كان أستاذي وصديقي العزيز الدكتور منير فوزي وغيره من الدارسين يعملون -كُلٌّ بطريقته- على مقولة النوع الأدبي، التي كنت أنا أيضًا أعمل عليها، بطريقتي، منذ أوائل تسعينيات القرن العشرين.
النوع الأدبي، كما أفهمه، مقولة فلسفية مجردة عاشت في تصورات المبدعين والنقاد على مدار الزمن، ووجدوا في التاريخ الأدبي الفعلي ما يبرهن على وجودها. وقد ظلت هذه الفكرة أو المقولة محل نزاع دائم بين مبدعين يعملون على كسرها لصالح إبداعاتهم وتجاربهم الفردية التي تقاوم التصنيف، وبين باحثين ونقاد، يُعملون عقولهم في استكشاف، وربما اختراع، التقاليد والسمات التي تسمح بإخضاع هذه التجارب الأدبية الفردية المنفلتة لتصنيفات تحكمها، وتضعها في إطار يسهل فهمه وتداوله. وكان النوع الأدبي أقوى هذه التقاليد وأكثرها إلحاحًا.
وقد اعتمد الدارسون والمنظرون على جوانب متكررة تسمح لهم باستكشاف تقاليد نوع أدبي ما، بعضهم استند إلى خصائص في الشكل الخارجي مثل العروض ونوعية اللغة وسماتها الموسيقية، وبعضهم حاول استكشاف جوهر الطريقة التي يستخدمها النوع في صياغته للعالم، وبعضهم بالطبع بنى عمله على الموضوعات المتكررة المفضلة في كل نوع أدبي، وهنا نصل إلى كتاب منير فوزي في النظرية الأدبية: تشكلات الموضوعة في الأنواع الأدبية”، صادر عن دار الأدهم. وهو يتألف من ثلاث دراسات كبيرة.
والفكرة التي تعمل تحت السطح الظاهر تقوم على فرضية واحدة عميقة، مؤداها تأمل العلاقة التاريخية الشائكة المركبة بين ما يسمى «الثيمة» (ما يسميه الكتاب «الموضوعة») وما استقر الدارسون على تسميته بـ «النوع الأدبي» مثل الشعر الغنائي، والمسرح، والرواية. والكتاب في الحقيقة لا يتناول ثيمة واحدة ولا نوعًا أدبيًّا واحدًا، وإنما يتنقل بين ثلاث ثيمات: نشيد الأنشاد، وسيرة الزير سالم، وحصار بيروت، وأنواع أدبية متعددة: القصيدة الغنائية، والرواية، والمسرحية، والسيرة الذاتية، مع تركيز خاص على القصيدة.
وربما يلحظ القارئ أثرًا من هذا التكييف والتوجيه، لو قارن بين عناوين الفصول حين نُشرت بعضها مستقلة في الدوريات، ثم حتى حين انتقلت إلى فهرس الكتاب، وأخيرًا حين أصبحت جزءًا من بنيته الداخلية. ومن الواضح أن عنوان البحث الأوسط هو الذي أخذ الكتاب في اتجاهه وصار عنوانًا فرعيًّا للكتاب كله: «تشكلات الموضوعة في الأجناس الأدبية»، وهو بحث منشور بهذا العنوان منذ خمسة عشر عامًا.
ولعلنا بحاجة إلى تأمل المصطلح المركزي في هذا الكتاب، أقصد مصطلح «الثيمة»:
أولًا- من ناحية ترجمة المصطلح إلى «الموضوعة»، وهي في تقديري ترجمة لا تزال قلقة ومتأبية على الاستخدام السلس في السياق العربي؛ لأنها تختلط بمصطلح «الموضوع» ويصعب -وربما يستحيل- جمعها في العربية بعيدًا منه. ولعل أوضح دليل على ذلك هو احتفاظ الكتاب بالمصطلح بصيغة المفرد في عنوانه وتفاصيله، مع أن الكتاب يتناول على الأقل ثلاث ثيمات. (وما زلت لا أعرف كيف يمكن جمع كلمة «موضوعة»، دون أن يتغير المعنى المقصود!).
ثانيًا- من ناحية دلالة المصطلح؛ فالشيء الجوهري الذي يربط مصطلح الثيمة بمصطلح النوع أن فيهما معًا قدرًا من التجريد والتعميم يسمح بانتقالهما من أدب إلى آخر ومن عصر إلى آخر ومن ثقافة إلى ثقافة، وكأنهما يحيلان معًا إلى تجارب إنسانية مشتركة، كالموت والحب والانتقام والخيانة… فالثيمة، كما أفهمها، موضوع إنساني عام متكرر في حياة البشر، وتندرج تحته تنويعات لا نهاية لها.
لكن ما يميز الثيمة (أو الموضوعة) عن الموضوع أن لها -في كل تنويعاتها- بناءً ما، يجعلها قريبة من مفهوم النوع الأدبي. فالحب من طرف واحد مثلًا تنويعة على ثيمة الحب الكبرى، ولها بنية تقوم على هذه العلاقة من طرف واحد. والحب المستحيل أيضًا تنويعة أخرى ولها بنية. وهكذا. وكثيرًا ما تتحول الثيمة إلى نوع فرعي كالرواية التربوية والرواية التاريخية وقصيدة المدح وقصيدة الهجاء… إلخ. الثيمة إذن، موضوع لا يفهم بعيدًا من هذه البنية العامة، وهي بنية مجردة متكررة لكنها تتجسد في كل مرة بشخصيات وأدوار جديدة.
«نشيد الأنشاد» مثلًا، ليس ثيمة، وإنما هو -كما يقول المؤلف: «سفر من الأسفار التوراتية»، هو نص يجسد تجربة لها حضورها ورسوخها في تاريخ البشر، تجربة العشق، التي يصوغها الكتاب المقدس في عدد من العناصر أو الثيمات استلهمها الشعر العربي المعاصر كما يرصد الكتاب. من هذه العناصر/ الثيمات: «حضورُ الطبيعة الحية بتفاصيلها»، وسردُ الحبيب لأوصاف المحبوبة. ومنها: «التمسكُ بالمحبوب في مواجهة السلطان والنفوذ والإغراءات الدنيوية». ومنها: «البناء القائم على الحوار» بين الحبيب ومحبوبته المستحيلة، و«البناء القائم على المناجاة»، حيث يناجي الشاعر محبوبته في الخيال. ومنها أيضًا: «التلذذ الحسي الواشح بأوصاف الحبيب والتعبير المباشر عن الرغبة الجسدية»… إلخ.
من نشيد الأنشاد إلى الزير سالم
ما يرصده الفصل الأول من الكتاب هو هذه الثيمات البنائية التي يتكون منها نشيد الأنشاد، والطريقة التي تجلت بها هذه الثيمات عند ثلاثة من شعرائنا المعاصرين الكبار: صلاح عبدالصبور في «أغنية حب»، وأمل دنقل في «فقرات من كتاب الموت»، وحجازي ومحمود درويش في قصيدتي «من نشيد الأنشاد» و«يطير الحمام». يصنف الفصل القصائد الثلاث طبقًا لمستوى استلهامها لنشيد الأنشاد؛ فيبدأ من الاستلهام الجزئي في قصيدة صلاح عبدالصبور، الذي يبدو فيه النشيد عنصرًا من عناصر القصيدة، إلى الاستلهام الأوسع في قصيدة أمل دنقل، فيبدو النشيد محورًا للقصيدة، وصولًا إلى الاستلهام الكلي في قصيدتي حجازي ومحمود درويش؛ إذ يبدو النشيد هو كل القصيدة. ومع أن هذا الفصل الأول يناقش استلهام الثيمة في إطار نوع أدبي واحد، فإنه يبدو لي أقرب الفصول إلى مناقشة نوع القصيدة، من حيث هي نوع أدبي ينهض على أبنية ثيمية أكثر خفاء ومراوغة.
ينظر المؤلف إلى كل قصيدة من هذه القصائد الأربع في إطار تجربة الشاعر العامة، وفي إطار التجربة التي يعبر عنها الديوان الذي تضمنته القصيدة، ويطلعنا على الطريقة التي تخللت بها هذه الثيمة كثيرًا من أبنية القصائد المختلفة في الديوان وربما كثيرًا من قصائد الشاعر كلها، وليس بنية هذه القصيدة وحدها. وبهذه الطريقة يتضح للقارئ كيف يتردد صدى كل ثيمة من هذه الثيمات الكبرى، في مجمل الشعر العربي المعاصر، والمؤلف يستند في ذلك إلى معرفة موسعة وعميقة بمنجز هؤلاء الشعراء، وبالموضوعات التحتية السارية في تجربتهم.
ننتقل إلى الفصل الثاني، الذي يحمل العنوان الفرعي للكتاب، ويتمركز حول استلهام سيرة الزير سالم في ثلاثة أعمال بارزة: رواية «المهلهل بن ربيعة» لمحمد فريد أبو حديد 1945م، ومسرحية «الزير سالم» لألفريد فرج 1967م، وديوان «أقوال جديدة عن حرب البسوس» لأمل دنقل 1981م.
مرة أخرى، كما لم يكن من الممكن النظر إلى نص «نشيد الأنشاد» بصفته موضوعة أو ثيمة، فإنه لا يمكن النظر إلى «سيرة الزير سالم» بصفتها موضوعة أو ثيمة. لكن حضور الثيمات المؤسسة في النصين الكبيرين لافت. هل أقول: إن «نشيد الأنشاد» و«سيرة الزير سالم» شأن غيرهما من النصوص المؤسسة، يمثلان تجمعًا لعدد كبير من الثيمات الإنسانية الموغلة في القدم والعمق، وإنهما صارا مصدرًا لا ينضب للاستلهام؟ يبدو لي هنا أن الثيمة أو الموضوعة ليست فقط فكرة بنائية وثيقة الصلة في جوهرها بفكرة النوع الأدبي، كما قلت منذ قليل، وإنما هي أيضًا أبعد غورًا من ذلك؛ لأنها تلتقي في أصولها بالأساطير الكبرى في تاريخ البشر، تكاد تكون نماذج أولية ضاربة في عمق الوعي البشري العام.
ثيمة الزير سالم في الأدب العربي الحديث
ينظر المؤلف إلى مكونات سيرة الزير كأنما هي عناصر في ثيمة واحدة، وهي بالنسبة لي نص مؤسس تتجمع فيه ثيمات كبرى تتكرر في حياة البشر؛ فحين يستلهم أمل دنقل مثلًا فكرة الثأر الذي لا يموت وطلب العدل المستحيل، فإنما يستلهم ثيمة كبرى متكررة في حياة البشر، ووجدت تجليها الناصع في سيرة الزير سالم، وحين يستلهم قصة الأخت الجليلة المحزونة على أخيها حزنًا لا ينتهي، فكأنما يستلهم شيئًا أسطوريًّا قريبًا من أسطورة إيزيس وأوزوريس.
الموضوعة أو الثيمة على هذا النحو فكرة عليا قارة في الوعي البشري، ومكانها المتوقع هو النصوص الكبرى المؤسسة كالكتب المقدسة والأساطير والسير؛ ولهذا كله فهي أخطر من الأنواع الأدبية المحكومة بزمن يبدأ وينتهي مهما طال. وكأن الثيمات تسكن مخزنًا هائلًا يتخلل الوعي واللاوعي الجمعي للبشر، بحيث لا يحتاجون إلى العودة إليه قصدًا؛ لأنه مستقر في الطبقات التحتية من وعيهم. هذا هو فهمي للثيمات التي قد تتجلى في الشعر أو الرواية أو المسرحية أو في غيرها من الأنواع الأدبية. وقد تناول منظِّر الأدب الكبير نورثروب فراي هذا التصور، فدرس الثيمات والأنواع من منظور أسطوري عميق في كتابه الشهير «تشريح النقد».
يحاول المؤلف، خصوصًا في هذا الفصل، أن يفسر الاختلاف في استلهام الثيمات، ويرجع ذلك الاختلاف إلى عاملين رئيسين: طبيعة النوع الأدبي وإمكاناته من ناحية، وطبيعة الموهبة الفردية للأديب من ناحية أخرى. ويشير على استحياء إلى العامل الأكثر فاعلية في استلهام الثيمة، وهو الظروف التاريخية والسياسية التي تستلهم فيها الثيمة، ويعاد توظيفها مرة بعد أخرى. ربما كنا بحاجة أكبر إلى دراسة الظرف الذي كتب فيه أبو حديد روايته، وألفريد فرج مسرحيته، وأمل دنقل ديوانه؛ إذ قد يفسر ذلك اختيار كل واحد منهم لجانب من جوانب الثيمة والتركيز عليه.
قرب نهاية هذا الفصل، حدد المؤلف تسعة عناصر، تتألف منها في رأيه موضوعة أو ثيمة الزير سالم: سبب مقتل كليب، صورة مقتل كليب، استخدام النبوءات والأحلام والكوابيس والموروث الشعبي، صورة حسان اليماني، صورة جليلة، صورة الزير، صورة جساس، صورة اليمامة، صورة الهجرس. ثم أخذ يرصد في كل عمل أو نوع من الأنواع الثلاثة، طريقة تعاطيه مع هذه المكونات أو العناصر. وختم الفصل بعدد من النتائج، خلاصتها أن: «الأدب المسرحي أكثر الأجناس الأدبية الثلاثة استخدامًا لعناصر موضوعة الزير سالم»، بينما «يحتل الأدب الروائي المرتبة الثانية في استخدام عناصر الموضوعة، فقد استخدم من عناصرها التسعة سبعة عناصر»، أما الشعر فهو «أقل الأجناس الأدبية استخدامًا لعناصر الموضوعة، فقد استخدم منها خمسة عناصر».
وبعيدًا من النظر إلى سيرة الزير سالم بصفتها موضوعة، وهو أمر لا أستطيع أن أتفق معه؛ لأنها في نظري كما قلت نص تاريخي وأسطوري مؤسس استقرت فيه مجموعة من الثيمات العربية والإنسانية، وبعيدًا حتى من النتائج الإحصائية التي انتهى إليها هذا البحث المستفيض حول عمليات استلهام سيرة الزير سالم في أدبنا المعاصر -بعيدًا من هذا كله، يبقى لهذا الفصل تتبعه لخطوط ثيمية فاعلة في أدبنا العربي الحديث، وتستحق المزيد من الدرس والاستقصاء.
حصار بيروت بين النصين الشعري والنثري
موضوع الفصل الثالث هو «حصار بيروت عام 1982م»، وقد كتبه الشاعر الفلسطيني محمود درويش مرات متعددة كما يلحظ المؤلف في هوامشه، لكنه يركز عمله هنا على ما قدمه درويش مرة في شعره (ديوان «مديح الظل العالي» 1983م) ومرة في نثره (كتاب «ذاكرة للنسيان» 1987م). وقد بدأ الفصل بسرد مفصل للحدث التاريخي المعروف بحصار بيروت عام 1982م، انتقل بعده إلى الحديث عن ثيمتين حاضرتين بقوة في النصين الشعري والنثري: الأولى هي البحر، والثانية هي القهوة، والعلاقة الخاصة التي تربط الراوي بهما.
وكما حدث في الفصل السابق، يحاول المؤلف هنا أيضًا أن يلخص عناصر موضوعة «حصار بيروت»، ويرى أن سبعة عناصر بعضها -كما يقول- مشترك بين النصين الشعري والنثري، وهي: صورة بيوت في تحولات اليوم الواحد، شخصية سمير درويش بين الشعر والنثر، صورة المقاتل الفلسطيني وبطولاته الخارقة واستبساله، توظيف أسفار الكتاب المقدس، هيروشيما وبيروت وما بين القنبلة الذرية والقنبلة الفراغية، مذابح الفلسطينيين في مخيمات لبنان (صابرا وتل الزعتر وغيرهما)، تساؤلات ما بعد الخروج.
وفي هذا الفصل تتبلور أكثر المشكلة الناتجة عن طريقة المؤلف في فهم الموضوعة أو الثيمة، فإذا كان «نشيد الأنشاد» و«سيرة الزير سالم» نصين تاريخيين وأسطوريين مؤسسين اجتمعت فيهما ثيمات كبرى كما رأينا، فإن حصار بيروت حدث تاريخي خاص لن تكون له طبيعة الثيمة إلا إذا نظرنا إليه في الإطار الأسطوري الأوسع الذي يراه حدثًا متكررًا في حياة البشر على مدار التاريخ، ويستدعي في عقولهم صورًا وشخصيات تكرر بعضها فعليًّا في نصي محمود درويش، كصورتي البحر والقهوة، وثيمة الحصار نفسها.
ومن الغريب أن المؤلف يستعين في هذا الفصل الأخير بآلية التناص، وهي آلية ربما كانت تنطبق أكثر على الفصلين السابقين اللذين يستلهمان فعليًّا نصوصًا لها حضورها في التاريخ، لكنه يستخدمها هنا لرصد الوشائج بين النصين الشعري والنثري المستلهمين لحصار بيروت.
ومع أن الكتاب يحاول في نهاية كل فصل، وفي نهاية الكتاب كله، أن يصوغ نتائج واضحة يمكن للقارئ أن يعود إليها؛ فإن هذا الكتاب الخصب يبقى بطبيعته مثيرًا للأسئلة أكثر مما يقدم من الإجابات، وهذه طبيعة الموضوعات الإشكالية المتجددة.
0 تعليق