«وفي السكون الواسع الشفاف
إذ تغرق الوجوه والأطياف
أحس شعرًا غامضًا في قوة السدُم
يولد بين الصحو والحلم».
(محمود البريكان، تجسيم، 1969م)
مع صدور الأعمال الشعرية الكاملة لمحمود البريكان، في منتصف عام 2025م، بعد ثلاث وعشرين سنة على رحيله الفاجع، هل يمكن الحديث عن انكشاف لغز الشاعر، وانقطاع الجدل في قضايا مثل زهده وعزلته وعزوفه عن النشر، وتواصله في قضايا نقدية الطابع مثل أهمية ما أنجز وأسبقيته وتأثيره في الشعر العراقي، ما بين حضور وغياب؟
بين قوس الحياة وقوس الشعر
وإذا كان رحيلُ الشاعر، قبل ذلك، قد وضع دارسيه أمام السؤال عن الكيفية التي يمكن أن تكون الكتابة عنه بعد فجيعة مقتله، فإن صدور آثاره الشعرية لا يقل فاعليةً وتأثيرًا عن رحيله. لِنَكُنْ، مع محاولة الثقافة العراقية الخوض، كل مرة، في ظاهرة محمود البريكان التي يبدو أنها عصية على مغادرة لغزيتها، داخل مخطط لا يخلو من غرابة.
فإذا كان حادث مقتله قد أغلق قوس حياة البريكان الإنسان على نحو فجائعي، فإن قوس شعره يُفتح على مصراعيه مع صدور أعماله، ويُهيئ المجال واسعًا للقراءة والمراجعة؛ لتكون كل قراءة خطوةً في مجال متسع يساهم النص الشعري فيه بإضاءة ما بقي معتمًا وخفيًّا.
وربما مَثَّلَ صدور أعماله مساحةً للتفكير في (ظاهرة) الشاعر وما اختط لحياته ولشعره من مسار في مجمل الشعرية العراقية؛ إذ إن صدور الأعمال في مجلدين كبيرين: خُصص الأول لديوان واحد فحسب، هو «عوالم متداخلة»، وقع في نحو 600 صفحة، وقد كُتبت نصوصه بين عامي 1969- 2000م. في حين ضم المجلد الثاني أعمال الشاعر الأولى المكتوبة في عقدي الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي، بما يؤكد فكرةً قدمها الدكتور حيدر سعيد في دراسته «مخططات لقراءة ظاهرة البريكان». «ستكون الكتابة عن (ظاهرة البريكان) بالأحرى، نوعًا من سيرة ذاتية لسلوكنا الثقافي. ولكن هذه السيرة لن تأخذ بمنطق الاستعارة، فهي لا تروم أن تكون أدبًا، بل ستأخذ بمنطق البرهان؛ لأنها تريد أن تكون نصًّا في تحليل الثقافة. (الشعرية المفقودة، حسن ناظم، دراسات فكرية، جامعة الكوفة 2022م: 45).
ولطالما نُظر إلى محمود البريكان بوصفه حالةً حافظت على خصوصيتها في الشعر والثقافة في العراق، على امتداد عقود طويلة، وقد وجدت جوهرها في العزلة الطويلة والعزوف عن النشر، وهما يوطدان سلوكًا خارج شعري، في حين يلتقط الشعري ما هو جوهري فيما تكتبه القصيدة ويحتفي بالموقف الكلي من الذات والعالم.
ذلك يعني أن علينا أن نعمل على فهم طبيعة العلاقة بين البريكان والشعر بالدرجة الأولى، بوصفه ممثلًا للموقف الوجودي ومعبرًا عنه. فعلاقة محمود البريكان بالشعر وبالثقافة عمومًا لا يعبر عنها سوى إرثه النصي؛ المتمثل في شعره، وقد تحقق حضوره بعد غياب ليس بالقصير، وبالقليل من النثر الذي كتبه في مناسبات متباعدة. وهما، معًا، يشكلان حالة البريكان، التي أراها أسبق من الظاهرة وأكثر تأثيرًا في تشكيل الشاعر. وسبق أن كتبت أن الشعر لم يكن «وحده لدى محمود البريكان «تطويرًا للتعجب»، بحسب جملة بول فاليري، بل كانت الحياة التي وهبها تامةً لأجل الشعر وصولًا للذروة القاتلة».
من التمثال إلى أقصى الوجود
موقفه من الشعر، كممارسة جوهرية، ومن معنى أن يكون المرءُ شاعرًا، هو ما أملى عليه عزلته وتمنعه عن الخوض فيما هو ثانوي وهامشي وعابر، في قياسه وفي تصوره؛ لكونه يتقاطع مع موقفه من ذاته ومن العالم. هنا تحضر كلمته «خواطر حول محنة الشعراء» التي قرأها في عام 1971م، بمناسبة إقامة نصب صديقه بدر شاكر السياب في مدينته البصرة، متحدثًا عن كلمة الشاعر التي تبقى شامخةً كصخرة شاهدة على مجد الإنسان. فالشاعر، في تصور البريكان «هو بشارة التاريخ، شاهد العصور، هو ترجمان الطموح الأعمق في قلب الأرض». كلمة البريكان أمام تمثال السياب، تكشف موقفًا وجوديًّا عميقًا أدركه الشاعر مبكرًا وحافظ عليه؛ حتى أصبح سلوكًا له وتمثلًا لحياته:
«عندما يذهب (الشاعر)، يبدأ المَثّالون عملهم. إنه يستشهد مرتين. هل يشعر جميع الشعراء بالحزن أمام التماثيل؟ هل يشعر جميع الشعراء بالتيه أمام الأضواء البراقة، والقاعات الباذخة؟ هل يشعر جميع الشعراء بالغربة أمام المنابر، ومكبرات الصوت؟ إلامَ يَحِنُّ الشعراء، وفِيمَ يحلمون؟ هل لحلم الشاعر نسخة أخرى؟ وهل تعوض الشروح عن الشرارة الضائعة؟ وهل تكفي الأوسمة لانتصار فكرة الشجاعة؟ وأية هزيمة للشعراء أكبر من هذه: أن تُمَجَّد أسماؤهم، وتُدفَن رسالاتهم ناقصةً؟ أن يحولوا إلى أوثان، ويبقى الحقد والشر والفزع، وكل شيء قبيح، قائمًا في الأرض كما كان، ملونًا كل شيء بألوانه؟» (السياب في ذكراه السادسة، وزارة الإعلام، بغداد 1971م: 17 ـ 20).
فالعلاقة بين الشاعر والمثال، من منظور البريكان، علاقة تنازع بين حضور وغياب؛ لا يحضر الثاني منهما إلا بغياب الأول. وذلك مبعث سؤاله إذا ما كان جميع الشعراء يشعرون بالحزن أمام التماثيل، إنه سؤال الموقف الفرد في تحققه المستحيل، في زمن الأضواء البراقة، والمنابر، ومكبرات الصوت. في اكتمال حضور السياب، حيث الحضور الكامل يؤول إلى غياب، يسائل البريكان الحضور الكلي للشعر بوصفه أهم تجليات الذات الإنسانية.
ورؤيته تلك هي ما حدد سلوكه تجاه ذاته، شاعرًا، وتجاه الشعر، إنتاجًا ومشاركة: «أنا لا أكتب من أجل النشر، ولم يشكل ذلك بالنسبة لي همًّا أو افتراضًا يتقدم بالمفهوم القبلي، فعلاقتي مع فعل الكتابة ذات صلة مباشرة بوجودي كإنسان يفكر ويتأمل»(الشعرية المفقودة، م. س: 311). وذلك في تصوري، جوهر حالة البريكان ومعدن موقفه، الصلة المباشرة بوجوده كإنسان يفكر ويتأمل، وهو ما انتظمت جل نصوص ديوانه «عوالم متداخلة» في الإفصاح عنه، والانتقال بوساطته من وجوده الفردي إلى الوجود الإنساني والانشغال بما يؤول إليه المصير. كأن أثره الشعري انشغل طويلًا بما سيقع، وقد وقع فعلًا، وعني بترتيب خطابه النبوئي عن الوصول إلى لحظة النهاية الفاجعة.
وذلك ما يمكن عده تأويلًا لغياب البعد البيئي القريب في قصيدة البريكان، فلا شارع مسمى، ولا شجرة، ولا مدينة، ولا مزار. في مقابل الحضور الطاغي لبعد الكوني الذي يقرأ الخلود ويتخلله في تأمل هشاشة الإنسان. كل مرة يفكر البريكان فيها بفناء الإنسان يؤثث نصه بلوازم الخلود الكوني، الأحجار والمجرات والسدم، مفكرا بالوقوف على حافة العالم، الموقع الذي طالما رأى نفسه فيه وأطلق قداسه من خلاله، بما يمكنه من رؤية الوجود الإنساني من لحظة الولادة إلى لحظة الزوال. إنها مشاهداته الداخلية التي كتب عبرها سفر نبوءته من «قصة التمثال من آشور» إلى «أقصى الوجود»، ما يكشف، في النهاية، عن بصيرة الشعر ورؤيا الشاعر.
0 تعليق