النحلة
النَّحلةُ التي تمتصُّ مِن فِنجاني الصَّباحيِّ
سائلَ القهوة بِنَهمٍ،
بِحَركةٍ راقِصَةٍ لا تُرى مِن أجنحتِها، بَعْدَ أنْ هَبطَتْ
مِن ليلِ المدينةِ السَّحيقِ،
وجِدالاتِ التُّجّار التي لا تَنتهي
وثَرثرةِ العُشَّاقِ حولَ شاشاتِهم الصَّغيرةِ ـ
تَبدو مُلِحَّةً أكثرَ مِنِّي
وهي تَمُصُّ رَحيقَ القهوة بِلذةٍ لا أعثُرُ عليها إلا لِمامًا
عِندما تَنفتِحُ جُيوبُ صَدري
ويَخرجُ كائنٌ مِن قلبي كبير الأرق
يَبحثُ عَن كلماتٍ تَستلقي
مِثل فَراشات ميِّتة في الطريق
لا أحد يَتوقفُ لِيَمْسَحَ عنها النَّدى
لا أحد يَحمِلُها في كَفِّه، ويَنظرُ إليها طويلًا
إلى أنْ تَتلاشى في الهواء،
هذه النَّحلَةُ العامِلةُ بِنَهم وتَواضُعٍ
جَعلتْني أسْتَغني لها عَن حِصَّتي من القهوة
وَحِصَّتي مِن الصباح
وها أنذا أنظُرُ إليها طويلًا
أنظرُ إليها، لِأرى
ماذا هي صانِعةٌ بهذا الحبر؟
النَّعامةُ
شَجرةٌ مِن ريشٍ تَقِفُ على غُصنَين دَقيقَين
تَقشَّرَ لِحاؤُهما،
وتَسْعَى بِرأسٍ تُشْبِهُ رَأسَ الحيَّة أو الناقة في الهَواء،
لَوْلا قَسْوة المِنقار الذي يمتَدُّ ضَخمًا مُجوَّفًا مِنَ الجانبين.
على غَير هُدى، تَمْشي
مُحرِّكَةً أوراقًا مُتهدِّلة ورياحًا تَصلُني مِن مَراوحِها دافئة.
وبَدل أنْ تَطرحَ فاكهةً
في حِجْرِ الفتاة السَّعيدةِ بِجولَتِها الصباحية،
تَضعُ بَيضةً كبيرةً،
ثُم تُهرولُ خَلفَ ما تَناثَر في طريقِها مِن طَعام.
هي نَعامَةٌ كاملةٌ، بِرأسِها الصَّغير المُزَيّنِ بِعَينين مُنْدَهِشَتين،
تَنظُرُ إليَّ، ثُم تخطو أمامي تاركةً لِأوراقِها أنْ تَنتفِض وتَهتزَّ
وكأنَّها تَستعِدُّ في هذه الظهيرة
لِتَطيرَ مِثلَما لَم تَفعلْ أبدًا.
أنا أقرأتُ ما يَخطرُ في عَينيها مِن صحارى،
ولَفحَني ما يَتدفَّق في أجنحتها الكبيرة مِن رياح.
وهي سَمِعتْ ما يُخشخِش في كلماتي مِن سُهوبٍ
ويختلجُ في رُوحي مِن حِبْرٍ دَفينٍ
جَعلها تُطيلُ النظر في عينيَّ.
أَسَد
«حديقة السندباد» بالدار البيضاء
ليس خَلْفَ القُضبان، يَتحامَلُ على رَأسِه الكبير،
بِتاجِهِ المخلوع، المنسوج مِن شَعَرٍ أصفرَ فَقدَ هالَته،
والجوهَرتين المُشِعَّتين بِبُرودٍ في عَيْنيْه،
لا يَكُفُّ عَنِ الذَّهاب والإياب، مِن غَيْرِ ما أمَلٍ في العُثورِ
على شَيءٍ
وكأنَّ قوائمَه مُستَقِلَّةً عَن إرادتِه،
تَحْمِلُه إلى رَوابٍ وصُخورٍ اصطناعيَّةٍ، مِنها يُطلُّ
على حاجِزٍ مائيٍ يَنحَفِرُ عميقًا بَيننا وبين نَظرَتِه الزائغة،
التي خَبَت بِجوفِها النيرانُ القديمة،
ومع ذلك، تَستمِرُّ في وَميضٍ نَحذَرُه بِالعادَةِ كثيرًا
نحن العالِقين خَلْفَ الحاجِز الخَشبيِّ القصير،
وكأنَّ الأخدودَ المائيَّ وَحْدَه لا يَكفي
لـِدَرْءِ الخطر.
الأخدودُ، كعلامةٍ سَحيقةٍ شَديدةِ الانحدارِ، لا يَحفر عُزلَةَ الأسدِ،
إلّا بما يَسْبَحُ في أعماقه مِن أسماكٍ كبيرة،
تَتلامَحُ إلى أعيُننا المُندهِشة، مُتَبخثِرةً، لامِعةً، بلا وِجهة مُحدَّدةٍ،
دون أنْ تُعيرَ وَقْفَتَنا الضائعَة أيَّ اهتمام ولا أدنى قَفزةٍ،
أو انعطافةٍ ساحِرَةٍ،
تُسرِّع الدَّمَ الذي تَوقَّفَ في شِرْياننا.
نحن نَنتَظِرُ، ولا نملِكُ إلّا أنْ نَقْلِبَ نَظراتِنا إلى الداخِلِ،
إلى وادينا السَّحيقِ،
تاركين الأسَدَ لِأُخدودِه الذي يَجري في هُدوءِ أخضَرَ،
ولِأسْماكِه الثَّقيلةِ تَسْتأنِفُ مِشْوارَها العبثيَّ
بِبُطْءٍ إلى لا مَكان.
الضيفان
حَلَّ بِبَيْتِنا في بِدايَةِ صَيفٍ حارِق،
طائرَا حُبٍّ، هُما كتلةٌ من الخوف والألفة،
يَفزَعانِ إلى أقصى القَفَص،
ويَعُضّان بِقُوَّة الأسلاك صُعُدًا إلى الأعلى
بِمُجرَّد أنْ يَسْهُوَ ظلٌّ فَوقَ كِتاب
أو تَمتَد يَدٌ مَلولَةٌ إلى جهاز التَّحكُّم
لِتَحْويلِ الثرثرة إلى فِلْمٍ.
يَبْدُوان في كثافَةٍ هَشَّة وقويَّة في آنٍ،
حتَّى إنهُما يُرَفرِفان في سَماءٍ صغيرة،
مِثل قُوّة اللَّهبِ،
بين القُضبان التي تَصعَدُ لِبناء قُبَّة خالِية مِنَ النُّجوم
ودونما غَيمة تَقِفُ شارِدَة لَحظةً
قَبْلَ أنْ تَتَبدَّدَ في المجهول.
نحن نَقِفُ مُندَهِشين، مُرتَبِكين،
شاهِدين على ذلك،
راغِبينَ بِضَراعةٍ أن يَصدُرَ عَنِ الطائرَين الجميلَين
أغنية صغيرة مُرتجلة، ولَوْ مَسروقة،
تُفصِحُ عن بدايةِ صداقةٍ مُحتملة بين غُرباء
يَعيشون بين قُضبان سَقْفٍ واحِدٍ.
زَوجتي لَم تَبخلْ بِدَفْعِ بَعضِ المال،
المقتطَع مِن مَصروفِ العُطلة
لإضفاء بَعضَ الرَّفرفَةِ المُزَركَشة على البَيت،
بانتظار عَودةِ ملائكةٍ
مِن تَراتيل حِدادِها الطويل.
0 تعليق