ربما يكون حديثي عن مجلة «الفيصل» شهادة مجروحة لكوني رئيس تحريرها، ولكني هذه المرة لا أكتب فقط انطلاقًا من ارتباطي العملي بالمجلة، بل أكتب أيضًا انطلاقًا من كوني قارئًا عربيًّا مشغولًا بالشأن الثقافي، وأكاديميًّا متخصصًا في الإعلام.
مجلة «الفيصل» لا تحتاج إلى شهادة فردية ترفعها، فقد استطاعت على مدى خمسين عامًا؛ منذ عددها الأول الذي صدر في رجب عام 1397هـ الموافق لشهر يونيو من عام 1977م، أن تحفر اسمها في واجهة المشهد الثقافي السعودي والعربي، وأن تؤسس مكانتها الثقافية المرموقة استنادًا إلى المحتوى النوعي الذي تقدمه لقرائها في كل البلدان العربية، وأصبحت تحظى بشهادة عربية جماعية وقَّعت عليها جموع القراء من مختلف المستويات الفكرية والعلمية والثقافية والأدبية والإبداعية، ولذلك كنت وما زلت واحدًا من قرائها قبل أن أكون رئيسًا لتحريرها.
وإن كان مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية؛ يحتفي هذه الأيام بمرور خمسين عامًا على تأسيس مجلة «الفيصل»، فنحن القراء نتقاسم مع المجلة تفصيلات هذه المناسبة، فهي المجلة التي لم تُخْلف موعدًا مع قرائها، وقد وصلت إلى مختلف العواصم والمدن العربية محمَّلةً بموضوعاتٍ تجمع بين مختلف الاتجاهات الثقافية، والفكرية، والأدبية، والنقدية، والفنية؛ ولم تَكُفَّ يومًا عن التفاعل مع التحولات الثقافية، ولا عن طرح الأسئلة الفكرية الجوهرية، أو الاحتفاء بالإبداع والمبدعين في مختلف المجالات، ولا تزال تفعل ذلك بالرصانة نفسها التي بدأت عليها، وبالمسؤولية نفسها التي تدرك قيمة الكلمة وقدرتها على التأثير.
وعندما تأثرت كل الصحف والمجلات بسبب المد الإلكتروني وهيمنة الصحافة الإلكترونية؛ كانت «الفيصل» سبَّاقة إلى إطلاق منصتها الإلكترونية المتميزة، وأتاحت لمن لم يعد يستطيع الوصول إلى نسختها الورقية فرصة الوصول إلى نسختها الإلكترونية، بل الوصول إلى أرشيفها الكامل الذي يعد جزءًا مهمًّا من تاريخ الصحافة الثقافية في الوطن العربي، ومرجعًا موثوقًا للمثقفين والباحثين المهتمين بالشأن الثقافي.
مرّت مجلة «الفيصل» بكثيرٍ من مراحل التطور، وتولى رئاسة تحريرها أعلامٌ من صُنَّاع الصحافة الثقافية في المملكة العربية السعودية، وفي كل مرحلة من تلك المراحل لم تخرج عن مسارها الموضوعي، أو خطها الصحفي الرصين، أو خطابها الثقافي المسؤول، فحققت -بذلك- انتشارًا كبيرًا،
واكتسبت قاعدة جماهيرية عريضة، وحظيت باحترام القراء على اختلاف مشاربهم وتنوع اهتماماتهم، وما كان لذلك أن يتحقق إلا بالرعاية الاستثنائية التي حظيت بها من مؤسسها صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل، وما زالت تحظى بها من صاحب السمو الملكي الأمير تركي الفيصل رئيس مجلس الإدارة لمركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، وصاحبة السمو الملكي الأميرة مها الفيصل الأمين العام للمركز، وفي هذه المناسبة؛ يتوجب عليَّ أن أشكر لسموهم دعمهم الدائم وحرصهم على إعلاء صوت «الفيصل»، وأن أشكر لكل رؤساء التحرير السابقين ومعاونيهم ما قدَّموه من جهدٍ وإسهامٍ في إضاءة تاريخ المجلة، والشكر موفور لكل فريق العمل، ولكل القراء في الوطن العربي، ونَعِد الجميع بأن تبقى «الفيصل» كعهدهم بها منبرًا للتجارب المتميزة، والعمل الثقافي المسؤول.
وفي الختام، أرغب في التنويه بأن أغلبية مواد هذا العدد هي منتخبات من الأعداد التي صدرت طوال العقود الماضية؛ وذلك كي يتسنَّى للقارئ الكريم رصد مراحل التطور التي مرت بها «الفيصل» في تاريخها.
0 تعليق