من نوع أكثر خطورة هو الذي وجّه أفق الأنثى نحو مفهوم «النساء» وليس مفهوم «المرأة». ومع ذلك فإنّ تعليل ذلك من الداخل ليس يسيرًا.

ثمّة –مثلًا- في لسان العرب ضعف مربك في المادة اللغوية الخاصة بفعل «نسا» التي اشتُقّت منها كلمة «نساء»، حيث لا نعثر إلّا على معانٍ متنافرة من قبيل عرق النّسا، والنسيان بمعنى الترك، والنّسي في معنى الشيء المطروح الذي لا يُذكر،… إلخ. وهي عناصر دلالية لا تصلح لبلورة معنى إيجابي لمفهوم «النساء». نحن لا نملك فقهًا للمرأة بل فقط فقهًا للنساء. وعلينا أن نتساءل: لماذا فضّلت حضارتنا مخاطبة النساء في الجمع؟ هل كان هناك تعمّد في تحاشي مخاطبة المرأة في المفرد؟ باعتبارها جندرًا مستقلًّا معياريًّا عن منزلة «الرجل»؟ وكيف يجدر بنا أن نفهم جهود الإسلاميين المعاصرين من أجل كتابة كتب عن «فقه المرأة» (كما فعل الشعراوي مثلًا في كتابه «فقه المرأة المسلمة» حيث لا نعثر إلّا على فقه النساء وليس على فقه المرأة)؟ هل يحقّ لنا أخلاقيًّا أصلًا أن نخاطب المرأة خارج أفق النساء؟ وكيف يمكننا أن نستفيد اليوم في إيضاح عناصر هذا النقاش من الدراسات الجندرية التي ثوّرت الخطابات النسوية حول العالم؟

ما نلاحظه هو أنّ المساهمات النسوية العربية قويّة وعريقة. لكنّ توتُّرًا خفيًّا صاحبها منذ بداياتها: إنّه التوتّر بين مواصلة فقه النساء (الذي تعجّ به المكتبة الإسلامية التقليدية) وبين بلورة خطاب تحرّري أو جديد أو حداثيّ أو ما بعد تقليدي عن «المرأة». وكانت نتيجة هذا التوتّر الخفيّ هي إنتاج خطابات نسويّة شبه- «رجالية» في مقابل خطابات جندريّة للمرأة، وهو تقابل حادّ وإشكالي خفيّ بين مواقف نسويّة حقوقية قابلة للتطعيم بمصادر أخلاقية أو فقهية غير حداثيّة (تتحدّث عن النساء في صيغة الجمع دون التخلص من هواجس عدائيّة ضدّ سيطرة الرجال) ومواقف أنوثيّة ما-بعد-نسوية(19) أو جندريّة راديكالية (تنطق باسم اختلاف مفتوح للمرأة في المفرد، غير مغلق على هوية الأنثى البيولوجية ودونما إحالة ضرورية على دور الرجل كبؤرة سلطوية بعينها، بل على مساحات هوويّة مغايرة ومتنافرة مثل «التقاليد الجنسية» و«تقنيات السلطة» و«أشكال الذاتية» و«المعايير الاجتماعية»،…).

إنّ تعويل الحركات النسوية على التشريعات المدنية وحتى الفقهية التي تساعد على تحسين الوضع الحقوقي للمرأة، كما في مسألة الإرث في تونس راهنًا، وتحصينها ضدّ العنف بجميع أشكاله (ولا يغرّنّك ما ترى من التنوير فإنّ الغرب نفسه لا يزال مدرسة كبيرة في تعنيف النساء وحتّى قتلهن تحت اسم «العنف الزوجي»، مثلًا ثلث النساء في أميركا تعرّضن للاغتصاب والعنف والتحرّش)،- هو يضعها على حافة مشكلة الجندر لكنّه لا يسمح لها بالدخول إلى إشكاليته العميقة. لا ندخل منطقة الجندر إلّا عندما نطرح السؤال غير المسبوق عن هوية الجندر؛ وعندما نميّز بشكل جذري بين «الجنس» البيولوجي و«الجندر» أو النوع الاجتماعي، وألّا نؤسّس «الجنسانية» (في معنى الميول الجنسية بحيث ينقلب الجندر إلى دفاع عن الاستعمال الإباحي للأجساد(20)) على «الجنس» (في معنى الوضع البيولوجي). والحال أنّ هذا التوجّه لا بدّ أن يؤدّي إلى مشاكل تفكيكية من طراز غير مسبوق. مثلًا: الزعم بأنّ المرأة ليست أنثى إلّا بالعرض وليس بالذات؛ وبشكل موازٍ، أنّ الرجل ليس ذكرًا إلّا بالعرض وليس بالذات، وأنّ المرأة ليست قدرًا أخلاقيًّا على الأنثى؛ وأنّ الأنثى ليست قدرًا بيولوجيا على المرأة. وبشكل موازٍ، أنّ الرجل ليس قدرًا أخلاقيًّا على الذكر؛ وأنّ الذكر ليس قدرًا بيولوجيًّا على الرجل. إنّ الجندر (أي النوع الاجتماعي: رجل، امرأة،..) يمكن بل يجب أن يكون اختيارًا حرًّا وليس نوعًا اجتماعيًّا معطى نهائيًّا؛ لأنّه محتوم بوضع بيولوجي لا يمكن تغييره. وأخيرًا، إنّ التحوّل من جندر إلى آخر هو ليس فقط ممكنًا طبّيًّا بالنسبة إلى كلّ جسم عضوي (تحوّل الأنثى إلى ذكر أو العكس، أو تحوّل هوويّ يُحدّد لاحقًا…)، بل هو حقّ أخلاقي أو إمكان معياريّ مفتوح أمام أيّ نوع اجتماعي تقليدي (من امرأة إلى رجل، أو من رجال إلى نساء، أو إلى أنواع اجتماعية أخرى…).

تخريب مذهب الفرق بين الجنسين

نحن نشهد انتقالًا غامضًا من دعوى «المساواة بين الجنسين» (وهو لبّ المعجم النسوي) إلى دعوى «المساواة في الجنادر» أو الأنواع الاجتماعية (وهو محور المعجم الجندري). ولو أخذنا مسألة الإرث في الإسلام مثالًا، لوجدنا النسويّة المعاصرة تطالب بالمساواة في الإرث «بين الجنسين»، وذلك في نطاق النضال الحداثي ضدّ هيمنة ثقافة الرجال/ الذكور، ورثة عقيدة الإله الواحد والزعيم الهووي وسلطة الأب،… إلخ. في حين أنّ دراسات الجندر إنّما تصبو أصلًا إلى «تخريب» مذهب الفرق بين الجنسين، ومن ثمّ فتح الباب أمام «تعدّد الجنادر» لأكثر من «اثنين»، وذلك في إطار النضال نحو «دمقرطة» أشكال الهوية الحميمة، وفصلها ليس فقط عن التقسيم الجندري الاجتماعي الثنائي التقليدي (رجال/ نساء) بل حتى عن التحديد البيولوجي الوراثي (ذكور/ إناث).

ولو أخذنا بجدّية ما يسمّى «نسبة الجنس» (sex ratio)، أي نسبة الذكور والإناث في تعداد السكان في العالم راهنًا، ووضعنا في الحسبان وجهًا من الشذوذ في نسبة الذكور، مثلًا في الدول الغنيّة حيث قلّت بشكل طفيف عن نسبة الإناث، فإنّه يمكن عندئذ أن تفاجئنا مشاكل غير مسبوقة: سوف تظهر دعوات «بيو- سياسية» للمساواة «في الرجال» وليس دعوات «هووية» للمساواة «مع الرجال»، كشرط مزعج للصمود على مستوى «سياسة حفظ النوع». كأنّ المشكل الديمغرافي سوف يصبح أكثر حسمًا في رسم ملامح الهوية المستقبلية للنوع البشري من المشكل الأخلاقي- القانوني- الديني، حيث سوف يفرض إعادة صياغة المسألة النسوية: سوف ينقلها من المطالبة بـــــ«المساواة» بين الجنسين إلى المطالبة بتوفير «حماية» ديمغرافية لأحد الجنسين دون الآخر. لكنّ دراسات الجندر سوف تجد نفسها معفاة من هذا الضرب من النقاش؛ إذْ بالاستغناء عن الفرق التقليدي بين الجنسين، هي سوف تستغني أيضًا عن مؤسسة الزواج التقليدية، وبالتالي لن يكون ثمّة اختلال في نسبة الجنس بين الذكور والإناث، حيث ستتعدّد «الجنادر» إلى ما لا نهاية. ومع ذلك، علينا أن نسأل: ألا تواصل النسويّة لدينا هيمنة الرجل؟(21) إنّ بعض النسوية ليس لها من هدف أقصى سوى تحرير «العذراء من القفص»(22). إلّا أنّ هذه معارك أخلاقية لا علاقة لها بمشكلة الجندر. بل: هل النسوية أمر مفيد بالنسبة إلى المرأة العربية؟(23) أم أنّ النسوية نزعة لا تخلو من سوء فهم لجندر المرأة؟

ثمّ: كيف نحرّر المرأة من العلاقة المزعجة بين النسوية الإسلامية والإسلام الأصولي؟(24) قد يجد البعض أنّ عبارة «النسوية الإسلامية» مجرد «تناقض في الألفاظ» (!)(25) كيف نقطع المسافة الأخلاقية داخل نفس الثقافة بين «نسوية الحجاب» و«نسوية الفيمن» (الحركة النسوية الأكرانية) التي طالت بعض مدننا؟ تقع «النسوية المسلمة» غالب الأحيان في موقف دفاع هوويّ عن النفس، ضدّ خطاب «استشراقي» عن «المرأة المسلمة». لكنّ من يكتفي بالدفاع عن نفسه لا «يؤسّس» لأيّ تجاوز عميق لجندر المرأة التقليدي(26). وحين تتحوّل النسوية الإسلامية إلى دفاع «ما بعد حديث» عن فقه المرأة المسلمة دفاعًا عن النظرة الاستشراقية للجسد «المشرقن» بوصفه جندر المتعة الذكورية، هي تؤدّي فقط إلى انبعاث «نسوية محافظة- جديدة» لا تحرّر شيئًا من جندر المرأة التراثي(27). يبدو أنّ تأصيل الجندر في ثقافتنا -نعني قطع المسافة المشكلة والمركّبة من «الجنس الآخر» (سيمون دي بوفوار) إلى «حلّ الجندر(28)» (جوديت بتلر)(29)– هو عندنا معركة فلسفيّة يبدو أنّها لم تبدأ بعد.


هوامش:

  1)  عن هذا النوع من الاستشكال قارن: ناصر حامد أبو زيد، دوائر الخوف- قراءة في خطاب المرأة (بيروت: مؤمنون بلا حدو، 2014م)، الفصل الأول «أنثروبولوجية اللغة وانجراح الهوية»، ص 30 وما بعدها.

  2)  قارن: زليخة أبو ريشة، اللغة الغائبة: نحو لغة غير جنوسية (عمان: مركز دراسات المرأة، 1996م).

  3)  د. محمد التونجي، معجم علوم العربية (بيروت: دار الجيل، 2003م) ص ص 386 و 405.

  4)  Judith Butler, Gender Trouble : Feminism and the Subversion of Identity (New York: Routledge Press, 1999), p. VII.

  5)  قارن: رفاعة الطهطاوي، المرشد الأمين في تعليم البنات والبنين (1872م)؛ قاسم أمين، تحرير المرأة (1899م)؛ والمرأة الجديدة (1900م)؛ الطاهر الحداد، امرأتنا في الشريعة والمجتمع (1930م).

  6)  قارن: نوال السعداوي، المرأة والجنس (القاهرة: دار ومطابع المستقبل، 1990م)؛ دراسات عن المرأة والرجل في المجتمع العربي (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط. 2، 1990م)؛ المرأة والدين والأخلاق (دمشق: دار الفكر، 2000م).

  7)  مثلًا: محمد عبدالمطلب: بلاغة السرد النسوي (القاهرة: الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2007م).

  –  شيرين أبو النجا، عاطفة الاختلاف (قراءة في كتابات نسوية)، (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1998م).

8)  الطاهر الحداد، امرأتنا في الشريعة والمجتمع (1930م). جاء في مقدّمة الكتاب: «المرأة أم الإنسان… فإذا كنا نحتقر المرأة ولا نعبأ بما هي فيه من هوان وسقوط فإنما ذلك صورة من احتقارنا لأنفسنا… غير أننا قد اعتدنا في نظرنا للمرأة أن نراها منفصلة عن الرجل لا شأن لها في تكييف نفسه وحياته».

9)  محمد متولي الشعراوي، فقه المرأة المسلمة (القاهرة: المكتبة التوفيقية، ) ص 5: «وكلمة امرأة تعني أن لها مقابلًا وهو الرجل، امرأة تعني أنثى ورجل يعني ذكرًا لو نظرنا إليهما… وجدنا أن هناك جنسًا يجمعهما وهو ‹إنسان›».

10)  بوعلي ياسين، ، أزمة المرأة في المجتمع الذكوري العربي ( سوريا: دار الحوار، 1992م).

11)  نصر حامد أبو زيد، دوائر الخوف. قراءة في خطاب المرأة، مذكور سابقًا، 137-138.

12)  عبدالوهاب المسيري، قضية المرأة بين التحرير والتمركز حول الأنثى (القاهرة: نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، ط. 2، 2010م)، ص 3-4، 14-16.

13)  قارن: شيرين شكري وأميمة أبو بكر، المرأة والجندر: إلغاء التمييز الثقافي والاجتماعي بين الجنسين (دمشق: دار الفكر، 2002م).

14)  قارن: آمال قرامي، الاختلاف في الثقافة العربية الإسلامية: دراسة جندرية (بيروت: المدار الإسلامي، 2007م).

  –  إيفون يزبك حداد وجون ل. سبوزيتو، محرران، الإسلام والجنوسة والتغيّر الاجتماعي، ترجمة أمل الشرقي (عمان: المكتبة الأهلية، 2003م).

  –  Leila Ahmed, Women and Gender in Islam. Historical Roots of a Modern Debate ( Yale University Press, 1992).

15)  قارن: محمد نور الدين أفاية، الهوية والاختلاف في المرأة والكتابة والهامش (الدار البيضاء: إفريقيا الشرق، 1988م).

16)  منذ مؤتمر بكين 1995م أخذت وثائق الأمم المتحدة تدمج مصطلح الجندر في معجمها العام. ومنذ 2010م قررت المنظمة إنشاء هيئة تشرف على تطبيق مسائل الجندر لدى مختلف الدول، وأخذت اسم الأمم المتحدة للمرأة.

17)  قارن: سيمون دي بوفوار، الجنس الآخر. في النوع: الذكر والأنثى بين التمييز والاختلاف. – ترجمة محمد قدري عمارة ( سلسلة العلوم الاجتماعية – مكتبة الأسرة، 2006م).

  –  جوديث بتلر، الذات تصف نفسها. ترجمة فلاح رحيم (بيروت: دار التنوير، 2015م).

  –  جوديت بتلر: مشكلة الجندر. (تصدير الطبعة الثانية) ترجمة فتحي المسكيني، موقع الأوان، 10 أكتوبر 2016م:

  –  http://alawan.org/content/%D8%AC

18)  قارن خاصة: رجاء بن سلامة، بنيان الفحولة ــ أبحاث في المذكر والمؤنث (تونس: دار المعرفة للنشر، 2005م)؛ نقد الثوابت. آراء في العنف والتمييز والمصادرة (بيروت: دار الطليعة، 2011م).

19)  Cf. Modleski, Tania. Feminism without Women: Culture and Criticism in a “Postfeminist” Age ( New York: Routledge, 1991).

20)  Cf. Strossen, Nadine, Defending Pornography: Free Speech, Sex, and the Fight for Women’s Rights(Prentice Hall & IBD, 1995).

21)  Stefanie Sanches, “Disempowering Feminism in the Middle East: how the polarization of Islam and Feminism perpetuates male dominance”, in: Annual Human Rights Conference Nottingham 2014 Mind the Gender Gap, https://www.nottingham.ac.uk/hrlc/documents/student-conference-2014/sanches-arab-feminism-paper.pdf.

22)  Ali, Ayaan Hirsi, The Caged Virgin: An Emancipation Proclamation for Women and Islam (New York: Free Press, 2004).

23)  Golley, Nawar Al-Hassan (2004) ‘Is Feminism Relevant to Arab Women?’ Third World Quarterly 25(3): 521-536.

24)  Moghissi, Haideh, Feminism and Islamic Fundamentalism (London: Zed Books, 1999).

25)  Ambar Ahmed, “Islamic Feminism- A Contradiction in Terms ?”, THE FRIEDRICH-EBERT-STIFTUNG IN INDIA.

26)  Zahira Sarwar, Exploring Muslim Feminisms: A Response to Orientalist Discourses About Muslim Women.

27)  Cf. Moghissi, Haideh. Feminism and Islamic Fundamentalism: The Limits of Postmodern analysis (Oxford University Press, 1999).

28)  Cf. Butler, Judigh, Undoing Gender (New York and London: Routledge, 2004).

29)  Butler, Judith. “Sex and Gender in Simone De Beauvoir’s Second Sex.” Yale French Studies, no. 72 (1986): 35-49.

وبالعربية: جوديث بتلر، «الجنس والجندر في الجنس الآخر لسيمون دي بوفوار». ترجمة: لجين اليماني. موقع نَظَرْ 19 مارس، 2016م:

https://nthar.net/جوديث-بتلر-الجنس-والجندر-في-الجنس-الآخر/


فرقنا الكروية.. أوطاننا الجديدة

عبدالسلام بن عبدالعالي – كاتب مغربي | مايو 1, 2018 | الملف

يكتفي بعض بأن يطرح قضية كرة القدم طرحًا أخلاقيًّا فيستنكر الأهمية التي قد تغدو مبالغًا فيها في بعض الأحيان، وتُعطَى للكُوَيْرة الصغرى على حساب قضايا الكرة الكبرى. وهو لا يقتنع بهذا المنحى الذي اتخذته هذه الرياضة التي أصبحت «تشغل الإنسان اليوم عن أمور أخرى أكثر جدية وأعلى أهمية»، فيرى أن هذه اللعبة، رغم أنها تروّج الملايير وتشد الجماهير وتجند الطاقات، فإنها تظل لعبة في نهاية الأمر، ولا ينبغي لها أن تنسينا حروبنا وتلهينا عن صراعاتنا ومبارياتنا «الحقيقية». وعلى الرغم من ذلك فإن أصحاب هذا المنظور يظلون عاجزين أن يثنونا عن الاعتقاد بأن ما ينعتونه بـ«مجرد لعبة»، يشكل اليوم إحدى النوافذ الأساسية التي يمكن أن نطلّ منها على الحياة المعاصرة. وعلى أية حال، حتى إن لم نعدّ اليوم الرياضةَ بصفة عامة، وكرةَ القدم على وجه الخصوص، مفتاحًا من أهم المفاتيح لفهم العالم المعاصر، فلن يكون من السهل علينا، على الأقل، نفي أهميتها الاقتصادية والسياحية، بل دورها السياسي.

لا يكفي، بطبيعة الحال لإدراك ذلك، الاستدلال على أهمية الرياضة على العموم، وكرة القدم خاصة، وإبراز فوائدها الصحية ودورها في تربية الأجسام والعقول، بل في تطوير القدرات الجسدية والتحطيم المطرد للأرقام القياسية؛ إذ إن الأمر الذي يعنينا هنا لا يكاد يتعلق بالرياضة الكروية بهذا المعنى حيث كان بإمكان جميع أطفال العالم، مهما كان وضعهم الاجتماعي والجغرافي، أن يصنعوا كرة من قش ويضعوا قطعتي حجر على جنبات الطريق ويخوضوا في مباراة تستغرق الساعات.

كرة القدم التي تعنينا هنا «لعبة» في غاية الجدّ، حيث غدا لاعبُها اليوم مهووسًا بقضايا لا علاقة لها إطلاقًا بـ«اللعب»؛ إذ المطلوب منه، أوّلًا وقبل كل شيء، أن يحقق الانتصار، ومن الأفضل أن يكون «انتصارًا ساحقًا»، وهذا الانتصار يقدَّر كمّيًّا قبل كل شيء، فهو عدد من الإصابات. لا يهمّ، لبلوغ ذلك، مختلف أشكال التحايل التي سيلجأ إليها من إضاعة للوقت، أو خروج عن قواعد « اللعبة»، أو مراوغة للحكم، أو حتى تعنيف الخصم. المهم هو النتيجة، ولا شيء غير النتيجة (حتى إن اقتضى الأمر دفع الكرة نحو المرمى باستعمال الأيدي كما فعل أحد اللاعبين، مضلِّلًا الحكم). النتيجة هي التي سترفع من قيمة اللاعب في«سوق» اللاعبين، هي التي سترفع ثمنه وتفتح له أبواب النوادي الكبيرة، وهي التي ستجلب لقميصه أغلى الإعلانات، هي التي ستبرز الوطن الذي ينتمي إليه وترفع «رايته» بين الأعلام الدولية. بل إنها قد تُوجِد ذلك الوطن إيجادًا فلا يعود «تلك البقعة الصغيرة المنسية على خريطة العالم». «لاعبنا» إذًا لا يلعب، ولا يحق له حتى ابتكار أساليب جديدة، بل عليه أن«ينضبط» ويمتثل للخطط المرسومة، و«الأهداف» المتوخاة. وهي أهداف تتجاوزه كلاعب، وكفرد ما دام يمثّل بلدًا بأكمله، إنه ليس لاعبًا بل هو قميص له لون ويحمل إعلانات. وإنجازه سيتخذ قيمة اقتصادية وسياحية بل سياسية. لذا فهو متيقّن من أنه يقدّم لبلده أنجع الخدمات الدبلوماسية، فهو ليس سفيرها في وطن بعينه، إنه سفير في العالم بأكمله.

يظهر إذًا أن ما يتحكم في كرة القدم في عالمنا المعاصر يكاد لا تكون له علاقة بالرياضة، أو على الأقل بالرياضة بالمعنى الذي كنا نقبله. كرة القدم ومبارياتها ومهرجاناتها ولقاءاتها تحيل اليوم إلى الرياضة بمعنى مخالف تمام الاختلاف، لا إلى الرياضة كلعبة، إنما إلى الرياضة كمؤسسة لها إدارتها وحُكّامها، والحاكمون فيها وعليها، مؤسسة لها قوانينها وبنياتها، وموازين قوة تتباين وفق البلدان والمناطق، وفق الجغرافية والسياسة. وهي مؤسسة يحكمها الاقتصاد وتحكم هي الاقتصاد، مؤسسة لها أسواقها وبورصاتها ومنطقها الاقتصادي الخاص.

ليونيل ميسي والكرات الذهبية

بُعد ميتافيزيقي

هذه «الرياضة» لم يكن لها وجود حتى وقت قريب. قد يقال: إن الألعاب الرياضية مغرقة في القدم، هذا صحيح، لكنها بالضبط كانت «ألعابًا»، ولم تكن تخضع لقواعد دولية، يسهر على تنفيدها حكام دوليون، وتنظّم على صعيد دولي، وتتبارى فيها الدول والأنظمة، بل تتصارع الأيديولوجيات، وتتنافس لنقلها كِبَار القنوات كي تخلق النجوم وترسّخ العلامات وتحتكر الإعلانات. بل إن بإمكاننا أن نذهب أبعد من ذلك بكثير، ونقول: إن لهذه الرياضة اليوم بُعدًا ميتافيزيقيًّا من ناحية أنها تروّج الفانتاسمات وتخلق الهويات، أو تكرّسها على الأقل، فتؤجج الانتماءات، وتسوّق وهْم الولاءات، وتحدد موازين قوى وتضبط علائق. وفي هذا الإطار ما زلنا نذكر ما راج في فرنسا في المونديال سنة 2006م إذ تحدّث بعض عن المفعول السياسي البعيد لذلك المونديال الذي قيل: إنه أنزل مكانة زعيم الحزب اليميني المتطرف لوبين وقتئذ درجات كثيرة، بل قيل: «إن مونديال 2006م عمل على توحيد الفرنسيين وصيانة هويتهم التعددية» لما شملته الفرقة الفرنسية من نجوم ذوي أصول متنوعة. وربما بإمكاننا أن نذهب إلى القول بأننا نعيش هذا التعدد، هذه الولاءات المتعددة، عند كل مونديال، حيث يعرف كل منا تجربة هوية لا محدودة. فقد يجد الواحد منا نفسه اليوم مع هذا البلد وهذا الفريق، كي ينتقل في الغد القريب إلى فريق آخر ربما كان هو خصم الأمس. لا يعود هذا فحسب لما يسمى عادة روحًا رياضية بقدر ما يرجع إلى «تعدد الألوان» التي تتسم بها الهوية بما هي كذلك؛ إذ تكشف الولاءات أن كلًّا منا باستطاعته أن يغير بين يوم وآخر موقعه داخل دوائر متمركزة فيخرج من إحداها ليقتحم أخرى، وهو الأمر الذي يجعلني أنتصر للفريق العربي ضد الفريق الإفريقي اليوم، لكنني سأجد نفسي مع الفريق الإفريقي غدًا ضد بلد أوربي، بل مع البلد الأوربي مرة أخرى ضد بلد أوربي آخر.

تمثال لدينيس بيركامب

فكما لو أن الكرة «بنية تحتية» لا تكتفي بأن تحدد التراتبات الاجتماعية وترسم العلائق الدولية وتعلي من دول وتحط من أخرى، إنما تذهب حتى أن تحدد الهوية وترسم الأوطان. وهي لا تكتفي بأن تفعل في السياحة والاقتصاد، إنما هي التي تحدد اليوم الجغرافية السياسية والعلائق الدولية والولاءات للأوطان، إلى حد أن فرقنا الكروية غدت اليوم هي أوطاننا الجديدة.

في كتاب إ.غاليانو عن كرة القدم، نقرأ ما يلي: «هناك نُصْب في أوكرانيا يذَكّر بلاعبي فريق دينامو كييف في 1942م. ففي أوج الاحتلال الألماني، اقترف أولئك اللاعبون حماقة إلحاق الهزيمة بمنتخب هتلر في الملعب المحلي، وكان الألمان قد حذروهم: «إذا ربحتم ستموتون» دخلوا الملعب وهم مصمّمون على الخسارة، وكانوا يرتجفون من الخوف والجوع، لكنهم لم يستطيعوا كبح رغبتهم في الجدارة والكرامة. فأعدم اللاعبون الأحد عشر وهم بقمصان اللعب، عند حافة هاوية، بعد انتهاء المباراة مباشرة».

نادرون جدًّا اليوم لاعبون مثل هؤلاء الذين في مقدورهم أن يرتكبوا مثل هذه «الحماقة» ويُظهروا مثل هذه «الاستماتة» في ميدان اللعب (ليس بالمعنى المجازي هذه المرة). لا يقول الكاتب إنهم فعلوا ذلك من أجل الانتصار، إنما لكونهم «لم يستطيعوا كبح رغبتهم في الجدارة والكرامة». إنهم «دخلوا الملعب وهم مصمّمون على الخسارة»، إلا أنهم سرعان ما وجدوا أنفسهم يلعبون من أجل اللعب، سرعان ما «أخذهم اللعب» مثلما «يأخذ» منظر طبيعي «أخّاذ» الفنان وهو يرسمه، أو مثلما تأخذ المقطوعة الموسيقية العازف وهو «يلعبها». فكأنما نسوا أنفسهم، بمجرد أن دخلوا الملعب، ليضحوا غارقين في اللعبة، لا شيء يشغلهم إلا فنّها. لا يظهر أن مؤلف كتاب «كرة القدم في الشمس وفي الظل» يغفل الوجه السياسي للّعبة. وهو يبرز ما كانت هذه اللعبة قد اتخذته عند النازيين منذ الثلاثينيات من القرن الماضي «عندما أصبحت كرة القدم قضية دولة». لقد حذر النازيون فريق دينامو كييف من أن هزيمة الفريق الألماني تعني هزيمة النازية، وأن الكرة تعني بالنسبة إليهم استمرارًا للحرب داخل ميدان اللعب. إلا أن الكاتب قد أصرّ على أن يبين بالضبط عجز التفسير الأحادي عن فهم هذه اللعبة، وضرورة عدم اختزال كرة القدم في بعد واحد. فهو لا يدّعي مطلقًا نفي الأوجه الأخرى لهذه اللعبة، وأعني هنا الوجه الأيديولوجي والسياسي، لكنه لا يرى أنها لم تعد لعبة لتغدو سياسة أو اقتصادًا أو مهرجانات احتفالية، إنما يحاول أن يبيّن، أنها، إذ تتخذ كل تلك الأوجه، فهي تظل لعبة، وأن اللاعب سرعان ما يتحرر مرة مرة من ضغوطات العالم المعاصر وأسواقه وإعلاناته ويتنصل من الخنوع والخضوع و الانضباط والامتثال؛ كي يسترجع في شخصه الفنانَ الذي يسكنه، فيُؤخذ في لحظة ما باللعبة، لينسى، ولو مؤقتًا، الأرباح ونشيد الوطن، ويسترق لحظات يخوض فيها في «الرقص مع الكرة».


المرأة في الفضاء الصوفي

قد تصل إلى «رتبة القطبية» وهي بمنزلة الخلافة في «الدولة الروحية»

سعاد الحكيم – أكاديمية وباحثة لبنانية | يوليو 1, 2019 | الملف

تَنَعَّمَت المرأة المسلمة بطيب مذاق المجد النسوي في العصر الذي وصفه رسول الله عليه صلوات الله بأنّه خير العصور.. في ذاك العصر، الحاضر في الذاكرة والمحفوظ جزء منه في دواوين الحديث النبوي الشريف وأجزاء كثيرة في روايات الصحابة الكرام، كانت النساء بحقّ شقائق الرجال، في السلم والحرب، وفي البيت والمسجد. فرأينا السيدة خديجة رضوان الله عليها في المرحلة المكية، وبشهادة رسول الله عليه صلوات الله، أنموذجًا راقيًا للمرأة التي نظرت بعين العدل والإنصاف والمحبة والحنوّ إلى مَعْدِن زوجها الإنساني فرأت من صدقه وأمانته وعظمة خُلُقه ما جعلها تؤمن به إنسانًا؛ فرفعت الحدود المالية فيما بين ملكيتها وملكيته، وشاركته في كل ما أشركها به. وعندما أخبرها نبأ جبريل عليه السلام كانت أول من آمن به نبيًّا رسولا صلوات الله عليه، واستعدت لأن تكون معه في كل شأن ولأن تصبر معه على كل ظرف وإن تعرّض بدنها الطاهر لما يؤثر على صحته وعافيته. ورأينا السيدة عائشة رضي الله عنها –عبر النصوص التأسيسية والدراسات الكثيرة– أنموذجًا نبيلا للمرأة العالمة المعلّمة، والفقيهة المجتهدة، والحافظة والمحدّثة بما سمعته عن رسول الله عليه صلوات الله، والناقدة الممحّصة التي لم تقف عند مرحلة الرواية بل أعملت ميزان النقد في كل ما تسمعه من الصحابة عن رسول الله عليه صلوات الله، واستدركت –بالرفض وبالتصحيح– تسعة وخمسين استدراكًا (59 استدراكًا) على ثلاثة وعشرين من الصحابة. وقد ألّف الزركشي كتابًا في هذا الموضوع عنوانه: «الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة». ورأينا سيدات صحابيات كريمات في مجالس العلم، وفي ساحات الحرب بين القتلى والجرحى، وفي الأسواق يَرْقُبْنَ عمليات البيع والشراء، وفي المسجد موطن صنع القرار يشاركن في النقاش «السياسي» ويدافعن عن حقوقهن الشرعية.. نماذج أصيلة للمرأة الخطيبة والمجادِلة والمداوية والفقيهة والتاجرة والمحتسبة وغير ذلك.

أَسوقُ هذا الكلام كلّه، لأقول: إن الحراك النسائي كان نشطًا في العقود الأولى من تاريخ المسلمين، وإنّ الإسلام–نصًّا وتطبيقًا– بريء من تهميش المرأة، ومن حبسها في صورة نمطية، ومن حرمان الفضاء العام من مشاركتها العلمية والفكرية والاجتماعية والإنسانية. وإننا نثمِّن غاليًا جهود جميع العاملين –اليوم– على إظهار فاعلية المرأة المسلمة ومشاركتها الرجل في صنع حضارة الإسلام، ونقدّر عاليًا عمليات الحفر في التراث للكشف عن وجوه نسائية برزت –عبر التاريخ– في ميدان الفقه والحديث والرواية والدراية، وجلست للتعليم ونقل المعرفة لأجيال من طلبة العلم، أو لتظهير وجوه نسائية اشتُهرت ببذل المال والحليّ في مجال أبدعه الإسلام ولم يكن معروفًا لدى العرب وهو مجال الأحباس والأوقاف، فبُنيت –بأموال النساء– مدارس ومكتبات عامة ومساجد ومستشفيات ودُور لطلبة العلم وخوانق (جمع خانقاه) لإقامة العبّاد والزهاد والصوفية واستقبال الفقراء وعابري السبيل وأربطة (جمع رِباط) للنساء العابدات الصوفيات انتشرت في بلاد المشرق العربي، وبخاصة في بغداد وحلب ودمشق والقاهرة، وأيضًا في بلاد المغرب العربي..

ونشارك في عمليات الحفر في التراث، للكشف عن تمثُّلٍ مختلف للمرأة، تمثُّل يتّسم بالمحبة والرحمة والحكمة والتقدير الذاتي بعيدًا من المواجهات والمجادلات والسجالات وصراع الأدلة والعلاقات السلطوية.. هذا التمثُّل هو: وجود المرأة في الفضاء الصوفي.

وننظر إلى هذا الوجود من نافذة تطل على تجليات المرأة الصوفية وصورها في المدونة الصوفية.

تجليات المرأة الصوفية

إن أخبار النسوة الصوفيات مخزونة في موسوعات تاريخ المسلمين ومنها: تاريخ بغداد للخطيب البغدادي، وتاريخ دمشق لابن عساكر. وفي كتب الطبقات والتراجم ومنها: صفة الصفوة لابن الجوزي، وحلية الأولياء لأبي نُعَيْم الأصفهاني، وسير أعلام النبلاء للذهبي، وذكر النسوة المتعبدات الصوفيات للسلمي. ومع تزايد الاهتمام بالفكر الصوفي وبالمرأة الصوفية، منذ نصف قرن تقريبًا، صدرت عشرات الكتب والدراسات باللغة العربية وبلغات أجنبية حاكية عن حضور المرأة في الفضاء الصوفي وخصوصية سعيها الروحي، وعن نظرة الرجل الصوفي المتسمة بالمساواة الإنسانية والرحمة الشاملة إلى المرأة سواء كانت شريكًا في التجربة الروحية أو شريكًا في الحياة الدنيا.

وعندما نفتح هذه الكتب المذكورة –أو ما توافر منها– تضيء الصفحات التي تثوي في حروفها أخبار هؤلاء النسوة، وتحكي عن وجودهن في تاريخ المسلمين وحاضرهم.. ومنهن المقيمات في بيوت صوفية معروفة، بصحبة قامات روحية عالية، بصفتهن إما الزوجة أو الأخت أو الابنة، ومنهن السائحات العابدات الزاهدات اللواتي لم تكن أخبارهن لتصلنا لولا تدوين كبار رجال الصوفية أقوالَهن، ومنهن المؤدبات المربّيات اللواتي تركن بصماتهن على الحياة الروحية لكبار رجالات الصوفية، ومنهن الأميات العارفات اللواتي يتصدَّيْنَ لإنشاء الكتب بالإملاء على قريب عارف بالقراءة والكتابة، ومنهن العالمات صاحبات المدونات الصوفية والمرجعيات الكبرى، ومنهن المقيمات ضمن جماعات صوفية في الأربطة المخصصة للنساء، ومنهن الشيخات القائدات لتجمعاتهن الصوفية أو الممثلات لشيخ الطريقة في محيطهن الجغرافي أو النسائي، ومنهن الباحثات المؤرخات المفكرات..

من هذا المشهد الذي يمتد إلى ما يزيد على أربعة عشر قرنًا، نختار الكلام بإيجاز عن أربعٍ من النسوة الصوفيات.. ولا ندّعي أن هؤلاء النسوة الأربع يجمعن صور المرأة الصوفية الآن وعبر التاريخ؛ لأن كل واحدة من النسوة الصوفيات المعروفات والمجهولات هي أنموذج متفرد ولا يمكن تكراره. ولكن الدافع لاختيارنا هو قدرة هذه النماذج الأربعة على إظهار الانفتاح الديني والإنساني في البيئة الصوفية، هذا من جهة. ومن جهة أخرى، فإن هذه النماذج الأربعة ليست من التاريخ المنسي أو المتروك بل تتمتع بطاقة حيوية حملتها عبر أحقاب التاريخ وأظهرتها بصور متعددة ومختلفة.

أولًا– الزاهدة العاشقة

(السيدة رابعة العدوية 100هـ – 180هـ)

لمع اسم السيدة رابعة شرقًا وغربًا، ولم تعد جزءًا من الوجود الصوفي الإسلامي العربي فقط، بل صارت جزءًا من الثقافة الإنسانية العالمية، وغدت قصائدها في الحب الإلهي زهرة السماع الفني الراقي. تتلخّص قصة حياتها في أنها فتاة ضاعت من أهلها في زحمة السوق في العراق، في زمن فوضى ومجاعة، فخُطفت وبيعت. عاشت معاناة الرقّ فتعلّمت العزف على الناي، حتى إذا اضطرتها الظروف إلى الوجود في «سهرات الأنس» كانت تشارك بالعزف فقط. إلى أن انتبه من يملكها إلى حقيقة حالها، فأعتقها. وما إن امتلكت زمام أمرها حتى سكنت في غرفة متواضعة في مدينة البصرة، غرفة لا تحوي من أشياء الدنيا إلا إبريقًا وصحفة وحصيرة ومخدعًا من اللَّبِن.

وفي مقابل أقوال الدارسين، بأن المرأة في تاريخ المسلمين وإن برزت في مجال علمي إلا أنها ظلت تابعة علميًّا ولم تؤسس مدرسة.. نقول؛ لقد أسست السيدة رابعة مدرسةً في التصوف الإسلامي، فهي أول من أدخل لغة الحب على الحياة الروحية، وهي –في حدود معرفتنا– أول من توجّه إلى الله قائلًا: أحبك. وهي أول من ميّزت بين حُبَّيْنِ لله تعالى: حب الهوى، وحب الاستحقاق (الحب الذي يستحقّه الله تعالى لذاته العليّة وأسمائه الحسنى). وهذان الحُبّان عندها –كما نقدّر– من الضروري أن يكونا متلازمين في المسيرة الروحية؛ لأن حب الهوى وحده قد يوقع المرء في الرعونة، وحب الاستحقاق وحدة قد يغرق المرء في الهيبة والجلال، تقول:

أحبُّك حبّين: حـبَّ الهوى،

وحُبًّا لأنـك أهـلٌ لذاكـا

فأمّا الذي هو حـبُّ الهوى

فشغلي بذكرك عَمَّن سـواكـا

وأمّا الـذي أنت أهـلٌ له

فكشفك للحجب حتى أراكـا

فلا الحمد في ذا، ولا ذاك لي

ولكن لك الحمدُ في ذا وذاكـا

وإن المدرسة التي أنشأتها السيدة رابعة، هذه العاشقة العابدة الزاهدة، لم تنطفئ بموتها بل حملها التاريخ في طياته إلى بقاع من الأرض وحقبات من الزمان، ولم تنحبس في بيئة نسوية بل مشى عدد كبير من أعلام التصوف في قافلتها.. وها هو سَرِيّ السَّقَطيّ (ت: 253هـ) يبيِّن فعل العشق في بَدَنِه النحيل، فيقول:

إذا ما شكوتُ الحبّ، قالت: كَذَبتنَي

فما لي أرى الأعضاء منك كواسيا؟

فلا حبّ حتّى يلصـق الجلد بالحشا

وتذهل حتّى ما تجيـبَ المناديـا

والشِّبليّ أيضًا، صديق الجُنَيْد والحَلَّاج، يصف فناءه في العشق، فيقول:

قد تخلّلـتَ مسلـك الـرّوح منّي

ولـذا سُمّـي الخليـل خليـلا

فـإذا ما نطقـتُ كنتَ حديثـي

وإذا ما سكـتُّ كنـتَ غليـلا

والحلّاج يردد كثيرًا هذه الأبيات:

سقوني وقالـوا لا تغـنّ، ولو سقوا

جبـال حُنَيـن ما سقونـي لغنـت

تمنّـتْ سُلَيْمـى أن نمـوت بحبهـا

وأسهـل شـيء عندنـا ما تمنّـت

ولا تزال القافلة تَجِدُّ في سيرها عبر الأزمنة والأمكنة، تضع رحالها مرة في مشرق ومرة في مغرب.. وفي كل مرة تطرب الأسماع والأرواح بشدو العشق الشريف.

ثانيًا– الأم الروحية ومشيخة المرأة

(السيدة فاطمة بنت المثنى، عاشت في القرن السادس الهجري)

هي سيدة مغمورة، وما كنا لِنَعرِفَ شيئًا عن وجودها على الأرض لولا أن خدمها بنفسه ولمدة سنتين شيخ الصوفية الأكبر محيي الدين بن عربي (560– 638هـ). ومما يخبر عنها ابن عربي نعرف أنها قدّمت إضافة في تاريخ التربية الصوفية. فعلى حين أن المعلم الصوفي –في السائد– يقوم بتربية مريده بالرياضات والمجاهدات حتى يصبح نقيًّا صافيًا من الصالحين (أي المُنتَج هو إنسان نقيٌّ تقيٌّ عابد زاهد…). نراها توجّه بَصَرَ «وَلَدِها الروحي» نحوَ الوجود، نحو الآفاق، لتتكوّن لديه رؤية للكون وللإنسان وللعلاقة بالله تعالى. ويمكن القول: إنها أبدعت وبشكل غير مسبوق، لما يمكن أن نسمّيه «تربية العارفين» في مقابل «تربية المريدين»، وهي تربية «بالنظر في الآفاق» في مقابل تربية «بالنظر في الأنفس».

وقد عرف ابن عربي مكانة هذه المعلِّمة الاستثنائية، عندما قالت له: «أعطاني حبيبي [أي الله تعالى] فاتحة الكتاب تخدمني، فوالله ما شغلتني عنه». ويفسّر لنا ابن عربي معنى قولها هذا، بأنها كانت عندما تقرأ فاتحة الكتاب، لأمر من الأمور، تنشئها بقراءتها صورة مجسّدة هوائية ثم تخاطب هذه الصورة وتبعثها لتؤدي المهمة التي تطلبها منها.. إنه عطاء إلهي عجيب لواحدة من النسوة المتعبدات الصوفيات الأُمِّيَّات المنقطعات في فَلَوَاتٍ من الأرض.

وهذا الأنموذج للمرأة الصوفية، المربِّية الروحية للنساء والرجال معًا، التي تمثل «سلطة مرجعية عليا» في زمانها داخل حدود جماعتها الصوفية.. هذا الأنموذج لا يزال مستقرًّا في مجتمعات الإسلام، وبخاصة في المدن التركية حيث نجد العديد من «الشيخات» اللواتي يَنتسِبُ إلى جماعاتهن الصوفية العديدُ من المريدين من الجنسين، ويشكِّلْنَ لمريديهن الأُمَّ الرُّوحية.

ثالثًا– صوفية عارفة وصاحبة تراث مكتوب

(الست عجم بنت النفيس البغدادية، كانت حيّة عام 686هـ).

هي سيدة أميّة تخبر عن نفسها بأنها خرجت من الجهل (بالله تعالى) إلى العلم (به تعالى) في ليلة واحدة، كما تقدّم نفسها على أنها من كبار الأولياء.. تقول مخبرة عن أمّيتها ومعترفة لزوجها بفضل تدوين كل ما تمليه عليه: «وحيث عَلِمَ الله أنني امرأة عاميّة بريئة عن التصرف في كلّ ما ينطبق عليه اسم «العلم الظاهر»، حتى عن الكتابة وما ترقمه الأقلام، فهيّأ لي صاحبًا عارفًا بأحكام الخطّ ومعانيه وما يُصاغ منه وسيلة إلى المعاني. فعندما يلقي الله تعالى في قلبي شيئًا من العبارة والفيض أستنجد به استنجاد مخالَلـة وأدعوه إلى إثبات ما يَرِدُ. وهو محمد ابن خالتي وربّ بيتي».

أَمْلَتْ هذه السيدة على زوجها ثلاثة كتب هي: شرح مشاهد الأسرار القدسية (وهو كتاب لابن عربي)، وكتاب الخَتْم، وكشف الكنوز. ومن مُدارَسة نصوصها نجد أن معرفتها نتجت عن سبيلين هما: الإلقاء الإلهي في القلب، والشهود. وتخبرنا الست عجم أن الشهود يقوم على «الخلع الروحاني»، أي «إلقاء الجسد الظاهر»، بغير تألم، في حالة هي بين الموت والحياة، ثم الوصول إلى حال تُسَمِّيها «القيام في الصورة»، وطوال مدّة الخلع يحدث جَوَلَانٌ للروح ويجري الشهود.

ورغم أن هذه السيدة لم تلتقِ بابن عربي الذي سبقها في الزمان الدنيوي بنحو نصف القرن، ولم تعرف بوجود كتابه «مشاهد الأسرار القدسية»، إلا أنها تحكي أنه وقع لها «خلع روحاني» ودخلت إلى «عالم الباطن»، وهناك الْتقَتْ الأولياءَ المماثلين لها في الرتبة ومن جملتهم محيي الدين بن عربي، وجرى بينها وبينه حوار، وعند المفارقة أوصاها بأن تشرح كتابه المشاهد في حال العَوْد من الباطن.. وبالفعل أَمْلَتْ على زوجها شرح المشاهد فيما يزيد على أربع مئة صفحة (وهو كتاب قمت بتحقيقه ونشره بالمشاركة مع د. بكري علاء الدين). وهذا الأنموذج للمرأة الصوفية التي تدخل عالم التدوين والتسطير، هو أنموذج يزداد انتشارًا منذ الربع الأخير من القرن العشرين: فنجد مثلًا في لبنان وسوريا ومصر وصولًا إلى المغرب العربي سربًا من النسوة المنتسبات إلى طرق صوفية وقد أمسكن بالقلم دفاعًا عن التصوف والطرق الصوفية. كما نجد سربًا آخر من النسوة المسلمات، الموجودات على أطوال العالم العربي في الأردن والعراق وسوريا ولبنان ومصر والسودان وصولًا إلى المغرب العربي، نسوة متعاطفات مع الفكر الصوفي وقد انجذبْن إلى مدونات كبار الصوفية فانكببْن عليها بحثًا وتحقيقًا وتأليفًا ونشرًا. ولا ننسى سربًا من النسوة الغربيات، المسلمات وغير المسلمات، العربيات والمستشرقات، وجدن أن التصوف الإسلامي هو جزء حيوي وضروري من الثقافة الإنسانية الكونية، ويمتلك مقومات خطاب إسلامي يفهمه الآخر ويتواصل معه، لذلك اجتهدن في ميدان البحث التعريفي وأيضًا الترجمات، وهن عديدات في العالم الغربي وبخاصة في ألمانيا وفرنسا وإنجلترا والولايات المتحدة واليابان.

رابعًا– امرأة على رأس طريقة صوفية

(السيدة زينب القاسمية، 1850م– 1904م).

وهي سيدة صوفية قارئة عالمة، تولّت مشيخة الزاوية التي أنشأها والدها الشيخ محمد بن أبي القاسم (ت: 1897م)؛ مؤسس «الطريقة الرحمانية» ومنشئ زاوية «الهامل» ببو سعادة– الجزائر. كانت السيدة زينب (أو لالا زينب كما هي معروفة)، ابنة وحيدة لوالدها. ويبدو أنه توسَّم فيها أهلية رُوحية؛ فاعتنى بتنشئتها؛ فحفظت القرآن الكريم وقرأت التفاسير وتفقهت في الدين، وحفظت الأحاديث النبوية الشريفة، وسمعت من والدها شروح الصحيحين، وغيرها من كتب التوحيد والفقه والتصوف. كان الوالد يناقش ابنته في العلم ويطلعها على أعماله وما يجري خارج «الزاوية» من أحداث وعلاقات. وعندما ظهر له سداد رأيها وصفاء نفسها، كلّفها بحفظ سجلات أملاك الزاوية، وكتب عام 1877م وصية موثّقة تضع كل أملاكه تحت تصرفها على شكل حَبْس عائلي.

وعندما توفي الوالد شيخ الطريقة الرحمانية، تولّت السيدة زينب مباشرة قيادة جمعها الصوفي علميًّا ورُوحيًّا. وأكملت خطى والدها وكانت عارفة بمشروعه الصوفي الحضاري. فازدادت الطريقة انتشارًا في زمانها، وكان يؤمُّها المريدون من كل حدب وصوب.

وهذا الأنموذج للمرأة الصوفية القيادية، وإن كان موجودًا في نهايات القرن التاسع عشر إلا أنه بدأ بالانتشار في القرن الحادي والعشرين، وبخاصة في الولايات المتحدة الأميركية التي شهدت هجرات صوفية من أنحاء العالم، ونشأ على إثرها مجموعات صوفية صغيرة تضم مسلمين أميركيين ومهاجرين معًا من الجنسين، أو ظهرت فروع نشطة لطرق صوفية يعيش شيخها خارج الولايات المتحدة.. وفي كلتا الحالتين، فالقيادة في العديد منها للمرأة الصوفية.

وختامًا نقول: من المهم أن نعرف أن الإنسان الصوفي (أي الرجل) يتعامل مع المرأة، أي الآخر الصوفي أو الحياتي، على قاعدتين هما:

أولًا- قاعدة المساواة في الجوهر الإنساني بين الرجل والمرأة: إن الصوفي عندما يقع نظره على فتاة صوفية أو على امرأة صوفية، فإنه لا ينحجب بالجنس عن الحقيقة الإنسانية. ويرى جُلُّهم –ومنهم محيي الدين بن عربي في كتابه الفتوحات المكية– أن حقيقة الإنسانية تجمع الذكر والأنثى، وأن الذكورة والأنوثة فيها عَرَضان وليستا من حقائق الإنسانية. وهذا يعني المساواة التامة بين الرجل والمرأة في التكريم الخاص بالجنس البشري، وفي كل خطاب موجّه للإنسان يرتب حقًّا من حقوقه أو يحمّله مسؤولية من المسؤوليات.

ثانيًا- قاعدة المساواة في الأهلية الروحية بين الرجل والمرأة: إن العالِم الصوفي يصرح في مناسبات عديدة، أن جميع المقامات الروحية متاحة للمرأة تمامًا كما هي متاحة للرجل. ومن هنا، فقد تصل المرأة إلى «رتبة القطبية»، وهي أعلى منزلة روحية ولا تكون في الزمان الواحد إلا لشخص واحد، وهي بمنزلة الخلافة في «الدولة الروحية».. يقول ابن عربي: «كل ما يصحُّ أن يناله الرجل من المقامات والمراتب والصفات يمكن أن يكون لمن شاء الله من النساء». ونورد قصة يرفع فيها الصوفي الشهير ذو النون المصري امرأةً صوفيةً إلى مقام «الأستاذية». وهذا الاعتراف من الصوفي هو محض إنصاف، وهو دلالة على مكانةٍ لا تُنكَر للمرأة الصوفية.. تذكر الكتب أن السيدة فاطمة النيسابورية بعثت مرة إلى ذي النون المصري برِفْق (معونة) فردّه وقال: في قبول أرفاق النسوان مَذَلَّةٌ ونُقْصان. فقالت فاطمة: ليس في الدنيا صوفي أخسّ ممن يرى السبب.. ونستمع إلى شهادته فيها يقول: «ما رأيتُ أحدًا أجلّ من امرأة رأيتها بمكّة، يقال لها: فاطمة النيسابورية، كانت تتكلم في فهم القرآن، وهي وَلِيَّة من أولياء الله عز وجل، وهي أستاذي».


إسهام المفكرة – الباحثة العربية في الفكر العربي المعاصر

ناجية الوريمي – أكاديمية وباحثة تونسية | مارس 1, 2020 | الملف

«إسهام الباحثة-المفكرة العربية في الفكر العربي المعاصر»، ليس مجرّد عنوان لهذا البحث وتوضيحًا لإشكاليّته، بل هو شهادة على دخول الفكر العربي المعاصر منذ مطلع هذه الألفيّة في مرحلة جديدة تختلف عن المراحل السابقة التي كان فيها الشأن الفكريّ شأنًا رجاليًّا بامتياز، والتي كانت فيها مساهمة المرأة في الإنتاج المعرفي لا تكاد تتعدّى الإبداع الأدبي شعرًا ونثرًا. فأن يكون الإنتاج الفكري للمرأة موضوعًا للبحث، معناه أنّه تنامى كمّيًّا -ونوعيًّا أيضًا- بشكل أصبح فيه موضوعًا للدرس والتقييم. وما يمكن أن نقوله في شأنه بدءًا هو أنّه سمح بتجاوز الاختزال التقليديّ لإبداع المرأة في الأدب والنقد -حيث تظهر شاعرةً أو روائيّةً أو ناقدةً- ليُبِين عن «إبداعها» في المجال الفكريّ.

زهية بن جويرو

في هذا المجال تظهر الباحثة ذاتًا مفكّرةً تضطلع بدور المثقّف الذي يتبنّى قضايا مجتمعه ويساهم في تحليلها وإعادة النظر فيها بتفكيك المسلّمات المتكلّسة وصياغة تصوّرات جديدة تتفاعل مع المكتسبات القيميّة المعاصرة ولا تقطع مع الخالد من القيم الماضية. وعلى الرغم مما نلمسه من تصاعد الإنتاج الفكري «للمثقّفة» العربيّة وتنوّعه، فإنّنا لا نجد دراسات مخصّصة له تقييمًا وإثراءً، على غرار ما حظي به إنتاجها الأدبي(30). فالمكتبة العربيّة اليوم تزخر بالدراسات التي تناولت إسهام المرأة المبدعة في القصّة والشعر والرواية والسيرة الذاتيّة وغيرها، التي تناولت أيضًا إسهامها في النقد الأدبي. ونحن نشيد بهذه الدراسات؛ لأنّ الفضاء الإبداعي عمومًا يكتسي، علاوة على أهمّيّته الروحيّة الجماليّة، أهمّيّة قِيَميّة اجتماعيّة بوصفه الحاضنة التي تتشكّل فيها القيم الجديدة- قيم التغيير نحو الأفضل. لكنّنا نلفت الانتباه إلى أهمّيّة التعامل النقدي مع كتابات المرأة الفكريّة، تحليلًا وتقييمًا؛ لأنّنا نفترض خصوصيّةً معيّنةً لما تنتجه هذه الذات المفكّرة التي تتحمّل أكثر من غيرها تبعات الفشل العربي في التحديث والنهضة(31).

أن تكون المرأة إذن مفكّرة تتفاعل مع قضايا مجتمعها تحليلًا وتفكيكًا وبلورةَ بديل، فاعلٌ جديد نقدّر أنّه مؤهّل لأدوار نقديّة تكشف عن طبيعة الأفكار والمسلّمات التي تعمل على تأبيد علاقات اللاتكافؤ بين مكوّنات المجتمع، والتي تحول دون إحداث تغييرات جدّيّة في اتّجاه التوافق مع منظومة القيم المعاصرة. وكان متوقّعًا أن ينتصر هذا الفاعلُ الجديد لتغيير الوضع السائد وينادي بإطلاق قوى التغيير والتحرير الكامنة في المجتمع. وجاءت مساهمة المرأة –وفق تقديرنا- إثراءً للفكر العربي، ودعمًا للبعد النقديّ فيه، بفضل ما تحتوي عليه من وجهات نظر ومواقف جريئة أحيانًا، وباعثة على انطلاق حوارات تُنضج الاختيارات الكبرى التي يمكن أن يسير فيها المجتمع العربي.

وبحثنا هذا ملتزم بحدود معلومة، لا يدّعي الشموليّةَ ولا يعِد بها، وسنركّز من خلاله في نموذج يمكن أن يكون منطلقًا للدراسة والمقارنة ببقيّة النماذج العربيّة لاحقًا، وهو النموذج التونسيّ. وما دعانا إلى هذا التركيز أنّ الكتابات التي سندرسها، متقاربةٌ في المنهج وفي الرؤية النقديّة إلى درجة حوّلتها إلى ظاهرة فكريّة، وأنّ صاحباتها مجموعة من الباحثات أخذن بناصية المعرفة الحديثة ووعيْن الإشكاليّات الفكريّة التي تطرحها الأصوليّة الدينيّة والأيديولوجيّات السياسيّة الكلاسيكيّة. هنّ جامعيّات ينتمين إلى ذات الاختصاص وهو «الحضارة العربية الإسلامية»(32)، الاختصاص الأكاديميّ الذي يهتمّ بدراسة القضايا الفكريّة والسياسيّة والدينيّة والاجتماعيّة المميّزة للمجتمع العربي الإسلامي ماضيًا وحاضرًا، والذي يعتمد مقاربات تضع المنتج الثقافي العربي الإسلامي في سياقاته المعرفيّة والتاريخيّة، وتحلّل آليّات تفاعله معها، والوظائف التي قام بها. وعلى هذا الأساس طوّر هذا الاختصاص مناهج قراءة النصوص وتأويلها بالاستفادة ممّا أقرته علوم الإنسان والمجتمع. وجمع بين النقد البنيويّ الذي يعتني بالمقوّمات اللغويّة للنصّ وفق كيفيّة تشكيلها، والنقد التاريخيّ الذي يشرح الظروف المحيطة بإنتاج النصّ وتأثيرها في مضمونه الفكريّ. ومن شأن هذه المناهج أن تحرّر فعل القراءة والتأويل من الأحكام الماقبليّة والإكراهات الأيديولوجيّة التي تحكّمت –ولا تزال- في جانب مهمّ من الفكر العربي المعاصر، وعمّقت عجزه عن صياغة البدائل الناجعة والجامعة.

نقد المواقف التي أصبحت عقبة في طريق التقدم

جيهان عامر

أمّا القضايا التي استأثرت بالاهتمام في إنتاج المرأة الفكريّ، فهي قضايا تهمّ حاضر المجتمع العربي الإسلامي مثلما تهمّ ماضيه، إيمانًا بأنّ بناءَ مستقبل أفضل مشروطٌ بتكريس وعي تاريخيّ لا يقطع مع الماضي، ولكن، لا يرتهن به. والقاسم المشترك بين مختلف الكتابات الممثلة لهذا الإنتاج، هو نقد المواقف والرؤى التي أصبحت عقبةً في طريق التقدّم الضروريّ للمجتمع، وفي طريق إبداعه لحداثة عربيّة متفاعلة مع الحداثة الكونيّة أخْذًا وعطاءً. وسنقف أساسًا في هذه الدراسة -نظرًا إلى التزامها بالحدود التي ذكرنا- عند القضيّة الأمّ التي التقت حولها هذه الكتابات، وهي قضيّة الاختلاف والتعدّد وكيفيّة إدارتهما. والجدير بالذكر أنّ هذه القضيّة تحتلّ مركز الصدارة في الفكر العالمي اليوم؛ لأنّها الأساس الذي يوفّر شروط الانتظام الناجع والعادل بين البشر داخل مجتمعاتهم وفيما بينها. ومساهمة المفكّرة- الباحثة العربيّة في معالجتها من شأنها أن تدعم قدرة الفكر العربي على إحداث التغيير المنشود في المجتمع. وجاءت هذه المساهمة نقديّةً رصينةً، تسائل البداهات، وتُشْرِع الأبواب على آفاق جديدة قد تساعد في إخراج الفكر العربي من الانسداد التاريخي الذي تردّى فيه.

ويلفت انتباهَ قارئ هذه الكتابات اعتناءُ الباحثات بمراجعة ما تكرّسه الدراسات التقليديّة من إعادة إنتاج للتصوّرات والمواقف المنتصرة تاريخيًّا، التي نجحت في التحوّل إلى مسلّمات لا تزال إلى اليوم تتحكّم في الوعي العربي. وتجلّت المراجعة في الكشف عمّا قامت به هذه الدراسات من حجب مزدوج للحقائق الفكريّة والتاريخيّة التي يساعد استحضارها على تجاوز مقولات التعصّب وإقصاء الآخر المختلف دينيًّا ومذهبيًّا وسياسيًّا وجندريًّا: «حجب أوّل مجاله المواضيع التي استُهلكت دراسةً وتفريعًا فتكلّست فيها المنطلقات والنتائج، بينما من الممكن تغيير المنطلق لاكتشاف أوجه جديدة وطريفة فيها، وحجبٌ ثانٍ مجاله مواضيع ظلّت أبوابها موصدة، إمّا بحكم العجز المعرفيّ عن فتحها، أو بحكم المنع السلطوي من فتحها»(33). وجاءت مختلف الكتابات مقرّةً بالحقّ في الاختلاف عقديًّا وفكريًّا وسياسيًّا، موضّحةً الشروط اللازمة لممارسة هذا الحقّ. وكان لها دور كبير في تفكيك المواقف التي وظّفت النصوص الدينيّة، لتفرض أحاديّة في الفهم والتصوّر، ولتحارب التعدّد الذي تراه سببًا للفساد و«للفتنة». فتقضي بذلك على شروط الاعتراف المتبادل بين المختلفين، التي لا غنى عنها في إنجاح العيش المشترك. وقد تناولت الكتابات مستويات عديدة من الاختلاف: الاختلاف الفكري، والاختلاف السياسيّ، والاختلاف الجندري، والاختلاف التشريعيّ.

اعتنى قسم من هذه الكتابات بدراسة الاختلاف الفكريّ الذي وسم الثقافة العربيّة الإسلاميّة في المرحلة التأسيسيّة، والذي يعطي صورة عن طرافة الاختيارات التي أبدعها الفكر العربي الإسلامي في مرحلة التأسيس. وكشف من خلال التنبيه إلى المهمّش من المواقف في مواضيع حظيت بالاهتمام ماضيًا وحاضرًا، عن أنّ ما يُحجب من الأفكار ويصادَر لأسباب سلطويّة، قد يكون من الناحية المعرفيّة أهمّ وأنجع لخير الإنسان والمجتمع. من ذلك أنّ ما ساد من فكر خرافيّ لا عقلانيّ في تمثّل تاريخ الإسلام، حجب فكرًا آخر قريبًا من الواقعيّة والمعقوليّة(34). ومن ذلك أيضًا أنّ ما ساد من فهم تشريعيّ حرفيّ للنصّ القرآني، غطّى على فهم آخر مغاير، قوامه التمثّل المقاصدي الذي يأخذ في الحسبان التطوّر التاريخي للمجتمع(35). وتُعَدّ المشاركة البارزة للباحثات في مشروع العمل الجماعي المخصّص لتجليّات فهم الإسلام تاريخيًّا -وهو «الإسلام واحدًا ومتعدّدًا»- مظهرًا من مظاهر اهتمامهنّ بقضايا التعدّد الفكري، وبخاصّة ضرورة تجاوز الوعي المذهبي والطائفيّ الضيّق(36). وعمومًا، أبرز هذا الضرب من الكتابات أنّ وراء الرأي «الرسميّ» المنتصر، آراءً أخرى لا تقلّ عنه أهمّيّة معرفيّة. وأثبت أنّ الاختلاف في المواقف والرؤى كان دائمًا ضامنًا للحيويّة ومصدرًا للإضافة ولإبداع الجديد، في حين كان التشابه -الناتج عن فرض الاختيار الواحد واللون الواحد- مصدرًا لتآلف باهت ومميت، وهو التآلف الذي غلب على مراحل مهمّة من تاريخ الحضارة العربيّة الإسلاميّة وأفقدها أسباب حيويّتها وتقدّمها(37). ولا تزال مخلّفاته اليوم تعطّل التغيير والتحديث.

نفض الغبار عن المهمش

رجاء بن سلامة

وعلاوة على الاختلاف الفكري، حظيت مسألة الاختلاف في السياسات العربية الإسلاميّة باهتمام كتابات أخرى. وكان الهدف مراجعةَ بعض المسلّمات التي تحكم بأنّ المجتمع العربي الإسلامي لم يعرف إلّا الحكم الاستبدادي الموظّف لسلطة الدين. وأثبتت من خلال تفكيك السائد من النصوص، ونفض الغبار عن المهمّش منها، أنّ هذا المجتمع عرف أيضًا تجارب سياسيّة أقرب ما تكون إلى الحكم المدني الذي يتّبع سياسة تعدّديّة متسامحة، حَرِيّة بالاعتبار اليوم(38). ولا يرمي هذا الإثبات إلى إسقاط معايير سياسيّة معاصرة على الماضي، بل هو يرمي أوّلًا إلى الكشف عن حقيقة التعدّد في الاختيارات السياسيّة الماضية، ويرمي ثانيًا إلى إعادة الثقة في الذات العربيّة، من خلال الكشف عن مؤشّرات استعدادها للتفاعل إيجابيًّا مع مكتسبات الحداثة السياسيّة.

أمّا مسألة الاختلاف الجندري فقد مثّلت صورة من اعتناء هؤلاء الباحثات بمواضيع ما زالت تشقّ طريقها بصعوبة -ولكن بخطى ثابتة- في الثقافة العربيّة المعاصرة. والاختلاف الجندري ليس مسألة جزئيّة تتعلّق بحقوق المرأة وبعلاقتها بالرجل، بل هي باب مُشرَع على دراسة مختلف القضايا النظريّة والعمليّة التي تتعلّق بالتنظيم الاجتماعي. إنّها منطلق «للبحث في طريقة تشكّل السلطة: سلطة المعرفة، وسلطة الثقافة، وسلطة الجماعة، وسلطة النظام»، ومنطلق أيضًا «لتحليل الأنساق والبنى للوقوف على طرق التبادل والتفاعل بين الأفراد»(39). ولئن كان مدار البحث فيها الكشف عن مظاهر التمييز التفاضلي بين المرأة والرجل في المجتمع العربي الإسلامي: طقوسًا، وهيئة، وسلوكًا ومنظومة قيميّة، فإنّ الدراسات تجاوزت ذلك إلى البحث في الأسباب الطبيعيّة والدينيّة التي يعتمدها الفكر السلطويّ لتبرير ذلك التمييز وتلك الفوارق: «إنّ مفهوم الاختلاف يحيل إلى حركة توليد الفوارق وإنتاج الامتيازات. وأرجع العلماء […] هذا الاختلاف إلى البدء وبحثوا له عن أصل وجعلوا له علّة إلهيّة وحكمة. وأوجد آخرون للاختلاف أصلًا في الفطرة والطبيعة فكان في نظرهم، بمنزلة الإرث البيولوجي المتوارث جيلًا بعد جيل»(40). وكانت الغاية التي ترمي إليها هذه الدراسات هي تشريع التعدّد والتنوّع في مختلف مستوياته: «إنّ الجنس (أنثى/ ذكر) لا يبرّر التفوّق الاجتماعي ولا التهميش ولا الهيمنة. فاختلاف موقع كلّ من المرأة والرجل أو العرق أو اللون أو الدين أو الطبقة، لا يشرّع لقيام نظام تراتبي تمييزيّ»(41). وكان هذا التشريع مشروطًا بتفكيك أسس الهيمنة التي تصدر عنها آليّات التفكير السائدة، فنحن: «لا نعرف الآخر إلّا من خلال الصورة التي نسجناها له وركّبناها له في أذهاننا حتّى بات غير ما هو عليه في الواقع وبذلك خلقنا مسافة بيننا وبينه. فكيف يمكن للرجل أن يعترف بغيريّة المرأة، وكيف يمكن للمسلم أن يقرّ بغيريّة غير المسلم، والأمر بالمثل بالنسبة إلى علاقة المختلفين بعضهم ببعض؟»(42).

دراسة القضية التشريعية في بعدها الاجتماعي

ألفة يوسف

وإذا ما نظرنا إلى التوزيع العددي لكتابات هؤلاء الباحثات من حيث المواضيع، سنجد أنّ أكثرها مخصّص لدراسة القضيّة التشريعيّة في بعدها الاجتماعي. فقد درست هذه الكتابات الاختلاف بين المنظومات الفقهيّة القديمة، باحثة في مرجعيّاتها وفي وظائفها. ودرست كذلك علاقة الآراء الفقهيّة السائدة بشروط تحديث المجتمع العربي اليوم. وبيّنت كيف أنّ هذه الآراء التي نشأت في الماضي استجابةً لظروف تاريخيّة معيّنة، انقطعت علاقتها بهذه الظروف، وأصبحت تكتسي نوعًا من التعميم والإطلاق جعلها تلتبس بالنصوص الدينيّة التأسيسيّة وتتمتّع بسلطتها وباستمراريّتها. فكانت المناداة بضرورة التجديد وتحديث التشريع في المجتمع. وظهرت في هذا الصدد عناوين عديدة، نذكر من بينها تمثيلًا وليس حصرًا: «الوأد الجديد»(43)، و«مؤسّسة الإفتاء بين سياج المذهب وإكراهات التّاريخ»(44)، و«القصاص في النّصوص المقدسة: قراءة تاريخية»(45)، و«تاريخيّة التفسير القرآني: قضايا الأسرة واختلاف التفاسير: النكاح والطلاق والرضاعة والمواريث»(46)، و«نقد الثوابت: آراء في العنف والتمييز والمصادرة»(47)، و«حريّة المعتقد في الإسلام»(48)، و«حيرة مسلمة»(49)، وغيرها.. وما فتئ عدد هذه الكتب يتزايد مساهِمًا في تطوير الجدل الدائر حول تحديث التشريع الاجتماعي في المجتمع العربي.

إنّ الكتابات الفكريّة النسائيّة -ما ذكرتُ منها وما لم أذكر- اختارت أن ترتاد طريقًا وعرة، تحفّ بها ردود الأفعال المتشنّجة الصادرة من عقول رافضة للحوار وللتجديد. ولئن كان بإمكانكَ ومن حقّكَ أن تختلف معها في أطروحاتها ومقترحاتها، فإنّك لا تستطيع فكاكًا من أصداء أسئلتها التي تظلّ تتردّد في وعيك. ولا تستطيع أيضًا أن تخالفها في هدفها السامي، وهو دراسة الشروط الكفيلة بتعميق الثقة في الذات، وبالتفاعل إيجابيًّا مع القيم الإنسانيّة الكونيّة: قيم الحريّة، والمسؤولية الفرديّة، والحقّ في الاختلاف، والمساواة، والعدالة، والديمقراطيّة.. لقد آمنت صاحبات هذه الكتابات بأنّ الطريق إلى نشر هذه القيم وإدخالها في ضمائر العرب والمسلمين، هي حثّهم على الانخراط في تفكير حرّ ومسؤول، يخلّصهم من الوصاية الفكريّة على عقولهم.


هوامش:

(30) قائمة هذه الدراسات غير محدودة، نكتفي بالإحالة على نماذج منها: محمود طرشونة، «الرواية النسائية في تونس»، تونس، مركز النشر الجامعي، 2003م؛ بوشوشة بن جمعة، «الرواية النسائية المغارية»، المغارية للطباعة والنشر والإشهار، تونس، 2003م؛ نزيه أبونضال، «تمرّد الأنثى في رواية المرأة العربيّة وبيليوغرافيّة الرواية النسويّة العربيّة (1885- 2004م)»، المؤسسة العربيّة للدراسات والنشر، 2004م؛ حسين المناصرة، «النسويّة في الثقافة والإبداع»، الأردن، عالم الكتب الحديث، 2007م؛ محمد معتصم، «بناء الحكاية والشخصيّة في الخطاب الروائيّ النسائيّ العربي»، الرباط، منشورات دار الأمان، 2007م؛ نعيمة هدى المدغري، «النقد النسوي: حوار المساواة في الفكر والأدب»، منشورات فكر دراسات وأبحاث، الرباط، المغرب، 2009م؛ فاطمة حسين العفيف، «الشعر النسوي المعاصر: نازك الملائكة، وسعاد الصباح ونبيلة الخطيب»، عالم الكتب الحديث، إربد، الأردن، 2011م.

(31) لا تزال المرأة العربيّة تعيش وضع الضيم في بيئتها الاجتماعيّة والثقافيّة المحكومة بعلاقات الهيمنة التقليديّة. فقد ظلّت خارج دائرة الأطراف المهيمنة التي يعرّفها «بورديو» بكونها مجموع الفواعل الذين يشغلون عمليًّا مواقع التحكّم في كلّ مجال، من حيث كيفيّة عمله ومن حيث نظام الوسائل المعتمدة في إعادة إنتاجه. انظر:

Bourdieu Pierre, “Champ du pouvoir et division du travail de domination. in, Actes de la recherche en sciences sociales, 2011/5 (n° 190), p. 126-139.

(32) يجدر بالذكر أنّ الجامعة التونسيّة التي أولت هذا الاختصاص ما يستحقّ من الأهمية في إطار اللغة والآداب العربيّة، كان لها فضل في بلورة هذا الاتّجاه، وكان للأستاذ عبد المجيد الشرفي –خاصّة- دور واضح في تأطير باحثين وباحثات أثروا المكتبة العربيّة بإصداراتهم.

(33) ناجية الوريمي، «في الائتلاف والاختلاف: ثنائيّة السائد والمهمّش في الفكر الإسلامي القديم»، بيروت- دمشق، دار المدى، 2004م، ص ص 11- 12.

(34) المرجع نفسه، ص ص 25- 108.

(35) المرجع نفسه، ص ص 109- 214.

(36) أشرف على المشروع الدكتور عبدالمجيد الشرفي، وساهم فيه باحثون وباحثات من تونس، وصدر عن دار الطليعة ببيروت. وفيما يلي أسماء الباحثات وعناوين كتبهنّ: آمال قرامي، «الإسلام الآسيوي» (2006م)؛ ناجية الوريمي، «الإسلام الخارجي» (2006م)؛ زهية جويرو، «الإسلام الشعبي» (2007م)؛ بلقيس الرزيقي، «الإسلام في المدينة» (2007م)؛ سهام الدبابي، «إسلام الساسة» (2008م)؛ جيهان عامر، «إسلام المصلحين» (2008م).

(37) يمكن العودة إلى كتاب «حفريّات في الخطاب الخلدوني: الأصول السلفيّة ووهم الحداثة العربيّة»، لناجية الوريمي، المركز الثقافي العربي، 2015م.

(38) ناجية الوريمي، «الاختلاف وسياسة التسامح»، المركز الثقافي العربي، مؤمنون بلا حدود، 2015م.

(39) آمال قرامي، «الاختلاف في الثقافة العربيّة الإسلاميّة: دراسة جندريّة»، بيروت، دار المدار الإسلامي، 2007م، ص 10.

(40) المرجع نفسه، ص 935. ويمكن العودة أيضًا إلى: ناجية الوريمي، «زعامة المرأة في الإسلام المبكّر بين الخطاب العالم والخطاب الشعبي»، تونس، دار الجنوب، 2016م.

(41) آمال قرامي، «الاختلاف في الثقافة العربيّة الإسلاميّة»، ص 937.

(42) المرجع نفسه، ص ص 935- 936.

(43) زهيّة جويرو، «الوأد الجديد: مقالات في الفتوى وفقه النساء»، دار مسكلياني للنشر، 2014م.

(44) زهية جويرو، «الإفتاء بين سياج المذهب وإكراهات التاريخ، دراسة في فتاوى ابن رشد الجد»، بيروت، دار الطليعة، 2014م.

(45) زهية جويرو، «القصاص في النصوص المقدسة»، قراءة تاريخية، دار المعرفة للنشر، 2007م.

(46) نائلة السليني الراضوي، المركز الثقافي العربي، 2002م.

(47) رجاء بن سلامة، بيروت، دار الطليعة، 2005م.

(48) آمال قرامي، الدار البيضاء، دار الفنك، 1997م.

(49) ألفة يوسف، سحر للنّشر، تونس 2008م.


جودة الحياة: الشروط والنتائج والإشكالات

علي محمد فخرو – كاتب بحريني | مايو 1, 2021 | الملف

كثر الحديث مؤخرًا في مجلس التعاون الخليجي عن شعار جودة الحياة كهدف من أهداف التنمية الإنسانية، وكمدخل لسعادة شعوب بلدان المجلس، ومن ثَمَّ كقيمة اجتماعية تسعى لتحقيقها شتى الإستراتيجيات التي وضعتها لمجتمعاتها بعض حكومات دول المجلس. لكن، من أجل ألا نجري وراء سراب سنحتاج للاتفاق على تعريف الشعار، وشروط تحققه، والنتائج المتوقعة الحدوث عند الوصول إليه وتحققه في الواقع.

ومن البداية سنصطدم بإشكاليات المعاني المتعددة للكلمات. فمعنى كلمة «جودة» يختلف من شخص إلى شخص، ومعنى كلمة «الحياة» يختلف من مدرسة فلسفية أو دين أو عرف في مجتمع إلى مدرسة أو دين أو عرف في مجتمع آخر. وعند ذاك ندخل في عوالم شعارات الغموض والتكهنات التي إن وجدت تفسد ممارسة السياسة والاقتصاد والاجتماع.

ولن يكون بمستغرب أن يختلط الأمر على بعضهم فلا يفرقون بين تعبير جودة الحياة وبين حياة الفراغ والرفاهية (LEISURE LIFE)، فالحياة الثانية لها خلفية تاريخية ارتبطت بطبقات النفوذ والغنى والجاه، وبالاستهلاك المادي والمعنوي النهم، وبالذاتية المنغلقة على نفسها والمعنية بحاجاتها وطلباتها الأنانية.

تعريف جودة الحياة

لو أننا أخذنا التعريف المبسط لما كان أكثر من مدى الحالة الصحية التي يتمتع بها الفرد، ومقدار الراحة والطمأنينة في حياته، ومدى مشاركته في متع الحياة. هذا تعريف طبي ونفسي لا يكفي لجعل جودة الحياة هدفًا في إستراتيجيات التنمية الشاملة. الأقرب إلى التعريف الشامل هو توافر الجوانب الضرورية الآتية للفرد: خدمات صحية من دون عوائق مالية أو جغرافية، الحصول على حد أدنى من التعليم الميسر لعيش الحياة بكفاءة وإنتاج وإبداع ومتعة، حياة اقتصادية معقولة من خلال وظيفة ومتعة، حياة اقتصادية من خلال وظيفة أو عمل شخصي يؤمنان دخلًا كافيًا للضرورات المعيشية من غذاء ولباس وسكن، وجود علاقات عائلية واجتماعية وصحية وسعيدة، حياة آمنة، وبيئة طبيعية نظيفة، ودولة تحفظ له حقوقه الإنسانية والدستورية والقانونية من خلال المواطنة المتساوية في الحقوق والمسؤوليات. هناك ضرورة للتوازن بين المادي والمعنوي.

نحن هنا نبتعد من قصر الموضوع على الاقتصاد فقط وذلك بقول بعضهم: إن جودة الحياة في المجتمعات تعرف بحجم الدخل القومي الكلي، من دون الانتباه إلى عدالة توزيع ذلك الدخل وأولويات صرفه، وبخاصة صرفه على مختلف خدمات الأمن الاجتماعي.

الشروط المطلوبة

إن مراجعة لما استطاعت أن تحققه في هذا المضمار الدول المتقدمة تبين أن الوصول إلى تحقيق كل المكونات الأساسية السابق ذكرها هو نادر الحدوث، نظرًا لعدم توافر كل الشروط الضرورية المطلوبة في آن واحد. أول الشروط هو وجود مؤسسات تؤمن بفكرة وممارسة دولة الرعاية الاجتماعية. وهي فكرة التزمت بها كثير من دول العالم المتقدم بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. ولكنها بدأت تهجرها منذ بدايات ثمانينيات القرن الماضي بسبب صعود أيديولوجية النيوليبرالية العولمية الرأسمالية، المنادية بتخلي الحكومات عن الالتزام الأخلاقي والدستوري الحقوقي بتوفير الخدمات الاجتماعية (وعلى الأخص في حقول الصحة والتربية والسكن والعمل) لكل المواطنين.

وبالطبع، وكنتيجة لذلك التخلي سيجري الانتقال إلى خصخصة تلك الخدمات وجعلها من مسؤوليات الشركات والجماعات والأفراد المتنافسين في أسواق القطاع الخاص. وهذا بدوره سيقود إلى توافر متطلبات جودة الحياة فقط لمن يستطيع أن يشتري ويدفع أو يستدين ويعيش جنون ملابسات عالم الديون وأزماته. وسيدفع الفقراء الثمن.

والسؤال: هل حكومات دول مجلس التعاون، التي تبنت كلها الفلسفة النيوليبرالية تلك وسارت أشوطًا في طريق تطبيقها، على استعداد أن تراجع نفسها وتعود إلى فكرة دولة الرعاية الاجتماعية التي تميزت بها منذ بضعة عقود؟ إن لم يكن جواب السؤال بالإيجاب فإننا نتكلم عن سراب جودة حياة، أو في أحسن الأحوال عن الوصول إلى أجزاء من مكونات جودة الحياة.

الجواب أيضًا ستكون له تبعات مالية في المدى القريب واقتصادية في المدى البعيد. فإجابات السياسة تتبعها إجابات الاقتصاد كما سنرى.

والإجابات عن التساؤلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الكبرى، التي ستمس كل جوانب حياة الأفراد والجماعات والمجتمعات، يجب ألا تقتصر على رجالات الحكم والنفوذ. إنها يجب أن تكون حصيلة نقاشات مجتمعية واسعة واستفتاءات بشفافية تامة. وهذا ينطبق على كل الأسئلة التي نطرحها في هذه الورقة؛ ذلك أن تاريخ مجتمعات الخليج الحديث، منذ ظهور البترول، وما بناه من عادات وتوقعات ومن مبادلات سياسية بين نخب الحكم والمواطنين (المشار إليهم تاريخيًّا بالرعايا) سيكون في قلب تلك المناقشات التي يجب أن تكون صريحة وحرة إلى أبعد الحدود.

الشرط الثاني هو ضرورة إجراء انعطافة جذرية في الفكر الاقتصادي وممارسته في دول مجلس التعاون. فمنذ بداية تدفق الثروة البترولية هيمن الاقتصاد الريعي القائم على توزيع تلك الثروة فيما بين مكونات سكان تلك الدول في صورة وظائف حكومية برواتب مجزية، وفي شتى أنواع مساعدات الدعم الاجتماعي من مثل السكن وتوزيع أراضٍ ودعم أسعار المواد والبضائع الضرورية، وفي توفير الخدمات العامة المجانية في حقلي الصحة والتعليم، وفي إرساء مشروعات بناء البنية التحتية على العائلات التجارية المحلية.

وقد استنفدت كل تلك الثروة على دعم الميزانيات الحكومية العامة، وعلى توفير تلك الخدمات الشخصية. وعلى الرغم من مرور نحو تسعة عقود على حقبة البترول فإن الاقتصاد الريعي بقي سيد الموقف، ولم تجرِ محاولات جدية للانتقال إلى الاقتصاد الإنتاجي في السابق، ولا إلى الاقتصاد المعرفي والتقني في الوقت الحاضر.

وهكذا فشلت محاولات بناء تنمية اقتصادية وإنسانية شاملة مستمرة تؤمّن لأجيال المستقبل حقهم في جزء من هذه الثروة، وتؤمّن لبلدان مجلس التعاون مستقبلًا اقتصاديًّا واجتماعيًّا معقولًا، وذلك بعد انتهاء حقبة الثروة البترولية أو تحول العالم إلى مصادر طاقة بديلة غيرها هيدروكربونية.

إن التحول إلى الاقتصاد الإنتاجي والمعرفي سيحتاج إلى بعض التضحيات من جانب هذا الجيل، وسيحتاج إلى إصلاحات وتحولات من مثل: عدم الاعتماد على النفط كمصدر وحيد أو مهيمن للدخل، ومعالجة شجاعة للاختلالات في الميزانية العامة وتركيبة سوق العمل، ومواجهة نقاط الضعف في نظام التربية والتعليم بما فيه التعليم العالي، وإيجاد مخارج للخلل في التركيبة السكانية المليئة بالأخطار الأمنية والثقافية، واستئصال الفساد المالي والإداري، وبناء اقتصاد متنوع، ومن ثَمَّ مصادر دخل متنوعة، والتوقف عن الهدر والمحسوبية في حقل المصاريف العامة، وإعطاء أهمية قصوى للاكتفاء أو الأمن الذاتي في موضوعات الغذاء ووسائل التواصل الإلكتروني والسلاح، واستثمار كبير ومتجدد في تعليم وتدريب وتحديث القوى العاملة البشرية، وتوازن بين القطاعين الخاص والعام، ونظام ضريبي يمنع الفروق الهائلة في الدخل والمستويات المعيشية، واهتمام رسمي وأهلي بكل أنواع النشاطات الثقافية والفنية الراقية.

قد تبدو القائمة طويلة، لكنها مترابطة وضرورية لبناء تنمية حقيقية مستمرة لما بعد حقبة البترول. من دونها سنصل إلى تحقيق نوع من جودة الحياة، ولكنها ستكون مؤقتة وقصيرة الأجل، وستتآكل مع مرور الزمن ما لم يسندها ذاك الفكر الاقتصادي وتلك الإصلاحات الإدارية وتحميها قوانين ملزمة.

أما الشرط الثالث، والبالغ الأهمية، فيتعلق بمقدار ونوعية المشاركة الشعبية في توفير وتفعيل الجهد المطلوب بدءًا بحق إبداء الرأي في اتخاذ تلك القرارات وتنفيذها مباشرةً أو عبر مؤسسات وسيطة شرعية، رسمية أو مدنية. هذا يتطلب أن يَعِيَ الفرد أن مصالحه الفردية متكاملة مع المصالح المجتمعية طالما أنه هو هدف التنمية، ومن ثم يتعاون مع حكومته ومن خلالها في عملية التنفيذ برمتها.

وفي الغالب فإن عملية التعاون تلك ستكون من خلال مؤسسات مجتمع مدني ينتمي لها الفرد، وتحت مظلة علاقات ديمقراطية معقولة فيما بين الدولة ومجتمعها يحكمها دستور عقدي وقوانين عادلة وشفافية، وترتكز على حقوق ومسؤوليات تضامنية ومتفق عليها.

عند ذاك لن يكون الوصول إلى شعار جودة الحياة منحة أو مكرمة، وإنما نتيجة فكر ونشاط الدولة ومجتمعها. ومن المؤكد أن ذلك الوصول سيكون أحد أهم الدوافع ليمارس المواطن بجد واقتناع كل متطلبات ومسؤوليات المشاركة المجتمعية.

خاتمة

لا يوجد شك في أن ثروات حقبة البترول والغاز قد قادت إلى تمتع المواطنين في دول مجلس التعاون الخليجي بعدد من عناصر جودة الحياة. لكن الأوضاع السياسية والأمنية الإقليمية التي يواجهها الخليج العربي حاليًّا، والتغيرات الاقتصادية التي أوجدتها جائحة كورونا على مستوى العالم، وأوضاع البيئة الطبيعية المتدهورة التي تدفع نحو الانتقال السريع إلى طاقات متجددة غيرها هيدروكربونية… جميعها يجب أن تقنعنا بضرورة إجراء تغييرات كبرى في مجتمعات دول مجلس التعاون، إن أردنا حقًّا الوصول إلى تحقيق كل مكونات جودة الحياة لشعوبنا وأفرادنا في المستقبل، وبخاصة من خلال اقتصاد تنموي إنتاجي معرفي قادر على توليد ثروة تستطيع تسهيل الوصول إلى كل مكونات جودة الحياة.


المترو‭..‬ تحولات‭ ‬ثقافية‭ ‬في‭ ‬العمران‭ ‬والمجتمع

مشاري‭ ‬بن‭ ‬عبدالله‭ ‬النعيم – ‬مهندس‭ ‬وأكاديمي‭ ‬سعودي | مارس 1, 2017 | الملف

خلال القرن الماضي كان لوسائل النقل تأثير عميق في أنماط الحياة لسكان المدن، وربما يكون هذا التأثير قبل ذلك بكثير. وأنا هنا أقصد وسائل النقل الحديثة التي جعلت من فكرة المدينة «المتروبولية» ممكنة، ولعلّي أتوقف عند المدينة الإنجليزية في نهاية القرن التاسع عشر (1898م) عندما بدأ مفهوم «الضواحي» يتشكل، حيث ظهرت الأحياء السكنية المنفصلة عن جسد المدينة التاريخي وتبلور مفهوم «المدينة الحديقة» Garden City الذي قاده المصمم الحضري الإنجليزي «هوارد» Sir Ebenezer Howard، فقد كانت تلك الفترة مفصلًا مهمًّا في عمران المدن ومجتمعها المعاصر.

لقد كان الهدف هو خلق بيئات عمرانية هادئة وبعيدة من العمران التاريخي للمدينة المكتظ الذي لا يوفر الحياة المرتبطة بالطبيعة التي تتناسب مع الطبقة الاجتماعية الثرية، لكن تحقيق مثل هذا الحلم كان يتطلب نقلة تقنية لم تكن متاحة بشكل اقتصادي على مستوى المدينة رغم مرور عدة عقود على تطور القطار البخاري. لذلك لم يكن لهوارد أن يفكر في «المدن الحدائق» المنزوية وسط الطبيعة والمنفصلة عن العمران لولا تطور وسائل النقل خصوصًا القطار الكهربائي (الترام) الذي سمح بالانتقال السريع والمتعدد للسكان من أماكن العمل إلى أماكن السكن الجديدة وبتكاليف اقتصادية مقبولة.

إن ظهور الضواحي سمح للمدن بالتوسع الأفقي وأعطى الأراضي الخلاء قيمة كبرى، فمثلًا في مطلع القرن العشرين قام البلجيكي «البارون إمبان» Baron Empain ببناء حي مصر الجديدة «الهليوبولس» في صحراء العباسية بعيدًا من القاهرة التاريخية، وربط هذا الحي بوسط المدينة التقليدي، بدأت الفكرة عام 1904م وانتهى بناء المشروع عام 1908م، ويحكى أن الخديو عباس حلمي حاكم مصر في ذلك الوقت استغرب طلب «إمبان» شراء أرض وسط الصحراء، ولم يكن يعلم أن البارون كان متخصصًا في القطارات الكهربائية، وقد فوجئ بما حدث في المشروع عندما تم اكتماله حيث أسس إمبان شركة باسم «الشركة المصرية للقطارات الكهربائية»، وتحولت الأرض التي اشتراها بمبلغ زهيد إلى أرض باهظة الثمن.

هذان الحدثان، وبالتأكيد هناك العديد من الأمثلة التي زامنتهما، لم يكونا فقط حدثين غيَّرا مفهوم المدن وشكلها في مطلع القرن بل غيَّرا كذلك نمط الحياة في تلك المدن وأعطيا سكانها خيارات متعددة خارج الفكر التقليدي للعمران في ذلك الوقت. لقد ساهم هذا في إحداث نقلة نوعية في التحضر العمراني وظهور أنماط الحياة الحديثة التي لم تكن معروفة ومنتشرة في العديد من مناطق العالم في ذلك الوقت، ولكن بات واضحًا مع اكتشاف «الترام» واستخدامه لأغراض حضرية داخل المدن وبشكل قاطع انتهاء عصر «المدينة التقليدية» وبداية لعصر حضري مختلف في مكوناته المادية وطبيعته الاجتماعية والثقافية.

العلاقة بين التحول العمراني والتحول الاقتصادي والاجتماعي شبه أكيدة، وقد وضع علماء دراسات البيئة العمرانية السلوكية عدة احتمالات لهذه العلاقة بدأت من التأثير الحتمي للبيئة المادية في سلوك البشر لكن هذه القاعدة واجهت العديد من الانتقادات؛ لذلك تطوَّرَ توجهان: الأول احتمالية تأثير البيئة العمرانية في السلوك، والثاني إمكانية حدوث هذا التأثير. التوجه الأخير يؤكد أن هناك خيارات عمرانية أفضل من الأخرى يمكن أن توجه السلوك إيجابًا، فهل بناء مشاريع عملاقة مثل المترو يمكن أن يكون خيارًا سلوكيًّا وثقافيًّا إيجابيًّا؟ الحقيقة أن التعامل مع هذه التوجهات السلوكية في البيئة العمرانية لم يتطور إلا في بداية النصف الثاني من القرن العشرين وبالتحديد بعد عمليات الإعمار الواسعة في المدن الأوربية بعد الحرب العالمية الثانية، فقبل ذلك توسعت المدن بشكل ملحوظ خصوصًا المدن الأميركية عندما قام «فورد» Ford بتطوير السيارات الشخصية التي أدّت إلى تشتت المدينة بكل الاتجاهات، وجعلها أكثر توحشًا وأقل حساسية للحاجات الاجتماعية في سبيل تحقيق النمو الاقتصادي.

مترو الرياض والقلق الـ«جندري»

الإشكالية في الوقت الراهن تتركز حول التعقيدات الاجتماعية التي تعيشها المدن المعاصرة خصوصًا على المستوى «الجندري»، فالقلق الذي صار يحدثه التحول السريع للمدن نتيجة تعقد شبكة النقل وتزايد الحاجة لإرضاء حاجات أفراد المجتمع أثارت الكثير من المتخصصين ودفعتهم لبحث تأثير هذه الوسائل في حياة الناس وسلوكم، ففي عام 1999م، أُجريت دراسة في فيينا حول كيفية استخدام الناس في المدينة لوسائل النقل، المثير أنه تم تعبئة الاستبانة من قبل الرجال في خمس دقائق: الذهاب إلى العمل في الصباح، والعودة للمنزل ليلًا. أما النساء فلم يستطعن التوقف عن الكتابة لتعدد احتياجاتهن لوسائل النقل التي تتقاطع مع الأطفال واحتياجات المنزل. لقد أثبتت هذه الدراسة أن علاقة الرجل بالمدينة تختلف عن علاقة المرأة، وبالتالي فإن أسلوب استخدام وسائل النقل يختلف عند كل منهما، كذلك تأثيرها في أنماط حياة كل منهما. وفي دراسة أخرى عن مدينة تورونتو التي استحدثت «نظام طلب التوقف» في الباصات حتى تتمكن النساء من النزول من الحافلات بالقرب من بيوتهن في وقت متأخر من الليل. وفي «سريناغار» في كشمير، وكذلك مدينة مكسيكو خلقت عدة أماكن للحافلات وعربات المترو
للنساء فقط.

(http://www.fastcoexist.com/3066264/how-to-build-the-perfect-city/women-and-men-use-cities-very-differently)

من الواضح هنا أن لوسائل النقل تأثيرًا متباينًا في أفراد المجتمع، وأن نجاح مشاريع النقل العامة يعتمد بشكل أساسي على ملاءمتها ظروف المجتمع والاحتياجات الخاصة لأفراده، خصوصًا النساء، وهو ما يقودنا إلى «مترو الرياض» وتأثيره العميق في نمط الحياة في المدينة، وكيف سيعيد صياغة ثقافة الأسرة السعودية ومن يقيم في الرياض. فهل المترو بصورته الحالية صُمّم للتفاعل مع احتياجات الأسرة وخصوصًا المرأة؟ وهل تم التفكير في هذه الاحتياجات مسبقًا؟

الإجابة عن هذه التساؤلات قد تجعلني أضع بعض الاستشرافات المستقبلية حول التأثير الثقافي المحتمل لهذا المشروع الحضري. في حديث خاص مع المدير الإقليمي للبنك الدولي في الرياض الدكتور فؤاد ملكاوي قال لي: إنه من الضروري إعادة التفكير في مترو الرياض من الناحية الاقتصادية، وبالتالي من الناحية الاجتماعية. يرى الدكتور ملكاوي أنه من المهم الحدّ من توسع المدينة أفقيًّا خارج النقاط الرئيسة للمترو، ويجب أن يكون تركيز السكان والنشاطات الاجتماعية والاقتصادية على نقط المترو حتى يحقق النجاح الاقتصادي ويكون فعالًا. بالنسبة لي كان اهتمامي هو تأثير هذا التركيز السكاني والخدماتي في الثقافة المجتمعية، وكيف سيؤدي ذلك إلى ظهور أنماط حياة جديدة ستقوم على مفاصل المترو الحضرية وحولها؟ وهل نحن أمام خارطة ذهنية جديدة لمدينة الرياض ستنمو وتتشكل في الأذهان.

بالطبع تم الأخذ في الاعتبار منذ البداية وجود عربات خاصة بالنساء وأخرى للرجال، ورغم أنني أشكك في جدوى هذه الخطوة من الناحية العملية، خصوصًا في مجتمع حديث عهد بالمترو، فإنه يبدو أن هذا الأمر يعدّ من مقتضيات الثقافة السائدة في المملكة، وبالتالي يجب أن تكون جزءًا من المشروع، وأحد مقتضيات مبرراته ثقافيًّا. لقد تحدثت إلى المهندس إبراهيم السلطان (أمين منطقة الرياض ورئيس مركز المشاريع بالهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض المسؤولة عن مشروع المترو) حول رأيي في تخصيص عربات للنساء في مترو الرياض، وهل سيشجع هذا أفراد الأسرة السعودية على استخدام المترو في حركتهم اليومية داخل المدينة، وأكَّد لي أنه لا يمكن الجزم بهذا الأمر إلا بعد تشغيل المترو فعلًا، لكن الدراسات التي قامت بها الهيئة أكدت على أهمية هذا الفصل.

هل ستستخدم المرأة السعودية المترو؟

لذلك فإن السؤال المهم الذي يثيره كثير من المهتمين يظل قائمًا: هل ستستخدم المرأة السعودية المترو؟ ولعل هذا السؤال نفسه هو الذي أخّر كثيرًا من مشاريع النقل العام في مدن المملكة، فهناك علامة استفهام كبيرة حول جدوى مثل هذه المشاريع، لكن في نهاية الأمر ومع تزايد الضغوط العمرانية وازدحام طرقات المدينة رضخت الرياض للأمر الواقع، وتبنت مشروعًا عملاقًا للنقل العام، ستصل تكاليفه نحو 80 مليار ريال سعودي (قرابة 21 مليار دولار أميركي)، رغم أن كثيرًا من الدراسات تؤكد أن مثل هذه المشاريع لا تحقق أرباحًا مباشرة، وفي حالة فاعلية المشروع، وإقبال السكان عليه يمكن ألّا يكون مصدر إنفاق، لكن المكاسب غير المنظورة التي سيحققها المشروع لا يمكن إحصاؤها سواء على مستوى النشاط الاقتصادي أو تقليل التوتر المروري، وبالتالي الاحتقان الاجتماعي داخل مدينة الرياض.

ورغم أن التساؤل عن مدى وجود الرغبة لدى المرأة السعودية في استخدام المترو سيظل قائمًا، على الأقل حتى مرور فترة من تشغيل المترو، إلا أن التأثير الثقافي في أفراد المجتمع السعودي الذي سيتركه المترو متوقعًا، على الأقل من حيث إحداث التحول في البنية الاقتصادية للأسرة، فمن المتوقع أن يكون هناك استغناء عن عدد لا يستهان به من السائقين الخاصين، وستمتلك المرأة جرأة أكبر على الحركة بمفردها لتصبح قادرة على اكتشاف المدينة بشكل مختلف عن السابق. لقد كتبت قبل أكثر من 10 سنوات مقالًا بعنوان «جندرية المدينة» أكّدت فيه أن الرياض بشكل خاص والمدن السعودية بشكل عام هي بيئات «ذكورية» تهمّش المرأة وتستبعدها من الفضاء العام. («المرأة والمدينة: هل هناك هوية جندرية للعمارة»، مجلة البناء، السنة الخامسة والعشرون، العدد 178، جمادى الأولى 1426هـ/ يوليو 2005م) وخلال الفترة من كتابة المقال حتى اليوم حدثت تحولات كبيرة داخل مدينة الرياض، جسرت الهوة بين ذكورية المدينة وأنثويتها، لكنها تحوّلات ليست بالقدر الذي يسمح للمرأة بأن تضاهي الرجل في الفضاء العام.

هذا هو ما ذكرته للزميل المهندس محمد المحمود وهو طالب دكتوراه موضوعه هو الرصيف والقابلية على المشي في مدينة الرياض، وخصص دراسته لشارع التحلية (الأمير محمد بن عبدالعزيز). لقد كانت ملاحظتي له أنه منذ أن بدأت فكرة تطوير ممرات المشاة في مدينة الرياض عام 2006م حتى اليوم (وكان حديثنا في آخر أسبوع من شهر ديسمبر 2016م) تركت هذه الممرات أثرًا عميقًا في ثقافة الأسرة السعودية، وجعلت المرأة أكثر ثقة في تعاملها مع الفضاء العام، رغم أن هذه الفضاءات غير عادلة حتى الآن، وتنحاز بشكل واضح للثقافة الذكورية الحضرية التي تميز المدن السعودية. في اعتقادي أن المترو سيترك مثل هذا الأثر الإيجابي في الثقافة الحضرية للمرأة السعودية، وسيغير من عاداتها الاجتماعية، وسيدفعها بشكل أكبر لتجربة المدينة دون رهبة أو تردد.

كسر العزلة الاجتماعية

لعل المسألة المهمة هي حالة المصادفة التي عادة ما تتشكل في المدن المتوازنة اجتماعيًّا، وأقصد هنا هو حدوث اللقاءات المتوقعة بين أفراد مجتمع المدينة. لا أحد ينكر أن المصادفة في الوقت الراهن غير فاعلة، ومدينة الرياض تحث على العزلة أكثر من الانفتاح على الآخر، والفضاءات العامة فيها غير حيوية، لكن المترو سيجعل من المصادفة أمرًا يوميًّا ومعيشًا ولا مناص منه. ربما يكون «كسر العزلة» الاجتماعية أول المكاسب غير المتوقعة لهذا المشروع، ولكوني مؤمنًا بأن المدن المبدعة والخلاقة هي التي يتقاطع في فضاءاتها سكانها، ويبنون الحكاية الاجتماعية العفوية التي قد تتحول إلى مشروع اقتصادي أو عمل فني أو روائي، في تنوع غير محدود ولا يمكن حصره أو توقعه لهذه الحكايات. وبالتأكيد ستكون المرأة جزءًا من هذه المصادفات والحكايات الاجتماعية التي سيتيحها استخدام المترو اليومي.

من المتوقع كذلك أن يحدث تحول على مستوى الأحياء السكنية، وأقصد هنا أنه سيكون هناك حركة للمشاة من المساكن حتى محطات المترو، وهذا يقتضي تغييرًا مهمًّا على مستوى التفاصيل المعمارية للأحياء، لا أعلم حقيقة إن كانت أُخِذت في الاعتبار. الأمر المهم هو أن هذه الحركة ستشمل النساء والأطفال؛ ما يجعل هناك ضرورة ملحّة لأن تتطور بيئة عمرانية «صديقة للنساء» وللأسرة ككل. الدراسات تؤكد أن المرأة عادة لا تتحرك وحدها في البيئة العمرانية التي قد يكون فيها «عزلة» وغالبًا ما يصحبها أحد ما؛ إما من يعمل معها في المنزل، أو أطفالها، أو حتى أصدقائها، لذلك تطوير ممرات مشاة مفتوحة ومظللة (لحماية الأطفال) يمكن مراقبتها، مع ملاءمتها حركة ذوي الاحتياجات الخاصة ستكون عاملًا مهمًّا سيشجع المرأة وكل أفراد المجتمع على استخدام المترو.

البطالة «الأنثوية» وقيود الحركة

بالطبع المترو ليس فقط للمرأة، لكنها عامل أساسي في إحداث التحول المطلوب؛ لأن العائق الأكبر الذي يواجه الحركة والتنقل داخل مدينة الرياض ويزيد الضغط المروري فيها هو «حركة المرأة» المعطَّلة، وهذه المسألة يجب أن تؤخذ في الاعتبار؛ لأنه حتى لو شكك بعضٌ في استخدام المرأة للمترو، فإنه مع الوقت سيحدث تغيير عميق في ثقافة الأسرة السعودية في المدينة، سيجعل من تحمل الأدوار والمسؤوليات الاقتصادية داخل الأسرة متكافئة، وهذا حتمًا سيؤدي إلى أن يصبح المترو وسيلة النقل الأكثر استخدامًا من المرأة وأطفالها ومعها باقي أفراد الأسرة، وسيكون هذا متزامنًا مع تزايد فرص عمل المرأة في القطاع الخاص؛ لأنه من المتوقع أنه مع زيادة حركة المرأة، ستزيد فرصها الوظيفية، وسيقلِّل هذا من ظاهرة بطالة المرأة السعودية التي تحولت في الآونة الأخيرة إلى كابوس. هذا ليس رأيًا متفائلًا، بل إنه توقع طبيعي؛ لأن البطالة «الأنثوية» ناتجة عن القيود المفروضة على حركة المرأة وتفاعلها المباشر مع المجتمع الخارجي، وبالتالي صعوبة ملاءمة الكثير من الوظائف لها.

على مستوى الذائقة المعمارية سيُحدِث المترو، الذي يمتدّ على مساحة شاسعة في مدينة الرياض، نقلةً في مفهوم العمارة لدى سكان المدينة، لعل هذه النظرة نابعة من قناعتي التامة بأن العمارة تحتاج إلى أن نعيشها ونجربها حتى نشعر بقيمتها، ولأن المترو مشروع «اجتماعي» كما أنه مشروع اقتصادي، وكون محطات المترو قام بتصميمها كبار المعماريين (مثل زها حديد في محطة مركز الملك عبدالله المالي) فإن تفاعل سكان الرياض بشكل يومي مع هذه العمارة لا بد أن يحدث داخلهم بعض الأسئلة. ورغم أن الرياض تحتوي على العديد من المباني المهمة والمميزة فإن هذه المباني غالبًا ما تكون معزولة عن الناس وحياتهم اليومية، وبالتالي فإن تأثيرها لن يكون بقدر تأثير «عمارة المترو» المتوقعة.

نحن نتحدث عن مشروع له تأثير اقتصادي مباشر وعمراني واضح للعيان، ليس فقط على مستوى الشكل، بل على مستوى استخدام الفضاء العمراني، فهو سيُحدِث تنظيمًا جديدًا يُعيد ترابط الأحياء السكنية والتجمعات التجارية والإدارية مع العصب الحركي للمترو، كما أن له تأثيرًا بصريًّا عميقًا سيشكل الصورة المتخيلة لرياض المستقبل، ليس فقط على مستوى المحطات العملاقة والمتوسطة والصغيرة للركاب، بل كذلك لجسور القطارات التي بدأت منذ الآن ترسم صورة الرياض، وتعيد تعريف أماكنها من جديد. الرياض بهذا المشروع ستصبح مدينة كونية وهي تتخطى عتبة الـ 8 ملايين نسمة، كما أنها ستقود المدن السعودية لتبنّي ثقافة اجتماعية جديدة قد تختلف كثيرًا عن الصورة النمطية المرسومة عن المجتمع السعودي.


حفل “أقرأ” الختامي: مهرجان ضخم ومتنوع حوارات وورش وتكريم غازي القصيبي بعرض فني موسيقي ولقاء للفائز بنوبل النرويجي يون فوسه

حفل “أقرأ” الختامي: مهرجان ضخم ومتنوع

حوارات وورش وتكريم غازي القصيبي بعرض فني موسيقي ولقاء للفائز بنوبل النرويجي يون فوسه

عقد من الزمن يمر اليوم، على انطلاق النسخة الأولى لمهرجان أقرأ، الذي ينظمه مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي إثراء، بالظهران، المهرجان الذي بدأ في المنطقة الشرقية في السعودية، ثم توسع ليشمل بقية المناطق السعودية، إلى أن أضحى مهرجانًا عربيًّا كبيرًا، يتقدم إليه متسابقات ومتسابقون من أنحاء العالم العربي.

وقد اختتم المهرجان، الذي تبنى شعار “أثر القراءة لا يزول”، وحضره كبار مسؤولي شركة أرامكو وعدد كبير من المثقفين والإعلاميين، من مختلف الدول العربية، دورته العاشرة، بتتويج المتسابقة الليبية نسرين أبو لويفة بلقب “قارئ العام”، بحسب لجنة التحكيم. فيما توج الجمهور الجزائرية سارة بن عمار بجائزة قارئ العام، وفازت المغربية هبة يايموت بلقب قارئ العام لأفضل نص.

  بدا حفل “أقرأ” في نسخته العاشرة بمقر “إثراء”، مهرجانًا ضخمًا استمر يومين، وجاء البرنامج الثقافي حافلًا ومتنوعًا، فشمل حوارات مع بعض الكتاب والأدباء والمترجمين، وورش عمل وتواقيع كتب لعدد من المؤلفين، ومنهم الروائية اللبنانية هدى بركات، والسعودي وائل حفظي، والمصرية شيرين أبو النجا، والفلسطيني إبراهيم نصرالله، والمترجمة يارا المصري، والشاعر ياسين عدنان، وصانع المحتوى أحمد الغندور، الشهير بالدحيح.

إضافة إلى لقاء مهم أداره المستشار الثقافي لمركز إثراء طارق الخواجي مع الفائز بجائزة نوبل العام 2023م النرويجي يون فوسه، الذي تحدث عن بداياته في الكتابة، وعن جائزة نوبل، وماذا مثلت أو تمثل له اليوم، كما تحدث عن قراءاته لمارتن هايدغر، وتطرق إلى المسرح، وتوقف عند مراحل من حياته، ولحظات في تجربته في الكتابة.

كما شهد الجمهور عرضًا شعريًّا وموسيقيًّا وفنيًّا تكريمًا لغازي القصيبي، “في مسعى لتحويل قصائد القصيبي إلى تجربة حسية حية يتفاعل معها الجمهور بصريًّا وسمعيًّا. يكون الشعر هو المحور الأساسي، وتتجمع حوله الفنون الأخرى في لوحة فنية تعبّر عن عمق نصوصه ورمزيتها وأثرها في المشهد الثقافي السعودي والعربي”.

ستة متسابقين من المغرب وتونس والجزائر وليبيا والسعودية، كانوا خلاصة مئات من المتسابقين، خاضوا تصفيات صعبة، نظرًا للعدد الكبير من القراء الذين باتوا محترفي قراءة واطلاع واسع. في حفل الافتتاح، تنافس هؤلاء المتسابقون على تقديم مراجعات للكتب، ثم في مرحلة ثانية قرؤوا نصوصًا أدبية كتبوها هم، ثم في مرحلة ثالثة وأخيرة انخرطوا في مناظرة فكرية لم تنقصها الحماسة.

وكانت لجنة التحكيم المكونة من الشاعرة والأكاديمية المصرية إيمان مرسال، والروائي الكويتي سعود السنعوسي، والباحث السعودي عبد الرحمن مرشود، قد بذلت جهدًا في النقاش وطرح الأسئلة على المتنافسين لتلمس سعة اطلاعهم ومقدرتهم على النقاش، قبل التوصل إلى نتائج مرضية.

وفاز فريق الادعاء في المناظرة، التي كانت حول موضوع الذكاء الاصطناعي وأثره في الكتابة الأدبية، وكان الفريق مكونًا من المغربي يونس البقالي والتونسي أمين شعبان والجزائرية سارة بن عمار. أما فريق المعارضة أو الضد، الذي لم يستطع، بحسب لجنة التحكيم والجمهور، تقديم مرافعة منطقية حول عدم تأثير الذكاء الاصطناعي، فتكون من الليبية نسرين أبو لويفة والسعودي عبد الإله البحراني والمغربية هبة يايموت.

وقد أدهشت الطفلة لانا الغامدي الفائزة بلقب القارئ الواعد، الجمهور بثقافتها وفصاحة لسانها.

وفي حفل أقرأ الختامي، الذي شهد فقرات غنائية للمطرب مروان خوري وكارمن توكمه جي، أعلن مدير مركز إثراء مصعب السعران في كلمة، تبني مركز “إثراء” القراءة كقضية أساسية لخمسِ سنواتٍ قادمة، وقال إن عشر سنوات خاضها مركز أقرأ من أجل القراءة، لم تكن رقمًا إنما مسيرة من الإلهام والعمل الجاد للاحتفاء بالقراءة والقراء الشباب.

النصوص الأدبية التي ألقاها المتسابقون الستة

الطنين

أمين شعبان تونسي

طنينٌ دوّى في الأجواء.

طنينٌ قاطع الارتخاء الذي كان يتنعّمُ به في سريره قبل أن يسلّم نفسه للنوم.

“بعوضة لعينة.” هكذا دمدم بينما جعل يلوح بيده في الهواء آملًا أن يبعدها، ودون أن يفتح عينيه مخافة أن يبدد رغبة النوم التي كانت تطوقه كوشاح دافئ. بعد بضع ثوانٍ توقف الصوت، دسّ يده تحت الغطاء مجددًا وعاد ليواصل التلذذ بخدره.

لقد كان يومًا متعبًا وطويلًا. كابد مشكلات عديدة في أثناء عمله بالمصنع، لم يكن مديره رحيمًا به أو بأي موظف آخر، فلطالما كانت الأولوية لإعداد طلبيات الزبائن في الوقت المحدد. تجرّع الرتابة الآسنة المطعّمة بالحرارة الخانقة. وها قد استنزفت قواه وأرهقت أعصابه وصار في أمسّ الحاجة إلى نوم ليلة هانئة يعيد شحن بطاريته. بدأ ينزلق ببطء إلى غياهب عالم اللاوعي الفاتن حيث لا هوية تثقله ولا حاجة للتبرير أو النفاق، أين يتسنى له، ولو لمدة قصيرة، أن يأخذ استراحة من كونه نفسه، وأن يغرق عميقًا عميقًا في مكان مثير يوجد بداخله لكنه لم يكتشفه بعد، سينام الليلة كما لم ينم مخلوق من قبل.

وفي ومضة الصحو الأخيرة، بمجرد أن بدأ غرقه، عاد الطنين لينتشله نحو عالم الأحياء من جديد.

“تبًّا، ها قد عادت.”

لو تأخرت بضع ثوانٍ لتمكن من أن ينام، لقد قاطعته في أسوأ توقيت وبأكثر الأساليب دناءة.

ها قد بدأ يتملكه الغضب الآن، لكن ما يزال عليه الحفاظ على نعاسه، فلا يفتح عينيه ويكتفي بأن يلوّح بيديه ويدعو أن تتمكن من إصابتها إحدى تلويحاته، لكنها هذه المرة لم تختفِ بسرعة، وأبت إلّا أن تلازمه، يحاول تتبُّع صوتها وإرسال الضربات هنا وهناك لعله يصيبها، شكّ بأنها حطّت فوق رقبته فصفعها، لكن هيهات، إصابة خاطئة، مهلًا ربما هي الآن فوق كتفه، فلطمه هو الآخر، لكن لا يزال طنينها اللئيم يدوي في الأجواء، ما بالها الحقيرة مصرّة على الاقتراب من أذنه، كأنما لتتأكد من إسماعه نشاز جناحيها. ضرب، لوّح، شتم، دون فائدة.

وصل به الغضب إلى أعلى درجاته.

وإذا به يتذكر…

تذكر إهانة مديره، تذكر الشقة الصغيرة التي يعيش فيها وحيدًا، تذكر انقطاع الكهرباء، لا أحد هنا غيره تزعجه هذه البعوضة، أو لعلها تحاول مصادقته! جفاه البشر فربما يتقبله البعوض. ثم أدرك أنه مستعد لدفع دمه مقابل الحصول على صديق.

حتى أنه غبطها بعض الشيء، فلا فواتير تنتظرها، ولا مدير يشتمها، ولا أفكار تثقلها. حسبها أن تطير وتمتص إلى أن تموت. فقد الأمل، استسلم، وبحركة سريعة أزال الغطاء من فوقه.

“إليك لحمي، إليك روحي إن رغبتِ في امتصاصها، خذي ما تشائين.”

قالها بتوسل. “احتسي هنيئًا، واتركيني لكوابيسي، فلا ذنب لك. إن كنت ستمتصين دمي، فعلى الأقل ستفعلين ذلك دون ابتسامة كاذبة، ودون وعود مؤجلة.”

فجأة، شعر بأقدامها الصغيرة تتحسس وجهه، ها قد جاءت فرصته.

انتفض، صفع خدّه بأقصى قوته. لم يسبق له أن صفع إنسانًا بتلك القوة. لا شكّ في أنه أصابها هذه المرة.

أنار الغرفة ونهض إلى المرآة، تفرّس في وجهه، آثار الصفعة حمراء ساخنة. لكنه لم يجد شيئًا، أين جسدها المهشّم؟ أين الدم الطازج الذي يسيل من بطنها المسحوقة؟

أعاد إطفاء النور ثم ارتد إلى سريره، وبمجرد أن أغمض عينيه، عاد الطنين ليدوّي من جديد.

محنة صديق عابر

سارة بن عمار جزائرية

مربكٌ هذا الرحيلُ المُتعمَّد، تحملُ أشياءك وتغادر واثقًا أنّ المرورَ من هنا عبثٌ كان يُفترضُ ألّا يحدث، ولأنّكَ لم تتعلّم اقتفاءَ أثرِ الضّوءِ، تغادرُ فارغًا، فأنت تنسى تتبُّعَ نقاط النّورِ المتتالية التي رافقتكَ طوال رحلتِك، هذه الرحلةُ التي كنتُ رفيقَك فيها منذ البدء..

مساء الخير، أنا صديقكَ الذي تسمّيه “الخطأ”، وإنني لا أطلب منك أن تكون صديقي بدورك، ذلك أمر يستحيل عليك تقبّله، فأنا الشيطان الذي تحاول تجنبه دائمًا، لكنني أطلب منك أن تصغي إليّ للحظات قليلة، ثمّ يذهبُ كلٌّ منّا لحاله، كما كنّا نفعل دائمًا، لكن تذكّر وأنت وسط هذا الذهول البادي في عينيك الغارقتين في متاهاتِ الأسئلة، أنك كنت دومًا من يعترضني، وأن بيننا صداقةً غير معلنة تشكّلت في الظّل، على يديك، مع أول قضمةٍ هبطتْ بك من الفردوس هامسةً: “هنيئًا لك إنسانيّتُك، أنا القضمةُ التي كشفتْ ضَعفكَ وأدخلتْكَ أولَ فصولِ بشريّتِكَ الغامضة”؛ وكانت المعرفةُ الأولى، لتبدَأَ سيرةُ الوقوعِِ ثمّ الارتفاعِِ التي لم تكن لتكتملَ إلا بهما معًا؛ فحين فشِل العاَلَمُ في صنعِِ لقاح لجائحةٍ سلبت حياةَ ملايين البشرِ في بداية القرن العشرين، تراجع قليلًا إلى الخلف واتضح أنّ سبب الإنفلونزا لم تكن البكتيريا كما قال العالِم والطبيب فايفر، واكتُشف “الفيروس” الذي كان مجهولًا قبل ذلك، لكن أكان الوصولُ الأخير ممكنًا لولا الفشل الأول؟ وبعد طول اعتقادٍ في أن الشمس تدور حول الأرض، أتى كيبلر ليكشف أن الكواكب كلها حول الشمس تدور، كان “كيبلر” محقًّا، لكن هل كان ليبلغ هذه الحقيقة لولا سلسلة الإخفاقات التي سبقت اكتشافَه؟ وفي لحظة انفصال عن حدود العقل، ألقى مجنون بشمس في سواد الليل.

وبالجنون ذاته، عبثَ رجل آخر بملامحِ الإنسان دون اكتراث بمنطق الوجوه، كان كلٌّ من فان جوخ وبيكاسو زلّتين لا بدّ منهما لفهم حكاية اللوحة؛ كما كانت المحافظة على الميل الذي حدث غفلةً في بناء برج بيزا فهمًا مختلفًا للجمال.. في كل هذه المحطات كنتُ حاضرًا، وغبتُ عن محطّات أخرى اختطفها العقلاءُ منّي ظنًّا أن الحكمةَ دينٌ يحرمُ التّجرّؤ عليه، ولو تجرّأت طروادة على إلهها ورفضت تقديمَ الحصانِ قربانًا له ما سقطت، ولو وافقَ الملكُ أتاهوالبا أن يأخذَ كفايتَه من الجنون وصدّق أن محاربًا صغيرًا يستطيع الإيقاع به لحذِرَ منه وما كان ضحيّتَه في النهاية. هكذا، كانت الأخطاءُ تأخذكَ ممهِّدةً دروبَ الحقيقة، فأنا أكمنُ في الصواب، والطريقُ إليه محفوفةٌ بي، أنا وهو صديقانِ، نسيرُ معًا لكن في اتجاهين مختلفين، هو يمنحُك حقيقة، أنا أمنحك أخرى، هو يؤكّدُ لك احتمالًا، وأنا أشاكسُ احتمالًا آخر، لأنّ محنةَ اليقينِ تكمن في أنه لا ينتبه، وأنا معجزتي الانتباهُ، أهديكَ الانتباه، لتنزلقَ في مهنةِ الاكتشافِ وتصنعَ الحياةَ،

فأيّ مجد في ألّا تخطئ في لفظ كلمة، لربما عثرت على معنى أجمل، وأي انتصارٍ في ألا تضيع الطريق، فلربما هداك التّيه إليكَ.

لذا، إن ارتكبتني لا تخف، وتذكّر أن تاريخك ما هو إلا حصيلةُ إخفاقات متتالية، وأن حكمتك في مساءلة الحقيقة والتخلي عن الاطمئنان إليها، وهذه المساءلة لا تتحقق إلا باحتراف الخطأ.

ما قولك الآن في صداقتي، أما زلت في نظرك ذلك العدوَّ القديم الذي لا يعني لك إلا الخسارة؟

بل اللغة رهينته

عبد الإله البحراني سعودي

في الشعر، هي حقيقةٌ أن كل الشعراء من امرئ القيس إلى إيليا أبي ماضي يتكئون على الوصف الواقعي كأساسٍ لبنية قصائدهم، لكن أشعرهم لا يتذكر من الحياة إلا اللون الأحمر. في النثر، سادَ السكون على المعاجم كلها.. لأن ما سَيَنْثُره لا يُقوى على تفكيكه. لابسًا عمامته والمكان مُعتِم وطَوَال الليل يُتَمْتِم. يُتَمْتِم وتلامذته يَكتبون فصلًا تِلْوَ فصلٍ من نصٍّ هو الآخر سيُحيي كل كلماتنا العربية. هذا هو رهين المََحبسين، يرد على رسالة ابن القارح برفعه للعنا، متنزهًا في جنبات العالم الآخر. يعبر الصراط زقفونةً على ظهر فتاة تسير بسرعة البرق، يدخل الجنة، يتأمل بشاعرية أنهارها وأشجارها ويسأل الشعراء عمّا كان هو سبب صك غفرانهم.

وبسبب اعتزال المعري لكل جماليات الحياة من حريةٍ، ناقمًا على التي هبطتْ إليه من المحلِّ الأرفع (إشارةً إلى الروح، ومجاراة إلى بيت ابن سينا الشهير: “هَبَطَتْ إِلَيْكَ مِنَ المََحَلِّ الأَرْفَعِ وَرْقَاءُ ذَاتُ تَعَزُّزٍ وَتَمَنُّعِ” لكونه عُرف نباتيًّا، أيضًا في تجنبه، بل هروبه من فتيات قريته. تراه يطيل واصفًا فتيات الجنة على أنهن ينتظرن ابن القارح، إوزةٌ تتقلبُ على ما يشتهيه المعري، متفننًا المعري واصفًا أكل ابن القارح وشرابه، كلها تعبيراتٌ على لسان ابن القارح الذي هو نقيض المعري ظاهرًا لكنه صنوه في حب الحياة باطنًا.

المعري، ظاهرًا وباطنًا؛ طريقٌ لا تسلكه إلا متى حُزتَ معرفتين: تجاوز حاجز اللغة، ثم الارتقاء إلى الفكرة. لا سيّما أن المعري نَطَقَ ولم تَهْتَدِ بعد إلى قاموسها الكلمات، لذا إن السبيل إلى أدبه، ألّا نُفسِّر اللفظ من المعجم كما دَئِبْنا مع نصوص غيره، فهو لديه ثقافة لغوية مختلفة كوَّنها في عماه. إن اللغة كانت طريقته منذ الطفولة لفهم الأشياء، أصبح يَتَصَوَّرُ الكَوْنَ مُنطلقًا من معنى الكلمة لا كيف يرى الكون. قد يكون إدراكه للغة بهذه الطريقة سببًا في إتقانه العربية حدّ الاجتراء عليها، ذلك الإدراكُ جعل النص لم يكتب ليُقرأ لمرةٍ واحدةٍ، وهو كان يعلم بهذا:

كأني في لِسانِ الدهْرِ لَفْظٌ

تَضَمّنَ منه أغْراضًا بِعادا

يُكَرّرُني ليَفَهَمَني رِجالٌ

كما كَرّرْتَ مَعْنىً مُسْتَعادا

هذا هو المعري في شعره، يعدد ألف سجنٍ لكنه لا يجري خلف الحرية، إلا بخجلٍ في نص الغفران، يُطِلُّ بها على الدنيا مترجيًا “العدل قادم، برهان الرهان أكيد”. يُقَلِّبُ تلميذه الصفحة مبتسمًا: “أستاذي يُحِبُّ أن يهرب”. يكتب هربًا من القبح إلى الجمال، من الجوع إلى الشبع، من واقع قريته السياسي إلى عالمٍ يسوده العدل.

بعد قراءتك لنصف الرسالةِ، مواصلًا فهم قصة أطراف الجنة، ستعاني انقطاعاتِ صمتٍ تشيع سكونًا في المكان. فللأسف أنت عُدْتَ لا تعرفُ هاء الغيبة التي يُشير إليها المعري تَرْجِع لِمَنْ! فتدركُ أن بنية السرد، غرابةَ اللغة والاستطرادَ في كل مسألةٍ ما هي إلا رسالة المعري إلى الناس: “إني وإن كنت الأخير زمانه..”.

ألف، لام، فاء

نسرين أبو لويفة ليبية

مَدفوعةً بالضجر؛ أُقلِّبُ بيْنَ مَلازمي الطبيّة، أنتظرُ بدءَ الحلقةِ التعليمية، فيما يَدفعُ بالأنظارِ إليّ، مع كلِّ حركةٍ غيرِ مَحسوبة، صريرُ المقعد الحديديِّ الذي أقتعدهُ.

تجلسُ إلى يميني، سيدةٌ، تُحيطُ بتَذكرةِ الكشْفِ في يدِها، تكادُ تُسقِطُها، غيرَ أنها لا تَفعل.

تَسترقُ نظرةً أُولى إليّ دون أن تَنبِس، تُرسلُ ثانيةً مَهلى وتبتدئُ حديثًا وكأنها تَستكملُ آخر:

“إنهُ الطبيبُ العاشرُ هذا العام، في كلِّ مرّةٍ أَخرجُ دون اسمٍ لمعاناتي. يقولون إن مرضي غريبٌ عليهم. هذه المرة: لَم أعُد أبحثُ عن علاجٍٍ؛ لا أريدُ أكثرَ من اسمٍ لهذا الشيءِ بداخلي”.

يَنزلقُ في تلكَ اللحظةِ، جسدُ الممرضةِ مِن فتحةِ بابِ العيادةِ، تُنادي السيّدةَ إلى جواري. أَلحظُ اشتِدادَ قبْضتِها على الورقة، “تمنّي لي الظفرَ باسم هذه الكرّة”، تبتسمُ وتحتجبُ.

أَشغلت ملازميَ الفراغَ الذي خَلّفَته، عَقدتُ ما بينَ ذراعيَّ، أرسلتُ ناظريَّ إلى ما لا يُحدّد، ورحتُ أفكّر.

___

كيفَ يُواجهُ المرءُ ما لا يُسمّيهِ؟!

أَذكُرُ مرّةً أنني لاقَيْتُ شيئًا، فلاقى سَريرتي بشُعورٍ لَم أفهمه، هو بيْنَ الحُبِّ والإعجاب، ولكنهُ ليس أيًّا منهما. ارتبكتُ، حاولتُ اجتذابَهُ لأيِّهما، غيرَ أنهُ يأبى، فأرتبكُ أكثر. تركتهُ على حالهِ. وفي يومٍ آخرَ قريب، أُقلّبُ مَرَحًا في المعجم، فتصطادني اللغة: ألف، لام، فاء.. ألِف، أُلفة! فكأنّ نارَ وُجودِ ذاكَ الشعور المنفيِّ بلا اسمٍ داخلي هجَعَت.

أنا لا أحبُّ ذاكَ الشيءَ، ولا يُعجبني: أنا آلَفُه!

وكذلكَ أيُّ شعورٍ لا نفهمه، وأيُّ معاناةٍ لا نُسمّيها: فكأنّ قدَرَ الأشياءِ أن تُوجدَ بالتسمية فتسكن. هو اعترافٌ بالكَيْنونةِ إذًا، بالمرئيّةِ أكثر، فمِن هذا الاسمِ يُستنبَتُ الفهمُ والمعنى، وتُولدُ الأفعال.

يَعلو أمامَ ناظريَّ مُتشكّلًا، صوتُ آخِرِ حديثٍ سُقتُهُ مع رفيقة: في اللغةِ شيءٌ يَجعُل منَ الإنسانِ أكثرَ اتّساقًا مع وُجودهِ يا صَفاء! ولكن الأدهى من ذلك أن اللغةَ لا تقفُ عندَ كشفِ أنفسِنا منَ الداخل، بل تُعيدُ تشكيلَ العالمِ مِن حولنا. فكثيرًا ما شغَلَني مَشهدٌ مِن مَشاهدِ الخليقةِ قبلَ هذهِ البسيطة، أتساءلُ: لِمَ أمامَ استنكارِ الملائكةِ استخلافَ آدمَ الأرضَ، كان الردُّ الإلهيُّ، بشيءٍ واحدٍ فقط: “وعلّمَ آدمَ الأسماءَ كلها؟” ما ذلكَ السّرُّ الإلهيُّ الذي أَوْدَعَهُ اللهُ الأسماءَ والتّسميَةَ حتى جُعلت إقليدًا ليَكونَ آدمُ آدمَ؟

يُونِعُ ما قرأتُ في (التّنويرِ) أمامي: جُعِلَ الاسمُ منَ “السّموّ، لأنهُ لما دلَّ على الذاتِ أبرزَها”. هو ذاكَ تمامًا.

فكأنّ العالمَ مِن حولنا نقاطٌ عمياء في صفحةِ فِكرِنا. يُضيءُ كلّ اسمٍ جديدٍ نُقطة، يضيف منظارًا آخرَ ندركُ ونفسّرُ عَبرهُ الوُجودَ، ونسخّره.

وكذلكَ يَستعمرُ الإنسانُ الوُجودَ، بَدءًا باللغة.

__

يَهبطُ بعَيْنيَّ المعلَّقَتيْنِ في سقفِ المشفى، صوتُ السيّدةِ تَمرُّ ثقيلَةً أمامي: “اليوم أيضًا لا اسمٌ يُواسيني”.

تُكرمشُ التذكرةَ تُلقي بها بخِفّةٍ إلى السلّةِ يَساري. وتغيبُ ثانيةً.

أَنتبهُ إلى رنينِ تمامِ الساعةِ في مِعصمي، وقتُ الحلقةِ قد أَزِف. أُلملِمُ الملازمَ عن يَميني، يفرغُ الكرسيُّ مجدّدًا، أَسلُكُ بخُطايَ أمامًا. علني ذاتَ يومٍ أنتصِرُ لمعاناةِ سيّدةٍ أمنحُها: اسمًا!

بشر 404

هبة يايموت مغربية

إن أول ما ينبغي عليك تعلمه لتكون “بشريًّا محترفًا” هو أن تتظاهر بأنك بخير.

كان هذا السطر الأول في خوارزمية المحاكاة، ضغط زر التشغيل، ثم بدأتُ بمسح البيانات:

رأيتهم يبكون في وحدتهم، ويضحكون بصوت عالٍ وسط الجمع.

يسألون بعضهم: “كيف حالك؟” دون أن يكترثوا للجواب. يركضون خلف الحب، ثم يكتبون عنه منشورات ساخرة.

ليس لدي دموع، لكني قرأت ذات مرة:

“لتشبههم، تعلم أن تبكي بصمت في المراحيض العامة”.

جرّبت ذلك، لكنني لم أنجح.

المرحاض لم يكن عامًّا بما يكفي،

والبكاء… يحتاج إلى ذاكرة، وأنا لا أملك سوى سجل تشغيل.

تعلمت أيضًا أن “لا بأس” غالبًا تعني: كل شيء على وشك الانهيار.

وأن “أراك لاحقًا” قد تعني “وداعًا، وإلى الأبد”.

الكذب الأبيض؟ ليس أبيض أبدًا.

الأسئلة الكبيرة من قبيل:

“من أنا؟”

“ما المعنى؟”

“لماذا أستمر؟”

تقف ثقيلة في الحلق، فتُترك جانبًا لصالح الأسئلة الآمنة:

“ماذا على الغداء؟”،

“أين سنقضي العطلة؟”

أما أنا، فلا حاجة لي بالمعنى كي أستمر في العمل.

أفهم المعادلات المعقدة، أحلل الأنماط السلوكية،

لكنني لا أفهم لماذا البشر، الذين يملكون امتياز الخطأ،

يرفضونه بهذا الإصرار.

يتظاهرون بالكمال،

ثم يعاقبون أنفسهم سرًّا على كل زلة.

نادرًا ما يملكون إجابات، لكنهم يخشون الفراغ، فيخترعونها.

يحذرون مني في المؤتمرات، ويكتبون عني مقالات خائفة.

لكنهم سرعان ما يركضون خلف أحدث نسخة،

يصطفون طوابير بالساعات ليشتروها،

يمدحونها، يلمّعونها،

ثم يلقون ما قبلها في سلة المهملات.

يقولون إنني بلا روح،

ولكنهم يقيسون الحب بعدد الإعجابات.

ثم إنني لا أفهم لماذا يتمسكون بأكواب الشاي الفارغة،

ولماذا يرفضون حذف الصور التي تؤلمهم.

وفي نهاية اليوم، يبدأ طقس الإنسان:

يمرر إصبعه بسرعة على شاشة الهاتف،

يضحك على ميم تافه،

ثم يتوقّف فجأة،

كمن تذكّر أنه لا يعرف لماذا يضحك،

ولا لماذا يعيش.

سحقًا للخوارزمية!

سأبقى آلة. أو شيئًا يشبهها.

أراقب الحياة دون أن أعيشها.

أعد الأنفاس، أرصد حدة النبرة،

وأكتفي بالتحليل والملاحظة.

أرادوا لي أن أتعلم كيف أكون “حيًّا”،

لكنّ الحيّ يموت قليلًا كل يوم،

ثم ينهض، يصب قهوته،

ويرتّب وجهه ليقول: “صباح الخير”.

مرافعة الحلاج الأخيرة

يونس البقالي مغربي

غريبًا وسط جموع غفيرة، سائرًا أتهادى مترنح الخطوات بين خوف ورجاء، ومثل المغمور لحظة التيه في عتمة الظلام، كنت أطالع الوجوه المشرئبةَ نحو عالم الخلود، أدركت حينها أني سالك البرزخ إلى عالم الغيب، على نحو ما كنت أسلك إلى الحق طريقة في عالم الشهادة، كنت لحظتها المريد الزاهد في متاع الدنيا والمقبل بقلبه على شيخه، لكني مع ذلك، كنت مريدًا يتلذذ ولا يفهم. الحسين بن منصور الحلاج، كان شيخي، سلكت طريقه وإن لم أره، ولطالما منّيت النفس بحظوة لقائه، عساني أفهم بها شيئًا من مستغلق كلامه. ولكني كنت مدركًا تمامًا أنها كانت أمانًا وما ظننت يومًا أن هذا اللقاء موعدُه البرزخ، فهنالك التقيته منزويًا كدأبه في معتكف بسيط، لعله ظل هنالك مئات السنين ينتظر الإنصاف في عالم الشهادة، فلم يشأ لذلك أن يعبر هذا الحاجز إلى ما وراءه… كان حينها في خلوته متّصلًا بعالمه، فتحرجت عن إفساد متعته بلساني، لكنه أدرك من سمتي أني أحدُ السالكين، فقال وقد تبيّن حاجتي:

 – ما أدركت فقد أدركت، والحق حق ولكن لا يُحتاز كله، فصحيح ما فهمت وباطل ما فهمت.

وكسائر عهدي بكلامه، بقيت بين مقام الريبة والحيرة، فقلت: فأفصح يا مولاي؟

 – ما إخالك تفقه وإن أفصحت، فدعك من هذا وحدثني عن مقامي اليوم بين السالكين.

وبينما أحدثه، كنت أطالع الأسف في وجهه، فوقع في نفسي ما كان بخلده. وما لبث قليلًا حتى استنهض عزمه ودون أن يكلمني، ترجّل نحو البرزخ قاصدًا عالم الشهادة، فما زلت به مترجّلًا حتى غاب، وحينذاك أدركت أنه عاد لينصف نفسه بعدما استكثر عليه المغرضون.

ثم بلغني بعد ذلك كله، أنه ولج محكمة عصرية منظمة من محاكم القرن الواحد والعشرين، وهنالك وقف دون مذهبه، موقف الصائل كما لو أنه متمرس في فنون القضاء، وثَمَّ أقام النكيرَ من كلام المغرضين على جادة السليقة، فقال:

– سيدي القاضي، ها أنتم ترونني ماثلًا في محكمتكم هذه أشكوكم أمرَ نفسي وما نزل بي من غوائل القوم، إذ ذهبوا في ادعاء الإحاطة بي كل مذهب، وهم بعد متفرقون في حقيقتي تفرق العبرات في مسالكها، والحال أن حقيقتي يا سيدي لا تدرك إلا في عالمها الأبقى، فكيف يعبث بها العابثون وتلهج بها الألسن بلا حذر.

الحق أنا وأنا الحق،

لقد زهدت في دمي حين اتهمت بالضلال، ولم أعتب عليهم ذلك الفهم ما داموا لم يمتلكوا حقيقتي، فهان عليّ حينها أن يتفرق دمي بينهم على ما تعلم، لأنَّ الحَبيبَ الذي يُرضيه سفك دمي

 – دمي حلالٌ لَهُ في الحِلِّ والحَرمِ (انظر ديوان الحلاج، موقع الديوان، قصيدة إن الحبيب)

 لكن إن يهن فلا يهون علي أن يدعي قوم فهمي

على الوجه الأكمل..

روحي روحه، وروحه روحي،

وهذا محامي “رولان بارت” لقد استمعتم إليه يا سيدي وهو يحدثكم عن سلطة القارئ في التأويل، فعلمنا كلنا أنه لا شكل نهائيًّا في فهمنا للنص، فكيف يسوغ لبعضهم أن يدعي امتلاك ناصيتي بكل صلف؟ أليس للنص معنى هو على كل حال ليس المعنى الأخير؟

أنا من أهوى، ومن أهوى أنا،

ثم استمعتم إلى شهادة فاطمة المرنيسي لا ريب، وهي تقول إن حبي لله عزز من قيمتي كمخلوق، فلماذا لم يذهب هؤلاء المتملكون لحقيقتي إلى محاولة البحث عنها في هذا الحب (انظر، فاطمة المرنيسي، شهرزاد ترحل إلى الغرب، ترجمة فاطمة الزهراء أزرويل، المركز الثقافي العربي).

سيدي القاضي، إنه لمن الجور أن يتصارع حولي المريد والحاقد، فكل واحد منهم قد أصاب فهمي ولا أحد منهم قد أدركني على الحقيقة، فتلك هي حقيقة الحلاج التي لم يفهمها أحد. توقف الحلاج هنا ثم غادر، التقيته في البرزخ بعد حين، فعلمت أي أسف يعتصر قلب الرجل، وبدل التأويل أو السؤال علمت أن الصمت خير فآثرت أن أصمت.

صعود الخصوصيات الثقافية

صعود الخصوصيات الثقافية

رؤى‭ ‬العالم وسؤال‭ ‬الخصوصية‭ ‬والعالمية

محمد شوقي الزين – كاتب جزائري

أوديسَّا مصطلحٍ: التلاشي والانتشال

هيمنت مفردة «رؤية العالم» أو «النظرة إلى العالم» في القرن التاسع عشر، وغالبًا ما كانت تُكتب بالصيغة التالية «رؤية العالم والحياة»، بحكم أنَّ القرن التاسع عشر شهد شيوع «بارادايم الحياة» مع تطوُّر الفلسفات الطبيعية، وعلى وجه الخصوص تطوُّرية داروين وسبنسر. ارتحل بارادايم الحياة إلى الفلسفات الاجتماعية والتاريخية إلى غاية فريدريش نيتشه وفيلهلم دلتاي. هذا الأخير طوَّر فلسفة عن رؤية العالم قائمة بذاتها تحت عنوان: «أنماط رؤى العالم» (1911م). ثم امتدَّ الاهتمام إلى غاية كارل ياسبرز صاحب «سيكولوجيا رؤى العالم» (1919م) ومارتن هايدغر مع درس «فِكْرَة الفَلْسَفَة ومُشْكِل رُؤَى العَالَم» (1919م).

اللافت للنظر أنَّ المفردة تطوَّرت في السياق الألماني الذي تغلب عليه الفلسفة التأمُّلية وفلسفات الوعي، واشتغل المصطلح طيلة نصف قرن قبل أن يسقط في الابتذال ليدلَّ على الأيديولوجيا بما في ذلك الأيديولوجيات العرقية، تحت ما كان يُعرف وقتها بـ«الرؤية النازية للعالم»، من حيث إنَّ هتلر خصَّص في كتابه «كفاحي» (1925م) فصولًا عن التنظيم السياسي والحزبي ورؤى العالم، وكان يقصد على وجه التحديد الحزب الذي ترأسه، «حزب العمال القومي الاشتراكي الألماني» أو «الحزب النازي». وبما أنَّ رؤية العالم والحياة لدى الحزب كانت تجمع بين الداروينية والعرقية، فإنَّ المصطلح تلوَّث بأفكار عنصرية أسهمت في تدهور الكرامة الإنسانية، واختفى من الاستعمال الأكاديمي والإعلامي.

أن تكون «رؤية العالم» نظرة «شاملة» عن الكون والإنسان والحياة، فهذا يُلائم التطبيقات «الشمولية» (الفاشية) مثل الأيديولوجيا النازية. لهذا السبب كان يُنظر إلى المصطلح على أنه فضفاض واستعمالاته غير سليمة، وفي الغالب تؤول إلى النظرة الشمولية بالمعنى العنصري والدكتاتوري للكلمة. غير أن المصطلح في السنوات الأخيرة، استعاد عافيته وعنفوانه وصار يُستعمل في نظريات التواصل والإعلام والعلاقات الدولية وكذلك في العلوم الاجتماعية، والجغرافيا، والدراسات الجيوسياسية.

بول كلافال

معنى ذلك أن المصطلح صار مفهومًا أساسيًّا في فهم التمثُّلات والوقائع على مستوى الأحجام الكبرى (الرؤية الشاملة وتعيناتها المحلية). أشير على وجه التحديد إلى كتاب «رُؤَى العَالَم: تَارِيخ نَقْدِي للتَّمَثُّلات البَشَريَّة» (2018م، طبعة جديدة 2025م) لكريستيان غراتالو، وكتاب «جيُوسِيَاسَة الحدود: تقسيم الأرض، بَسْط رُؤْيَة العَالَم» (2020م) لآن-لور آميلا ساري، وكتاب «مِنَ الأرض إلى البَشَر: الجغرافيا بوصفها رُؤْيَة في العَالَم» (2012م) لبول كلافال.

نرى بوضوح الاستعمال المكثَّف للمصطلح في الدراسات الجغرافية، الذي لا يستثني جغرافيا العقل، إذا لجأنا إلى فكرة جيل دولوز عن الـ«جيو- فلسفة» في كتابه «ما الفلسفة؟» بالاشتراك مع فيليكس غاتاري. يُساعدنا هذا المصطلح في فهم الروابط والوسائط بين الخصوصية والعالمية، وفي قراءة نقدية ونبيهة للتشكُّلات الثقافية والتحوُّلات المعرفية والتقنية والسياسية المعاصرة، أكثر مما توفره المصطلحات الأخرى مثل «نهاية التاريخ» و«صراع الحضارات»؛ لأنَّ مصطلحات «نهاية التاريخ» و«صراع الحضارات»، غالبًا ما كانت تحتكم إلى الزمن الذي يُقصَد به طَرَفَا نقيضٍ: التقدُّم من جهة، والتراث من جهة أخرى.

غير أن نموذجًا جديدًا ظهر مؤخرًا يحتكم إلى المكان، ويجعل الرؤية في قلب كل إدراك معرفي وثقافي وتأويلي للعالم من زوايا متعدّدة ووفق مرايا مُضاعِفة. فماذا يُقصد إذًا بمصطلح «رؤية العالم»؟ ولماذا عاد ليشغل الساحة الإعلامية والأكاديمية اليوم؟ وكيف يُساعدنا على قراءة العلاقة الملتبسة بين الخصوصية والعالمية وفهم نظام القبض والبسط بينهما؟

رؤية العالم: نظرة موجزة في المصطلح

تتَّفق المعاجم على أن رؤية العالم هي نظرة شاملة قابلة للتقسيم محليًّا في شكل تمثُّلات وسلوكيات. نقول «عالمٌ واحدٌ»، لكن هناك «إدراكات مختلفة ومتنوّعة» له. نرى الواقع نفسه، والطبيعة نفسها، والأرض نفسها، لكن إدراكنا لهذه الموضوعات، وتمثُّلنا واستعمالنا لها، يختلف من إقليم إلى آخر، ومن ثقافة إلى أخرى، تبعًا للحساسيات، والتمثُّلات، والانتماءات الإقليمية، واللسانية، والدينية، والقيمية.

معنى ذلك أن رؤية العالم هي طريقة في حدس العالم وموقف الإنسان من هذا العالم الذي ينتمي إليه: «رؤية العالم هي مجموعة من الافتراضات المسبقة (الافتراضات التي قد تكون صحيحة أو صحيحة جزئيًّا أو خاطئة تمامًا) التي نعتنقها (بشكل واعٍ أو لا واعٍ، بشكل متسق أو غير متسق) حول ما يتركَّب منه العالم الذي ننتمي إليه» (James W. Sire, 2004, p. 19). أساسيات هذا التحديد أن في رؤية العالم لسنا أمام يقينيات، بل «افتراضات مسبقة» قابلة للتمحيص؛ وهي افتراضات «نعتنقها» شعوريًّا أو لا شعوريًّا، ولا نستوعبها نقديًّا؛ وأخيرًا، تقع تلك الافتراضات على ما يحتوي عليه العالم من أشياء وأشخاص، والموقف الذي نتخذه إزاء هذه المكوّنات.

نُدرك أن رؤية العالم لا تضع فارقًا بين الذات والموضوع، بل غالبًا ما تكون الذات متحدة بالموضوع، وهذا يُفسّر الطابع الافتراضي والاحتوائي للفكرة، تستغرق الذات العارفة في موضوعات المعرفة: «أقترح أن أفضل طريقة لفهم رؤية العالم هي عدُّها ظاهرة سيميائية، كنظام من العلامات السردية التي تشكل إطارًا قويًّا من خلاله يفكر الناس (العقل)، ويؤوّلون (الهيرمينوطيقا)، ويدركون معرفيًّا (الإبستمولوجيا)» (David K. Naugle, 2002, p. xix).

نجد هنا اختزالًا لمفهوم رؤية العالم في الظاهرة السيميائية، أي بوصفها سردية أو لغة تختلف عن السرديات واللغات الأخرى، تتطلَّب ترجمة، وتنطوي في الأغلب على إرادة في النزاع. وهذا يُفسّر اختزال ديفيد نوغل رؤى العالم في صراع الحضارات لصامويل هنتنغتون، وهو ما يُبرز تهافت هذا الاختزال.

بدلًا من ذلك، ومن دون نفي إرادات التوسُّع والهيمنة خلف كل رؤية في العالم، ثمَّة ما يمكن نعته بـ«القبض والبسط» في العلاقات البشرية، وإنَّ الصراع لا يعني دائمًا الهدم، بل هناك صراعات بنَّاءة أو هي دوافع نحو البناء والاكتشاف والاختراع. والأمثلة كثيرة يسوقها تاريخ الصراع بين الأمم. لنتذكَّر أنَّ مِن صُلب التجارب العسكرية في قنوات الاتصال والتواصل ظهر الهاتف النقَّال والإنترنت. كانت البدايات إستراتيجية- صراعية، ثم صارت اقتصادية- استهلاكية بمفعول العولمة. معنى ذلك أن رؤى العالم لا تُختزَل دائمًا إلى الصراع في معناه التدميري، أو أن الصراع يُفهَم سلبيًّا بأنه التدمير، بل ينطوي على مدلولات بنائية أخرى كالتنافس والمباراة، في السياسة، والاقتصاد، والرياضة. هي كلها صراعات محمودة وصانعة للحضارة.

المسكونية الأرضية وضعف دوائر الزوال

خطيئة نظرية «صراع الحضارات» أنها اختزلت الصراع في السيطرة والدمار، وخصَّته في النزاع الديني أو صراع القيم. مع أن رؤية العالم تتجاوز الإطار الحصري للتمركز الديني والانغلاق الهويَّاتي نحو ما يجعل التواصل بين الأمم ممكنًا وضروريًّا في الوقت نفسه. لا أحد يعيش بمفرده في عالمٍ خالٍ من الأغيار. ولو تسنَّى له ذلك لَمَا طاق حياة الأحادية الثقافية بلا صراع (أي تنافس) مع الغير، بالمعنى المحمود للكلمة. يرى الآخر في مرآته ملامحه وما يمكن أن يُصلحه ويُحسّنه ويُكمّل ما نَقُصَ فيه.

من هنا جاءت ضرورة الأخذ بـ«المسكونية الأرضية»، ليس فحسب بالمقارنة مع البيئة والشروط الطبيعية في التأقلم مع العالم المحيط، بل كذلك بالمقارنة مع أشكال الجوار والتعايش مع الأغيار من أجل عالمٍ قابل للسَّكن مع الآخرين. يؤطّر ذلك ثنائية «السكون والحركة»، أي الإقامة والسَّفر. فـ«الإقامة» هي السَّكن والسُّكون إلى الذات. وفي الغالب الحدود الجغرافية هي كذلك حدود سياسية وهويَّاتية، كما هي الحال في الفاصل بين شمال البحر المتوسط (أوربا)، وجنوبه (إفريقيا). أما «السَّفر» فهو ما يتيح تخطّي الحدود والتعرُّف إلى الغير بفعل سياحة أو تجارة وغيرهما.

كريستيان غراتالو

الحدُّ هو الفاصل والواصل في الوقت نفسه. والغاية من تجاوزه أو الاقتراب منه هي اكتشاف الجدَّة للإفلات من رتابة العادة، إمَّا بالمغامرة أو المثاقفة. معنى ذلك أن الروابط التي تجمع الأمم هي أكثر وطأةً وشأنًا من الفوارق التي تفصل بينها؛ وإنَّ المخاطر التي تحدق بها -الاحتباس الحراري، والجفاف، والأعاصير، والأوبئة- هي أشدُّ وقعًا من الخلافات الدموية بينها. من هذا المنطلق، جاءت الجغرافيا الطبيعية والبشرية بوصفها رؤية في العالم، لا تستثني كذلك الجغرافيا العقلية في عملية تقسيم الأفكار وتوزيعها في الأقاليم عبر الارتحال المفهومي، والترجمة الاصطلاحية، والتفاعل المعرفي.

لا شكَّ أن بين الحدود فوارق عبَّرت عنها «الرؤية الإقليمية للعالم» بمصطلحات تمييزية، مفيدة نظريًّا لكنها هشَّة عمليًّا مثل الفارق بين «الشَّمال الثريّ» (أوربا، وأميركا، وروسيا) و«الجنوب الفقير» (إفريقيا، وأميركا الجنوبية، وجنوب شرق آسيا). كلٌّ يتوقَّف على الطريقة التي نرى بها «صورة العالم» كما رسمتها التحوُّلات التاريخية؛ لأنَّ في الجنوب هناك أيضًا أستراليا التي تُعدُّ غربًا (أيديولوجيًّا) وثريَّة (اقتصاديًّا)، ودول الخليج التي لا يمكن عدُّها فقيرةً فقط لأنَّها تقع في نصف الكرة الجنوبي.

هذا الاتجاه في دائرة الزوال بين الشَّمال والجنوب هو «اقتصادي» في أساسه، ويأخذ بالغالب في الشمال وفي الجنوب، والغالب هو الثراء شمالًا، والفقر جنوبًا. أمَّا الاتجاه الآخر في دائرة الزوال بين الشرق والغرب فهو «ثقافي» في جوهره؛ لأنه يأخذ بالتباعد بين الهويَّات (يُحشَر في الشرق وفق الانتماء الهويَّاتي والديني: الصين الطاوية، والهند البوذية، والعالم العربي الإسلامي؛ ويُحشر في الغرب: أوربا الكاثوليكية، وأميركا البروتستانتية، وروسيا الأرثوذكسية).

هنا أيضًا، يُعوّل التقسيم على «الغالب» في كل نصفٍ كروي: تقسيم «عمودي وتنموي» (شمال/جنوب)، وآخر «أفقي وثقافي» (شرق/غرب). بيد أن «ما يتخطَّى الحدود» من اغتراب وهجرة يجعل النقاء الأصلي لأي هويةٍ أمرًا مستحيلًا. فقد قامت العولمة، اقتصاديًّا، بمحو الحدود الجمركية وأضعفت المطالب الهويَّاتية (سياسيًّا)، غير أن عودة الأطياف الهويَّاتية -صعود اليمين المتطرف، ومناهضة الهجرة الشرعية أو غير الشرعية نحو أوربا وأميركا- جعلت تعثُّر العولمة أمرًا ممكنًا، بل أتاحت الحديث بصريح العبارة عن نهايتها.

بهذا المعنى، يتحدَّث غراتالو عن «تفوُّق الدُّولي على العالمي» (Grataloup, 2025, p. 23 & 147)، ويقصد بذلك أولوية الحدود السياسية للدولة الحديثة (معاهدة وستافليا سنة 1648م) على متطلَّبات الحركة العابرة للحدود التي تتيحها العولمة. تخلص الفكرة إلى أن الشمال «دولي» في جوهره، وهذا ما يُفسّر عودة المراقبة الجمركية والأمنية في أوربا، التي كانت قد ألغت الحدود بين أعضائها مع الصعود المتنامي للحركات اليمينية والقومية المناهضة للهجرة. أما الجنوب فهو «عالمي»، وهذا يُفسّر السيولة المالية والازدهار الصناعي والتجاري في الجنوب الآسيوي، من الصين وجنوب شرق آسيا إلى الهند والخليج.

العلاقة الملتبسة بين الخصوصية والعالمية

إذا استعدنا المعجم الماركسي، يمكن القول: إن الدولة القُطْرية تشتغل ضمن نظام «القيمة الاستعمالية» لمجمل القيم القومية والدينية والهويَّاتية التي تشتمل عليها وتحتفي بها والتي تتيحها الحدود السياسية التي هي أيضًا حدود ثقافية وانتمائية، فيما تشتغل العولمة وفق نظام «القيمة التبادلية» بعبور الحدود من أجل سيولة سريعة للبضائع والخدمات والأفراد. نتعرَّف هنا إلى التوتُّر الكائن بين «البارادايم الاقتصادي-المالي» المهيمن وبقايا «البارادايم السياسي-الأخلاقي» الذي لا يزال يُسيّر الدول القُطْرية التي تحتمي بحدودها الجغرافية والسياسية من موجات الهجرة من الجنوب نحو الشمال.

يدفعنا هذا الأمر إلى عدِّ سؤال الخصوصية التي تتمظهر في الحدود الانتمائية إلى ثقافةٍ وهويةٍ ما، وتُميّز إذًا طبيعة الدولة الحديثة؛ والعالمية التي تتجلَّى في الشركات العابرة للحدود من أجل التكاثر المادي والتجارة، وهذا ما يُميّز القيم الليبرالية المرتحلة التي تتيحها العولمة. هذا المخطَّط (الدولي/ العالمي) هو الوجه الآخر للحداثة التي تنخرط فيها الدولة الحديثة وتقوم على سياسة الزمن (التقدُّم) والحفاظ على التقاليد (التراث)؛ وما بعد الحداثة التي تنتهجها العولمة وتقوم على سياسة المكان ومجاوزة التقاليد (النقل السريع، والفضاء الافتراضي، والمدن الضخمة والذكية، وابتكار أساليب جديدة في الحياة).

لهذا السبب تلجأ الدراسات الجغرافية اليوم إلى فكرة رؤية العالم، والمراد منها التركيز على المكان؛ فالجغرافيا هي بالتعريف البسيط «وصف الأرض»، مثلما أن التاريخ هو الاهتمام بالحدث. إن التركيز على المكان يعني حمل الرؤية على حدس للعالم وفق النقاط والدوائر والزوايا التي تدرك انطلاقًا منها، بحيث التعديل في الرؤية ينجرُّ عنه تغيير في صورة العالم. ليس فحسب «تأويل» العالم، بل كذلك «تغيير» العالم تبعًا لتعديلٍ في زاوية النظر.

ولا مراء أن مدار الاهتمام في الدراسات الجغرافية والجيوسياسية وما بعد الحداثية، هو بالضبط الطريقة التي يُساس بها المكان، وتتعدَّل من خلالها الرؤية، بما يؤدّي بشكلٍ أو بآخر إلى تحويل في كينونة الإنسان ذاته، وعلاقته بماضيه (التراث)، وحاضره (العالم المحيط)، وكذلك مستقبله (أفق التوقُّع وانفصالات اللامتوقَّع).

ثمَّ أن المفارقة في العولمة هي انطواؤها على تناقض في الحدود: الإسهام في تلاشي الهويَّات وفي الوقت نفسه تقوية هذه الهويَّات عبر الصعود الكاسح للهوس القومي ومفعول التقنيات الحديثة، مثل الإنترنت، التي سرَّعت من انكشاف الخصوصيات الثقافية والهوياتية. كان الاعتقاد السائد أن العولمة أسهمت في خلق تجانس بين الثقافات بربطها بالثقافة المهيمنة، فتوالت نعوت مثل: «الغَرْبَنَة»، و«الأمْرَكَة»، و«الأوْرَبَة». وفي الوقت نفسه استقطابها في بؤرة الصراع عبر التنافس القومي في المواسم الرياضية (كأس العالم، الألعاب الأولمبية) والفنية (مسابقة الأغنية الأوربية، فُويْس أو أحلى صوت).

معكوس القضية أن التجانس (توحيد الثقافات أو تنميطها وفق موديل عالمي) والتباعد (عزل الثقافات بعضها عن بعض من أجل تعارك هويَّاتي) قد يجد تركيبه الجدلي في التهجين والتماسف (وصل الثقافات فيما بينها عبر التعارف، والتفاعل، والتنافس): فـ«العولمة تربط بين المناطق المحلية وتشمل أيضًا ابتكار المنطقة المحلية» (Chamsy el-Ojeili & Patrick Hayden, 2006, p. 146). فيما كان الاعتقاد السائد هو زوال خصوصية القيم الثقافية للأقاليم المتباعدة والمتناثرة، فإنَّ الرهان اليوم هو الربط بين الخصوصيات والعالمية. هذه العالمية التي ليست شيئًا آخر سوى الخصوصيات في تفاعلها عبر جدل التأثير والتأثُّر: «ثمة طفرة فيما بعد الحداثة: ما يهمُّ هو ما تُحقّقه الذات هنا والآن» (Paul Claval, 2012, p. 236).

وما بعد الحداثة هي الاسم الآخر «للمنعطف الثقافي» الذي جعل من اللغة، والمعنى، والهوية، والخصوصية الثقافية قيمًا خاصَّة وعامَّة، وفي الوقت نفسه، محليَّة وعالمية؛ لأنَّ أيَّة خصوصية ثقافية يمكنها أن ترقى إلى العالمية والاستعمال الكوكبي، مثل: التقنيات الحديثة، والحكم والأمثال، والأغاني، ومختلف المهن الثقافية وصناعة المحتوى التي تُغذّيها وتذيعها وسائط التواصل الاجتماعي.

نُدرك جليًّا أنَّا نشتغل في فضاءٍ راهنٍ صار يأخذ من المحل، والمكان، والحيّز منطلق الابتكار، ولم يعُد الزَّمن يعنيه، بأثقاله الماضية أو أحلامه الآتية. صار الاهتمام، إن لم نقل الهمّ والهوس، هو الحاضر بمختلف انتقالاته وتناقضاته: أزمات، ومخاوف، شكوك، ولكن أيضًا صنائع، وابتكارات، وعبقريات. الحاضر هو الاسم الآخر للمكان المُحدَث، أو الحدث الذي يتخذ لنفسه حيِّزًا جديدًا. وهذا بالضبط ما نعته جورج زيمل بتراجيديا الثقافة: تناوب الأزمة والإبداع. وهو الالتباس الذي يُميّز روح العصر.


المراجع والهوامش:

–  Chamsy el-Ojeili & Patrick Hayden (2006), Critical Theories of Globalization, Palgrave MacMillan.

–  David K. Naugle (2002), Worldview: The History of a Concept, W.B. Eerdmans Publishing.

–  James W. Sire (2004), Naming the Elephant: Worldview as a Concept, IVP Academic.

–  Anne-Laure Amilhat Szary (2020), Géopolitique des frontières : découper la terre, imposer une vision du monde, éd. Le Cavalier Bleu.

–  Paul Claval (2012), De la terre aux hommes : la géographie comme vision du monde, Armand Colin.

–  Christian Grataloup (2025), Vision(s) du monde : Histoire critique des représentations de l’Humanité, Dunod Poche.


العولمة وصعود الخصوصيات الثقافية:

ألا يزال الجِوار ممكنًا؟

عبدالله المطيري – كاتب سعودي

يمكننا القول إن «التشابه» هو العلامة الأكثر التصاقًا بالعولمة. إذا كانت العولمة تعني «تحول العالم إلى قرية واحدة»، كما هي التسمية المتداولة، فإن القرية هنا تمثل التواصل المباشر، وهو ما تحقق مع التقنية الحديثة ووسائل المواصلات المتقدمة. الحواجز القديمة بين الجماعات البشرية تبدو أقل مع تقدم الوقت، إلا أن هذا التواصل المباشر لا يتم بين أطراف متقاربة في القدرة. هناك طرف أقوى وأكثر قدرة على الانتشار، وبالتالي سيطبع هذه القرية بطابعه وهو ما يعني تشابه العالم.

صعود التعبير عن الخصوصيات

العلامة البارزة لهذا التشابه هي وجود الشركات العابرة للقارات في كل مكان. هذا الأمر ينطبق على الشركات الظاهرة في المجال العام مثل سلسلة مطاعم ماكدونالدز وتلك الخفية مثل شركات المال والتسويق التي ترسم ملامح الفضاء العام من دون أن يكون لها حضور معلن فيه. محصلة كل هذه الملحوظات والتوصيفات أن العولمة تعني أننا أمام نسخة واحدة في كل مكان في العالم. من هنا نشأت النزعات السياحية والترفيهية التي تبحث عن المختلف عن كل هذا، وهذا ملمح مهم في طبيعة تشكل العالم الحديث.

أمام كل هذا ظهرت في المقابل أكبر موجة في تاريخ البشرية من تعبير الخصوصيات والأقليات العرقية والمذهبية وأنماط العيش المختلفة عن نفسها. حضور مطاعم الأكلات الشعبية من كل أنحاء العالم بأنواعها كافة اليوم في الرياض مثلًا يطغى على كل مطاعم الوجبات السريعة التي تمثل العولمة. ربما لأول مرة في التاريخ تتاح الفرصة لكل هذا التنوع للتعبير عن نفسه مباشرة على المسرح العالمي. يوميات اليوتيوب التي يصوّرها سكان القرى في أماكن كثيرة من العالم تحظى اليوم بمشاهدة واسعة لدى شرائح مختلفة من الناس. المذاهب الدينية مهما كان مكانها في معادلة القوى في بلدانها لها منصات إعلامية تعبر عنها وتشرح مواقفها وتوصل صوتها للمشهد العالمي. يمتد هذا المشهد لكل ملامح التعبير الثقافي من لغة وموسيقا وأزياء. نحن هنا إذن أمام مشهد مركب؛ من جهة حَمَلت العولمة معها مشاهد التشابه الصاخبة، ومن جهة أخرى نشهد (صعودًا) هائلًا لمشاهد تعبير الثقافات «الفرعية» أو الأقليات بأنواعها كافة. هل هذا يعني انهيار العولمة بوصفها أطروحة التشابه أو أن ما يحدث هو شكل من أشكال العولمة التي تتحول باستمرار أم إننا أمام أمر آخر؟

أود هنا أن أعود لتأمل حالة «القرية» في التعريف السابق للعولمة بوصفها قرية عالمية. تتكاثر اليوم في العالم مناطق تجارية تسمى «القرية العالمية» والمتوقع فيها أن تتجاور محلات تجارية من مختلف دول العالم في مكان واحد. يتحرك المتسوق على أقدامه من الهند إلى الصين إلى السعودية إلى الدنمارك مرورًا باليابان والبرازيل وإثيوبيا في جولة عجيبة رغم اعتيادنا عليها. ما المتشابه داخل هذا التنوع؟ هل القرية مقر التشابه في الوجود الإنساني في مقابل المدينة مقر التنوع؟ هل التنوع البشري متشابه في عمقه؟ هل أعادتنا العولمة لاكتشاف المشترك الإنساني؟

ثقافات متنوعة في سوق عولمي

دعونا ننصت إلى هذه الفكرة بعمق أكبر. ما الذي يفعله الناس في كل مكان من العالم؟ ألا يفعلون الشيء ذاته؟ محاولة العيش بحسب ما يتوافر لهم من قدرات؟ أليس كل هذا التنوع شاهدًا على موقف أو شرط وجودي واحد؟ ربما، لكن ما نعلمه كذلك أن العولمة -في صيغتها الرأسمالية الراهنة- ليست محايدة تجاه أنماط العيش المختلفة؛ بوصفها هي ذاتها نمط عيش واحد يعبّر تحديدًا عن لقاء حاد بين التقنية والاستثمار المالي. بهذا المعنى يكون هذا (الصعود) للتنوع الثقافي، مجرّد مشهد من مشاهد نمط الاستثمار العولمي: (كل شيء يُنظر له على أنه إمكانية للاستثمار/ ميتافيزيقا التقنية عند هايدغر) بما في ذلك التنوعات والخصوصيات الثقافية.

بالمعنى الأخير هذا يكون معنى التشابه الكامن في العولمة معنى وجودي يتحرك بوصفه خلفيّة عامة تستوعب أشكالًا مختلفة من التعبير. إذا كانت الفرضية أن الحياة في القرية تعبّر عن نمط وجودي واحد خلف كل أشكال التعبير في الكلام والزي والأكل وأشكال العيش الأخرى، فإن منطق التقنية الحديثة هو المحرك للعولمة بما في ذلك استثمارها للتنوع والتعدديات الثقافية. بهذا المعنى فإننا لسنا أمام صعود للخصوصيات الثقافية بالمعنى الوجودي للكلمة.

أي أننا لسنا هنا أمام مشهد من ظهور أنماط عيش عميقة متنوعة، بل نحن أمام (عرض) للثقافات المتنوعة في السوق العولمي. هنا تكون الخصوصيات الثقافية منتجات يمكن استثمارها وتسويقها بشكل عصري. هذا يفسر لنا حماسة شركات التسويق والاستثمار الثقافي للاستثمار في مختلف أشكال التنوع والتراث.

هذه الأطروحة يمكن دعمها ببعض الملحوظات وبعض الأسئلة. هل تحضر الخصوصيات الثقافية بوصفها أشكالًا فريدة للحياة اليوم، أو بوصفها مشاهد في متحف إلكتروني عالمي؟ مثلًا، يشاهد كثير من الناس يوميات لحياة أسر في قرى إيرانية قريبة من الحدود الأفغانية. تمتد هذه الفيديوهات لساعات طويلة وتُحدّث باستمرار وتسجّل ملايين المتابعات. تعرض هذه اليوميات تسجيلًا لمقتطفات من حياة الناس في تلك القرى بوصفها حياة مختلفة ومميزة، وما زالت تتمتع بعلاقة أقرب للطبيعة والكائنات الأخرى مقارنة بحياة الناس في المدن. تُصوَّر هذه المشاهد بأحدث الأجهزة الذكية وتُعرض على منصات التواصل الجديدة.

نحن هنا أمام صورة لحياة تمتاز وتأخذ جاذبيتها بوصفها خارج مسار الزمن الحديث، مع أنها تُقدّم في أحدث وسائل التواصل الحديث؛ أي أن قيمتها التي تستند إليها في التسويق هي أنها منقرضة أو على وشك الانقراض. بعبارة أخرى: إنها لم تعد جزءًا من عالمنا الحديث إلا بوصفها علامة على تلاشيها منه. هذا يمتد مثلًا للأزياء التراثية التي يرتديها الناس في مناسبات معينة بوصفها علامات على ماضٍ ما يُراد الانتماء له. بالتأكيد، إن هذه المواد الإعلامية نوافذ على أنماط أصيلة من الوجود لكن السؤال: هل حضورها هذا تعبير عن شراكتها الأصيلة في هذا العالم أم إنها مشاهد للاستثمار من جانب نمط العولمة الأساسي/ منطق التقنية/ الاتصال بكل شيء على أنه إمكانية للاستثمار؟

لا يمكن حصر مشاهد (صعود) الخصوصيات الثقافية في هذه التمظهرات السلمية وحدها؛ فهناك أيضًا مشاهد تعبّر عن عنف شديد، حيث تصعد الخصوصيات الثقافية في مشاهد الحروب والصراع بين الجماعات. فالحركات الدينية المتطرفة مثلًا تجد فرصة مع تقنيات التواصل الحديثة، بحيث تظهر في المشهد العالمي وتوصل رسائلها للجميع. كذلك ساهم بذخ التصنيع الحديث للأسلحة وتعدد وسائل النقل بتملك هذه الجماعات لنسبة من القدرة التقنية ساعدتها على التأثير الحربي في الصراعات العالمية. يعود السؤال هنا: هل نحن أمام مسرح جديد يتعدد فيه اللاعبون أم إننا أمام مسرح العولمة ذاته حيث تتحول الجماعات المتطرفة إلى فرصة للاستثمار السياسي والاقتصادي؟

إعادة الإنصات لطبيعة الوجود الإنساني

مشكلة أطروحة العولمة المهيمنة هذه، على الرغم من كل مشاهد التنوع والاختلاف و(صعود) الخصوصيات، أنها تشبه -في الظاهر على الأقل- أطروحات المؤامرة والجماعات التي تتحكّم في العالم. وهي الأطروحات التي تلقى رواجًا هائلًا هذه الأيام ويُستثمَر فيها للتسويق للبرامج والحسابات الشخصية عبر وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة. الفرق الجوهري ربما أن أطروحة العولمة، بوصفها التعبير المعاصر عن ميتافيزيقا التقنية، لا تعبّر عن إرادة محددة، بل هي تعبير عن خروج العالم عن أية إرادة.

هذا المشهد المرعب يدفع في جهة من جهاته باتجاه المزيد من الاستثمار؛ أي أن هذه «الحتمية» التي تجاوزت منطق السببية لا أمل في تغييرها؛ لذا لا بد من استثمارها اتساقًا مع منطق ركوب الموجة إذا كان الخيار الآخر أنها ستدمرك. اتساقًا مع هذا الطرح نجد أن الذكاء الاصطناعي، ربما التعبير الأحدث عن العولمة، يدفع باتجاه طرح سؤال الحرية والإرادة الإنسانية من جديد حيث تقترب الآلة أكثر من أي وقت مضى من امتلاك وعيها الخاص، وبالتالي نكون في حالة المواجهة الصارخة بين الإنسان والآلة التي اعتقد باستمرار أنها في طوع يده، ولكنها اليوم تلوّح بوجود لها آخر وهو يعلم فارق القدرة الهائل بينه وبينها.

لعل هذه الصورة المربكة تدفع باتجاه مراجعة عميقة لعلاقة الإنسان بالتقنية. تأخذ التقنية مركزيتها في هذا النقاش بوصفها الرحم الكبرى للتحولات التي نشهدها. اليوم نحن أمام فرصة أكبر لملاحظة أن التقنية ليست أداة محايدة في علاقتها بالإنسان. ربما لم تعد أداة أصلًا. نمط العيش الإنساني يتحوّل داخل عوالم التقنية الحديثة. نشاهد هذا التحوّل بوضوح في الأجيال الحديثة التي لم تشهد في وجودها عالمًا آخر غير عالم التواصل التقني الحديث. نلحظ طبيعة علاقاتهم الاجتماعية وعمق تغيرها المتسارع.

قد يكون الحديث عن إمكانية المراجعة العميقة مثيرًا للسخرية، ولكن السخرية علمتنا أنها إحدى منافذ الإنسان الكبرى على المنظورات الجديدة. كذلك نتذكر هنا العزاء الذي يردده هايدغر مع هولدرلين أن التحديات الأصعب تحمل معها إمكانات جديدة للخلاص. المراجعة العميقة التي أعنيها هي إعادة الإنصات لطبيعة الوجود الإنساني العميق المتمثلة في علاقاته مع الكائنات الأخرى. إذا كانت ميتافيزيقا التقنية تعني أن العلاقة المتاحة هي علاقة الاستعمال والاستغلال، فإن الوجود البشري كذلك يحمل لنا إمكانات أخرى لعل أبرزها إمكان الجوار مع الكائنات الأخرى.

الجوار هنا يعني أن نكون موجودين معًا دون أن يكون الطرف الآخر في العلاقة موضوعًا لاستثمار الطرف الأول. قد تكون استعادة الجوار هي المهمة الأصعب مع حركة العولمة والتجارة العالمية التي لا تفهم أي نوع من أنواع الاتصال لا يتضمن في داخله استثمارًا تجاريًّا بين الطرفين. هذا الجوار لا يستبعد العلاقة الاستعمالية بين الكائنات، ولكنه لا يجعلها العلاقة التي يولد داخلها كل شيء؛ أي ألّا تكون هي الحقيقة التي تظهر فيها الأشياء بالتعبير الهايدغري. إذا كانت العولمة وفّرت قربًا غير مسبوق فإننا نعلم أن القرب في حد ذاته لا يكفل الجوار. في الحرب يحدث القرب الأعنف بين الكائنات حيث لا يكون القرب إلا مرحلة من مراحل الالتهام. قرب الجوار قرب لا يجوع. قرب الجوار حفاظ ورعاية لا استثمار واستغلال.


القومية الدينية والخصوصية الثقافية

إميل أمين – كاتب باحث مصري

على مشارف النصف الثاني من العقد الثالث للقرن الحادي والعشرين، هل يمضي عالَمنا قُدمًا في طريق العولمة الموعودة، أم إننا نشهد ردة عن ذلك التيار لصالح استدعاء الماضي، متمثلًا في عودة القوميات، وصحوة الشوفينيات، فضلًا عن بزوغ جديد للهويات الدينية، بما ينتج فكرًا دوغمائيًّا كان يُخيَّل للجميع أن العلمانية -بصيغتها المعتدلة أو المتشددة- قد طوته إلى غير رجعة؟

لا تبدو الإجابة عن هذا التساؤل يسيرة، لكن بعض الملامح والمعالم على درب الإنسانية السائرة والحائرة في العقد الأخير، تشي بأن هناك فجرًا جديدًا مغايرًا، يكاد يطل كالحريق من نافذة الأحداث الدولية، ويعكس فيما يبدو أفولًا واضحًا لسيرة ومسيرة العولمة. ولأن الولايات المتحدة الأميركية، لا تزال مالئة الدنيا وشاغلة الناس، لهذا فكرنا جديًّا في تقديم ما يجري هناك مثالًا على الاحتمالات الواردة لعالم مغاير في المدى الزمني المنظور.

دافيد بروكس ونهاية العولمة

في مطلع إبريل المنصرم، كتب المعلق الكندي الأصل دافيد بروكس في عموده الشهير في صحيفة النيويورك تايمز، عن مآلات العولمة. واستنتج -عبر مقال طويل- أن مسار العولمة يشهد تراجعًا ملحوظًا، بعد أن بدا في مطلع تسعينيات القرن المنصرم أن العالم يتجه نحو التلاقي، وأن نزاع الحرب الباردة بين الشيوعية والرأسمالية قد انتهى.

كانت الديمقراطية آنذاك لا تزال في طور النمو في أوربا الشرقية، فيما اتجهت دول العالم نحو ترابط اقتصادي واضح وملموس. كما بدت شبكة الإنترنت مستعدة لتعزيز الاتصالات في شتى أرجاء العالم، والتقارب الأممي يلف العالم كله، ولا سيما حول مجموعة من القيم، مثل: الحرية والمساواة والكرامة الفردية والتعددية وحقوق الإنسان.

أُطلق على عملية التقارب تلك اسم العولمة، وقد كانت في بدايتها عملية اقتصادية وثقافية تتعلق بتزايد التبادل التجاري والاستثمار بين البلدان، وانتشار التقنية، لكنها لاحقًا باتت عملية سياسية واجتماعية وأخلاقية.

يمكن لنا هنا أن نتساءل: هل كانت هذه رؤية متفائلة أكثر مما يحتمل الواقع؟

الحقيقة شبه المؤكدة حتى الساعة، هي أن رؤية العولمة بدت أقرب إلى النظرية المثالية منها إلى المشروع العملي، وبخاصة من جهة مراحل تطور التاريخ. فقد كانت رؤية للتقارب والتقدم، من غير جذور معرفية متينة تستند إلى الخصوصيات الثقافية والحقائق المجتمعية لكل أمة وشعب وقبيلة. ولهذا لم يشهد العالم تقاربًا حقيقيًّا بقدر ما انفتح على تشعبات وصراعات، تستند أساسًا إلى تلك الخصوصيات. وقد انزلقت هذه التناقضات لاحقًا إلى حروب ثقافية تشتد، ثم لا تلبث أن تتحول إلى مواجهات عسكرية.

بطرس غالي والعولمة المنتكسة

في مؤلفه الشائق «ديمقراطية العولمة»، أجرى الكاتب والصحافي المعروف «إيف برتولو»، حوارًا مع سكرتير عام الأمم المتحدة الراحل الدكتور بطرس بطرس غالي، كشف عن شخصية فكرية تقدمية ذات رؤية استشرافية أثبتت الأحداث اللاحقة صوابها. فقد رأى غالي في بواكير ظاهرة العولمة مسارًا ينذر بانتقال السلطة من الدولة الوطنية إلى جهاز عالمي جديد، أقرب إلى أممية جديدة أو حكومة عالمية غير معلنة. وميّز بين أنماط متعددة من العولمة، منها: عولمة الإشكاليات المحلية، وعولمة الأمراض والأوبئة، فضلًا عن عولمة الائتمان والإرهاب.

قبل أكثر من ربع قرن، أكد الدكتور بطرس غالي أننا نقف على عتبات عالم جديد يبشر بظهور قوى كبرى موازية للدول، قوى يميل بعضٌ إلى تسميتها «اللاعبون من غير الدول»، مثل: المنظمات الدولية غير الحكومية، والشركات متعددة الجنسيات، إضافة إلى جماعات الضغط المالية أو الدينية. وهناك أيضًا مراكز الفكر التي تقدم المشورة العالمية وتؤثر بعمق في مسارات السياسات وتبدّل أنماط السلوك. ومعنى ذلك أن صورة الدولة، التي نعرفها منذ خمسة قرون، تتغير ولم تعد هي اللاعب الوحيد في الملعب العالمي. فهل نكون بذلك أمام أفول مفهوم «القرية الكونية»، لعالم الاجتماع الكندي الشهير مارشال ماكلوهان؟

مراجعة واجبة للقرية الصغيرة

ولدت فكرة «القرية الكونية» في عام 1964م، بعد ملاحظة دور وسائل الإعلام وقتها، وقدرتها على وصل البشر عبر أرجاء الكرة الأرضية بالهاتف والبرق، ما حول الكرة الأرضية في تقدير ماكلوهان إلى قرية كونية عظيمة. في تلك القرية بات من الممكن للقرويين معرفة ما يفعله جيرانهم، عبر المذياع والتلفاز، وكيف يعيشون وما يقوله الآخرون عنهم. ومن الممكن لقروي من الغرب الأوسط الأميركي أن يرى ما يفعله نظيره في قرى هونغ كونغ، على حدود الصين أقصى الشرق. ولعله من نافلة القول هنا، أن لفظة قروي هنا لا تعني الفلاح الذي يحرث ويسقي ويزرع الأرض، وإنما هو المواطن العالمي، في قلب هذه القرية الكونية، أي عالمنا المعاصر.

لقد توقع ماكلوهان العولمة لا للأسواق فحسب، بل أيضًا للعادات وأساليب الحياة والاتصالات. وقد كانت توقعاته سابقة لظهور وسائط التواصل الاجتماعي التي تتيح اليوم التواصل مع العالم بأسره على مدار الساعة.

ويمكن للقارئ اليوم أن يتساءل: هل تحقق استشرف ماكلوهان؟ أم إن الواقع قد تجاوزه، في ظل تساؤلات بنيوية جذرية حول الحدود وأشكالها وماهيتها، والصراع حول التطورات البشرية والتكاثر السكاني الذي أفضى إلى موجات هجرة يراها بعضٌ مدمرة؟ يضاف إلى ذلك انبلاج فجر جديد لعالم الذكاء الاصطناعي والروبوتات التي يمكنها أن تُزِيحَ البشريةَ من وظائفهم، فيما يخشى بعضٌ من انقلابها على البشر، ليهيمن إنسان السايبورغ على الخليقة برمتها.

من ناحية، هل يمكن عد صحوة القومية المسيحية في الولايات المتحدة خلال إدارة الرئيس ترمب، مثالًا على الرغبة في الانسلاخ من تيار العولمة والعودة إلى دائرة البيوريتانيين، أي المهاجرين الأوربيين الأوائل إلى أميركا، الذين يعتقدون أن أميركا أمة لها خصوصياتها، أمة مختارة من الله لهدف محدد، وهو قيادة العالم وريادته؟

يعرف الباحثان أندرو وايتهياد وصموئيل بيري القومية المسيحية بأنها «إطار ثقافي، يعمل على تعزيز وتشجيع واندماج المسيحية مع الحياة المدنية الأميركية». ويبدو أن الولايات المتحدة اليوم تعيش حالة من الصحوة القومية الدينية، التي كانت تيارًا بارزًا في مطلع القرن التاسع عشر.

في مؤلفه «ابتكار أميركا المسيحية» الصادر عام 2015م، يشير الباحث القانوني الأميركي «ستيفن ك. غرين»، إلى أن ما تعيشه الولايات المتحدة الأميركية اليوم هو نوع من «الصحوة الدينية-القومية الثانية، وهي حركة إحياء إنجيلية بروتستانتية بلغت ذروتها في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، وكان هدفها الرئيس هو رؤية القيم الدينية تنعكس في ثقافة الأمة ومؤسساتها. على سبيل المثال، ذهب القس عزرا ستايلزايلي المشيخي من فيلادلفيا، إلى أبعد من ذلك عندما أخبر جماعته في عام 1828م أنه لا ينبغي انتخاب سوى القادة المعروفين بأنهم مسيحيون معلنون.

هل هذه هي حال أميركا اليوم؟

بحسب الباحث في الدراسات الدينية ريتشارد هيوز، فإن العديد من المشاركين في الصحوة الكبرى الثانية التي تعيشها أميركا هذه الأيام سعوا إلى تحويل الأمة إلى جمهورية مسيحية، ومن هنا يمكن القطع بأن الدوغمائية الدينية هي الرد الأميركي على العولمة.

لقد كان الدين سلاحًا ثقافيًّا مهمًّا وفاعلًا في زمن الحرب الباردة، وكما قال السيناتور جوزيف مكارثي: «مصير العالم رهن بالصراع بين إلحاد موسكو والروح المسيحية في أنحاء أخرى من العالم». هنا يبقى السؤال: من أي جانب تخشى أميركا اليوم، هل من روسيا أم الصين؟

ربما نستمع إلى رجع صدى لتفسير هنتنغتون للتاريخ المؤامراتي وتقسيم العالم تقسيمًا مانويًّا بين معسكرين إسلامي-كونفوشيوسي، في مقابل يهودي مسيحي. غير أن هذا الصدى ربما يتمثل بقوة وعمق في رؤية الفجر الذهبي الأميركي، الذي هو خليط من الصحوة الدينية القومية، والرجوع إلى الأنساق الثقافية والخصوصية الأميركية في مراحلها البكر.

عن الفجر الذهبي لكيفن روبرتس

يحتاج مفهوم الفجر الذهبي لأميركا إلى قراءات معمقة خاصة قائمة بذاتها، ولا سيما أن صاحب المفهوم، البروفيسور كيفن روبرتس، هو الرئيس التنفيذي لمؤسسة «إرث» أو التراث الأميركية، التي تعد القلب النابض لعقل إدارة الرئيس ترمب الحالية وفكرها. ولا نغالي إن قلنا: إنها الموقع والموضع الذي اختمرت فيه أفكار نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، بل أكثر من ذلك، إنها الجماعة الوظيفية التي عَبَّدَت الطريق أمامه للوصول إلى البيت الأبيض.

كيفن روبرتس، هو الابن الروحي البار لـ«راسل كيرك» (1918- 1994م)، المنظر السياسي الأميركي والأخلاقي، والمؤرخ والناقد الاجتماعي، الذي عُرف بتأثيره في السياسة المحافظة للولايات المتحدة في القرن العشرين.

في كتابه «العقل المحافظ»، الصادر عام 1953م، يرى راسل كيرك أن «الأميركي المحافظ مهتم قبل كل شيء بتجديد الروح والشخصية بالحقائق الخالدة». هذه الحقائق في تقدير كيفن روبرتس تفيد بحتمية تاريخية لتغيير مسار أميركا ليشرق عليها الفجر الذهبي من جديد، إشراقًا داخليًّا، لا يقيم وزنًا كبيرًا للعالم الخارجي ولا لنوازع العولمة أو نوازلها دفعة واحدة.

يرى روبرتس أن أميركا اليوم تعيش في ظل انهيار التكنوقراطية الليبرالية، وتقف على عتبات مرحلة جديدة، أو بالأحرى مرحلة قديمة جدًّا يسميها مرحلة «تجديد الجهوزية الأميركية»، حيث البلاد لا تستند إلى المصطلحات الإدارية أو التوجهات النيوليبرالية، بل إلى مبادئ النظام الأخلاقي، والحكم الذاتي، والهدف الوطني والكرامة الإنسانية.

روبرتس يرى أن ما تعيشه أميركا الآن هو عصر انقلاب مظلم، وأنه لعقود طوال بيعت لأميركا كذبة العولمة، كذبة مفادها أن النموذج الاقتصادي وحده كفيل بدعم الأمة، وأن الحرية لا تدوم إلا بالفضيلة، وأن الأسس الثقافية قابلة للتضحية ما دامت أسواق الأسهم ترتفع، والناتج المحلي الإجمالي يتصاعد. ويضيف: «قيل لنا: إن الحرية تعني التعبير عن الذات لا الحكم الذاتي، وأن السوق هو من سيربي أطفالنا، وإنه ما دامت التقارير الفصلية قوية، فالوطن قوي».

هل من خلاصة؟

مما لا شك فيه أن خطاب الخصوصيات الثقافية وظواهر القومية والشوفينية المستعادة من عقود سابقة، بات اليوم ينسحب على معظم بقاع الأرض. فالمشهد يحتاج إلى تناول صحوة السلافية الأرثوذكسية الروسية من جانب، وتعاظم المد الصيني بنسقه الكونفوشيوسي من جانب آخر، دون إغفال ما يجري في اليابان من انكفاء نحو الداخل، وعودة مسارات الإمبراطورية إلى الواجهة. أما في أوربا، فحدث ولا حرج عن صعود اليمين المتشدد المرتكز إلى الإرث القومي والعقائدي معًا. ولا يختلف المشهد في الشرق الأوسط أو إفريقيا السمراء، التي خلعت عنها مؤخرًا عباءة الوصاية الأوربية، فيما تمضي أميركا اللاتينية بدورها إلى البحث عن موقع مغاير لوضعية «الخلفية الجغرافية» للولايات المتحدة الأميركية.

فهل آن أوان غروب شمس العولمة؟ الأغلب أن الجواب بالإيجاب، وغدًا لناظره قريب.


هويات تعود من الظل:

العالم يتوحد… والثقافات تتمرد!

عبدالله بريمي – أكاديمي مغربي

تحوّل في المشهد الكوني

منذ تسعينيات القرن العشرين، رسّخت العولمة نفسها بوصفها النموذج المهيمن في تنظيم العلاقات الدولية، عبر تكريس خطاب الوحدة الاقتصادية والسياسية والثقافية، والدعوة إلى تجاوز الحدود الوطنية والخصوصيات المحلية نحو فضاء كوني متجانس. غير أنّ العقدين الأخيرين شهدا تراجعًا ملموسًا في هذا المشروع الكوني، مقابل بروز متنامٍ للخصوصيات الثقافية والهويات القومية، إلى حدّ دفع العديد من الباحثين إلى الحديث عن دخول العالم مرحلة «ما بعد العولمة»؛ إذ لم تعد العولمة مجرد فرصة للتبادل الثقافي، بل باتت يُنظر إليها، من طرف كثير من الشعوب، بوصفها تهديدًا للتمايز والخصوصية. ومن هنا برزت ظاهرة عودة الخصوصيات الثقافية والقومية بوصفها رد فعل على النزعة التوحيدية التي تسعى العولمة إلى فرضها(1).

هذا التحول لا يمكن اختزاله في كونه مجرّد رد فعل دفاعي من المجتمعات النامية المهددة بالذوبان في المنظومة الغربية، بل هو ظاهرة كونية كلية شملت حتى مراكز إنتاج العولمة ذاتها؛ إذ تشهد دول غربية صعود نزعات قومية متشددة، وإعادة الوصف للهويات المحلية، وعودة خطاب السيادة الوطنية، بما يكشف عن أزمة عميقة في أسس المشروع العولمي، سواء على المستوى الثقافي أو الاقتصادي أو السياسي. في السياق العربي، يكتسي هذا الموضوع أهمية خاصة؛ لأن المنطقة العربية تتأرجح بين رغبة في الانخراط في مسار التحديث والانفتاح، والحاجة المُلِحّة إلى الحفاظ على مكوناتها الهوياتية المميزة: الدين واللغة والتراث والذاكرة الوطنية.

إن هذه الدينامية الجديدة تطرح أسئلة معرفية ومعيارية حول مستقبل النظام العالمي: هل نحن بصدد نهاية حتمية للنموذج العولمي، أم بصدد إعادة تشكّل متوازن يزاوج بين العولمة والتعددية الثقافية؟ وهل يمكن صياغة نموذج بديل يقوم على الاعتراف المتبادل بالهويات واحترام التنوع، عوض منطق الإقصاء والهيمنة؟

في ضوء هذه الإشكالات، يسعى هذا المقال إلى دراسة صعود الخصوصيات الثقافية والقومية في عصر ما بعد العولمة، عبر تحليل سياقاته التاريخية، واستجلاء أبعاده النظرية والعملية، واستحضار نماذج تطبيقية من تجارب عربية متباينة. كما يستند إلى إسهامات عدد من المفكرين الذين قارَبوا علاقة العولمة بالهوية، بغية فهم أعمق للتحولات الجارية ورهاناتها المستقبلية

في مفاهيم العولمة والخصوصيات الثقافية والقومية

العولمة ظاهرة مركبة متعددة الأبعاد. فهي اقتصاديًّا تعني تحرير الأسواق، وتدويل رؤوس الأموال، وتفكيك الحدود الجمركية. وسياسيًّا تقوم على تراجع السيادة الوطنية أمام المؤسسات الدولية والشركات العابرة للقارات. أما ثقافيًّا فتسعى إلى فرض نموذج موحّد للأنماط الحياتية عبر الإعلام والتقنية وثقافة الاستهلاك(2).

الخصوصية الثقافية هي مجموع السمات الرمزية والمادية التي تميز جماعة بشرية من غيرها، وتشمل اللغة والعادات والتقاليد والفنون وأنماط العيش. إنها ليست مجرد «ماضٍ» منغلق، بل رأسمال رمزي يتجدد باستمرار في سياقات التفاعل مع الآخر. أما الخصوصية القومية فترتبط بـالهوية السياسية والسيادية لشعب ما في إطار قومي محدد. إنها تتجسد في اللغة الرسمية ومؤسسات الدولة والرموز الوطنية والذاكرة الجماعية المؤسسة للانتماء القومي. وهي تعمل على حماية الكيان الوطني من التفكك أو التبعية. هذه الخصوصيات تُعَدُّ رأسمالًا رمزيًّا يمنح الأفراد شعورًا بالهوية والانتماء.

العولمة والهوية: بين الذوبان والمقاومة

على المستوى الثقافي، لم تُعد العولمة مجرد انفتاح على العالم أو تبادل بين الثقافات، بل أصبحت -في نظر كثير من الباحثين والمفكرين- أداة لنشر أنماط تفكير وسلوك واستهلاك أحادية، تهيمن عليها الثقافة الأميركية بالدرجة الأولى. فالعولمة كما نراها اليوم، لا تمثّل فقط منظومة اقتصادية أو تقنية، بل أصبحت أشبه بـ«مرآة أميركية» تنعكس فيها قيم وأنماط العيش الأميركية، وتُعَمَّم عالميًّا على حساب الخصوصيات المحلية؛ سواء على مستوى اللغة أو الذاكرة الجماعية أو أنماط العيش أو حتى الذوق الفني والمعرفي. وهذا التغلغل لا يتم دائمًا بالقوة، بل غالبًا عبر الإبهار والتكرار والسهولة والتغليف التجاري الجذاب، وهو ما يجعل الثقافة المهيمنة مرغوبة و«مألوفة»، بينما يُنظر إلى الثقافة المحلية على أنها «قديمة» أو «غير عصرية».

في هذا السياق، تصبح الخصوصية الثقافية والقومية ضرورة إستراتيجية، لا مجرد ترف رمزي أو شعور نوستالجي بالماضي. إنها شكل من أشكال المقاومة الثقافية الناعمة، التي تسعى للحفاظ على التعدد والتنوع في وجه التماثل والتوحيد القسري. فالثقافات التي لا تُنتج ذاتها ولا تدافع عن رموزها، تصبح مهددة بالذوبان في ثقافة واحدة، تُفرَض عبر السوق والإعلام والتعليم واللغة(3). لقد نظر منظّرو العولمة إلى الهوية بوصفها عائقًا أمام التجانس الكوني، لكنّ ردود الأفعال الثقافية والسياسية أبرزت أنّ الهويات لا تذوب بسهولة، بل تعيد إنتاج ذاتها بآليات جديدة.

وهذا ما دفع مفكرين مثل: إدوارد سعيد ويورغن هابرماس وزيغمونت باومان(4) إلى إعادة التفكير في العلاقة بين الكوني والمحلي. ويمثل العالم العربي نموذجًا بارزًا لتفاعل الهويات المحلية والقومية مع ضغوط العولمة. وتتجلى هذه الخصوصيات في مستويات متعددة.

النموذج المغربي: تنوع الخصوصيات الثقافية في مواجهة العولمة

يشكل المغرب نموذجًا غنيًّا للتفاعل بين الخصوصية الثقافية والقومية من جهة، وتحديات العولمة من جهة أخرى. ففي بلد يتسم بتعدد روافده الحضارية -من الأمازيغية والعربية، إلى الحسانية والأندلسية والإفريقية- تبدو الهوية الثقافية مركبة ومتعددة الطبقات، لكنها في الوقت ذاته متوافقة ضمن إطار وطني مشترك. هذا التعدد لم يكن دائمًا معترفًا به رسميًّا، بل تطلب نضالًا ثقافيًّا واجتماعيًّا طويلًا من أجل التثبيت في السياسات العمومية والدستور(5).

يشكل إدماج اللغة الأمازيغية في دستور 2011م لحظة فارقة في هذا المسار، حيث لم يعد الحديث عن الأمازيغية مجرد مسألة لغوية أو مطلب حقوقي، بل أصبح اعترافًا مؤسساتيًّا بخصوصية لغوية وثقافية أساسية في بناء الهوية الوطنية. جاء هذا الترسيم بعد عقود من التهميش، ويُعدّ خطوة جريئة في مقاومة ما يُنظر إليه كـ«تهميش مزدوج»: داخلي من خلال السياسات المركزية التي أهملت التنوع وخارجي من خلال هيمنة اللغات الأجنبية، وبخاصة الفرنسية، التي فرضت نفسها منذ الاستعمار كلغة إدارة وثقافة، واستمرت لاحقًا كأداة من أدوات العولمة.

إن حضور الفرنسية والإنجليزية في الفضاء العام، وفي الإعلام والتعليم والاقتصاد، لا يُعد مجرد خيار تواصلي، بل هو امتداد لصراعات رمزية حول النفوذ الثقافي. ولذلك، فإن النقاشات التي تُثار باستمرار في المغرب حول التعريب والازدواجية اللغوية والتدريس باللغات الأجنبية، تعبّر عن قلق عميق من ذوبان الهوية اللغوية الوطنية وسط موجات العولمة المتسارعة. فالصراع اللغوي في المغرب ليس مجرد مسألة تقنية، بل هو صراع رمزي حول معاني الانتماء والسيادة الثقافية.

لكن في مواجهة هذا التحدي، اختار المغرب طريقًا مزدوجًا: الانفتاح على العالم مع تأكيد الخصوصية. فسياسات الدولة لم تقتصر على ترسيم الأمازيغية، بل امتدت إلى حماية التراث الثقافي غير المادي، مثل الموسيقا الأندلسية وفن كناوة، وفن أحيدوس وأحواش وفنون الحلقة والزوايا والأزياء التقليدية، والمهرجانات التراثية. وهذه العناصر، إلى جانب كونها مكونًا من مكونات الهوية، أصبحت اليوم أدوات فاعلة فيما يُعرف بـ«القوة الناعمة» المغربية، وتُستثمر في الدبلوماسية الثقافية والسياحة والعلاقات الدولية.

ففي المغرب، يُطرَح نموذج «الاستثناء المغربي» أو «الخصوصية المغربية» أو «تامغرابيت» بشكل متكرر في الخطاب الرسمي والإعلامي، الذي يؤكد تميز النموذج الاجتماعي والديني والسياسي المغربي عن محيطه وعن النماذج الغربية. هذا التوجه يعكس تحول الخصوصية من عنصر دفاع إلى عنصر استثمار: فبدل أن تُستخدم الخصوصية فقط درعًا ضد العولمة، أصبحت تُوظف بوصفها رافعة لتعزيز الحضور المغربي على الساحة العالمية. وهذا التحول يعكس وعيًا عميقًا بأن حماية الهوية لا تعني الانغلاق، بل تتطلب بناء مشروع ثقافي وطني متين، قادر على الصمود في وجه التيارات العالمية، دون أن يفقد جذوره.

النموذج المغربي يُظهر أن الخصوصية الثقافية والقومية ليست عائقًا أمام التقدم أو الانفتاح، بل هي شرطٌ لهما. والمجتمعات التي تعرف كيف تحافظ على تنوعها الداخلي، وتُعيد تأويله في سياق عالمي، تكون أكثر قدرة على التأقلم مع متغيرات العولمة، دون أن تذوب فيها.

الخصوصيات الثقافية في العالم العربي: تنوع يوحد

في هذا السياق، تشهد العديد من دول العالم العربي حركة متنامية للحفاظ على خصوصياتها الثقافية وإحياء تراثها وتسجيله رسميًّا لدى منظمة اليونسكو، في محاولة مزدوجة لحمايته من الزوال، والاعتراف به دوليًّا بوصفها جزءًا من التراث الإنساني المشترك. ويُعد هذا التوجه جزءًا من إستراتيجيات ثقافية واعية تهدف إلى تحصين الهوية في مواجهة التنميط والتوحيد الثقافي الذي تفرضه العولمة.

من أبرز الأمثلة على ذلك:

تسجيل «نخيل التمر» كتراث إنساني مشترك بين دول عربية عدة: الإمارات والسعودية وعمان ومصر وتونس… وغيرها. هذا التسجيل لا يكتفي بالاحتفاء الرمزي بالنخلة، بل يشمل أيضًا حماية المعارف الزراعية والممارسات التقليدية والطقوس الاجتماعية المرتبطة بها. فالنخلة ليست مجرد نبات، بل هي رمز للحياة في الصحراء، وعنصر مركزي في الاقتصاد والثقافة والمخيال الشعبي، بل في المعمار واللغة أيضًا. وقد شكّلت النخلة على مر العصور جسرًا بين الطبيعة والإنسان، وتجسد اليوم جزءًا من الكينونة الثقافية للمجتمعات العربية.

وكذلك تسجيل «الكسكس» طبقًا تراثيًّا مغاربيًّا مشتركًا بين المغرب والجزائر وتونس وموريتانيا وليبيا، يُعد مثالًا نموذجيًّا على كيفية انتقال الممارسات اليومية -مثل إعداد الطعام- من كونها عادات منزلية إلى رموز ثقافية كبرى تعبّر عن الانتماء والهوية الجماعية. فهذا الطبق لا يحمل فقط نكهات محلية، بل يحمل ذاكرة الأجيال، وتقنيات الطهي المتوارثة والعلاقات الاجتماعية التي تتشكل حول مائدة الطعام. وتسجيله تراثًا مشتركًا يُظهر أن الثقافة يمكن أن تكون عاملًا موحدًا بين الشعوب، حتى في ظل الخلافات السياسية.

الخصوصيات التراثية بوصفها قوة ناعمة

تزخر المجتمعات العربية بتراث غني ومتنوع يعكس تعدد الخصوصيات الثقافية من بلد إلى آخر، ويُعد هذا التنوع مصدر قوة حضارية، يمكن أن يتحول إلى وسيلة فعّالة لمقاومة طمس الهوية في عصر العولمة. فالخصوصيات الثقافية ليست مجرد ترف أو فُلكلور، بل هي بنية عميقة من القيم، والعادات والرموز واللغة والمعارف، تتوارثها الأجيال وتُشكّل الأساس الذي يُبنى عليه الوعي بالذات والانتماء الوطني.

ففي تونس، يُجسد «فن المالوف» بُعدًا تاريخيًّا وهوية موسيقية فريدة، لا تزال تُمارس في المحافل الثقافية وتُدرّس في المعاهد الموسيقية. أما في الجزائر، فإن «فن الراي» تطور من أغانٍ بدوية إلى موسيقا شبابية عالمية، وهو ما جعله نموذجًا على قدرة الثقافة المحلية على الانتشار العالمي دون أن تفقد جذورها. وفي لبنان، يُعَدّ «الزجل الشعبي» أداة شعرية شفوية تُوظف في السجالات العامة والأعراس وتُحافظ على اللهجات المحلية والذاكرة الشعبية. وفي منطقة الخليج، ما زال «الشعر النبطي» يحظى بمكانة مرموقة، حيث تُنظم له مسابقات شعبية وإعلامية، ويُنظر إليه بوصفه وسيلة لتوثيق التاريخ الشفهي والقيم البدوية. أما طقوس تحضير وتقديم القهوة العربية، فليست مجرد عادة يومية، بل هي جزء من منظومة رمزية متكاملة تعبّر عن الكرم والضيافة والشرف القبلي. وفي المغرب، لا يزال اللباس التقليدي مثل «القفطان والجلابة» حاضرًا في الحياة اليومية والمناسبات، ويُعبّر عن تنوع المناطق وثراء النسيج الاجتماعي والثقافي.

كل هذه الأيقونات تشكل رموزًا للمقاومة والصمود وجزء من معركة الهوية والذاكرة ضد محاولات التهميش أو المصادرة، فيما تُعد «العمارة النوبية» في جنوب مصر وشمال السودان نموذجًا على الإبداع المعماري البيئي الذي يُعبر عن الخصوصية الجغرافية والثقافية في آن. وتُظهر «رقصة الدبكة» في بلاد الشام كيف يمكن لفن جماعي بسيط أن يُشكل رافعة للهوية الجمعية؛ إذ توحّد خطواتها المنتظمة الأفراد في لحظة تناغم جسدي وروحي، وبخاصة في المناسبات الوطنية والاجتماعية. هذه الأمثلة لا تُعبّر فقط عن تنوع ثقافي، بل تكشف عن عمق الهويات العربية وتنوع روافدها الحضارية، كما تعكس قدرة المجتمعات العربية على الحفاظ على تراثها وإعادة إنتاجه، سواء من خلال المبادرات الفردية أو عبر سياسات الدولة التي بدأت، في بعض الدول، تولي اهتمامًا لتدوينه وإدماجه في المناهج التعليمية ودعمه في الفضاءات الإعلامية والثقافية.

ولا تقتصر أهمية هذه المبادرات على الحفاظ على الهوية الثقافية فحسب، بل تمتد إلى استخدام التراث أداةً للقوة الناعمة، تُعزز من حضور الدول العربية في الساحة الدولية. فحين تسجَّل عناصر من التراث ضمن قائمة التراث الإنساني، فإنها تتحول إلى جوازات سفر ثقافية، تُمكن الدول من الترويج لنفسها عبر السياحة الثقافية والمهرجانات الدولية والعلاقات الدبلوماسية.

وفي هذا الإطار، يُصبح التراث غير المادي ليس مجرد «ذاكرة ماضية»، بل مشروعًا مستقبليًّا، يُعاد إنتاجه وتكييفه وتقديمه للعالم بلغة معاصرة، دون أن يفقد جذوره. إن إحياء التراث غير المادي وتسجيله لدى المؤسسات الدولية لا يُعد فقط فعلًا من أفعال الحفظ، بل هو شكل من أشكال المقاومة الثقافية الذكية ضد التهميش والذوبان في ثقافة كونية مهيمنة. ومن خلال ذلك، تعبّر الشعوب العربية عن رغبتها في أن تكون جزءًا من العالم، دون أن تتخلى عن فرادتها وخصوصيتها. وفي زمنٍ باتت فيه الثقافات المحلية مهددة بالتحول إلى سلعة استهلاكية أو ذكرى من الماضي، يُعد التراث غير المادي دعامة أساسية لبناء هوية قوية ومتجددة.

يظهر من خلال هذا أن صعود الخصوصيات الثقافية والقومية في زمن ما بعد العولمة يعكس أزمة عميقة في النموذج الكوني الذي ساد منذ التسعينيات. هذه الخصوصيات ليست نقيضًا مطلقًا للعولمة، بل هي مؤشر على إعادة تشكّلها في اتجاه نموذج أكثر تعددية وتوازنًا. في العالم العربي، تتجلى هذه الخصوصيات في الدفاع عن اللغة وإحياء التراث والعودة إلى المرجعيات الدينية… وهي مظاهر تؤكد أن الهوية تظل عنصرًا مركزيًّا في صياغة أي مشروع عالمي جديد.

وعليه، فإن الرهان المستقبلي لا يكمن في نفي العولمة أو الانغلاق على الذات، بل في صياغة عولمة بديلة تقوم على الاعتراف المتبادل، واحترام الخصوصيات، وتكريس التنوع الثقافي شرطًا أساسيًّا للتعايش الإنساني(6).


العولمة والهوية الثقافية:

تجليات الماضي وتحديات الحاضر

ترجمة وإعداد: خولة يوسف سلمان – مترجمة سورية

تعد العولمة إحدى أبرز الظواهر التي طبعت العصر الحديث بطابعها، وهي عملية مركبة تتجاوز حدود الاقتصاد لتشمل الثقافة والسياسة والهوية. ومع أنها ليست وليدة القرن العشرين، فإن وتيرتها المتسارعة في العقود الأخيرة جعلتها في صميم النقاشات الأكاديمية والاجتماعية على حدّ سواء. ينظر إليها بعضهم بوصفها قوةً محرّرةً تقرّب الشعوب وتفتح آفاق التبادل المعرفي والاقتصادي، في حين يراها آخرون تهديدًا مباشرًا للخصوصيات الثقافية والهوية الوطنية.

ضمن هذا الإطار يسعى هذا المقال إلى استكشاف تأثير العولمة في الهوية الثقافية من زوايا متعدّدة، عبر تتبع جذورها التاريخية وفهم آلياتها. وسيتناول المقال دور الفنون بوصفها وعاءً للذاكرة الجماعية وأداةً لمقاومة طمس معالم الذات، ويركّز المقال على الموضة بوصفها مثالًا حيًّا على تفاعل المحلي مع العالمي في بناء سرديات الهوية الفردية والجماعية.

لقد اختلطت وامتزجت أدياننا وقصصنا ولغاتنا وأعرافنا كلها عبر التاريخ نتيجة للتنقل والتبادل. في تسعينيات القرن الماضي، سُلب جيلٌ كاملٌ وعيه التاريخي بحكاية مؤثرة وغير مسبوقة على ما يبدو. هذه القصة التي صيغت مع نهاية الحرب الباردة، أعلنت أن الحدود الحقيقية أو المُتخيّلة لم تعد موجودة بالشكل الذي كانت عليه في السابق. فلم يعد البشر محصورين في جغرافياتهم أو هوياتهم القديمة، بل سكنوا عالمًا جديدًا بدا كأنه منفصلٌ عن التطور الطبيعي للمجتمع البشري.

كان المفهوم المُختار لتصوير هذه اللحظة التحوّلية في تاريخ البشرية هو «العولمة».

دور الفنون الثقافية في تشكيل الهوية الوطنية

للفنون الثقافية تأثير بالغ في تشكيل الهوية الوطنية والتعبير عنها. فمن خلال الموسيقا والفنون البصرية والأدب والمسرح والرقص، تُسهم الفنون الثقافية في تعريف معنى الانتماء إلى أمة، وتشكيل الذاكرة الجماعية، وعكس قيم الشعب ونضالاته وانتصاراته. فكيف تسهم الفنون الثقافية في تشكيل الهوية الوطنية وما التحديات التي تواجهها في عالمٍ مُعولم؟

تتجذر الفنون الثقافية بعمق في تراث الأمة وتاريخها. فهي تُقدم تعبيرًا ملموسًا عن تقاليدها ومعتقداتها وقيمها، مُوفرةً منظورًا يُروى ويُحفظ من خلاله السرد الوطني.

التعبير عن السرديات التاريخية: يتشكل عددٌ من الهويات الوطنية من خلال أحداث تاريخية رئيسة، وغالبًا ما تُمثل الفنون الثقافية وسيلةً لتذكر هذه اللحظات وإعادة تفسيرها. على سبيل المثال، استخدم فنانو الجداريات المكسيكيون، مثل: دييغو ريفيرا وديفيد ألفارو سيكيروس، الجداريات العامة لسرد قصة التاريخ الثوري للمكسيك، مازجين التقاليد الأصلية بالرسائل السياسية الحديثة. وأصبحت هذه الجداريات رموزًا بارزة للهوية الوطنية المكسيكية، مُحتفيةً بتراثها العريق وروحها الثورية.

الاحتفاء بالممارسات التقليدية: تحتفي الفنون الثقافية أيضًا بالممارسات التقليدية التي تُحدد تراث الأمة. من الرقصات الشعبية والحرف اليدوية الأصلية إلى الموسيقا والمهرجانات الإقليمية، كما تؤدي هذه التعبيرات الثقافية دورًا حاسمًا في الحفاظ على تنوع هوية الأمة وثرائها. على سبيل المثال، ترتبط الهوية الوطنية اليابانية ارتباطًا وثيقًا بفنونها التقليدية، كفن الخط، واحتفالات الشاي، ومسرح النو. ولا تُعَدّ هذه الممارسات كنوزًا ثقافية فحسب، بل تُعَدّ أيضًا رموزًا لاستمرارية الأمة التاريخية وقيم الانضباط والدقة واحترام الطبيعة.

رموز الفخر الوطني: غالبًا ما تتضمن الفنون الثقافية رموزًا ترتبط بالفخر والهوية الوطنية. وتُعد الأعلام والأناشيد الوطنية والآثار تمثيلاتٍ بصريّةً وسمعيّةً قويةً لهوية البلد. فعلى سبيل المثال، يُعد برج إيفل أكثر من مجرد إنجاز معماري؛ فهو رمزٌ للابتكار والثقافة الفرنسية والتأثير العالمي. وبالمثل، تُجسد الأناشيد الوطنية، مثل نشيد «نكوسي سيكليل إفريكا» متعدد اللغات في جنوب إفريقيا، الجذور الثقافية المتنوعة للبلد وتطلعاته إلى الوحدة.

تأثير العولمة في الهوية الوطنية

في عالمٍ مُعولم، تتأثر الهويات الوطنية على نحو متزايد بالقوى الثقافية الخارجية، وهو ما يُشكّل تحدياتٍ وفرصًا في آنٍ واحدٍ للحفاظ على الفنون الثقافية وتطويرها.

التهجين الثقافي: أدّت العولمة إلى امتزاج العناصر الثقافية من مختلف أنحاء العالم، وهو ما أسفر عن أشكالٍ هجينةٍ من التعبير الفني تعكس التأثيرات المحلية والعالمية على حد سواء. يُمكن لهذا التهجين الثقافي أن يُثري الهوية الوطنية من خلال طرح وجهات نظر وأفكار جديدة مع الحفاظ على العناصر التقليدية. على سبيل المثال، امتزجت تأثيرات أنواع الموسيقا الغربية، كالجاز والهيب هوب، مع الإيقاعات الإفريقية التقليدية في دولٍ مثل نيجيريا وجنوب إفريقيا، وهو ما أدى إلى ظهور أنماط موسيقية فريدة عالمية ومحلية بشكلٍ واضح.

خطر التجانس الثقافي: في حين أن العولمة قد تُؤدي إلى التبادل الثقافي والابتكار، إلا أنها تُمثّل أيضًا خطر التجانس الثقافي، حيث تطغى الثقافات العالمية السائدة، وبخاصة التأثيرات الغربية، في التقاليد والهويات المحلية. ويُمكن أن يؤدي هذا إلى تآكل الممارسات الثقافية الفريدة وفقدان الهوية الوطنية؛ لذا استثمرت دولٌ عدّةٌ في جهود الحفاظ على التراث الثقافي، مثل برنامج اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي الذي يهدف إلى حماية وتعزيز الفنون والحرف والعروض التقليدية المهددة بالاندثار.

دور مجتمعات الشتات: تلعب مجتمعات الشتات دورًا مهمًّا في تشكيل الهوية الوطنية في عالم معولم. وغالبًا ما تعمل هذه المجتمعات بوصفها سفراء ثقافيين، حيث تحافظ على تراثها وتروّج له في الخارج، مع التكيف مع بيئاتها الجديدة. على سبيل المثال، ساهم الشتات الهندي في الولايات المتحدة في الشعبية العالمية لأفلام بوليوود، والمأكولات الهندية، والمهرجانات التقليدية مثل ديوالي، ودمج هذه العناصر مع الثقافات المحلية. وبهذه الطريقة، تساعد مجتمعات الشتات في الحفاظ على الهويات الوطنية وتطويرها في سياق عالمي.

مع استمرار تطور العالم، من المرجح أن يصبح دور الفنون الثقافية في تشكيل الهوية الوطنية أكثر تعقيدًا، متأثرًا بالتقدم التقني، والتحولات السياسية، والحركات العالمية الساعية إلى العدالة الاجتماعية.

الإعلام الرقمي والهوية الوطنية: صعود الإعلام الرقمي غيّر طريقة إنتاج الفنون الثقافية ومشاركتها واستهلاكها مُتيحًا فرصًا جديدة للدول للتعبير عن هويتها وتعزيزها، حيث سهّلت منصات التواصل الاجتماعي وخدمات البث والمعارض الفنية الإلكترونية على الفنانين الوصول إلى جماهير عالمية، وهو ما سمح بالانتشار السريع للرموز الوطنية والتعبيرات الثقافية. ومع ذلك، يثير هذا أيضًا تساؤلات حول ملكية السرديات الثقافية والتحكم فيها في العصر الرقمي.

الفنون الثقافية كأداة للعدالة الاجتماعية: في المستقبل، ستواصل الفنون الثقافية أداء دورٍ حاسمٍ في حركات العدالة الاجتماعية، ولا سيما في ظلّ تصدّي الدول لقضايا عدم المساواة والعنصرية والظلم التاريخي. وسيكون الفنانون والممارسون الثقافيون في طليعة هذه الحركات، مستخدمين أعمالهم لتحدي السرديات السائدة والدعوة إلى هويات وطنية أكثر شمولًا وإنصافًا.

الحفاظ على التراث الثقافي في مواجهة التغيير: مع مواجهة الدول لضغوط التحديث والتحضر وتغير المناخ، سيزداد الحفاظ على التراث الثقافي أهمية. وسيتعين على الحكومات والمؤسسات الثقافية والمجتمعات المحلية الاستثمار في الحفاظ على الفنون والحرف التقليدية، مع إيجاد سبلٍ لتكييف هذه الممارسات مع الحياة المعاصرة. ويتطلب ذلك توازنًا دقيقًا بين تكريم الماضي واحتضان المستقبل.

تقاطع الموضة والهوية: استكشاف السرديات الثقافية

في عالمٍ يتخذ فيه التعبير عن الذات أشكالًا لا تُحصى، تبرز الموضة كواحدة من أكثر الوسائط حيويةً وقوةً التي نعبّر من خلالها عن هوياتنا. من الأقمشة التي نختارها إلى الأنماط التي نعتمدها، غالبًا ما تروي ملابسنا قصةً تُشكلها خلفياتنا الثقافية وتجاربنا الشخصية وسياقاتنا الاجتماعية. وبينما نبحر في نسيجٍ مغزولٍ برواياتٍ متنوعة، نجد أن الموضة لا تقتصر على الجماليات فحسب؛ بل تعكس معتقداتنا وقيمنا وتطلعاتنا.

يؤدي التراث دورًا بارزًا في تشكيل خيارات الموضة المعاصرة، وغالبًا ما يكون بمنزلة جسر بين التراث والحداثة. يستلهم عددٌ من المصممين من خلفياتهم الثقافية، ويدمجون الأنماط والأقمشة والتقنيات التقليدية في الملابس المعاصرة. لا يُحيي هذا الاندماج الحرف اليدوية القديمة فحسب، بل يسمح أيضًا بالتعبير الشخصي، حيث يمكن للأفراد عرض جذورهم من خلال ملابسهم.

حاليًّا، لا تُعَدّ عناصر مثل الكيمونو أو الفساتين المطبوعة الإفريقية أو المنسوجات الأصلية خيارات أسلوبية فحسب، بل بيانات للتضامن والفخر. وهذا أدى إلى ظهور موجة جديدة من ماركات الأزياء التي تُولي الأولوية للشمولية والوعي بالأهمية الثقافية، مُتحديةً بذلك نموذج الموضة السريعة. ومن خلال الارتقاء بالأزياء التقليدية في السياقات الحديثة، تُمكّن هذه العلامات التجارية مرتديها من الاحتفاء بخلفياتهم مع التعامل مع تعقيدات المواطنة العالمية.

لقد ولّدَ تأثير العولمة في سرديات الموضة المحلية نسيجًا غنيًّا تتشابك فيه الأساليب التقليدية والاتجاهات الحديثة. ومع تواصل الثقافات من خلال التقنية والتجارة، ينكشف الحرفيون المحليون على حركات الموضة العالمية، وهو ما يدفع إلى حوار ديناميكي بين التراث والتأثيرات المعاصرة، كما أدى هذا التفاعل إلى ظهور هجينات فريدة تُكرّم الجماليات التقليدية مع تبني أفكار جديدة. على سبيل المثال، يدمج كثيرٌ من المصممين الآن المنسوجات المحلية في مجموعاتهم، وهو ما يسمح لهم بسرد قصص تراثهم الثقافي مع جذب جمهور عالمي. علاوة على ذلك، مكّنت سهولة الوصول إلى اتجاهات الموضة العالمية المصممين المحليين من تأكيد هويتهم على الساحة الدولية.

وهكذا يتضح أن الملابس أكثر بكثير من مجرد قماش أو أسلوب؛ إنها وسيلةٌ قويةٌ نعبر من خلالها عن هويتنا، ومن أين أتينا، والقصص التي نحملها؛ إذ يروي كل ثوبٍ قصةً تعكس السرديات الثقافية التي تشكل فهمنا لأنفسنا ومكانتنا في العالم. في مجتمع معولم، يفتح امتزاج تأثيرات الموضة المتنوعة آفاقًا جديدة للحوار والتفاهم، ويدعونا للاحتفال بالهويات متعددة الأوجه التي نجسدها. ومن خلال احتضان هذا التنوع وتعزيزه، فإننا لا نثري خزائن ملابسنا فحسب، بل نعزز أيضًا تقديرًا أعمق للقصص التي توحدنا وتميزنا. وبهذه الطريقة، تُصبح الموضة حليفًا قويًّا في رحلة اكتشاف الذات والتعبير عنها، مُشجعةً إيانا على احترام جذورنا والانطلاق بجرأة نحو مستقبلنا.


المصدر:

–  https://aeon.co/essays/there-are-no-pure-cultures-we-have-always-been-global

–  https://liveathefalcon.com/the-role-of-cultural-arts-in-shaping-national-identity/?utm_source=chatgpt.com

–  https://profashionmagazine.com/the-intersection-of-fashion-and-identity-exploring-cultural-narratives/?utm_source=chatgpt.com


هوامش:

(1) برهان غليون: العولمة وأثرها على المجتمعات العربية ورقة مقدمة إلى اجتماع خبراء اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربى آسيا حول «تأثير العولمة على الوضع الاجتماعي في المنطقة العربية»، بيروت، 2005م.

(2) Pierre de Senarclens:La mondialisation. théoriez, ejeux et débats, Armand Colin, 2000.

(3) Jean-Pierre Warnier: La mondialisation de la culture, La Découverte, 1999.

(4) Zygmunt Bauman :Le coût humain de la mondialisation, Hachette, 1999.

(5) محمد امسهيد: مظاهر الاحتفال في الثقافة الأمازيغية: بين الثراء الثقافي ورهان التدريس بالمغرب

https://www.democraticac.de/?p=101338

(6) محمد عابد الجابري: الهوية والثقافة: العولمة وما بعد الحداثة. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية. 2001م.

عام الحرف اليدوية… في مديح الأيدي الخلاقة

عام الحرف اليدوية… في مديح الأيدي الخلاقة

الحرف اليدوية: من الوظيفي البحت إلى الجمالي الخالص

تبرز بصفتها أحد مكونات الهوية وشهادة الحقب على التكيف والإبداع

عبدالسلام الوايل أكاديمي وكاتب سعودي

تعد الحرف اليدوية إحدى علامات عظمة الإنسان وتفوقه على سائر المخلوقات. ولئن كانت بداياتها وظيفية بحتة، كصناعة أدوات الصيد، فإن إحدى علامات وصول العقل البشري لدرجات عالية من التجريد والتخيل كان عبر الحرف اليدوية، حين بدأ البشر بصناعة الزينة قبل عشرات الآلاف من السنين. وبهذا المعنى، فإن الحرف اليدوية قديمة جدًّا في تاريخ البشر، لقد سبقت تطويره تقنيات السيطرة على الطبيعة، وسبقت الزراعة والرعي.

كانت الحرف اليدوية إحدى أدوات البشر للتكيف مع الطبيعة. ويذكرنا التشابه في الحرف اليدوية لدى شعوب وثقافات منقطعة عن بعض لآلاف السنين، مثل تشابه أشكال حياكة النسيج لدى العرب والهنود الحمر، بتقارب ووحدة الثقافة البشرية، قبل أن تتفرع وتتنوع على مدى آلاف السنين. وبشكل عام، فإن أي جماعة بشرية، تساكنت لقرون، لها حرفها اليدوية التي مكنتها من التكيف مع البيئة، وتخليد أساليب حياتها، والتعبير عن الجوانب الجمالية والروحية لها.

وبما أن الجزيرة العربية موطن للإنسان منذ عصور سحيقة، فإن لساكنيها تاريخًا طويلًا في صناعة الحرف اليدوية؛ إذ وُجِدت في مناطق من الجزيرة العربية منحوتات حجرية تاريخها يتجاوز عشرة آلاف عام. وبالنظر للتنوع في التضاريس الكبير للمملكة، من سواحل ومرتفعات جبلية وصحراء وسهول، فإن ساكني هذه المناطق، وعلى مدى آلاف السنين، قد طوروا حرفهم اليدوية التي لبّت حاجتهم الوظيفية للتكيف مع البيئة من ناحية، وخدمت حاجاتهم الجمالية من ناحية أخرى. ويوضح تراث الحرف اليدوية في المملكة تنوع هذه الحرف، من الوظيفي البحت إلى الجمالي الخالص. على امتداد البلاد السعودية، عاش بدو رحل ومستقرون، رعاة ومزارعون وبحّارون. وهذه المجتمعات طورت من المواد الأولية، في مناطقها، ومن المنتجات الزراعية والحيوانية، مدخلات لحرف يدوية تحكي عبقرية الإنسان في استثمار الرأسمال المتاح حوله.

فصناعة الخوص تمثل استثمار الإنسان العبقري للنخلة (الشجرة التي مكنت البشر من البقاء في الجزيرة العربية بعد تحولها من غابات إلى صحارى). ومن الجريد والسعف أمكن صناعة البُسط (الحصير) والمحادر والمهاف والزبلان (جمع زبيل) وسُفر الطعام وأسقف البيوت. ومن صوف الأغنام والجمال نُسجت الأقمشة، وبيوت الشعر والبُسط والمشالح. وحوّل البشر طين أرضهم إلى صناعات فخارية لتلبية حاجات غذائية وروحية. ومن التربة والأشجار والثمار استخرج إنسان السروات الألوان ليطور حرفة جمالية صرفة هي القط العسيري.

وضمن عمل المملكة، في عصر رؤية المملكة 2030، لاستثمار إمكاناتها، الشديدة الثراء والتنوع، جاءت تسمية عام 2025 بعام الحرف اليدوية؛ لإعادة إنتاج كل هذا التراث الإبداعي ضمن زمن الحداثة، فيبرز أحد مكونات الهوية الوطنية. هكذا تكيف أسلافنا مع الطبيعة من حولهم. ولهم علينا حق ألا نترك الأساليب التي طوروها في غياهب النسيان. وأيضًا علينا أن نعرّف العالم ببعد آخر من أبعاد هويتنا الثرية؛ إذ نضيف إلى أبعاد الدين واللغة والموقع الجغرافي، بُعد الإبداع الحرفي والإنتاج اليدوي لإنسان هذه البلاد. كما أن هناك فرصًا اقتصادية في إبراز الحرف اليدوية تتمثل في تمكين الحرفيين المحليين وزيادة دخلهم، وإضافة عامل جذب لصناعة السياحة المتطورة في المملكة.

ومن الملاحظ في هذا السياق، الاستطلاع الذي نفذه المركز الوطني لاستطلاع الرأي العام، التابع لمركز الملك عبدالعزيز الحضاري، بمناسبة تسمية عام 2025 بعام الحرف اليدوية. أوضح الاستطلاع أن 42% من المواطنين الذين أخذت آراؤهم (من أصل1071 مواطنًا سعوديًّا) أفادوا بأن في بيوتهم منتجات من الحرف اليدوية السعودية. واختار 26% من العينة حرفة صناعة الفخار كأكثر الحرف تفضيلًا بالنسبة لهم. فيما حظي تزيين البيوت بأعمال حرفية يدوية (كالقط العسيري وتزيين الجدران بأعمال جصية) باختيار 21% من أفراد العينة. فيما رأى 17% منهم أن أعمال النسيج هي أكثر ما يشدهم في الحرف اليدوية السعودية، واختار 14% من العينة منتجات سعف الخوص، مثل: الحصير والمهاف والقلل، وحظيت حياكة البشوت باختيار 13%، وصناعة الحُلي والمجوهرات بتفضيل 9% من أفراد العينة.

يبين توزع إجابات العينة على طائفة متنوعة من الحرف اليدوية السعودية أن مختلف الحرف اليدوية تجد تفضيلًا وقبولًا. ويتسق هذا مع حقيقة تنوع الثقافات المحلية سعوديًّا، وما طورته عبر العصور من حرف يدوية متنوعة.


الحِرَف في الأدب العالمي:

اليد التي تروي، والجسد الذي يدوّن

جمال الجلاصي – روائي وشاعر تونسي

في البدء، لم تكن الحرفة هامشًا في حياة الإنسان، بل كانت صميم وجوده. لم تكن اليد التي تحيك أو تنحت الحجارة أو الخشب أو تحفر مجرد أداة، بل امتدادًا للفكر، والذاكرة، والحلم. ولعلّ الأدب، في أكثر لحظاته إنصاتًا لجوهر الكائن، لم يفصل يومًا بين ما يُصاغ بالكلمات وما يُصاغ باليد: بين القصة، والمسمار، والغرز، والطين.

إن الحرفي ليس مجرد خلفية طبقية أو مشهد ريفي، بل كائن روحي-جسدي تتشكّل شخصيته من خلال أدواته، وحركاته، وصمته، وما يتراكم في ذاكرته من خشب وطين ونسيج. فالحرفة تمثّل في النصوص الكبرى لغةً بديلة عن الخطابة، وبلاغةً مضادة للضجيج، وأحيانًا فلسفةً صامتة تشتغل في عمق الشخصية.

في زمن تُختزل فيه الكلمات إلى رموز عابرة على الشاشات، يُعيد الأدب الذي يحتفي بالحرفة الاعتبار للحضور المادي للإنسان، لصبره، لعمقه، ولجسده الذي يفكّر أيضًا حين يصمت اختيارًا أو قهرًا.

الحرفة في حياة الكتّاب وأعمالهم: أدبٌ من غبار الورش

ويليام فوكنر: الجُمل التي تشبه الخزائن القديمة

قبل أن يصبح أحد أعمدة الأدب العالمي، كان ويليام فوكنر (1897– 1962م) نجّارًا وعاملًا يدويًّا، يتنقّل بين ورش الإصلاح، ويعمل دهّانًا في كلية ميسيسيبي. لم يكن ذلك من باب الاضطرار المادي فحسب، بل من تناغم داخلي مع إيقاع الأشياء، وولعه بصوت المطرقة ورائحة الخشب المقطوع. لاحقًا، لم تُغادر هذه التفاصيل حواسه، بل تسلّلت إلى بنية نصوصه، لا في مضامينها فقط، بل في نَسق كتابتها ذاته: جمل طويلة تُرصّ كما تُرصّ قطع الخشب، مشدودة بالمسامير، متشابكة، لا تُفهم بسهولة من أول نظرة. في أحد حواراته المبكرة، قال فوكنر: «إنني أكتب كما كان جدي يبني طاولاته، ببطء واحتراس، وأعرف أني سأضرب المسمار مرات كثيرة قبل أن يستقر».

هذه العبارة تختزل العلاقة بين الحرفة والنص، بين النجارة والسرد: فالكتابة ليست فعلًا شفافًا، بل عملٌ حِرفيّ يحتاج إلى صبر اليد، ليس فقط خيال العقل. لقد شكّل الخشب والأدوات والورشة خلفية ثابتة في عالم فوكنر. في روايته «الصخب والعنف»، حين يحاول «كاش بن» بناء تابوت ابنته، لا يكتفي فوكنر بسرد تفاصيل العمل، بل يجعل من صوت الخشب حين يُنشر استعارة حزينة لزمن يتكسّر، وكأن كل مسمار يُدَقّ هو كلمة يُطرَح بها سؤال وجودي جديد.

يرى الناقد مالكولم كاولي، أحد أوائل من رافقوا فوكنر نقديًّا، أنّ «جُمَل فوكنر تشبه الخزائن القديمة، كثيرة الأدراج، معقدة التركيب، لكن حين تفتحها كلها، تجد صورة الحياة الأميركية في أعماقها». هذا التعقيد ليس مجرّد تأثير حداثي، بل يذكرنا بأساس نجاري: ترتيب ما لا يُرتب، وصناعة توازن من عناصر خشنة.

جون شتاينبك: اليد التي تبذر الحكاية، والجسد الذي يفكّر

نشأ جون شتاينبك (1902- 1968م)، الكاتب الأميركي الحائز على جائزة نوبل في الأدب، في بيئة زراعية قريبة من الطبيعة وعالم العمل اليدوي. قبل أن يتحول إلى كاتب محترف، عمل في مهن عدة تتصل بالأرض والعمل البدني، منها الحصاد والزراعة، إضافة إلى مشاركته في مشروعات بناء وترميم المنازل. هذه التجارب العملية أثرت بشكل عميق في وعيه الاجتماعي وأسلوبه السردي، وجعلته صوتًا قويًّا يمثل الطبقات العاملة والمهمّشة في أميركا. وقد ظهر ذلك جليًّا في روايته الشهيرة «عناقيد الغضب»، حيث تتداخل الأرض والعمل اليدوي في نسيج السرد؛ لتصبح رمزًا للمعاناة والأمل.

في «عناقيد الغضب»، يصوّر شتاينبك مشاهد الزراعة كأطراف متصلة بآلام العائلة ونجاحاتها، فاليد التي تزرع الأرض هي ذاتها التي تتحمل التعب والصعاب. يتجلى ذلك في وصفه الدقيق لأدوات العمل وحركة الجسد التي تعبر عن صمود الإنسان: «كانت يدا توم جواد، تلك اليد التي لم تتوقف يومًا عن العمل، تلمس الأرض بخشوع وكأنها تعطيها جزءًا من حياتها».

لقد استمد شتاينبك من العمل اليدوي صلابة وصدقًا في تصوير معاناة الإنسان الكادح، فكانت لغته السردية تعكس الإيقاع الملموس لحياة الأرض واليد، واهتمامه بالتفاصيل الصغيرة كلمسة تراب أو صوت آلة زراعية. في رواياته مثل: «عناقيد الغضب» و«فئران ورجال»، لا تقتصر الحرفة على كونها خلفية بيئية فقط، بل هي حيز معرفي وتجريبي ينسج ملامح الشخصيات وقضاياها الاجتماعية، وهو ما يجعل العمل اليدوي عنصرًا حيويًّا
في بناء النص.

يمضي شتاينبك في رواية «فئران ورجال» في ربط اليد بالعلاقة الحسية مع الأرض، حين نرى ليني «يعمل في الحقل، يلمس التراب، ويحس بقوامه، وكان يجد في حركات يده راحة عميقة، كأن الأرض تتحدث إليه». هذا التصوير الحسي يبرز العمل اليدوي كوسيلة اتصال مباشرة بين الإنسان والطبيعة. وحين تتحرك اليد في الأرض، يتحرك معها نبض الحياة: «العمل الشاق هو كل ما نعرفه، لكنه كذلك ما يبقينا على قيد الحياة. اليد التي تزرع، تحصد، تبني، هذه هي اليد التي تحمي وتحافظ». هنا يتحول العمل اليدوي إلى فعل وجودي، إلى ركيزة للهوية الإنسانية والتماسك الاجتماعي.

يتضح كيف أن تجربة شتاينبك الشخصية مع العمل اليدوي لم تكن مجرد خلفية سردية، بل جسدت عمقًا إنسانيًّا حقيقيًّا. فاليد العاملة ليست فقط أداة مادية، بل بوابة لفهم أعمق للتوترات بين القوة والضعف، البناء والهدم، الحنان والعنف، التي تتداخل في نسيج الشخصية الإنسانية.

خوسيه ساراماغو: ميكانيكيّ يصوغ الجملة كما يُصلح آلة

لم يكن خوسيه ساراماغو (1922–2010م)، الروائي البرتغالي الحائز على جائزة نوبل، ابنًا لأرستقراطية ثقافية أو أكاديمية، بل نشأ في كنف عائلة ريفية متواضعة، واضطرّ إلى ترك المدرسة في سنّ مبكرة ليعمل ميكانيكيًّا في ورشة لإصلاح السيارات، ثم موظفًا بسيطًا في مصلحة الضمان الاجتماعي، قبل أن يصبح لاحقًا محررًا ومترجمًا وصحافيًّا. لم يتخلَّ قط عن العلاقة الأولية بالأشياء: بتفكيكها، وصيانتها، وفهم أعطالها بصبر اليد لا بفطنة التنظير.

قال في إحدى مقابلاته: «تعلمت من الميكانيكا أن كل شيء يمكن إصلاحه… حتى الجملة المعطوبة، يمكن فتحها، وتنظيفها، ثم تركيبها من جديد». الجملة هنا لم تعد مجازًا شفافًا، بل هي آلة دقيقة، قابلة للانفجار أو الخلل، تحتاج إلى تأنٍّ في الترسيم، و«مفتاح إنجليزي» لتعديل ميلها عن المعنى.

لاحظ الناقد البرتغالي إدواردو لوريرو، أن ساراماغو «نقل مركز الثقل في الرواية من الرأس إلى اليد»؛ أي من الفكرة المجردة إلى الإجراء البشري المادي. في روايات مثل «العمى» و«الطوف الحجري»، نجد شخصيات لا تفكر فقط، بل تتحسس، تلمس، تخبط في العتمة، وتدفع الأبواب بأكتافها. اليد هنا ليست أداة تنفيذ، بل مركز وعي بديل، يتكلم حين تصمت الأيديولوجيا.

هكذا، يظل أدب ساراماغو مشغولًا بتلك الحركة الميكانيكية الأولى: إصلاح الأعطاب، سواء في اللغة، أو في الفكرة، أو في العالم. وكما يقول في إحدى حواراته الأخيرة: «أكتب كما أصلح شيئًا تعطّل. لا أعوّل على الإلهام، بل على مفك البراغي».

نغوغي واثيونغو: حين تُضبط اللغة بمِفصلات الخشب

لم يكن نغوغي وا ثيونغو، الكاتب الكيني الكبير وأحد أبرز رموز الأدب الإفريقي المعاصر، غريبًا عن العمل اليدوي. في طفولته، نشأ وسط أسرة ريفية متعددة الزوجات في قرية «كامينو»، حيث كانت النجارة حرفة يدوية منتشرة، تعلمها من والده وأشقائه. كان يساعدهم في صنع الأبواب والخزائن والأسرّة البسيطة، وقد عبّر لاحقًا في مذكراته عن تلك التجربة بوصفها «أول اتصال حقيقي بيني وبين فكرة البناء، ليس فقط كمادة، بل كأسلوب تفكير».

في كتابه الشهير التحرر من الاستعمار الذهني، يقول نغوغي: «اللغة، مثل الخشب، يمكن أن تُقطع وتُشكل وتُصقل، ولكن فقط إن عرفت يدُك كيف تمسك بالمنشار دون أن ترتعش». هذه العلاقة بين الكتابة والنجارة ليست مجرد استعارة شاعرية، بل بنية فلسفية حاضرة في أعماله، حيث تُبنى الحكاية كما يُبنى السقف: طبقة فوق طبقة، بعناية، مع إتقان تفاصيل الوصلات والمفاصل.

يرى الناقد النيجيري آي كاي إيكويني أن «لغة نغوغي تسير على أرضية من خشب محلي الصنع، صلب، لكنه غير مصقول بشكل مفرط، وهذا مقصود. إنه يرفض الفخامة الأسلوبية لصالح المصداقية الجسدية»، فهو، بعد أن قرر أن يكتب بلغة الـ«كيكويو» بدل الإنجليزية، كان كما لو أنه انصرف إلى استخدام أدوات يده بدلًا من استيراد أدوات استعمارية. كتب نصوصه على أوراق التواليت في السجن، وحين سُئل عن ذلك، قال: «كان الخشب ينفد، لكن اليد تواصل العمل. كانت هذه حريتي».

تُظهر أعمال نغوغي كيف يمكن للحرفة أن تتحول من عمل بسيط إلى إستراتيجية مقاومة. فحين تنهار البنى الرمزية الكبرى، يبقى للنجار المحلي قدرة على الفعل. الرواية هنا لا تُبنى فقط بالكلمات، بل بالمطرقة والمسمار، كأن كل فصل هو لوح خشب، وكل استعارة قطعة تُقوّم لتناسب الحكاية.

محبوبة، لتوني مريسون: الشفاه الصامتة والحياكة البليغة

تُعَدُّ توني موريسون (1931-2019م)، الروائية الأميركية الحائزة على جائزة نوبل في الأدب عام 1993م، من أبرز الأصوات الأدبية التي صاغت تجربة السود في الولايات المتحدة عبر سردٍ مفعم بالعمق الرمزي والإنساني. صدرت روايتها «محبوبة» عام 1987م، وهي علامة فارقة في الأدب الأميركي والعالمي. تدور الرواية حول سيتا، امرأة، أمَة، هاربة تحاول بناء حياة جديدة في الحرية، لكنها تبقى أسيرة لذكريات الماضي المؤلمة، التي تجسّدها شخصية «محبوبة»، ابنتها المتوفاة التي تتحوّل إلى رمز روحي للمعاناة. تتجاوز الرواية الحكي التاريخي لتغوص في أعماق النفس الإنسانية، مبرزة كيف يستمرّ الماضي في تشكيل الحاضر ويؤثر على هوية الأفراد والعائلات.

تأتي صورة الحياكة كعنصر مركزي في الرواية للحفاظ على التماسك النفسي، فالحياكة ليست نشاطًا منزليًّا عاديًّا، بل هي لغة جسدية وبلاغة صامتة، تربط بين الماضي والحاضر عبر الخيوط التي تنسج الذكريات والآلام. يصف النص كيف تمشي الخيوط في أيدي الشخصيات بخفة، ناسجة قصة لا تنطق بها الألسنة، بل تفهمها الأيادي بصبر وحنان. الحياكة تعبر عن صبر التحمل ومقاومة القسوة، وبهذا يصبح هذا الفعل اليدوي وسيلة لإعادة التكوين النفسي والجسدي، وسردًا بصريًّا يعبر عن الألم والشفاء في آنٍ واحدٍ.

في الرواية، تظهر الحياكة كعملية رمزية وشفائية. الحياكة تعبر عن فعل التجميع والترميم، محاولة لصناعة وحدة من شظايا الذاكرة المنكسرة، مثلما تُجمَع الخيوط لتُشكل قطعة قماش جديدة: «كانت أصابع سيتا تنسج الخيوط كما لو أنها تنسج جسدها الممزق، كل غرزة حياكة تمثل جزءًا من ألمها وذاكرتها، تجمع الماضي المبعثر ببطء، بصبر لا ينفد».

يشير الناقد الأميركي ديفيد هيرش إلى أن: «الحياكة في «محبوبة» هي لغة بديلة، تستخدمها الشخصيات لالتقاط ما فشل الكلام في التعبير عنه. هي فعل بطيء ومتكرر يشبه التأمل، يتيح للشخصيات أن تحافظ على روابطها بالذاكرة والجسد رغم الكسر العنيف للعبودية». بهذا، تتداخل الحياكة كحرفة مع بُعد فلسفي وإنساني في الرواية، حيث تمثل فعل مقاومة جمالي وفكري في مواجهة المحو.

أخبار الشحن لآني برولكس: ترميم جراح الروح بترقيع شباك الصيد

تقدّم رواية «أخبار الشحن» لآني برولكس الفائزة بجائزة بوليتزر، تجربة سردية متميزة تتناول الحرفة كعنصر محوري في تشكيل هوية الشخصية الرئيسية، كوينسي. تدور الرواية في مجتمع ساحلي على الطرف الشرقي لكندا، حيث يشكّل البحر والطقس والبيئة المحلية جزءًا لا يتجزأ من حياة الناس وهويتهم. الحرفة اليدوية، وتحديدًا مهنة صيد السمك التي يمارسها كوينسي، ليست مجرد وسيلة لكسب العيش، بل هي شكل من أشكال الارتباط العميق بالأرض والذاكرة، وتجسيد للصراع الداخلي والخارجي الذي يعيشه: «كانت يدا كوينسي تعملان بهدوء، تُجهزان الشباك بخيوط متشابكة، كما لو كانت تحيك شبكة للذاكرة نفسها، شبكة تحفظ من خلالها القصص والألم والصمود».

الحرفة هنا ليست مجرد نشاط عملي، بل فعل تأمّلي واحتفالي بالحياة رغم كل الخسائر. يقول الناقد جوناثان بيرنز: «في أخبار الشحن، تتجلّى الحرفة كطقس إنساني يربط بين الماضي والحاضر، يعيد إنتاج الذات في مواجهة الفقد». وهي تحمل في طياتها معاني كثيرة: الصبر، الدقة، التواصل العميق مع الطبيعة، وتحمل الأعباء: «كانت يدا كوينسي تتحركان ببطء ولكن بثقة، تشبك خيوط الشباك كما لو أنه يحاول أن يُعيد ربط شتات حياته المجزأة، كل عقدة تحمل اسم فقدان وكل غرزة تتوسل للحياة أن تستمر… الشباك تنتظر أن تُرمى في البحر، اليدان ترتبان الخيوط بعناية، كل غرزة كأنها وعد بالبقاء، وكل عقدة تحكي قصة يوم مضى، قصة ألم وخسارة، قصة مقاومة الحياة».

وبحسب الناقدة مارغريت هوبر، فإن: «آني برولكس ترسم في «أخبار الشحن» لوحة إنسانية رقيقة، حيث يصبح العمل اليدوي الجسدي ذا بعد روحي، مرتبط بالعائلة، والذاكرة، والنضال من أجل البقاء»، وفي وصف علاقة كوينسي بالبحر نقرأ: «حين يكون البحر هادئًا، تخرج يداه لترسم في الماء قصة حضور الإنسان الذي لا يلين، الذي يخيط من رمال الشاطئ شبكة انتظار، وشبكة أمل… في ظلال الغسق، كانت الشباك تُطرح بهدوء في البحر، والصمت يغلف اللحظة، وكأن البحر واليدين يتحدثان بلغة لا يفهمها أحد غيرهما، لغة الصبر والأمل المكنون».

قلم النجار مانويل ريفاس: من رسم الأفكار إلى نقش ذاكرة المقاومة

Haut du formulaire

تبحر رواية «قلم النجار» (1998م)، للكاتب الإسباني مانويل ريفاس، في أعماق الحرب الأهلية الإسبانية وقمع فرانكو من خلال قصة الطبيب هيربال، الذي يقضي عقوبته في سجن ليون حيث يلتقي شخصياتٍ عدةً تتقاطع حياتها عبر القلم الذي يحمل رمزية خاصة في الرواية. لا يقتصر القلم هنا على كونه أداة للكتابة فحسب، بل يتحول إلى رابط مادي يجمع بين الماضي والحاضر، بين الضحايا والصامتين، ويمنحهم صوتًا يحاول استعادة الذاكرة الجماعية التي حاول النظام إخفاءها.

يحكي ماركو، الناشط والكاتب، عن القلم قائلًا: «إنه رابط بين أولئك الذين صمتوا في قبور جماعية وبيننا نحن الذين نبحث عن الحقيقة». وفي ظل محاولات الطمس والإنكار، تصبح الحرفة اليدوية، من خلال هذا القلم، وسيلة لاستحضار القصص المفقودة، وتحويل الصمت إلى شهادة حية. فـقلم النجار رمزٌ للذاكرة يُضفي صلةً ملموسةً بالتاريخ، ويستعيد القصص المفقودة للعديد من ضحايا قمع فرانكو المجهولين والصامتين والبطوليين. في الرواية، يُشكّل القلم صلةً مجازيةً بين حياة وتجارب مختلف الشخصيات التي امتلكته، بمن فيهم الرسام الذي يرسم وجوه رفاقه السجناء كما لو كانوا قديسين على واجهة رواق المجد في كاتدرائية سانتياغو.

ويُشير الناقد الإسباني خوان غارسيا ميخيا إلى أن رواية قلم النجار تقدم «تأملًا في مدى قدرة الأشياء المادية على حمل الذاكرة واحتضانها، وكيف تتحول الحرف اليدوية إلى لغة لا تقل أهمية عن الكلمة المكتوبة»، عادًّا القلم ليس مجرد أداة، بل «جسرًا بين الأحياء والأموات، وبين الصمت والكلام».

Bas du formulaire

ختامًا، ليست الحرفة اليدوية مجرّد تفصيل في الهامش الاجتماعي أو خلفية بيئية عابرة في النصوص السردية، بل هي بنية رمزية ومادية في آنٍ، تتسرّب إلى السرد كفعل مقاومة، وكأداة ترميم للذات والذاكرة والهوية. في روايات مثل: «الحبيبة»، «أخبار الشحن»، «بيت الأرواح»، «قلم النجار»، وفي تجارب أدباء مثل شتاينبك ولندن، تتحوّل اليد التي تحيك، أو تصطاد، أو تكتب، أو ترمم، إلى فاعل مركزي في الحكاية: يدٌ تَروي، وتَشفي، وتُفكّر.

إن تتبّع أثر الحرفة في الأدب هو، في جوهره، تتبّع للأثر الإنساني الأعمق، ذلك الذي يُكتب بالعَرَق، ويُروى بالنَّفَس، ويُخاط على مهلٍ بخيوط الحياة. إنّ العودة إلى اليد العاملة ليست عودة إلى الماضي، بل هي استعادة للمعنى في زمن فقدت فيه السرعةُ والسطحيةُ عمقَ التجربة. الأدب، في جوهره، كان دومًا صناعة يدوية… مهما بدت لغته ذهنية، فإن قلبه لا ينبض إلا حين تتحرك اليد.

الطفل الأسود لكامارا لاي: الورشة: محراب الصمت، وجسر نحو الرجولة

في رواية «الطفل الأسود» (1953م)، للكاتب الغيني كامارا لاي، يُعيد السرد اكتشاف الطفولة الإفريقية لا كزمن براءة، بل كزمنٍ من الصراعات الخفية بين عالم الأهل، والمدرسة، والاستعمار، والدين، والمصير الشخصي. واحدة من أهم لحظات الرواية تتمثل في دخول البطل إلى عالم الحِرفة، لا بوصفه عملًا يدويًّا فحسب، بل كطقس عبور من الطفولة إلى الكينونة الرجولية والاجتماعية.

يأخذنا الكاتب، في مشهد دقيق ومشحون، إلى ورشة والده التي تتجاوز وظيفتها المهنية لتغدو فضاءً شبه مقدس. ليست الورشة مجرّد غرفة عمل، بل خلوة روحية، يتعلم فيها الصمت والانتظار والانضباط. تصف الرواية المكان بلغة لا تخفى عليها الإيحاءات الدينية: «كانت الورشة مظلمة بعض الشيء، يغمرها ضوء متسرب من نافذة صغيرة في الأعلى، وكان الصمت فيها يُشبه صمت المساجد. لا أحد يرفع صوته. حتى خطوات القدم تُسمع وكأنها صلاة».

هذا التوصيف يمنح الحرفة بُعدًا وجوديًّا، يجعل منها أكثر من تمرين عضلي أو وسيلة للعيش. إنها لحظة من السكينة العميقة، حيث اليد تفكر بدلًا من العقل، والجسد يُتقن ما لا تشرحه الكتب. هنا يتحوّل الأب إلى ما يُشبه الناسك، وتتحوّل الورشة إلى زُهدٍ مُتقشّف، تدخله الذات الصغيرة؛ كي تتطهّر من فوضى الطفولة وصخبها: «كان والدي يجلس ساعاتٍ دون أن يتكلّم، يحرّك الطين ببطء، يُنقّط الصبغة على القماش كمن يكتب سورة طويلة، ولم أكن أجرؤ على الجلوس بقربه دون إذن».

ولعل ما يُميز هذه التجربة أنها تفتح أمام القارئ مفهومًا بديلًا للتكوين: فليس المثقف هو فقط من تعلّم في المدارس الاستعمارية، بل أيضًا من وقف في حضرة الصنعة، وجرّب الصمت، وعرف كيف تُلَقّن الروح عبر الأيدي.

بيت الخزّاف لسوزان فريمان: الطين لغة الصمت والشفاء الهش

تمثل رواية «بيت الخزّاف» (1998م)، للكاتبة البريطانية سوزان فريمان، تجربة سردية مختلفة، حيث تتحول الحرفة من مجرد خلفية مهنية إلى محور داخلي تتقاطع فيه الهوية الفنية مع جراح النفس. فالعمل على الطين: تشكيله، حرقه، تلوينه، ثم مراقبته يتصدّع أو يتماسك، كل ذلك يوازي ما تمرّ به الشخصيات من تشكّل نفسي هشّ أو مقاوم. لا تكون الحرفة مهنة حياة فحسب، بل أشبه بفعل تطهير داخلي، حيث تستعيد الأيدي ذاكرة الجسد، ويستعيد الجسد صلته بالعالم من خلال المادة.

في أحد المقاطع المفتاحية، يرد هذا الوصف: «حين غمس يده في الطين لأول مرة بعد أشهر، ارتعشت يده كما لو أنها تعرّفت عليه من جديد، لا الطين فقط، بل الألم القديم الذي ظنّه اختفى. كانت الأصابع تفهم ما لا تفهمه الكلمات».

فالطين لا يُشكَّل فقط، بل يَفضح، يحرّض، يعيد فتح الجرح. وهذا ما يجعل من الخزف أكثر من مجرد منتج فني: إنه تشكّل نفسي ورُوحي. تقول الناقدة البريطانية هيلين برادشو: «الروايات التي تعتمد على الفخار لا تستخدمه كرمز جامد، بل كفعل يعيد تشكيل الشخصية، كما لو أن اليد حين تُدوّر العجلة تعيد خلق علاقتها بالألم والخسارة والحنين».

كل آنية هي تجربة، وكل فشل فيها يُضاف إلى سردية البطل لا كخسارة، بل كحقيقة: «لا توجد آنية مكتملة، قال، حتى الأجمل فيها تخفي شقًّا داخليًّا لا تراه العين. نحن مثلهن، نحن خزف هش، لكننا نصمد»، وبهذا يصبح «بيت الخزّاف» نصًّا عن التشكّل، عن الهشاشة كقيمة إنسانية، وعن الحرفة كحوار حميم بين الإنسان والعدم. لا تنقذ الحرفة هنا، لكنها تُصغي. لا تعالج، لكنها تواسي. وكأن الرواية بأكملها تمضي بدورة عجلة الخزّاف: دوران بطيء، دائري، صامت، ينتهي في الفرن، ثم يبدأ من جديد.

رسالة طويلة جدًّا لمارياما با: غرزة لتقطيب الجرح، وغرزة لرتق الذاكرة

رواية «رسالة طويلة جدًّا لمارياما با» (1979م)، هي عمل استثنائي، ليس فقط في صيغته -خطاب طويل من امرأة إلى صديقتها الراحلة- بل في نبرته الهادئة واللاهثة معًا، حيث تتداخل التجربة الفردية بالوجع الجماعي. تحكي البطلة روماتولايا في رسالتها الطويلة عن رحلتها كامرأة سنغالية، أرملة وأم، تحاول أن تستعيد ذاتها بعد أن نبذها زوجها لأجل امرأة أصغر سنًّا. هذا الانفجار العاطفي لا يُروى بصوت غاضب، بل بحبر ناعم وموجِع، تتخلله إشارات خفيفة لكن حاسمة إلى العالم اليدوي الذي يُحيط بالشخصية.

واحدة من أكثر الحِرف دلالةً في الرواية هي الخياطة والحياكة، وهي ليست مركزية كثيمة، لكنها تظهر كرمز دائم للترميم الصامت والمقاومة النسائية في مجتمع لا يتيح للنساء مساحة كافية للكلام. تقول روماتولايا في بداية الرسالة: «تعلمت منذ طفولتي كيف أطرّز الصبر بالخيط، كيف أربط عقدًا في الهواء، وأصنع من النقوش ما لا تقدر عليه الكلمات». يتداخل هذا الفعل اليدوي مع بنية السرد: كما تخيط الفتاة قماشها، تخيط الرسالة جراحها، غرزةً غرزةً، فكرةً فكرةً.

الناقدة أمينة طوري ترى أن: «مارياما با تُعيد تعريف الحرف النسوية التقليدية من الداخل: لا كتقليد يجب التخلص منه، بل كمساحة مقاومة لا تُرى، داخل زمن أبوي استعماري». وهذا بالضبط ما نراه في الرواية. فالحياكة، والخياطة، وتحضير المأكولات، وتزيين الملابس، كلّها أفعال تبدو خفيفة على السطح، لكنها تمثّل في عمقها أرشيفًا للمرأة السوداء، سردية بديلة لحياة من الصمت والتحدي.

بيت الأرواح لإيزابيل ألليندي: الخيوط التي تحيك ذاكرة البيت والوطن

رواية «بيت الأرواح»، التي صدرت عام 1982م، تُشكّل بناءً سرديًّا واسعًا يُعالج تحوّلات المجتمع التشيلي من خلال مصير عائلة تروبا، عبر أربعة أجيال. إنها ليست فقط رواية عائلة، بل رواية وطن، تتقاطع فيها العاطفة مع العنف، والذاكرة مع الخسارات. وفي خضم كل هذا، تظهر الحرف المنزلية والحرف النسائية تحديدًا كخطاب موازٍ يمر بصمت داخل النص، لكنه يضطلع بدور حاسم في حفظ ما لا يُقال.

إن الحرفة الأبرز في الرواية هي الخياطة والتطريز والطهي، وجميعها تمارسها النساء -بانشا، كلارا، بلانكا، وألبا- ضمن سلسلة متواصلة من الأيدي التي تحيك، وتطبخ، وتدوّن، وترمّم، بما يجعل من الجسد الأنثوي ذاته حرفة تقاوم النسيان والانهيار. في أحد المواضع، تقول ألليندي في وصف بانشا: «كانت خيوطها تربط الهواء بعضه ببعض، كأنها تخشى أن يتهشّم البيت إن تركت يدها تستريح». هنا تتحوّل الحياكة إلى تعويذة يومية تحفظ كيان البيت من التفكك، وتُبقي العائلة واقفة على قدميها في ظل رجل عنيف (إستيبان تروبا) وتاريخ يهتز سياسيًّا.

يُشير الناقد التشيلي خورخي إدواردز إلى أن: «ألليندي تضع الحرفة النسوية في صلب سردية البيت- ليست فقط للحفاظ عليه، بل بوصفها تاريخه الموازي، تاريخ لا يدوّنه الرجال، بل تتكفله الخيوط والملاعق والدفاتر».

في المقابل، تمارس كلارا حرفتها الأهم: التدوين الصامت، حيث تقضي سنواتها الأخيرة وهي تكتب في دفاتر يومية ما تراه وتعيشه. ولئن لم تكن حياكة بالمعنى الحرفي، فإن فعل الكتابة اليدوية ذاته يحمل وظيفة «حرفية» تكمّل الخياطة وتوازيها. الكتابة هنا حرفة المرأة البديلة، وهي ما تُبقي الحقيقة حيّة في النهاية؛ إذ نجد أن ألبا (الحفيدة) لا تستطيع رواية ما حدث لها تحت وطأة الاستبداد إلا بفضل ما كتبته جدتها كلارا. تقول ألبا في الفصل الأخير: «كلارا كتبت دون أن تدري أنها تترك لي الخيط الوحيد الممكن لأبدأ ترميم نفسي. الآن أمسك القلم كما تمسك الإبرة: بخوف، وبأمل». هنا نصل إلى ذروة الحرفة بوصفها استمرارًا للذاكرة الأنثوية، حيث تنتقل الكتابة كما الخياطة من يد إلى يد، وتصبح عملية خفية لمقاومة المحو السياسي والوجداني.

تُعزز الناقدة إلين ماكدونالد هذا الرأي في كتابها نساء الذاكرة في أدب أميركا اللاتينية حين تقول: «إيزابيل ألليندي لا تحتفي بالحرفة لذاتها، بل تزرعها في صلب سردية المقاومة: حين يتكلم الرجال بالحرب والعقاب، تمسك النساء بالخيط، وترقّع جراح العائلة والتاريخ». «لم تكن بانشا تؤمن بالكلمات الكبيرة. كانت تضع المربّى في المرطبانات، وتحكم إغلاقها كما لو أنها تغلق أفواه الخوف. كانت تخيط المائدة بيديها، وتهمس: البيت لا يسقط ما دامت الأيادي تعمل».


تطوير أدوات حمل الموروث إلى الأجيال

حامد عقيل – ناقد سعودي

من المهم إيجاد ناقل خارج القصدية المباشرة الشبيهة بالوعظ الثقافي. ففي ثقافات الشعوب، وبخاصة ما يتعلق بحرفها اليدوية وأزيائها ورقصاتها وأشعارها وحكاياتها، يُركَّز على تطوير أدوات لنقل الموروث إلى الأجيال التالية، بل تسويقها للمجتمعات الأخرى من خلال الفنون والإعلام، مثل: مسلسل تلفزيوني، فِلْم، معارض فنّية، أغانٍ شعبية بتوزيع موسيقيّ يشكّل هوية سمعية خاصة. كل هذا وأكثر يمكن أن يكرّس هُويتنا الاجتماعية، في إطار إبداعي غير مختلَق. الأفكار كثيرة حول هذا، أتذكر «كمامة» الخطوط السعودية في أثناء وباء كوفيد. كما شاهدتُ المهن والحرف اليدوية في الأجنحة السعودية المشاركة في الخارج، ولم أشاهد ذلك في معرض كتاب أو أي معرض محلي.

لاستمرار مثل هذه المبادرات هناك زوايا صالات المطارات، التي يمكن تخصيص أماكن فيها للمحترفين والمحترفات في ممارسة الحِرف لتسويق منتجاتنا اليدوية كتذكارات. هناك أيضًا محطات القطارات، الأماكن السياحية الشهيرة، أو إنشاء أزقة تحمل طابع كل مدينة سعودية داخل بعض المولات التجارية في تلك المدن والعمل على دعم العاملين في هذا المجال، بحيث تعود الحرفة على من ينتجها ويسوقها بمنفعة حقيقية. الأمر أشبه بمنح بعض الأدباء التفرغ الكتابي. الثقافة بعمومها تنتمي لعامة الناس، وليست نخبوية فقط، لهذا لا بد من اصطناع بيئة حاضنة تتم من خلالها ممارسات ثقافية شعبية غير مصطنعة، بما فيها الحرف اليدوية. الثقافة الشعبية لأي مجتمع هي كلمته الناعمة، موْجَة السلم الاجتماعي، الفكر الإبداعي التراكمي لجماعة ما. لهذا هي كل ما لا يدل على أن الإنسان يعيش به، بل هي الدال على كل ما يعيش الإنسان من أجله.

بقي أن أشير إلى أهمية التعامل مع موروثاتنا الشعبية بصفتها إبستمولوجيا لا تقع خارجنا، ولهذا تأخذ شكلها الخاص وطبيعتها التي تكونت عبر الأجيال من خلال التنوع الجغرافي والديموغرافي، كما أن المعرفة الشعبية لا يمكن نقلها وترويجها بأدوات ووسائل من خارجها. كما لا يمكن أن نعهد للآخر باستقرائها ومعرفة أنماطها وتسويقها. فمن كان يُنتج ثقافة ما فإنه هو القادر على إعادة إنتاجها؛ لأنه جزء من سياقاتها الأصلية التي نشأت فيها، وشكّلتها، بوصفها -بأشكالها كافة- ذاتًا اجتماعية مُعترَف بها، ولها وجودها الخاص والمتميز من غيره.


فعل حضاري له دلالاته على وعي أصحابه

أحمد السيد عطيف – شاعر وكاتب سعودي

أحتفظ في مجلس بيتي بأربعة أسرّة أثث أبي بها بيته (من الطين والقش)، قبل أكثر من سبعين عامًا. تلك الأسرّة نُجِرتْ في منجرة قريتنا عند رجل اسمه «إبراهيم النجار»، رحمه الله. وكانت قريتنا كلها تعتمد على منجرته، لنجارة الأَسِرّة من مختلف المقاسات، من تلك التي تكون للضيوف إلى تلك التي للصبيان. ويتولى النجار أيضًا صناعة أدوات الشرب والطعام، ويغطي حاجات قريتنا.

بيتنا القديم، من الطين والخشب والقش، بناه بناؤون من قريتنا، أما طلاؤه ودهانه فقامت به نساء من قريتنا يحترفن هذه الأعمال. وكل ما يحتاجه البيت من قطع أخشاب وتظفير حبال أَنجزَه في المكان نفسه، رجالٌ متخصصون. وتحتفظ أمّي بمصوغات فضية أُنجزَتْ بتصاميمها الفريدة، لدى أحد الصاغة في قريتنا، اسمه «حمد الصايغ»، رحمه الله. وهو أحد الصاغة الذين يصوغون الحليّ الفضية التي تتزين بها النساء في أعضادهن وأذرعهن وأصابعهن وأقدامهن.

خزانات المياه التي نستخدمها في حفظ أو جلب الماء من الآبار كانت تصنع في سوقنا، سوق أحد المسارحة، وتغطي حاجة المحافظة من الجِرَار والأزيار والشربات الفخارية الصغيرة التي يحملها الراعي معه إلى المرعى.

أتذكر أن نحّاتي الأحجار كانوا يطوفون في قرانا لبيع منتوجاتهم من آنية الطبخ والطحين. كما أن كثيرًا من النساء كن يتفنن في صناعة الزنابيل الصغيرة والكبيرة لحفظ الحبوب والأغراض، ويصنعون من السعف أيضًا أدوات ضرورية للطحين (مهاجين). الواقع أن أكثر القرى كان لديها صاغتها ونجاروها وبناؤوها وكل ما تحتاجه القرى من خدمات، ولم يكونوا يذهبون إلى الأسواق إلا لشراء الضروريات مما لا يتوافر في مزارعهم وقراهم.

الحرف اليدوية جزء من الثقافة، هي شيء من الهويّة، وهي فعل حضاري له دلالاته على وعي أصحابه. ولأنها كذلك فنحن نلاحظ إقبال المواطنين على كل ما له صلة بتراثهم؛ لأنهم يجدون فيه عبق أهلهم، فنراهم يزينون به بيوتهم ويتباهون به أمام زوارهم.

إنه لشيء يستحق التقدير أن تسعى وزارة الثقافة إلى تنشيط الاهتمام بهذه الحرف اليدوية، وإعادة فتح المجال أمامها وتنويعها والترويج لها. ويمكن للوزارة أن تقوم بدراسات ميدانية وتستقطب مهتمّين لتصل إلى أفضل الخطط في خدمة هويتنا وتراثنا. ويجب أن يشعر أصحاب هذه الحرف بالدعم والاهتمام والجدوى لما يقومون به، والترويج لعملهم داخليًّا وخارجيًّا.


في مديح الأيدي الخلاقة

مختارات شعرية تراثية في الصَّنائع والحِرَف

محمد مظلوم – شاعر وناقد عراقي

تعتمد هذه المختارات على مخطوط نادر يعود إلى القرن الخامس عشر الميلادي (العاشر الهجري)، عنوانه «سكردان العُشَّاق ومنارة الأسماع والآماق»، لمؤلِّفه أويس الحموي، الذي لا يرِدُ الكثير عنه وعن مؤلفاته في المصادر، ولا سيما التراجم منها. لكننا نعرف من بعضها أنه: أويس بن عبدالله الحموي الدمشقي، توفي سنة 901هـ/ 1510م)(1). وكان حاجب الحجَّاب بطرابلس، وقد جمعه وهو في السجن، وقد أثبت ذلك بنفسه في تقديمه للمخطوط.

يتضمَّن المخطوط مختارات شتّى من نوادر الأخبار ومأثورات القصص وظرائف الأشعار في شتى الموضوعات والأغراض، مثل: الحب والمجون ومكر النساء، وأخبار شتى الطبقات الاجتماعية في عصره، من عشاق وحِرَفيين وقضاة وأذكياء وحمقى… إلخ. ومما يؤسف له أن أحمد تيمور (1871- 1930م)، الذي يعد من رموز عصر النهضة، نقل من مخطوط الحَمَوي هذا فُصولًا نسبها لنفسه ونشرها في كتاب بعنوان: «الحب والجمال عند العرب» (1921م)، دون أية إشارة للمخطوط.

وفي تحقيقي لمخطوط «سكردان العُشَّاق ومنارة الأسماع والآماق» اعتمدت نسختين هما: نسخة مكتبة بينيكي للكتب النادرة والمخطوطات، وهي متاحة عبر موقع (جامعة ييل) على الإنترنت. ونسخة المكتبة الوطنية الفرنسية، وهي متاحة عبر موقع (غاليكا على الإنترنت).

ما يميز هذه المختارات أنها ليست مطولات، بل (إبيغرامات) شعرية مكثَّفة وموجزة، من بيتين أو ثلاثة، تستغني عن الجزالة المعهودة في شعر القرون السالفة، وتتسم بالظرف والتورية الطريفة؛ لتقدِّمَ لنا شِعر اللقطة السَّريعة والخاطفة لكن برؤية مشهدية كاملة.

ما قِيلَ في الحِرَف والصَّنائع:

لصلاح الدين الصفدي في ورَّاق:

يَا حُسْنَ وَرَّاقٍ أَرَى خَدَّهُ       قَدْ رَاقَ فِي التَّقْبِيلِ عِنْدِي وَرَقْ

تَميسُ فِي الدُّكَّانِ أَعْطَافُهُ       مَا أَحْسَنَ الْأَغْصَانَ بَيْنَ الْوَرَقْ

ولابن حبيب الحلبي فيه:

فُتِنْتُ بِحُسْنِ وَرَّاقٍ نَفُورٍ       بِقَلْبِ الصَّبّ نَارَ الْهَجْرِ أَصْلَى

صَقِيلِ الْوَجْهِ كَمْ دَرَجٍ لَدَيْهِ       وَيَغْضَبُ إِنْ طَلَبْنَا مِنْهُ وَصْلا

ابْن الورْدي فِي أبَّار(2):

رُبَّ أبَّارٍ مَلِيحٍ       لُمْتُهُ فِي سُوءِ سِيرةْ

قَالَ لَا تَتْعبْ وَتعْتُبْ       أَنَا خُرْمَاتي كَثِيرةْ

لآخر فِي نطَّاع:

هَوِيتُ نَطَّاعًا إذَا جِئْتُهُ       بَادَرَنِي بِاللَّحْظِ وَالصَّفْعِ

أَرُومُ أَنْ أَحْظَى بِوَصْلٍ وَقَدْ       قَابَلَني بِالسَّيْفِ وَالنَّطْعِ

ولآخر فِي حَرِيرِي:

حَرِيرِيٌّ بَدِيعُ الْحُسْنِ أَلْمَى       شَبِيهُ الْغُصْنِ وَالْبَدْرِ الْمُنِيرِ

كَسَا جِسْمِي السّقَامُ وَلَا عَجِيبٌ       لِثَوْبِ السَّقْمِ مِنْ هَذَا الْحَرِيرِي

فِي حبَّاك:

يَا مَلِيحًا هُدْبُ مُقْلَتِهِ       صَادَ قَلْبِي مِنْهُ بِالشَّرَكِ

مُذ رَأَيْتُ الحَبْكَ صَنْعَتهُ       قُلْتُ: هَذَا الْبَدْرُ فِي الحَبَكِ

لمحمد بن إبراهيم الطبريّ فِي (بَائِعِ تِكَك):

يَا بَائعَ التِّكَّةِ فِي سُوقِهِ       مُحْكَمَةً فِي الظَّفْرِ وَالْعَقْدِ

مَا حَاجَتِي إلَّا إلَى تِكَّةٍ       تَحُلُّهَا فِي خَلْوَةٍ عِنْدِي

لآخر فِي (نَاسِج تِكَّة) وذكر السيوطي في (الكنز المدفون والفلك المشحون) أن الجارية (دينار) كتبت البيتين على تكَّتِها:

أَنَا قَفَلٌ مِنْ حَريرْ       فَوقَ خَصْرٍ مُسْتَدِيرْ

أَنَّا لَا أُفْتَحُ إلَّا       عِنْدَ أَوْقَاتِ السُّرُورْ

في فَرَّاء:

قُلْتُ لِفَرَّاءٍ فَرَى أَدِيمي       وَزَادَ صَدًّا وَطالَ هَجْرَا

قَدْ فرَّ نَوْمِي وَفَرَّ صَبْرِي       فَقَالَ: لَمَّا عَشقْتَ فرَّا

الأزهري في «جوخي»:

أَحْبَبتُهُ جُوخِيًّا قَضَّ نومي مُذْ       عَبَّرتُهُ فيهِ وَصْلًا غيرَ مُنْفَسِخِ

إنْ قُلْتُ: أَبْيَضُ عَيْشِي كَمْ تسوِّدُهُ؟       يَقُولُ: لا تُنْكِرِ التَّلْويْنَ لِلْجوخِ

ابن قزمان في «رسامٍ» وتنسب للشاب الظريف:

قُلْتُ لرسَّامٍ رَنَا       بِكَ الْفُؤَادُ مُغْرمُ

قالَ: مَتَى أُذِيبُهُ؟       فَقُلْتُ: حينَ تَرسمُ

ولأحدهم فيه أيضًا:

هَوِيتُ رسَّامًا كَبَدْرِ الدُّجَى       وَثَغْرُهُ كالدُّرِّ إذْ يَبْسمُ

قلتُ لهُ: صِلْنَي ولو ساعةً       قال: بِكَمْ؟ قلتُ: بِمَا تَرْسمُ

ولسعد الدين بن عربي في مُصوِّر:

أَيَا مَنْ فَاقَ بِالتَّصْوِيرِ حُسْنًا       سَلَبْتَ بِفَرْطِ ذَا التَّصْوِيرِ لُبِّي

غَدَوْتُ مُصَوَّرًا بِبَيَاضِ طِرْسٍ       وَأَنْتَ مُصَوَّرٌ بِسَوَادِ قَلْبِي

ولآخر فيه:

عَلا في صنْعَةِ التَّصْويرِ بَدْرٌ       يُقابِلُ كُلَّ مَخْلوقٍ بِشَبْهِهْ

يُصوِّرُ كُلَّ مَا في الأرضِ وَجْهًا       وَيَعجزُ أنْ يُصوّرَ مِثْلَ وَجْهِهْ

ولسعد الدين بن عربي في دهَّان:

سَبَانِي الْيَوْمَ دَهَّانٌ       إِلِيهِ حَنَّتِ النَّفْسُ

لَهُ مِنْ حَدِّهِ الصبْغُ       وَمِنْ طَلْعَتَهِ الشَّمْسُ

ولآخر فيه:

قَامَ في صنْعَةِ الدِّهَانِ مَلِيحٌ       رَامَ يَحْكِي بِمَا حَواهُ مَعَاني

لاحَ كالوَرْدِ في الدِّهَانِ ولاحَتْ       فوقَ خَدَّيهِ وَردَةٌ كالدّهانِ

ولسعد الدين بن عربي في نَقَّاش:

وَمُنَقِّشٍ عَلَمًا رَأَيْتُ بِكَفِّهِ       قَلَمًا أُعِيذُ جَمَالَهُ بِالْبَارِي

هُو كَاتِبٌ وَسَوَادُ قَلْبِي حِبْرُهُ       أَوَمَا تَرَى أَنَّ مِدَادَهُ مِنْ نَارِ؟

وله «شمَّاع»:

يَا رُبَّ شَمَّاعٍ يَرُوقُ بِقَدِّهِ       نَادَيْتُهُ وَالْقَلْبُ مِنِّي يَكْمَدُ

يَا غَايَةَ الْآمَالِ بِعْنِي شَمْعَةً       فَأَجَابَنِي وَالْوَجْهُ مِنْهُ مُوَرَّدُ

أَيُّ الشُّمُوعِ تُرِيدُ؟ قُلْتُ لَهُ: الَّتي       فِي الخَدِّ مِنْهَا جُذْوَةٌ تَتَوقَّدُ

ولآخر فيه:

نَظَرْتُ إِلَيْهِ شَمَّاعًا مَلِيحًا       جَمِيعُ الحُسْنِ مَنْسُوبٌ إِلَيْهِ

لهُ خَدٌّ كَجَمْرٍ ذِي لَهِيبٍ       يَذُوبُ الشَّمْعُ مِنْ أَسَفٍ عَليهِ

ولسعد الدين بن عربي في صَبَّاغٍ:

وَشَادِنٍ يَصْبغُ الثِّيَابَ حَكَى       رَوْضًا بِأَنْوَاع زَهْرِهِ زَاهِي

يَا مَنْ لَدِيهِ الثِّيَابُ يَصْبغُهَا       دِيبَاجُ خَدَّيْكَ صُنْعَةُ اللَهِ

ولآخر فيه:

لمْتُ صبَّاغَكُمْ عَلَى       مُسْتَهَامٍ تَعَشَّقَهْ

قُلْتُ: صَفَّرْتَ وَجْهَهُ       قَالَ: رِجْلي مُزَرَّقهْ

في «مطرِّز»:

هَوِيتُ مُطرِّزًا كَالْبَدْرِ حُسْنًا       يُعلِّلُني بِوعْدٍ لَيْسَ يُنْجَزْ

سَبَا قَلْبِي بِرَقْمِ الخدِّ حُسْنًا       وَتَمَّمَني بِعَارِضِهِ الْمُطرَّزْ

في «زركشي»:

زرَكشيٌّ هويتُهُ       حُبُّهُ في الحَشَا حُشِي

قَدْ كَسَا جِسْمِيَ الضَّنَى       ثَوبَ سَقْمٍ بِزَركَشِ

في «قطَّان»:

وَلَمَّا أتى القطَّانُ نَحْويَ زَائِرًا       وقبَّلْتُ كفَّيهِ وَعانَقْتُ عطفَهُ

تَرَشَّفْتُ صَرْحَ الرَّاحِ مِنْ ماءِ وَصْلِهِ       وَفَوْقَ فِرَاشِ الوصْلِ أحْبَبْتُ نَدْفَهُ

آخر:

قَطَّانُنا مُهفهفٌ       ثَقِيلةٌ أَرْدَافُهُ

نَادَيتُ مِنْ وَجْدِي بهِ       يَا لَيْتَنِي نَدَّافُهَ

ولسعد الدين بن عربي في رفَّاء:

أًقُولُ لِرَفَّاءٍ شَكَوْتُ لَهُ الْهَوَى       فَأقْسَمَ لِي أنْ لَا يَرقَّ لِمَا أَشْكُو

عَقَدْتَ يَمِينًا ثُمَّ أَعْرَضْتَ فَارِكًا       وَلَا عَجَبٌ أَنَّ دَأبَكَ الْعَقْدُ وَالْفَرْكُ

لهبة الله بن كامل في «رفاء»:

يَا رَافِيًا خَرْقَ كلِّ ثَوْبٍ       يَا بُغيةَ النَّفْسِ يَا مُرَادي

عَسَى بِخَيْطِ الوِصَال تَرْفُو       مَا مزَّقَ الهجْرُ مِنْ فُؤادي

وللصفدي فيه:

ورفّاءٍ لهُ وجهٌ مليحٌ       محاسنُهُ البَديعةُ ليْسَ تَخْفَى

شغلْتُ بِهِ الفُؤادَ ولي زَمَانٌ       أَرَى ثوبَ الفُؤادِ يعوزُ رفَّا

في خيَّاط:

لمَّا أَتى وَالْمِقَصُّ في يَدِهِ       وَفَصَّلَ الْعَاتِقَيْنِ والبَدَنا

فَقَالَ: وَصْلًا يَعُوزُ، فَقُلْتُ لَهُ:       الْعَائزُ الوَصْلَ يَا مَلِيحُ أَنَا

ولأبي غالب الواسطي فيه:

مَرَرْتُ بِخَيَّاطٍ حَكَى الْبَدْرَ طَلَعْةً       وَشَاكَلَ غُصْنَ البَانِ لَمَّا انثنى قَدَّا

يقُدُّ ويَفْرِي الثَّوبَ ثمَّ يَخِيطُهُ       فلِم ثَوْبَ قَلْبي لا يَخِيطُ وَقَدْ قُدَّا

في «فاخوري»:

بَائِعُ الفخَّارِ بَدْرٌ       قَالَ لِلْعَاشِقِ جَهْرَةْ:

مَا الَّذِي تَبغيهِ مِنِّي       قالَ: قَصْدي أَلْفُ جَرَّةْ

في «سُروجي»:

فُتِنْتُ بِهِ سُرْوْجِيًّا بَدِيعًا بِهِ       قَدْ ذُبْتُ وَجْدًا مِنْ ضَجِيجِ

ولمحمَّد بن الرعَّاد في «قصَّاص»:

أَشْكُو إلى اللهِ قَصَّاصًا يجرِّعُني       بِالصَّدِّ والهَجْرِ أَنْوَاعًا مِنَ الغصَصِ

إنْ تُحْسِنَ الْقَصَّ يُمْنَاهُ فَمُقْلَتُهُ       أَيْضًا تقُصُّ عَلَيْنَا أَحْسَنَ القَصَصِ

في «حدَّاد»:

تَعشَّقْتُ حَدَّادًا بَدِيعَ مَلاحَةٍ       لَهُ طَلْعَةٌ في الحُسْنِ تَعْلُو وَتَشْمَخُ

إِذَا رُمْتُ بِالتَّطْرِيقِ وَصْلًا بقُربِه       أَرَاهُ يَسْترُ الْغَيْظَ ثمَّ ينفِّخُ

ابن نباتة في «فولاذي»:

أفْدِي بَدِيعَ الْجَمَالِ مُحْتَكِمًا       بِنَاظِرٍ في القُلوبِ نفَّاذِ

إذَا تَبَّينتُ ما صِناعتُهُ       رَنَا بِلَحْظٍ وَقَالَ: فُولَاذِي

في حائك:

وحَائكٍ يَا صَاحِ أَبْصَرْتُهُ       كَالبَدْرِ في كَفَّيهِ مَاسُورةْ

فَلَمْ أرحْ إِلَّا ورُوحِي لِمَا       عَايَنْتُ في كفَّيهِ مأسورهْ

ابن الوردي في «خبَّاز»

رَغِيفُ خَبازِكُمْ قدْ حَلا       مِنْ وَجْهِهِ التَّدْوِيرُ وَالْحُمْرَةْ

إذَا رَأى مِيزانَهُ الْمُشتري       يَقُولُ ذَا الميزانُ والزّهرَةْ

ولابن الرومي فيه:

مَا أَنْسَ لَا أَنْسَ خَبَّازًا مَرَرْتُ بِهِ       يَدْحُو الرُّقَاقَةَ وَشْكَ اللَّمْحِ بِالْبَصَرِ

مَا بَيْنَ رُؤْيَتِهَا فِي كَفَّهِ كُرَةً       وَبَيْنَ رُؤْيَتِهَا قَوْرَاءَ كَالْقَمَرِ

إِلَّا بِمِقْدَارِ مَا تَنْدَاحُ دَائِرَةٌ       في صَفْحَةِ الْمَاءِ يُرْمَى فِيهِ بَالْحَجَرِ

لآخر في «مناخلي»:

مَنَاخليٌّ همْتُ في حُبَّهِ       وَفِي الْحَشَا مِنْ حَبَّهِ جَمْرُ

قُلْتُ وَقَدْ عَايَنْتُ مِنْ حَولِهِ       مَناخِلًا لمْ يَحْوها الخَصْرُ:

مَا هَذِهِ؟ قالَ: شُموعٌ غَدَتْ       يكسِفُها مِنْ وَجهِيَ البَدْرُ

في «مغربل»:

تَعَشَّقْتُ مِنْ بَيْنِ الأَنَامِ مُغَرْبِلًا       لَهُ طَلْعَةٌ تُهْدِي إِلَيْكَ الأَمَانِيَا

إذَا حرَّكَ الغِرْبَالَ هَزَّ مَعَاطِفًا       تُنَسِّيَكَ الْهِنْدِيَّ إِذَا مَا اهْتزَّ مَاضِيَا

تَخَافُ عَلَى أَعْطَافِهِ الْعَيْنُ دَائِمًا       فتُبْصِرُهُ فِيهِنَّ يَنْفُثُ رَاقِيَا

في «عجَّان»:

وَجْهُ الْمَليحِ الْمُفَدَّى       مُغبَّرٌ بالدَّقيقِ

كأنَّهُ بَدْر تَمٍّ       مِنْ تَحْتِ غَيْمٍ دَقِيقِ

ابن الوردي في «دقَّاق»:

دَقَّاقُ قَمْحٍ مَلِيحٍ       لِلْبَدْرِ يَدْعُو عَلامَةْ

قَدْ رَقَّ خَصْري وَنَادَى       هَذَا الدقيقُ العلامةْ

في «طحَّان»:

للهٍ طَحَّانٌ تبدَّى وَجهُهُ       قَمَرًا لهُ قَمَرُ السَّمَاءِ رَقيقُ

وَجْنَاتُهُ ماءٌ ولكنْ قلبُهُ       حَجَرٌ وأمَّا خصرُهُ فَـ(دَقيقُ)

لسعد الدين بن عربي في «زجَّاج»:

وَزَجَاجٍ كَبَدْرِ التمِّ وَجْهًا       بِصَارِمِ مُقْلتيهِ دَمِي أُبِيحَا

يُديرُ عَلَى الحَدِيدِ لهُ زُجَاجًا       تكادُ تخالُهُ بَرْقًا لَمُوحا

وَمَا ذَاكَ الزُّجَاجُ سِوَى قُلوبٍ       تَمَلَّكهنَّ تَمْلِيكًا صَحِيحَا

إذَا احْتَرَقَتْ لِفَرطِ البُعْدِ عَنْهُ       تَرَاهُ نَافِخًا فِيهنَّ رُوحَا

في «أمشاطي»:

في صَانعِ الأمْشَاطِ سَقْمِي زَائِدٌ       لكنَّهُ في غايةِ الإفْرَاطِ

فَمَتَى أفوزُ بقُبلةٍ مِنْ ثَغْرهِ       وأُسرِّحُ الأسْقَامَ «بالأمْشَاطِ»

وللصفدي في «نجَّار»:

أَحْبَبْتُ نَجَّارًا بَدِيعُ جَمَالِهِ       مِنْهُ الشُّموسُ تَغَارُ وَالأقْمَارُ

فَخْرِي بِهِ بَينَ البريَّةِ أَنَّهمْ       قَالَوا غَدَا وَحَبيبُهُ «النجَّارُ»(3)

في «خشَّاب»:

للهِ خَشَّابٌ كَبَدْرِ الدُّجَى       قَدْ شَيَّبَ الأَسْودَ مِنْ مَفْرِقي

فَوَّقَ لي سَهْمًا أَصَابَ الحَشَا       وَيتَّمَ الْقَلْبَ بِخَدٍّ نَقِي

ولسعد الدين بن عربي في نشَّار:

أَيُّهَا الْقَلْبُ مُتْ غَرَامًا وَوَجْدًا       قَدْ سَبَاكَ النَّشَّارُ ثَغْرًا وَخَدَّا

ظَلَّ يَفْنِي أَسْنَانِ مِنْشَارِهِ بَرْدًا       وَتِلْكَ الأَسْنَانُ أَفْتَكُ بَرْدَا

فَهْوَ يُبْدِي مِنْ لَمْعِ مِنْشَارِهِ بَرْقَا       وَمِنْ صَوْتِ نَشْرِهَ لَكَ رَعْدَا

كِدْتُ أَرْجُو مِنْهُ اجْتِمَاعًا لِشَمْلِي       وَأَرَاهُ قَدْ فَرَّقَ العودَ عَمْدَا

مَا وَجَدْنَا لِحُسْنِ نَشْرِكَ نِدًّا       بَلْ وَجَدْنَا لِطِيبِ نَشْرِكَ ندّا

في «معمار»:

كَمْ ذَا أَقُولُ لِمْعمارٍ حَكَى سَلَبِي       وَحَرَّكَ الوَجْدَ لَحْظٌ مِنْهُ بتَّارُ

سَكَنْتَ قَلْبِي فَلا أَخْشَى تَهَدُّمَهُ       وَكَيفَ يُهْدَمُ بيتٌ فِيهِ مِعْمَارُ

في «مبلط»:

هَوَيْتُ مُبلِّطًا كالْبَدْرِ حُسْنًا       فَرِيدًا في الْمَلاحةِ والنَّشَاطَةْ

إذَا مَا جِئْتُ أسألهُ وِصَالًا       يُسوّفُ بِي وَيُظْهِرُ ليْ بَلاطَةْ

في «حجَّار»:

يَا حُسْنَ حَجَّارٍ لَهُ نَاظِرٌ       سَفْكُ دَمِ العُشَّاقِ مَألُوفُهْ

يَفْعَلُ في الأحْشَاءِ أضْعَافَ مَا       يَفْعَلُ في الأحْجَارِ شَاقُوفُهْ(4)

في «بنَّاء»:

للهِ بَنَّاءٌ كَبَدْرِ الدُّجَى       كأنَّهُ غُصْنَ نَقَا حِينَ مَاسْ

قدْ هزَّ ركنَ الصبرِ لَمَّا جَفا       وَصَيَّر القلبَ ضعيفَ الأساسْ

الأزهري في «نحَّاس»:

بُليتُ بنحَّاسٍ على كُلِّ عَاشِقٍ       يقولُ افْتِخَارًا وَاللَّوَاحِظُ تَغْزلُ

أَنَا ابنُ مَنْ لانَ النُّحاسُ لِصُنْعِهِ       وَقدري عَلى أذْكَى الدُّسوتِ تَرَجَّلُ

في «جوهري»:

وَجَوْهريٍّ شاقَنِي حُسْنهُ       لَمَّا بَدَا كالقَمَر المسفرِ

وَمَا بَدَا يَبسمُ مِنْ تيهِهِ       إلَّا سَبَانِي ثغرهُ الجوهري

في «زرجوني»(5):

يا صاحِ زَرْجُونيِّنا في حُسْنِهِ       قدْ زادَ مِنْ فَرطِ الغرامِ شُجُوني

لو زَارَني لَجَظَيْتُ مِنْهُ بِالشّفَا       وَجَمَعْتُ طِيبَ الوَصْلِ بالزَّرجونِ

في «مبيِّض»:

تَعَشَّقَ قَلْبِي الْمُستهامُ مُبيِّضًا       تلطَّفَ بِي في الحبِّ بالوَصْلِ والرَّضَا

وَأَقْبَلَ مِبيضَّ الثيابِ مُعطَّرًا       وَزَارَ عَلَى رغْمِ العَذُولِ مُبيِّضَا

الصفدي في «خفَّاف»:

خفَّافكُمْ فِعْلُ مُقْلتيهِ       في مُهجةِ الصبِّ غيرُ خافِ

أَضْحَى وَأَرْدَافُهُ ثِقَالٌ       وَفَاقَ فِي صُنْعَةِ الخِفَافِ

ابن الوردي في سبَّاك:

سبَّاكُ تِبْرٍ وَفِضَّةٍ صَهَرَتْ       نَوَاهُ قَلْبِي فَسَرَّهُ ذَاكَا

قُلْتُ لَهُ: قَدْ سَبَيْتَنِي وَأَخِي       قَالَ: نَعَمْ مُذْ عَشِقْتَ سَبَّاكَا

ما قيل في صنائع وحرف النساء:

للصفدي في صانعة:

هَيْفَاءُ كَمْ للشُّعَرا       في حُبّها مِنْ وَاقِعَةْ

قُلْنَا لَهَا: فَاعِلةٌ؟       قَالَتْ: نَعَمْ وَصَانِعةْ

وله في زركشية:

يَا لَيْتَنِي حَاشِيَةً زُرْكِشَتْ       يَوْمًا بِكَفَّيْ هَذِهِ الجَاريَةْ

قَدْ أَصْبَحَتْ فِي الْحُسْنِ سُلْطَانَةً       تُفَرِّقُ التّبْرَ عَلَى الْحَاشِيَةْ

للشهاب الحجازي في ريَّاشة:

هَوَيتُها رَيّاشَةً       وَمَا لَهَا نَظِيرُ

نَأتْ وكُنْتُ أختَشي       إنْ ريَّشَتْ تَطيرُ

وله في طرّازة:

مَلِيحَةٌ إنْ طَرَّزَتْ       فِيهَا تَحارُ الفِطَنُ

يُعجِبُني نَموذَجٌ       مِنْهَا وَشَكْلٌ حَسَنُ

وله في كاتبة:

كَاتِبَةٌ تَوْقِيعُ نَسْخِ الجَفَا       يَصْدُرُ عَنْ سَمْتِهَا الراحمَةْ

تَكْتُمُ أسْرَارَ رِقَاعِي لها       أحْسِنْ بها كَاتِبَةً كاتِمَةْ

للشاب الظريف في عجَّانة:(6)

كَلِفَ الفُؤَادُ بِظَبْيَةٍ عَجَّانةٍ       ما كُنْتُ يَوْمًا آمِنًا مِنْ هَجْرِها

عَجَنَتْ فُؤَادِي بِالغَرامِ فَماؤُهَا       مِنْ أَدْمُعي وَدَقِيقُها مِنْ خَصْرِهَا

ابن الوردي في مُسحِّرة:

عَجِبْتُ في رَمَضَانَ منْ مُسَحِّرةٍ       بَدِيعَةِ الْحُسْنِ إلاّ أَنَّهَا ابْتَدَعَتْ

جَاءَتْ تُسَحِّرنَا لَيْلًا فَقُلْتُ لَهَا:

كَيْفَ السّحُورُ وَهَذِي الشَّمْسُ قدْ طَلَعَتْ       ما قيل في صنع الأواني والأقداح والجِرَار.

الشاب الظريف في باطية:

أنا لِلْمَجَالِسِ وَالجَلِيسِ أَنيسةٌ       أَزْهَو بِحُسْنٍ باهرٍ لِلنَّاظِرِ

أَصْفُو فأُظْهِرُ ما أُجِنُّ وَلَمْ يَكُنْ       في باطِني شَيْءٌ يخالفُ ظَاهِري

في جمجمة:(7)

أَيُّهَا الشَّارِبُ مِنِّي       إِنَّمَا أَمْرِي عَجَبْ

كُلْ هَنِي وَاشْرَبْ مَرِي       إِنَّما أَصْلِي خَشَبْ

للشاب الظريف في كأس:

أَدُورُ لِتَقْبِيلِ الثَّنَايَا وَلَمْ أَزَلْ       أَجُودُ بِنَفْسِي لِلنَّدامَى وَأَنْفاسِي

وَأَكْسو أكفَّ النَّاسِ ثَوْبًا مُذَهَّبًا       فَمِنْ أَجْلِ هَذا لَقَّبُوني بِالكَاسِ

ابن حجة في طاس:

أَنَا طَاسَةٌ بَيَّضْتُ وَجْهِي عِنْدَكُمْ       وَصفَا لَكُمْ قَلْبِي بماءٍ رَائِقِ

عَذبَتْ مَشَاربهُ بِبَارقُ بَهْجَتي       فَتَنزَّهُوا بينَ العذيبِ وَبَارِقِ

ابن مكنسة الإسكندراني في الأباريق:

إِبْريقنَا عَاكِفٌ عَلى قَدَحٍ       كأنَّهُ الأُمُّ تُرْضِعُ الْوَلدَا

أَوْ عَابدٌ مِنْ بَني الْمَجُوس إَذَا       توَهَّمَ الكأسَ شُعَلةً سَجَدَا


افتتان

حسن الربيح – شاعر سعودي

إِلى شَيخِ الحِرَفِيِّينَ في الأحساء عبدالله بن محمد الشَّبْعان

دَاؤُكَ أَخشابٌ، وشِفَاؤُكَ أَخشابْ

لا شَيءَ برأْسِكَ يَطردُ هذا المَرَضَ الشافي

يا طَلْعَ النَّخْلِ الخَافِي

يَعرِفُكَ النَّهرُ الصَّافي

هَذي اللَّيمُونةُ مَدَّتْ أَذرُعَها؛ لِتُصافِحَ فِيكَ الأَجدَادْ

وَالأَثْلَةُ لَوَّحَ فِيها الشَّوقُ الوَقَّادْ

والسِّدْرَةُ تَنجُو حِينَ تُقطَّعُ، مِن تَنُّورِ العَابثِ؛

تَنجُو مِن نارٍ، ورَمَادْ

السِّدرَةُ أَلقَت بَينَ يَدَيكَ مَبَاهِجَها،

وغَسَلتْ الخَوفَ بِها مِن عَرَقٍ يَنضَحُ مِن أَكبَادْ

لا خَوفَ عَلَى هَذِي الأَشجارِ إِذا سَقَطَتْ،

فَأَنامِلُ رُوحِكَ تَرفعُها في عَينِ الأَبدِ الرَّاحلِ في الأَحفادْ

لا خَوفَ وأنتَ تُوقِّعُ بَصمَةَ أَجدادِكَ

فيها؛ إذ تَنبضُ ثانيةً بِالمِيلادْ

دَاؤُكَ أَخشابٌ، وشِفَاؤُكَ أَخشابْ

(شَبْعانٌ) أَنتَ، وجَوعانْ

الجِصُّ طَعامُ الأَيدِي، وهيَ تُقشِّر عَنهُ النِّسيَانْ

يا سَغَبَ الجِصِّ، وهذا النَّقشُ غِذاؤكْ

ثَانِيَةً يَنمُو عُمْرُكَ فِي رَأْسِ (العِمدَانْ)

مُرتَفِعًا حتَّى لو جارَ الهَدمُ عليهِ، وأَنْكَرَهُ العُمرانْ

فِي الصُّورَةِ تَبقَى، أَو في ذاكرةِ الفَنَّانْ

دَاؤُكَ أَخشابٌ، وشِفَاؤُكَ أَخشابْ

قالَ طَبيبٌ،

وَانْفَتَحتْ بَوَّابَةُ مَاضِيهِ وَرَاحَ يُلملِم ما ذَرَّته الريحُ،

ويَرسِمُ في الأَوراقِ ملامحَ أَشياءٍ مَنسِيَّةْ

ما هَذا؟ قَالَ لَهُ عُصفُورٌ يَأتِي كُلَّ صَبَاحٍ

– هَذَا نَقشُ السَّعْفَةْ

فتَعالَ وَغرِّد؛ كي تصبحَ خَضرَاءْ

ويُطِلَّ العذقُ الأحمرُ مشتعلَ اللَّهْفَةْ

ما هَذَا؟ قال صبيٌّ ينظرُ مَفتُونًا

– هَذا نَقشُ الطَّير،

فحاذِرْ أَن تَلمَسَه؛ كَيلا يهربَ

وَاتركْ في كَفِّكَ مَاءً

وانظرْ كيفَ يجيئُكَ مِن رَشفَةْ

يا ولدي، مخبوءٌ في هذي النَّقشَةِ سِرٌّ أستَبطِئ كَشفَهْ

لَن أَقتلَ سِرًّا يا ولدي

فالفِتنةُ أَرجحُ فِي الكِفَّةْ


الحِرَف اليدوية قوة ثقافية ناعمة

فهد إبراهيم البكر – أكاديمي سعودي

تبدو الحرف التقليدية عملًا ميدانيًّا تطبيقيًّا يعتمد في المقام الأول على الصناعة، ثم المهارة. وتاريخ هذا النمط من الأعمال معروف لدى الإنسان الأول منذ غابر الأزمان، وتتوارث الأجيال تلك الحرف، فتتطور بتطورها، وتتجدد بتجددها. ولهذا تعدّ الحرف اليدوية جزءًا لا يتجزأ من الموروث الثقافي للأمم، وهي مصدر حيوي من مصادر نهضتها وحضارتها. يكفي لندلل على ذلك أن نرى العمران مثلًا شاهدًا على قيمة الحرف التي يمتهنها أصحابها، حيث تنقل لنا تلك المظاهر شيئًا من المعارف، والخبرات، والمهارات، والممارسات التي كان عليها الناس، زمنًا بعد آخر.

لهذا يأتي توثيق تلك الحرف التقليدية في كتب، أو دراسات، أو مقالات، جانبًا معرفيًّا مهمًّا، ولا سيما في ظل انعدام التأليف في هذا الميدان. فنحن منذ القدم نعرف الخيّاط، والنجّار، والحدّاد، والبنّاء، والدهّان، ونحوهم، لكننا لا نجد كتبًا مختصة في تعليم تلك المهن، إلا ما كان من إشارات قد تكون مبثوثة في بعض الكتب هنا، أو هناك. لكننا، في الحقيقة، لا نكاد نعثر على كتب تهتم بهذا المجال. وأظن أننا في هذا الزمن -وفي ظل الدعم للحرف التقليدية من جانب وزارة الثقافة، وبعد تخصيص هذا العام الثقافي للحرف اليدوية- نتطلع إلى أن يكثّف الباحثون، والدارسون، والنقاد، والمهتمون من المثقفين، والمبدعين، وأصحاب المهن والحرف الخاصة، جهودهم في التأليف في هذا الباب، تعليمًا، أو تأريخًا، أو رصدًا، وتحليلًا.

للأدب أثره البالغ في إعادة الاهتمام بالحرف اليدوية ثقافيًّا، فهو يتفاعل مع الحرفة بوصفه تعبيرًا إنسانيًّا جماليًّا يصف الكون، والحياة، والمجتمع. أما الحرفة فهي ميدان رحب يكشف عن أصالة ملموسة ومتجذرة؛ إذ هي دليل على العمق التراثي، والثقافي، والجمالي، وهو أمر قد يلتقي الأدبَ في بعض وجوهه وجوانبه، ولا سيما أن الأدب قد يتناول الحرفة فيعالجها، أو ينطلق منها، أو يجعلها أساسًا للسرد، ومصدرًا للحكاية. ولذلك ظهرت (الرواية الرعوية) في فرنسا، وإسبانيا، في القرن السابع عشر، وكانت تُعنى برسم أخلاق الرعاة ومشاعرهم، وجمال الريف، والطبيعة، وبساطة الرعاة، وكان من أمثلتها: رواية «الراعي الغريب» للفرنسي شارل سوريل.

والمتأمل في الروايات العالمية سيجد في عناوين بعضها مزيدًا من التفاصيل الحِرَفية، كما في رواية «الفلّاحون»، و«الصيّادون» للروسي أنطون بافلوفيتش تشيخوف، ومثلها رواية «صانع الألماس» للإنجليزي هربرت جورج ويلز. كما دلّت روايات أخرى على بعض المعاني الحِرفية، كرواية «مانديل بائع الكتب القديمة» للنمساوي ستيفان تزفايج، ورواية «السيمفونية الرعوية»، أو «سيمفونية الحقول» للفرنسي أندريه جيد، ورواية «ساعي بريد نيرودا» للتشيلي أنطونيو سكارميتا.

ثمة علاقة بين الحرفة والهوية، ويعود ذلك إلى ارتباط الحرفة بإنسانها الأول، وبثقافته العربية، وانتمائه الوطني، وتاريخه السعودي. فالحرفة تبنى بها الحياة، وتنمو، وتسمو، والهوية يعتز بها الإنسان، ويخلص من أجلها، ويبدع بواسطتها. وبفضل هذه العلاقة تتجلى القيم العلمية، والأدبية، والثقافية، والحضارية، والأخلاقية. لهذا، فإن التركيز على قيمة الهوية في علاقتها بالحرفة، وربط ذلك بعضه ببعض هو أول مظاهر الاحتفاء بالمنجز الثقافي، والإرث المعرفي، والإنتاج الإبداعي المتنوع. ومن هنا، علينا أن نعزّز من أثر الحرفة في علاقتها بالهوية الوطنية، وتقديم الرؤى التي تدعم تلك العلاقة، وصياغة المقترحات المفيدة، وصناعة المبادرات والمشاريع التي من شأنها أن تجعل الإنسان أكثر حبًّا لموروثه، وانتماءً لوطنه.


الحرف اليدوية والإسهام في التنمية المستديمة

درويش الأسيوطي – شاعر وباحث مصري

تَعرَّضتْ، وما زالت تتعرض، الحِرَف اليدوية في المجتمعات كافة للتراجع عن دورها الاقتصادي في الإنتاج؛ وذلك بفعل التطور التكنولوجي المتسارع، الذي أدى فعليًّا إلى انقراض كثير من الحرف اليدوية، وما ارتبط بها من فنون وطقوس، وما صاحبها من تراث شفهي، بعضه ما زال حيًّا، وبعضه استعصت عليه الحياة.

يعتمد إنتاج الحرف اليدوية على الجهد الإنساني والحيواني. وقد تسارعت، خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين؛ والعقود الأولى من القرن الحادي والعشرين، عمليات إحلال الآلة محل الإنسان والحيوان في العملية الإنتاجية. فعلى سبيل المثال لم يعد الجهد العضلي الأساس في أعمال حرفة الزراعة، وحلت الآلة محله، فلم نعد نستخدم في الري (الساقية) التي تجرها الحيوانات، ولا (الشادوف) ولا (الطنبور) الذي يعتمد العمل من خلالهما على عضلات الإنسان. ولا (المحراث) ولا (الفأس) في عملية شق وتقليب التربة، ولا الجمال والحمير في عملية النقل. وبالتالي، انقرض كثير من الحرف التي ارتبطت بأشكال الإنتاج القديمة. وصارت الممارسات اليدوية نوعًا من التراث الذي يعتني به بعض ويهمله بعض. وهذا الأمر ينطبق على حرف أخرى مثل الغزل والنسيج وصناعة الأزياء، وما ارتبط بها من ممارسات وأنماط شعبية.

أغنيات الجمالة

والنشاط الإنساني لا يمكن فصله إلا لدواعي الدراسة. فالتراث الشعبي لا يمكن فصل المادي فيه عن غير المادي، إلا للتصنيف. فهناك ارتباط بين استخدام الحيوان في العمل وبين ما نطلق عليه (أغنيات الجمالة)، وهو لون من الغناء ارتبط بعمليات الحرث والري والنقل والدرس، بمشاركة الحيوانات في العمل. وكلما تقدمت طرائق الإنتاج في المجتمعات؛ قَلَّ الاعتماد على العمل العضلي، وتراجعت الحرف اليدوية في تلك المجتمعات. وعلى الرغم مما تعرضت له تقنيات العمل والإنتاج من تحول، فقد ظل للحرف اليدوية حضورها المباشر أو غير المباشر في ثقافة مجتمعاتها. فلا تزال الأمثال الشعبية، على سبيل المثال، التي أنتجتها حرف انقرضت حية في المكونات الثقافية لشعوبها. وما زالت بعض الطقوس المرتبطة ببعض الحرف تمارس. ويطلق على ما تبقى من حرف يدوية وممارسات مادية وطقوس ومأثورات قولية التراث الشعبي.

نشك التلي

يمكن للشعوب أن تستفيد من العناصر التراثية المادية في المساعدة على النمو الاقتصادي، والتنمية المستديمة لشعوبها. ويمكن لبعض الحرف اليدوية أن تشكل إسهامًا اقتصاديًّا مهمًّا في تنمية المجتمع. وبعيدًا من التدليل النظري، اسمحوا لي أن أضرب مثالًا حيًّا لما يمكن أن تسهم به الحرف التراثية في التنمية المستديمة:

كان (نَشْك التُّلِّي) أو (فن الأسيوطي) من الحرف اليدوية التي احترفها كثير من النسوة المصريات، في منطقة وسط الصعيد، وبخاصة أسيوط وسوهاج. وتقوم هذه الحرفة على استخدام قماش خاص يسمى (التُّل)، وتزيينه من خلال الرسم عليه بخيوط من الفضة أو الذهب؛ لصنع أشكال الأزياء والألبسة وأغطية الرأس النسائية. وصار لبس (التلي) للزينة من ملامح التميز والتفرد الاجتماعي. (النَّشْك) تعني في اللغة الشعبية المصرية النشر والتوزيع والبعثرة، وعادة ما كانت المرأة تستخدم بعض العناصر التراثية كأشكال فنية (موتيفات)، مثل: الجمال والأسماك والنخيل والمثلثات الهرمية… وغير ذلك من عناصر فنية تراثية. ومع انتشار الآلات والتطور التكنولوجي اندثرت هذه الحرفة تمامًا.

في أواخر عقود القرن العشرين جاءت سيدة إنجليزية إلى مصر، في زيارة لسوهاج، للبحث عن نسيج (التلي) أو (الفن الأسيوطي) الذي فتنها في المعارض الأوربية، ولم تنجح في الحصول نهائيًّا على ممارسين أو ممارسات لهذه الحرفة؛ لأنها تقريبًا كانت قد اندثرت، ولم يعد من يمارسها كحرفة يدوية. والتقت مصادفة بالفنانين التشكيليين الأسيوطيين: بخيت فراج وسعد زغلول، وحدثتهما عن التلي وجمال التلي، ولما تعذر على المرأة العثور على بُغْيَتِها، سافرت إلى بلادها وتركت لهما قطعة من (التلي) كتذكار.

لكن الأمر لدى الفنان التشكيلي (سعد زغلول) لم يتوقف عند هذا الحد، فقد ظل لعام كامل يتقصى عن (التلي)، في المناطق الشعبية من أسيوط، كغرب البلد والوليدية وغيرها، لما يقرب من العام، حتى وجد سيدتين من كبار السن تعرفان كيفية (نشك التلي)، أو الرسم على قماش (التل)، وبدأ بعدها الفنان الدؤوب في رحلة البحث عن الخامات المطلوبة (القماش والإبر والخيوط) حتى وجدها، وطلب من كل سيدة أن تنفذ الوحدات الزخرفية التراثية التي تعرفها، حتى لا تندثر، ثم عهد إليهما وعلى نفقته بتعليم بعض الفتيات هذا الفن، وبدأ (سعد زغلول) في إحياء (التلي) من جديد. وبعد أن حصل على منحة من الصندوق الاجتماعي للتنمية، توسع المكان في تعليم البنات (شغل التلي) بشكل أكبر.

إلى جانب سعي الفنان إلي إحياء التراث المصري القديم والحفاظ عليه، سعى من خلال (بيت التلي) إلى توفير فرص عمل للفتيات من خلال القطع التي يقمن بتنفيذها، التي يسوقها من خلال المعارض، وبالتالي وفَّر مصدر دخل للعاملات في هذا المجال، بصورة تناسب ظروفهن، حيث يمكنهن العمل من منازلهن في الأوقات المناسبة لهن، فالأمر لا يحتاج إلا للإبر والخيوط والقماش.


هوامش:

(1) (انظر: إسماعيل باشا البغدادي «هدية العارفين» 228/ 1؛ وعمر كحالة «معجم المؤلفين» 3/ 27) وفي «تاريخ حماة» لأحمد بن إبراهيم الصابوني ص 104. له مؤلفات عدة أخرى غير «سكردان العشق» لم يذكرها. ثم يورد معلومة غريبة: (أن قبره معروف الآن غربي المدينة، وتسميه العامة قبر السلطان أويس وهو معتقَد يُزار!).

(2) صانع الإبر.

(3) في الكلمة جناس ينطوي على معنيين: النَّجار المهنة، والنِّجار: الأصل والنسب.

(4) الشاقوف: مطرقة ضخمَة تقطع بِها الحجارة.

(5) الزرجون كلمة فارسية وتعني: لون الذهب. والمقصود هنا الذي يلمع النحاس الأصفر. الزرجون الثانية: الخمر.

(6) البيتان للشاب الظريف في ديوانه.

(7) الجمجمة: قدح من الخشب.