منذ أولات الضوء، بدت بالتذمر حينًا، وبالشكوى حينًا آخر.
تجاهلت حالتها، وكأنني لم أسمع شيئًا. تناولت كتابًا وأسرعت للشرفة، وبدأت أقرأ.
جاءت وجلست مقابلي، وبدأت بموال صباحي لم يخطر لي ببال.
بسرعة فائقة أطفأت سيجارتي بفنجان القهوة الذي لم أكمله بعد. لا أدخن السجائر بحضورها. لا تطيق التدخين، ولا تحب المدخنين.
حين يزورها أخي، يشعل لها سيجارة فتدخنها مع فنجان قهوتها، دون أن ترفضها، أو تبدي اعتراضًا.
غاب من كنت أدخنُ معه وهو يضحك!
طارت الكلمات من أمام ناظري، كلمة كلمة، إلى أن اختفى السطر كله. صار الكتاب مجرد صفحات بيضاء فارغة. وضعته جانبًا.
طوال الليل كانت الشرفة مضاءة، متى ذهبت للنوم؟
لا أتذكر. ربما نسيته.
لا تتذكرين؟ كيف ستتذكرين وأنت قلبت الليل نهارًا، والنهار ليلًا؟
بسيطة يا أمي. بسيطة.
فاتورة الكهرباء تزدادُ في كل شهر. هل بقي شيء في متناول اليد، لم يَدَعُوا لنا شيئًا بدون رفع سعره. «حتى الحكي بفلوس». وأنت «بالنهار نوم وبالليل سهر، وحكي ع المليان والفاضي». لا يفارق الهاتف يدك.
بقيت أستمع بصمت.
حالات الإصابة تزداد عن اليوم الذي سبقه. ما فائدة الحظر في نهاية الأسبوع؟ أين هو أبو «الإنسانية جمعاء؟» «كلهم من العلبة نفسها» مثل صاحبة «جورج كلوني».
حتى أخوك « خالد» لم يمر بنا منذ ثلاثة أيام.
الجارة أم «عدنان» لم تظهر بعد. «خايفة، يا حوينة الصداقة والجيرة».
لو تدرين يا… لم تدعني أكمل.
لا بد أن هذا امتحان عسيرٌ لنا. ابتعد الناس عن دينهم. حتى المساجد التي يرتفع بها ذكر الله أغلقت في وجوه المصلين. صار الأخ يأكل أخاه، بلا حياء، وفي وضح النهار.
«شو أخبار الضبع؟» «الضبع. معنا، لعبة الضبع. راح الضبع، أجا الضبع»
تقصف بالجميع. ولا تستثني أحدًا. بدءًا مني، وصولًا لوزير الإعلام الذي يظهر في كل ليلة، مع جورج كلوني بالإيجاز الصحفي، متحدثًا عن الحظر والإعلام والمخالفين، لينهي حديثة بمقولة: «حماكم الله وحمى الإنسانية جمعاء» حتى صار يعرف بمقولته هذه.
ماذا سأقول لها؟
لا بد أنها في أسوأ حالاتها. وتحس بالملل، وليس أمامها من عمل سوى الجلوس أمام التلفزيون لساعات طويلة. وليس من أحدٍ سواي في البيت. البيت الذي أعدت اكتشافه في هذه الجائحة، وصرت أحبه.
أخذت أهز بالأرجوحة بقدمي للأمام وللخلف، ربما في حركة لا إرادية تنمُّ عن الغضب.
أشعر بدوخة من وراء أرجوحتك هذه، لو تهدئين قليلًا، وتجدين عملًا آخر، أفضل من الجلوس على الشرفة ومراقبة الآخرين. وخرجت.
لو تدرين يا أمي. لو تدرين فقط، ماذا سأقول…
ألوذ بالصمت. أتناول الكتاب، في محاولة جديدة للقراءة، إلا أنني لم أتمكن من القراءة بتركيز. تبددت حالة القراءة وتغير مزاجي. ومزاجي عاطل.
أبحث عن سجائري. نفدت. كانت آخر سيجارة تلك التي أطفأتها في فنجان القهوة، وأمي قادمة.
ما الذي سأفعله، والنهار لا يزال في أوله، ومزاجي عاطل، وبلا سجائر.
سأذهب للسوق، قد أعود، وقد لا أعود.
0 تعليق