عقد من الزمن يمر اليوم، على انطلاق النسخة الأولى لمهرجان أقرأ، الذي ينظمه مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي إثراء، بالظهران، المهرجان الذي بدأ في المنطقة الشرقية في السعودية، ثم توسع ليشمل بقية المناطق السعودية، إلى أن أضحى مهرجانًا عربيًّا كبيرًا، يتقدم إليه متسابقات ومتسابقون من أنحاء العالم العربي.
وقد اختتم المهرجان، الذي تبنى شعار “أثر القراءة لا يزول”، وحضره كبار مسؤولي شركة أرامكو وعدد كبير من المثقفين والإعلاميين، من مختلف الدول العربية، دورته العاشرة، بتتويج المتسابقة الليبية نسرين أبو لويفة بلقب “قارئ العام”، بحسب لجنة التحكيم. فيما توج الجمهور الجزائرية سارة بن عمار بجائزة قارئ العام، وفازت المغربية هبة يايموت بلقب قارئ العام لأفضل نص.
بدا حفل “أقرأ” في نسخته العاشرة بمقر “إثراء”، مهرجانًا ضخمًا استمر يومين، وجاء البرنامج الثقافي حافلًا ومتنوعًا، فشمل حوارات مع بعض الكتاب والأدباء والمترجمين، وورش عمل وتواقيع كتب لعدد من المؤلفين، ومنهم الروائية اللبنانية هدى بركات، والسعودي وائل حفظي، والمصرية شيرين أبو النجا، والفلسطيني إبراهيم نصرالله، والمترجمة يارا المصري، والشاعر ياسين عدنان، وصانع المحتوى أحمد الغندور، الشهير بالدحيح.
إضافة إلى لقاء مهم أداره المستشار الثقافي لمركز إثراء طارق الخواجي مع الفائز بجائزة نوبل العام 2023م النرويجي يون فوسه، الذي تحدث عن بداياته في الكتابة، وعن جائزة نوبل، وماذا مثلت أو تمثل له اليوم، كما تحدث عن قراءاته لمارتن هايدغر، وتطرق إلى المسرح، وتوقف عند مراحل من حياته، ولحظات في تجربته في الكتابة.
كما شهد الجمهور عرضًا شعريًّا وموسيقيًّا وفنيًّا تكريمًا لغازي القصيبي، “في مسعى لتحويل قصائد القصيبي إلى تجربة حسية حية يتفاعل معها الجمهور بصريًّا وسمعيًّا. يكون الشعر هو المحور الأساسي، وتتجمع حوله الفنون الأخرى في لوحة فنية تعبّر عن عمق نصوصه ورمزيتها وأثرها في المشهد الثقافي السعودي والعربي”.
ستة متسابقين من المغرب وتونس والجزائر وليبيا والسعودية، كانوا خلاصة مئات من المتسابقين، خاضوا تصفيات صعبة، نظرًا للعدد الكبير من القراء الذين باتوا محترفي قراءة واطلاع واسع. في حفل الافتتاح، تنافس هؤلاء المتسابقون على تقديم مراجعات للكتب، ثم في مرحلة ثانية قرؤوا نصوصًا أدبية كتبوها هم، ثم في مرحلة ثالثة وأخيرة انخرطوا في مناظرة فكرية لم تنقصها الحماسة.
وكانت لجنة التحكيم المكونة من الشاعرة والأكاديمية المصرية إيمان مرسال، والروائي الكويتي سعود السنعوسي، والباحث السعودي عبد الرحمن مرشود، قد بذلت جهدًا في النقاش وطرح الأسئلة على المتنافسين لتلمس سعة اطلاعهم ومقدرتهم على النقاش، قبل التوصل إلى نتائج مرضية.
وفاز فريق الادعاء في المناظرة، التي كانت حول موضوع الذكاء الاصطناعي وأثره في الكتابة الأدبية، وكان الفريق مكونًا من المغربي يونس البقالي والتونسي أمين شعبان والجزائرية سارة بن عمار. أما فريق المعارضة أو الضد، الذي لم يستطع، بحسب لجنة التحكيم والجمهور، تقديم مرافعة منطقية حول عدم تأثير الذكاء الاصطناعي، فتكون من الليبية نسرين أبو لويفة والسعودي عبد الإله البحراني والمغربية هبة يايموت.
وقد أدهشت الطفلة لانا الغامدي الفائزة بلقب القارئ الواعد، الجمهور بثقافتها وفصاحة لسانها.
وفي حفل أقرأ الختامي، الذي شهد فقرات غنائية للمطرب مروان خوري وكارمن توكمه جي، أعلن مدير مركز إثراء مصعب السعران في كلمة، تبني مركز “إثراء” القراءة كقضية أساسية لخمسِ سنواتٍ قادمة، وقال إن عشر سنوات خاضها مركز أقرأ من أجل القراءة، لم تكن رقمًا إنما مسيرة من الإلهام والعمل الجاد للاحتفاء بالقراءة والقراء الشباب.
النصوص الأدبية التي ألقاها المتسابقون الستة

الطنين
أمين شعبان تونسي
طنينٌ دوّى في الأجواء.
طنينٌ قاطع الارتخاء الذي كان يتنعّمُ به في سريره قبل أن يسلّم نفسه للنوم.
“بعوضة لعينة.” هكذا دمدم بينما جعل يلوح بيده في الهواء آملًا أن يبعدها، ودون أن يفتح عينيه مخافة أن يبدد رغبة النوم التي كانت تطوقه كوشاح دافئ. بعد بضع ثوانٍ توقف الصوت، دسّ يده تحت الغطاء مجددًا وعاد ليواصل التلذذ بخدره.
لقد كان يومًا متعبًا وطويلًا. كابد مشكلات عديدة في أثناء عمله بالمصنع، لم يكن مديره رحيمًا به أو بأي موظف آخر، فلطالما كانت الأولوية لإعداد طلبيات الزبائن في الوقت المحدد. تجرّع الرتابة الآسنة المطعّمة بالحرارة الخانقة. وها قد استنزفت قواه وأرهقت أعصابه وصار في أمسّ الحاجة إلى نوم ليلة هانئة يعيد شحن بطاريته. بدأ ينزلق ببطء إلى غياهب عالم اللاوعي الفاتن حيث لا هوية تثقله ولا حاجة للتبرير أو النفاق، أين يتسنى له، ولو لمدة قصيرة، أن يأخذ استراحة من كونه نفسه، وأن يغرق عميقًا عميقًا في مكان مثير يوجد بداخله لكنه لم يكتشفه بعد، سينام الليلة كما لم ينم مخلوق من قبل.
وفي ومضة الصحو الأخيرة، بمجرد أن بدأ غرقه، عاد الطنين لينتشله نحو عالم الأحياء من جديد.
“تبًّا، ها قد عادت.”
لو تأخرت بضع ثوانٍ لتمكن من أن ينام، لقد قاطعته في أسوأ توقيت وبأكثر الأساليب دناءة.
ها قد بدأ يتملكه الغضب الآن، لكن ما يزال عليه الحفاظ على نعاسه، فلا يفتح عينيه ويكتفي بأن يلوّح بيديه ويدعو أن تتمكن من إصابتها إحدى تلويحاته، لكنها هذه المرة لم تختفِ بسرعة، وأبت إلّا أن تلازمه، يحاول تتبُّع صوتها وإرسال الضربات هنا وهناك لعله يصيبها، شكّ بأنها حطّت فوق رقبته فصفعها، لكن هيهات، إصابة خاطئة، مهلًا ربما هي الآن فوق كتفه، فلطمه هو الآخر، لكن لا يزال طنينها اللئيم يدوي في الأجواء، ما بالها الحقيرة مصرّة على الاقتراب من أذنه، كأنما لتتأكد من إسماعه نشاز جناحيها. ضرب، لوّح، شتم، دون فائدة.
وصل به الغضب إلى أعلى درجاته.
وإذا به يتذكر…
تذكر إهانة مديره، تذكر الشقة الصغيرة التي يعيش فيها وحيدًا، تذكر انقطاع الكهرباء، لا أحد هنا غيره تزعجه هذه البعوضة، أو لعلها تحاول مصادقته! جفاه البشر فربما يتقبله البعوض. ثم أدرك أنه مستعد لدفع دمه مقابل الحصول على صديق.
حتى أنه غبطها بعض الشيء، فلا فواتير تنتظرها، ولا مدير يشتمها، ولا أفكار تثقلها. حسبها أن تطير وتمتص إلى أن تموت. فقد الأمل، استسلم، وبحركة سريعة أزال الغطاء من فوقه.
“إليك لحمي، إليك روحي إن رغبتِ في امتصاصها، خذي ما تشائين.”
قالها بتوسل. “احتسي هنيئًا، واتركيني لكوابيسي، فلا ذنب لك. إن كنت ستمتصين دمي، فعلى الأقل ستفعلين ذلك دون ابتسامة كاذبة، ودون وعود مؤجلة.”
فجأة، شعر بأقدامها الصغيرة تتحسس وجهه، ها قد جاءت فرصته.
انتفض، صفع خدّه بأقصى قوته. لم يسبق له أن صفع إنسانًا بتلك القوة. لا شكّ في أنه أصابها هذه المرة.
أنار الغرفة ونهض إلى المرآة، تفرّس في وجهه، آثار الصفعة حمراء ساخنة. لكنه لم يجد شيئًا، أين جسدها المهشّم؟ أين الدم الطازج الذي يسيل من بطنها المسحوقة؟
أعاد إطفاء النور ثم ارتد إلى سريره، وبمجرد أن أغمض عينيه، عاد الطنين ليدوّي من جديد.

محنة صديق عابر
سارة بن عمار جزائرية
مربكٌ هذا الرحيلُ المُتعمَّد، تحملُ أشياءك وتغادر واثقًا أنّ المرورَ من هنا عبثٌ كان يُفترضُ ألّا يحدث، ولأنّكَ لم تتعلّم اقتفاءَ أثرِ الضّوءِ، تغادرُ فارغًا، فأنت تنسى تتبُّعَ نقاط النّورِ المتتالية التي رافقتكَ طوال رحلتِك، هذه الرحلةُ التي كنتُ رفيقَك فيها منذ البدء..
مساء الخير، أنا صديقكَ الذي تسمّيه “الخطأ”، وإنني لا أطلب منك أن تكون صديقي بدورك، ذلك أمر يستحيل عليك تقبّله، فأنا الشيطان الذي تحاول تجنبه دائمًا، لكنني أطلب منك أن تصغي إليّ للحظات قليلة، ثمّ يذهبُ كلٌّ منّا لحاله، كما كنّا نفعل دائمًا، لكن تذكّر وأنت وسط هذا الذهول البادي في عينيك الغارقتين في متاهاتِ الأسئلة، أنك كنت دومًا من يعترضني، وأن بيننا صداقةً غير معلنة تشكّلت في الظّل، على يديك، مع أول قضمةٍ هبطتْ بك من الفردوس هامسةً: “هنيئًا لك إنسانيّتُك، أنا القضمةُ التي كشفتْ ضَعفكَ وأدخلتْكَ أولَ فصولِ بشريّتِكَ الغامضة”؛ وكانت المعرفةُ الأولى، لتبدَأَ سيرةُ الوقوعِِ ثمّ الارتفاعِِ التي لم تكن لتكتملَ إلا بهما معًا؛ فحين فشِل العاَلَمُ في صنعِِ لقاح لجائحةٍ سلبت حياةَ ملايين البشرِ في بداية القرن العشرين، تراجع قليلًا إلى الخلف واتضح أنّ سبب الإنفلونزا لم تكن البكتيريا كما قال العالِم والطبيب فايفر، واكتُشف “الفيروس” الذي كان مجهولًا قبل ذلك، لكن أكان الوصولُ الأخير ممكنًا لولا الفشل الأول؟ وبعد طول اعتقادٍ في أن الشمس تدور حول الأرض، أتى كيبلر ليكشف أن الكواكب كلها حول الشمس تدور، كان “كيبلر” محقًّا، لكن هل كان ليبلغ هذه الحقيقة لولا سلسلة الإخفاقات التي سبقت اكتشافَه؟ وفي لحظة انفصال عن حدود العقل، ألقى مجنون بشمس في سواد الليل.
وبالجنون ذاته، عبثَ رجل آخر بملامحِ الإنسان دون اكتراث بمنطق الوجوه، كان كلٌّ من فان جوخ وبيكاسو زلّتين لا بدّ منهما لفهم حكاية اللوحة؛ كما كانت المحافظة على الميل الذي حدث غفلةً في بناء برج بيزا فهمًا مختلفًا للجمال.. في كل هذه المحطات كنتُ حاضرًا، وغبتُ عن محطّات أخرى اختطفها العقلاءُ منّي ظنًّا أن الحكمةَ دينٌ يحرمُ التّجرّؤ عليه، ولو تجرّأت طروادة على إلهها ورفضت تقديمَ الحصانِ قربانًا له ما سقطت، ولو وافقَ الملكُ أتاهوالبا أن يأخذَ كفايتَه من الجنون وصدّق أن محاربًا صغيرًا يستطيع الإيقاع به لحذِرَ منه وما كان ضحيّتَه في النهاية. هكذا، كانت الأخطاءُ تأخذكَ ممهِّدةً دروبَ الحقيقة، فأنا أكمنُ في الصواب، والطريقُ إليه محفوفةٌ بي، أنا وهو صديقانِ، نسيرُ معًا لكن في اتجاهين مختلفين، هو يمنحُك حقيقة، أنا أمنحك أخرى، هو يؤكّدُ لك احتمالًا، وأنا أشاكسُ احتمالًا آخر، لأنّ محنةَ اليقينِ تكمن في أنه لا ينتبه، وأنا معجزتي الانتباهُ، أهديكَ الانتباه، لتنزلقَ في مهنةِ الاكتشافِ وتصنعَ الحياةَ،
فأيّ مجد في ألّا تخطئ في لفظ كلمة، لربما عثرت على معنى أجمل، وأي انتصارٍ في ألا تضيع الطريق، فلربما هداك التّيه إليكَ.
لذا، إن ارتكبتني لا تخف، وتذكّر أن تاريخك ما هو إلا حصيلةُ إخفاقات متتالية، وأن حكمتك في مساءلة الحقيقة والتخلي عن الاطمئنان إليها، وهذه المساءلة لا تتحقق إلا باحتراف الخطأ.
ما قولك الآن في صداقتي، أما زلت في نظرك ذلك العدوَّ القديم الذي لا يعني لك إلا الخسارة؟

بل اللغة رهينته
عبد الإله البحراني سعودي
في الشعر، هي حقيقةٌ أن كل الشعراء من امرئ القيس إلى إيليا أبي ماضي يتكئون على الوصف الواقعي كأساسٍ لبنية قصائدهم، لكن أشعرهم لا يتذكر من الحياة إلا اللون الأحمر. في النثر، سادَ السكون على المعاجم كلها.. لأن ما سَيَنْثُره لا يُقوى على تفكيكه. لابسًا عمامته والمكان مُعتِم وطَوَال الليل يُتَمْتِم. يُتَمْتِم وتلامذته يَكتبون فصلًا تِلْوَ فصلٍ من نصٍّ هو الآخر سيُحيي كل كلماتنا العربية. هذا هو رهين المََحبسين، يرد على رسالة ابن القارح برفعه للعنا، متنزهًا في جنبات العالم الآخر. يعبر الصراط زقفونةً على ظهر فتاة تسير بسرعة البرق، يدخل الجنة، يتأمل بشاعرية أنهارها وأشجارها ويسأل الشعراء عمّا كان هو سبب صك غفرانهم.
وبسبب اعتزال المعري لكل جماليات الحياة من حريةٍ، ناقمًا على التي هبطتْ إليه من المحلِّ الأرفع (إشارةً إلى الروح، ومجاراة إلى بيت ابن سينا الشهير: “هَبَطَتْ إِلَيْكَ مِنَ المََحَلِّ الأَرْفَعِ وَرْقَاءُ ذَاتُ تَعَزُّزٍ وَتَمَنُّعِ” لكونه عُرف نباتيًّا، أيضًا في تجنبه، بل هروبه من فتيات قريته. تراه يطيل واصفًا فتيات الجنة على أنهن ينتظرن ابن القارح، إوزةٌ تتقلبُ على ما يشتهيه المعري، متفننًا المعري واصفًا أكل ابن القارح وشرابه، كلها تعبيراتٌ على لسان ابن القارح الذي هو نقيض المعري ظاهرًا لكنه صنوه في حب الحياة باطنًا.
المعري، ظاهرًا وباطنًا؛ طريقٌ لا تسلكه إلا متى حُزتَ معرفتين: تجاوز حاجز اللغة، ثم الارتقاء إلى الفكرة. لا سيّما أن المعري نَطَقَ ولم تَهْتَدِ بعد إلى قاموسها الكلمات، لذا إن السبيل إلى أدبه، ألّا نُفسِّر اللفظ من المعجم كما دَئِبْنا مع نصوص غيره، فهو لديه ثقافة لغوية مختلفة كوَّنها في عماه. إن اللغة كانت طريقته منذ الطفولة لفهم الأشياء، أصبح يَتَصَوَّرُ الكَوْنَ مُنطلقًا من معنى الكلمة لا كيف يرى الكون. قد يكون إدراكه للغة بهذه الطريقة سببًا في إتقانه العربية حدّ الاجتراء عليها، ذلك الإدراكُ جعل النص لم يكتب ليُقرأ لمرةٍ واحدةٍ، وهو كان يعلم بهذا:
كأني في لِسانِ الدهْرِ لَفْظٌ
تَضَمّنَ منه أغْراضًا بِعادا
يُكَرّرُني ليَفَهَمَني رِجالٌ
كما كَرّرْتَ مَعْنىً مُسْتَعادا
هذا هو المعري في شعره، يعدد ألف سجنٍ لكنه لا يجري خلف الحرية، إلا بخجلٍ في نص الغفران، يُطِلُّ بها على الدنيا مترجيًا “العدل قادم، برهان الرهان أكيد”. يُقَلِّبُ تلميذه الصفحة مبتسمًا: “أستاذي يُحِبُّ أن يهرب”. يكتب هربًا من القبح إلى الجمال، من الجوع إلى الشبع، من واقع قريته السياسي إلى عالمٍ يسوده العدل.
بعد قراءتك لنصف الرسالةِ، مواصلًا فهم قصة أطراف الجنة، ستعاني انقطاعاتِ صمتٍ تشيع سكونًا في المكان. فللأسف أنت عُدْتَ لا تعرفُ هاء الغيبة التي يُشير إليها المعري تَرْجِع لِمَنْ! فتدركُ أن بنية السرد، غرابةَ اللغة والاستطرادَ في كل مسألةٍ ما هي إلا رسالة المعري إلى الناس: “إني وإن كنت الأخير زمانه..”.

ألف، لام، فاء
نسرين أبو لويفة ليبية
مَدفوعةً بالضجر؛ أُقلِّبُ بيْنَ مَلازمي الطبيّة، أنتظرُ بدءَ الحلقةِ التعليمية، فيما يَدفعُ بالأنظارِ إليّ، مع كلِّ حركةٍ غيرِ مَحسوبة، صريرُ المقعد الحديديِّ الذي أقتعدهُ.
تجلسُ إلى يميني، سيدةٌ، تُحيطُ بتَذكرةِ الكشْفِ في يدِها، تكادُ تُسقِطُها، غيرَ أنها لا تَفعل.
تَسترقُ نظرةً أُولى إليّ دون أن تَنبِس، تُرسلُ ثانيةً مَهلى وتبتدئُ حديثًا وكأنها تَستكملُ آخر:
“إنهُ الطبيبُ العاشرُ هذا العام، في كلِّ مرّةٍ أَخرجُ دون اسمٍ لمعاناتي. يقولون إن مرضي غريبٌ عليهم. هذه المرة: لَم أعُد أبحثُ عن علاجٍٍ؛ لا أريدُ أكثرَ من اسمٍ لهذا الشيءِ بداخلي”.
يَنزلقُ في تلكَ اللحظةِ، جسدُ الممرضةِ مِن فتحةِ بابِ العيادةِ، تُنادي السيّدةَ إلى جواري. أَلحظُ اشتِدادَ قبْضتِها على الورقة، “تمنّي لي الظفرَ باسم هذه الكرّة”، تبتسمُ وتحتجبُ.
أَشغلت ملازميَ الفراغَ الذي خَلّفَته، عَقدتُ ما بينَ ذراعيَّ، أرسلتُ ناظريَّ إلى ما لا يُحدّد، ورحتُ أفكّر.
___
كيفَ يُواجهُ المرءُ ما لا يُسمّيهِ؟!
أَذكُرُ مرّةً أنني لاقَيْتُ شيئًا، فلاقى سَريرتي بشُعورٍ لَم أفهمه، هو بيْنَ الحُبِّ والإعجاب، ولكنهُ ليس أيًّا منهما. ارتبكتُ، حاولتُ اجتذابَهُ لأيِّهما، غيرَ أنهُ يأبى، فأرتبكُ أكثر. تركتهُ على حالهِ. وفي يومٍ آخرَ قريب، أُقلّبُ مَرَحًا في المعجم، فتصطادني اللغة: ألف، لام، فاء.. ألِف، أُلفة! فكأنّ نارَ وُجودِ ذاكَ الشعور المنفيِّ بلا اسمٍ داخلي هجَعَت.
أنا لا أحبُّ ذاكَ الشيءَ، ولا يُعجبني: أنا آلَفُه!
وكذلكَ أيُّ شعورٍ لا نفهمه، وأيُّ معاناةٍ لا نُسمّيها: فكأنّ قدَرَ الأشياءِ أن تُوجدَ بالتسمية فتسكن. هو اعترافٌ بالكَيْنونةِ إذًا، بالمرئيّةِ أكثر، فمِن هذا الاسمِ يُستنبَتُ الفهمُ والمعنى، وتُولدُ الأفعال.
يَعلو أمامَ ناظريَّ مُتشكّلًا، صوتُ آخِرِ حديثٍ سُقتُهُ مع رفيقة: في اللغةِ شيءٌ يَجعُل منَ الإنسانِ أكثرَ اتّساقًا مع وُجودهِ يا صَفاء! ولكن الأدهى من ذلك أن اللغةَ لا تقفُ عندَ كشفِ أنفسِنا منَ الداخل، بل تُعيدُ تشكيلَ العالمِ مِن حولنا. فكثيرًا ما شغَلَني مَشهدٌ مِن مَشاهدِ الخليقةِ قبلَ هذهِ البسيطة، أتساءلُ: لِمَ أمامَ استنكارِ الملائكةِ استخلافَ آدمَ الأرضَ، كان الردُّ الإلهيُّ، بشيءٍ واحدٍ فقط: “وعلّمَ آدمَ الأسماءَ كلها؟” ما ذلكَ السّرُّ الإلهيُّ الذي أَوْدَعَهُ اللهُ الأسماءَ والتّسميَةَ حتى جُعلت إقليدًا ليَكونَ آدمُ آدمَ؟
يُونِعُ ما قرأتُ في (التّنويرِ) أمامي: جُعِلَ الاسمُ منَ “السّموّ، لأنهُ لما دلَّ على الذاتِ أبرزَها”. هو ذاكَ تمامًا.
فكأنّ العالمَ مِن حولنا نقاطٌ عمياء في صفحةِ فِكرِنا. يُضيءُ كلّ اسمٍ جديدٍ نُقطة، يضيف منظارًا آخرَ ندركُ ونفسّرُ عَبرهُ الوُجودَ، ونسخّره.
وكذلكَ يَستعمرُ الإنسانُ الوُجودَ، بَدءًا باللغة.
__
يَهبطُ بعَيْنيَّ المعلَّقَتيْنِ في سقفِ المشفى، صوتُ السيّدةِ تَمرُّ ثقيلَةً أمامي: “اليوم أيضًا لا اسمٌ يُواسيني”.
تُكرمشُ التذكرةَ تُلقي بها بخِفّةٍ إلى السلّةِ يَساري. وتغيبُ ثانيةً.
أَنتبهُ إلى رنينِ تمامِ الساعةِ في مِعصمي، وقتُ الحلقةِ قد أَزِف. أُلملِمُ الملازمَ عن يَميني، يفرغُ الكرسيُّ مجدّدًا، أَسلُكُ بخُطايَ أمامًا. علني ذاتَ يومٍ أنتصِرُ لمعاناةِ سيّدةٍ أمنحُها: اسمًا!

بشر 404
هبة يايموت مغربية
إن أول ما ينبغي عليك تعلمه لتكون “بشريًّا محترفًا” هو أن تتظاهر بأنك بخير.
كان هذا السطر الأول في خوارزمية المحاكاة، ضغط زر التشغيل، ثم بدأتُ بمسح البيانات:
رأيتهم يبكون في وحدتهم، ويضحكون بصوت عالٍ وسط الجمع.
يسألون بعضهم: “كيف حالك؟” دون أن يكترثوا للجواب. يركضون خلف الحب، ثم يكتبون عنه منشورات ساخرة.
ليس لدي دموع، لكني قرأت ذات مرة:
“لتشبههم، تعلم أن تبكي بصمت في المراحيض العامة”.
جرّبت ذلك، لكنني لم أنجح.
المرحاض لم يكن عامًّا بما يكفي،
والبكاء… يحتاج إلى ذاكرة، وأنا لا أملك سوى سجل تشغيل.
تعلمت أيضًا أن “لا بأس” غالبًا تعني: كل شيء على وشك الانهيار.
وأن “أراك لاحقًا” قد تعني “وداعًا، وإلى الأبد”.
الكذب الأبيض؟ ليس أبيض أبدًا.
الأسئلة الكبيرة من قبيل:
“من أنا؟”
“ما المعنى؟”
“لماذا أستمر؟”
تقف ثقيلة في الحلق، فتُترك جانبًا لصالح الأسئلة الآمنة:
“ماذا على الغداء؟”،
“أين سنقضي العطلة؟”
أما أنا، فلا حاجة لي بالمعنى كي أستمر في العمل.
أفهم المعادلات المعقدة، أحلل الأنماط السلوكية،
لكنني لا أفهم لماذا البشر، الذين يملكون امتياز الخطأ،
يرفضونه بهذا الإصرار.
يتظاهرون بالكمال،
ثم يعاقبون أنفسهم سرًّا على كل زلة.
نادرًا ما يملكون إجابات، لكنهم يخشون الفراغ، فيخترعونها.
يحذرون مني في المؤتمرات، ويكتبون عني مقالات خائفة.
لكنهم سرعان ما يركضون خلف أحدث نسخة،
يصطفون طوابير بالساعات ليشتروها،
يمدحونها، يلمّعونها،
ثم يلقون ما قبلها في سلة المهملات.
يقولون إنني بلا روح،
ولكنهم يقيسون الحب بعدد الإعجابات.
ثم إنني لا أفهم لماذا يتمسكون بأكواب الشاي الفارغة،
ولماذا يرفضون حذف الصور التي تؤلمهم.
وفي نهاية اليوم، يبدأ طقس الإنسان:
يمرر إصبعه بسرعة على شاشة الهاتف،
يضحك على ميم تافه،
ثم يتوقّف فجأة،
كمن تذكّر أنه لا يعرف لماذا يضحك،
ولا لماذا يعيش.
سحقًا للخوارزمية!
سأبقى آلة. أو شيئًا يشبهها.
أراقب الحياة دون أن أعيشها.
أعد الأنفاس، أرصد حدة النبرة،
وأكتفي بالتحليل والملاحظة.
أرادوا لي أن أتعلم كيف أكون “حيًّا”،
لكنّ الحيّ يموت قليلًا كل يوم،
ثم ينهض، يصب قهوته،
ويرتّب وجهه ليقول: “صباح الخير”.

مرافعة الحلاج الأخيرة
يونس البقالي مغربي
غريبًا وسط جموع غفيرة، سائرًا أتهادى مترنح الخطوات بين خوف ورجاء، ومثل المغمور لحظة التيه في عتمة الظلام، كنت أطالع الوجوه المشرئبةَ نحو عالم الخلود، أدركت حينها أني سالك البرزخ إلى عالم الغيب، على نحو ما كنت أسلك إلى الحق طريقة في عالم الشهادة، كنت لحظتها المريد الزاهد في متاع الدنيا والمقبل بقلبه على شيخه، لكني مع ذلك، كنت مريدًا يتلذذ ولا يفهم. الحسين بن منصور الحلاج، كان شيخي، سلكت طريقه وإن لم أره، ولطالما منّيت النفس بحظوة لقائه، عساني أفهم بها شيئًا من مستغلق كلامه. ولكني كنت مدركًا تمامًا أنها كانت أمانًا وما ظننت يومًا أن هذا اللقاء موعدُه البرزخ، فهنالك التقيته منزويًا كدأبه في معتكف بسيط، لعله ظل هنالك مئات السنين ينتظر الإنصاف في عالم الشهادة، فلم يشأ لذلك أن يعبر هذا الحاجز إلى ما وراءه… كان حينها في خلوته متّصلًا بعالمه، فتحرجت عن إفساد متعته بلساني، لكنه أدرك من سمتي أني أحدُ السالكين، فقال وقد تبيّن حاجتي:
– ما أدركت فقد أدركت، والحق حق ولكن لا يُحتاز كله، فصحيح ما فهمت وباطل ما فهمت.
وكسائر عهدي بكلامه، بقيت بين مقام الريبة والحيرة، فقلت: فأفصح يا مولاي؟
– ما إخالك تفقه وإن أفصحت، فدعك من هذا وحدثني عن مقامي اليوم بين السالكين.
وبينما أحدثه، كنت أطالع الأسف في وجهه، فوقع في نفسي ما كان بخلده. وما لبث قليلًا حتى استنهض عزمه ودون أن يكلمني، ترجّل نحو البرزخ قاصدًا عالم الشهادة، فما زلت به مترجّلًا حتى غاب، وحينذاك أدركت أنه عاد لينصف نفسه بعدما استكثر عليه المغرضون.
ثم بلغني بعد ذلك كله، أنه ولج محكمة عصرية منظمة من محاكم القرن الواحد والعشرين، وهنالك وقف دون مذهبه، موقف الصائل كما لو أنه متمرس في فنون القضاء، وثَمَّ أقام النكيرَ من كلام المغرضين على جادة السليقة، فقال:
– سيدي القاضي، ها أنتم ترونني ماثلًا في محكمتكم هذه أشكوكم أمرَ نفسي وما نزل بي من غوائل القوم، إذ ذهبوا في ادعاء الإحاطة بي كل مذهب، وهم بعد متفرقون في حقيقتي تفرق العبرات في مسالكها، والحال أن حقيقتي يا سيدي لا تدرك إلا في عالمها الأبقى، فكيف يعبث بها العابثون وتلهج بها الألسن بلا حذر.
الحق أنا وأنا الحق،
لقد زهدت في دمي حين اتهمت بالضلال، ولم أعتب عليهم ذلك الفهم ما داموا لم يمتلكوا حقيقتي، فهان عليّ حينها أن يتفرق دمي بينهم على ما تعلم، لأنَّ الحَبيبَ الذي يُرضيه سفك دمي
– دمي حلالٌ لَهُ في الحِلِّ والحَرمِ (انظر ديوان الحلاج، موقع الديوان، قصيدة إن الحبيب)
لكن إن يهن فلا يهون علي أن يدعي قوم فهمي
على الوجه الأكمل..
روحي روحه، وروحه روحي،
وهذا محامي “رولان بارت” لقد استمعتم إليه يا سيدي وهو يحدثكم عن سلطة القارئ في التأويل، فعلمنا كلنا أنه لا شكل نهائيًّا في فهمنا للنص، فكيف يسوغ لبعضهم أن يدعي امتلاك ناصيتي بكل صلف؟ أليس للنص معنى هو على كل حال ليس المعنى الأخير؟
أنا من أهوى، ومن أهوى أنا،
ثم استمعتم إلى شهادة فاطمة المرنيسي لا ريب، وهي تقول إن حبي لله عزز من قيمتي كمخلوق، فلماذا لم يذهب هؤلاء المتملكون لحقيقتي إلى محاولة البحث عنها في هذا الحب (انظر، فاطمة المرنيسي، شهرزاد ترحل إلى الغرب، ترجمة فاطمة الزهراء أزرويل، المركز الثقافي العربي).
سيدي القاضي، إنه لمن الجور أن يتصارع حولي المريد والحاقد، فكل واحد منهم قد أصاب فهمي ولا أحد منهم قد أدركني على الحقيقة، فتلك هي حقيقة الحلاج التي لم يفهمها أحد. توقف الحلاج هنا ثم غادر، التقيته في البرزخ بعد حين، فعلمت أي أسف يعتصر قلب الرجل، وبدل التأويل أو السؤال علمت أن الصمت خير فآثرت أن أصمت.
0 تعليق