محاضرة لجائزة الملك فيصل العالمية في مركز أكسفورد
الموسوي: العصر الإسلامي الوسيط يجب أن يُقرأ بعيدًا من التصورات الأوربية المهيمنة
بواسطة كرم نعمة - كاتب عراقي مقيم في لندن | ديسمبر 10, 2025 | جوائز
أثار الدكتور محسن جاسم الموسوي، الحاصل على جائزة الملك فيصل العالمية، عصفًا نقديًّا في تبديد النظرة السائدة بين المؤرخين والباحثين والمستشرقين بشأن الآداب في العصور الوسطى، في محاضرة نظمتها جائزة الملك فيصل العالمية في مركز أكسفورد للدراسات الإسلامية، في المملكة المتحدة.
وفي أمسية باردة من نوفمبر الماضي، وبقاعة مركز أكسفورد للدراسات الإسلامية، حيث تتقاطع التقاليد الأكاديمية الغربية مع الاهتمام المتجدد بالتراث الإسلامي، قدّم الدكتور محسن جاسم الموسوي، أستاذ الأدب العربي في جامعة كولومبيا، محاضرة أثارت نقاشًا واسعًا بين الحضور بما فيهم الدكتور عبدالعزيز السبيل الأمين العام لجائزة الملك فيصل العالمية.
حملت المحاضرة عنوانًا لافتًا: جمهورية الآداب في العصر الإسلامي الوسيط: بناء المعرفة بالعربية. بدا أن الموسوي منذ اللحظة الأولى، يسعى إلى إعادة الاعتبار لحقبة طالما وُصفت في الدراسات الحديثة بأنها عصر انحطاط أو ركود، وهي الحقبة الممتدة بين القرنين الثاني عشر والثامن عشر، التي يرى أنها كانت في الحقيقة زمنًا غنيًّا بالإنتاج الثقافي والمعرفي، وأنها أسست فضاءً عالميًّا للتبادل الفكري يمكن وصفه بـ “الجمهورية الإسلامية للآداب”.
الموسوي الذي يعد من كبار النقاد العرب والمتوج بأكثر من ثلاثين كتابًا نقديًّا باللغتين العربية والإنجليزية، بدأ حديثه بتفكيك الصورة النمطية التي رسّخها الخطاب الأوربي الحديث، والذي اعتبر أن العصور الوسطى الإسلامية لم تنتج سوى تقليد مكرور للنصوص الكلاسيكية، وأنها لم تضف جديدًا إلى مسيرة الفكر الإنساني. لكنه شدد على أن هذه النظرة مجحفة، وأنها تتجاهل حجم الإنتاج الثقافي والمعرفي الذي شهدته تلك الحقبة، والذي امتد عبر مساحات جغرافية واسعة من الأندلس غربًا إلى آسيا الوسطى شرقًا، مرورًا بمراكز كبرى مثل القاهرة ودمشق وأصفهان وسمرقند. هذا الإنتاج لم يكن مجرد تراكم نصوص، بل كان فضاءً حيًّا للنقاش والجدل، حيث تداخلت الحواشي مع الشروح، والرسائل مع المناظرات، والقصائد مع التعليقات، لتشكّل شبكة معرفية متواصلة عبر القرون.
في قلب هذه الشبكة، كانت اللغة العربية هي العمود الفقري. ليست فقط لأنها لغة القرآن، بل لأنها أصبحت لغة الدين والبلاغة والفلسفة والعلوم. هذا منحها مكانة تتجاوز الحدود الجغرافية والعرقية، لتصبح لغة مشتركة بين العلماء في مختلف الأقاليم. دراسة النحو والبلاغة لم تكن نشاطًا محليًّا، بل علمًا جامعًا لكل مجالات المعرفة، وأساسًا للتكوين العلمي في المدارس الإسلامية. حتى اللغات المحلية والآداب العامية تأثرت بالعربية، فإما استعارت منها أو دخلت معها في جدل ثقافي، ما جعل العربية في موقع الصدارة داخل هذه الجمهورية الفكرية.
فضاءات الإنتاج الثقافي
وأشار الموسوي، الحاصل على جائزة العويس للآداب والشيخ زايد للكتاب، إلى أن فضاءات الإنتاج الثقافي لم تقتصر على المؤسسات الرسمية، بل شملت المساجد والزوايا والمدارس بصفتها مراكز للعلم، والأسواق والشوارع حيث كان النسّاخ والكتّاب يبيعون الكتب وينقلون النصوص، والمجالس والرحلات التي كانت فضاءات للتبادل الثقافي. هذا التفاعل أنتج تراكمًا معرفيًّا متواصلًا، حيث كل نص أو تعليق يدخل في شبكة واسعة من التبادل. صناعة الثقافة نفسها كانت مزدهرة، فقد ظهرت موسوعات ضخمة، ومعاجم، وكتب تراجم، وتعليقات في مجالات متنوعة: التاريخ، الجغرافيا، الفلسفة، الكلام، البلاغة، العلوم الطبيعية. النسّاخ والكتّاب شكّلوا صناعة متكاملة، خلقت جمهورًا واسعًا من القراء، في حين كانت السخرية والتهكم من بعض المؤلفين الأقل شهرة جزءًا من هذا المناخ الحيوي، ما يعكس حيوية النقاش الثقافي.
ثم انتقل الموسوي إلى الحديث عن المراكز الكبرى التي شكّلت أعمدة هذه الجمهورية. القاهرة كانت المركز الأبرز، مثلما كانت باريس لاحقًا لأوربا. جذبت العلماء والشعراء والرحالة من الشرق والغرب، ووصفها ابن خلدون بأنها “جنة الكون وبستان العالم”، فيما أشار المؤرخ أبو العباس القلقشندي إلى أنها ضمت من الأدباء والكتّاب ما لم تضمه أي مدينة أخرى. إلى جانب القاهرة، برزت مراكز مثل دمشق، وحلب، وأصفهان، وسمرقند، ومكة والمدينة بوصفها محطات أساسية للعلماء والرحالة. هذه المدن لم تكن مجرد أماكن، بل فضاءات حية للتفاعل الثقافي، حيث تداخلت النصوص مع الممارسات اليومية، وأصبحت الأسواق والشوارع جزءًا من المشهد الثقافي العام.
الشبكات الثقافية كانت محورًا آخر في المحاضرة. الرحلات، والحج، والهجرة، والمراسلات كانت وسائل رئيسة لنقل المعرفة. سيرة ابن بطوطة وابن جبير مثال على كيف شكّلت الرحلات إطارًا ثقافيًّا جامعًا، وكان للتصوف دور مهم في بناء شبكات روحية ومعرفية، مثل ابن عربي والشاذلي والمورسي. الحج كان نقطة التقاء العلماء من مختلف الأقاليم، حيث تبادلوا الكتب والأفكار، ما جعل مكة والمدينة مركزين معرفيين إلى جانب مكانتهما الدينية. هذه الشبكات أنتجت طبقات متداخلة من المعرفة، من النصوص الدينية إلى الشعر الشعبي، ومن الفلسفة إلى العلوم الطبيعية، ما جعل “الجمهورية الإسلامية للآداب” فضاءً متعدد الأبعاد.

ابتكار أشكال جديدة من المعرفة
لم يغفل الموسوي التحدي الذي تواجهه هذه الحقبة في القراءة الحديثة. فقد أشار إلى أن الحداثيين العرب تأثروا بالخطاب الأوربي الذي قلّل من قيمة هذه الحقبة، فاعتبروها مجرد تقليد. وهي في الحقيقة إعادة توظيف للتراث القديم وابتكار أشكال جديدة من المعرفة، أي “تحويل للأصول” كما يسميه باسكال كازانوفا. هذا الإنتاج الثقافي الضخم يثبت أن الانحطاط لم يكن معرفيًّا، بل سياسيًّا واقتصاديًّا في بعض الفترات.
وشدد المحاضر على أن هذه الحقبة يجب أن تُقرأ بعيدًا من التصورات الأوربية المهيمنة، وأنها تمثل مرحلة تراكم معرفي وشبكات واسعة من العلماء والأدباء.
ولكي يوضح الفكرة، استعرض الموسوي بعض الأمثلة البارزة. اللقاء التاريخي بين ابن خلدون وتيمورلنك في دمشق عام 1401م يُظهر تداخل السياسة بالثقافة والجدل الفكري، حيث تحوّل اللقاء إلى مساحة للنقاش حول التاريخ والاجتماع والسلطة. أعمال السكاكي في البلاغة، السيوطي في الموسوعات، وابن عربي في التصوف، رسخت تقاليد معرفية امتدت لقرون، أما قصيدة البوصيري (بردة النبي) فكانت مثالًا على نص تجاوز الحدود وانتشر في العالم الإسلامي، ليصبح جزءًا من الذاكرة الجماعية. هذه الأمثلة تؤكد أن الحقبة لم تكن مجرد تقليد، بل فضاءً للإبداع وإعادة التوظيف.
لم يكن مجرد تابع
في ختام المحاضرة، شدد الموسوي على أن العالم الإسلامي في العصور الوسطى لم يكن مجرد تابع أو مقلّد، بل كان فضاءً معرفيًّا عالميًّا، قائمًا على اللغة العربية، وعلى شبكات واسعة من العلماء والرحالة والمتصوفة والنسّاخ. هذه “الجمهورية الإسلامية للآداب” كانت فضاءً حيًّا للتبادل الثقافي، وأنتجت تراكمًا معرفيًّا هائلًا لا يزال أثره حاضرًا حتى اليوم. القاهرة مثلت “عاصمة الحروف” الإسلامية، كما مثلت باريس لاحقًا “عاصمة الأدب” الأوربي، وهذا التراث يفرض إعادة قراءة نقدية ويكشف عن ثراء ثقافي يستحق إعادة الاعتبار.
لم تكن المحاضرة في مركز أكسفورد للدراسات الإسلامية، وبتنظيم احتفائي من جائزة الملك فيصل العالمية بأحد الفائزين بها، مجرد عرض أكاديمي، بل كانت دعوة لإعادة النظر في تاريخنا الثقافي، وللتخلص من الصور النمطية التي فرضها الخطاب الأوربي. وكانت تذكيرًا بأن العصور الوسطى الإسلامية لم تكن عصرًا مظلمًا، بل عصرًا من الحوار والتفاعل والإبداع، وأن اللغة العربية كانت القلب النابض لهذه الجمهورية الفكرية. وعندما خرج الحضور من القاعة، كان واضحًا أن المحاضرة تركت أثرًا عميقًا، وأنها ستفتح بابًا جديدًا للنقاش حول كيفية قراءة تاريخنا الثقافي بعيدًا من التصورات المهيمنة.
0 تعليق