«الأمر نفسه مع تجنيس العمل الأدبي؛ فتصنيفه قرار كاتبه لا ناقده أو ناشره. الأجناس الأدبية أطر متفاوتة المقاسات والأحجام، اختيار الإطار المناسب لنصِّك مسؤوليتك. إطار التجنيس إطار شكلي لا موضوعي، مُقتصر على تأطير العمل الأدبي وفق مظهره الخارجي لا مضمونه الداخلي. التفضيل وفق الإطار خلل في المعيار، أشبه ما يكون بشراء اللوحة لجمال إطارها». (مقتبس من كتاب «مدائح تائهة»).
ألاعيب رائد العيد
أتخذ المُجتزأ أعلاه مدخلًا أوليًّا لتقديم قراءة جمالية تذوقية عن كتاب «مدائح تائهة»، للكاتب رائد العيد، الصادر عن دار دوّن للنشر والتوزيع. وسأعتمد التجنيس الذي اختاره الكاتب لكتابه وهو «تأملات»، بما يتوافق مع المقولة المشار إليها أعلاه، التي أرى فيها كثيرًا من الوجاهة الكتابية، مع أنها قد تُزعج النقاد والأكاديميين، وتُسعد القراء الذين أصابهم الملل من التصنيفات التقليدية والقوالب الجاهزة، وتُلهم الأجيال الحالية والقادمة من الكُتاب على السير على النهج ذاته أو اجتراح تصانيف أخرى أكثر جرأة وتمردًا وابتكارًا.

رائد العيد
أحالني هذا التصنيف إلى كتاب «التأملات» للفيلسوف الرواقي ماركوس أوريليوس، الذي يقع في المنطقة الكتابية التي تحتفي باليومي والعادي والمستهلك من الأحداث ودمجه في قالب فلسفي تأملي، بأسلوب حكائي رشيق. وهو أمر وجدته -بطريقة ما- في نسيج كتاب رائد العيد، وسأوضحه لاحقًا دون أن أفترض تشابهًا بين نص رائد ونص ماركوس.
في صفحات تتجاوز المئة والخمسين مارَسَ رائدٌ كلَّ الألاعيبِ الكتابية داخل تسعة الأقسامِ الرئيسة، التي بدورها تتقسّم إلى ترقيمات فرعية. هذه التقسيمات في حد ذاتها مدعاة للتأمل والوقوف، في عنونتها أو في ترتيبها؛ فـ«المدائح» تسبق «البدايات»، و«الإطار» يليها ويسبق «السقف»، الذي يعقبه «اللامكان»، وبعد «اللعب» يجيء «النظر إلى الأعلى»، ثم العودة إلى شجرة «اللوز»، ليحدو كل ذلك «الهامش».
ولا بد للقارئ أن ينتبه -في موضع ما- إلى أن هناك نسيجًا خفيًّا يربط هذه العناوين مع بعضها، وأنها تُسلم بعضها لبعض بطريقة سلسة وعبقرية لم تقابلني في أي كتاب من قبل. فخاتمة فصل «البدايات» تقول: البدايات إطار النهايات؛ لتجد أن الفصل التالي هو «الإطار»، وهكذا. ذِكري لهذه التفصيلة قد يغضب بعض القراء مني، ولكنني ذكرتها لأدلل على عدم عبثية الفصول وتسلسلها، ولأبيّن أن هذا الكتاب حِيكَ بمهارة وصبر.
ولنعد إلى ألاعيب رائد التي وظّف فيها كل معرفته ووعيه وخبرته في الكتابة. فمن خلال نصوص الكتاب، تجد الحكاية المسرودة بدقة، والشعر القافز على جدران القافية، والشذرات الفلسفية المنسوجة بخيوط الحكمة، والصبغة المقالية المحكمة في مواطن أخرى؛ ليترك لك امتحان أنْ تحدّد هوية النص. هذه الفكرة التي أشار إليها حين قال: «والحقيقة أن مهمة اكتشاف النسق المضمر تقع على عاتق القارئ أكثر من الكاتب؛ إذ الإفصاح الصريح عنها مُنَفِّر -أحيانًا- للقارئ الفطن وتشكيك بنباهته».
كتاب ليس للقراء العابرين
تجد في هذا الكتاب رائدًا فيلسوفًا يتتبع آثار الأقدمين والمتقدمين من الفلاسفة: «لم يكن غوته وحده من يوصي بالنظر من الأعلى للتصالح مع الحياة، والأنس بها، بل تبعه على ذلك نيتشه إذ يقول: «كل ما هو ضروري، إذا ما نُظر إليه من علٍ ومن منظور بِنيةٍ كلية واسعة، هو أيضًا النافع في حد ذاته، ولا ينبغي فقط أن نحتمله، بل أن نحبه حب القدر؛ ذلك هو عمق طبيعتي».
ويؤرخ الكِتاب لمُحيطه الخاص والعام، ويستلهم من كُتب التاريخ ما يوظّفه في نصوصه، فتجد الفن وكرة اليد وتاريخ الكتابة. يقول: «بدأت حياتي على شرشف سماوي يختلف عن الذي يبتدئ به الأطفال عادة». وفي موضع آخر يقول: «سألت أحد الرسامين البارعين في رسم اللوحات العملاقة: لماذا توسّع إطار لوحاتك؟ فأجاب بأن اللوحة تخرج عن السيطرة، فأضطر إلى تلبية احتياجها في الحرية فأوسع لها الحدود».
وتارة أخرى تجد مؤلف الكتاب لغويًّا يبحث في المعاجم ليُؤصّل لكلمة ما. مثل قوله: «السقف: غماء البيت، وجمعه سُقُف، وسُقوف، وأسقف، وأغمية».
ويكاد يكون النمط الكتابي للنصوص متشابهًا، والقالب الذي سُبكت فيه مُحكمًا؛ حيث يبدأ الفصل هادئًا بحدث عادي أو إشارة مرجعية، ثم ينفتح النص على كل ما سبق الإشارة إليه حتى ينتهي بنهاية تُحيلك إلى الفصل التالي، حتى الفصل الأخير.
العنوان قد يبدو مباشرًا، فالفصل الأول عُنْوِنَ بالمديح، ولكن كل فصل كان مديحًا بطريقة ما؛ حتى إن الفصول لتتحول إلى مدائح البدايات، أو مدائح اللوز، أو مدائح الهامش. فهو عنوان مكوّن يَسْتبطن في داخله قيمةً ومعنى يُمثّل الكتاب كاملًا.
هذا الكتاب ليس للقراء العابرين، فهو نص كبير مفتوح، ونصوصه ليست مُكتفيةً بذاتها؛ بل تكتمل بالقارئ الذي سيجد نفسه فيها، أو سيجد جملةً كُتبت وكأنها صدى لصوته الداخلي.
ما يميز «مدائح تائهة» ليس فقط لغته الرشيقة، بل ما يتركه من أثر في قارئه. ففي زمنٍ تتكاثر فيه النصوص الخفيفة سريعة الاستهلاك، يأتي هذا الكتاب مساحةً بطيئةً، واستراحةً تعيدك إلى ذاتك.
0 تعليق