المقالات الأخيرة

اليوبيل الذهبي لمجلة «الفيصل»

اليوبيل الذهبي لمجلة «الفيصل»

ربما‭ ‬يكون‭ ‬حديثي‭ ‬عن‭ ‬مجلة‭ ‬‮«‬الفيصل‮»‬‭ ‬شهادة‭ ‬مجروحة‭ ‬لكوني‭ ‬رئيس‭ ‬تحريرها،‭ ‬ولكني‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬لا‭ ‬أكتب‭ ‬فقط‭ ‬انطلاقًا‭ ‬من‭ ‬ارتباطي‭ ‬العملي‭ ‬بالمجلة،‭ ‬بل‭ ‬أكتب‭ ‬أيضًا‭ ‬انطلاقًا‭ ‬من‭ ‬كوني‭ ‬قارئًا‭ ‬عربيًّا‭ ‬مشغولًا‭ ‬بالشأن‭ ‬الثقافي،‭...

مجلات صنعت زمنها وصنعت خيالنا

مجلات صنعت زمنها وصنعت خيالنا

كما‭ ‬أن‭ ‬للفكر‭ ‬‮«‬الجديد‮»‬‭ ‬مراجعه‭ ‬الكُتُبية‭ ‬الأقرب‭ ‬إلى‭ ‬الترجمة،‭ ‬كان‭ ‬له‭ ‬مجلاته‭ ‬الموافقة،‭ ‬ترحّبُ‭ ‬‮«‬بالأزمنة‭ ‬الحديثة‮»‬‭ ‬بأشكال‭ ‬مختلفة‭. ‬فالشعراء‭ ‬‮«‬المجددون‮»‬‭ ‬عرفوا‭ ‬مجلة‭ ‬تدعى‭ ‬‮«‬أبولو‮»‬،‭ ‬وجورجي‭ ‬زيدان،‭ ‬الذي‭ ‬‮«‬خلط‮»‬‭...

محاضرة لجائزة الملك فيصل العالمية في مركز أكسفورد الموسوي: العصر الإسلامي الوسيط يجب أن يُقرأ بعيدًا من التصورات الأوربية المهيمنة

محاضرة لجائزة الملك فيصل العالمية في مركز أكسفورد

الموسوي: العصر الإسلامي الوسيط يجب أن يُقرأ بعيدًا من التصورات الأوربية المهيمنة

أثار الدكتور محسن جاسم الموسوي، الحاصل على جائزة الملك فيصل العالمية، عصفًا نقديًّا في تبديد النظرة السائدة بين المؤرخين والباحثين والمستشرقين بشأن الآداب في العصور الوسطى، في محاضرة نظمتها جائزة الملك فيصل العالمية في مركز أكسفورد للدراسات الإسلامية، في المملكة...

حفل “أقرأ” الختامي: مهرجان ضخم ومتنوع حوارات وورش وتكريم غازي القصيبي بعرض فني موسيقي ولقاء للفائز بنوبل النرويجي يون فوسه

حفل “أقرأ” الختامي: مهرجان ضخم ومتنوع

حوارات وورش وتكريم غازي القصيبي بعرض فني موسيقي ولقاء للفائز بنوبل النرويجي يون فوسه

عقد من الزمن يمر اليوم، على انطلاق النسخة الأولى لمهرجان أقرأ، الذي ينظمه مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي إثراء، بالظهران، المهرجان الذي بدأ في المنطقة الشرقية في السعودية، ثم توسع ليشمل بقية المناطق السعودية، إلى أن أضحى مهرجانًا عربيًّا كبيرًا، يتقدم إليه...

نهلة الشهال: بوصلتنا الاستمرارية في «البحث وسط الخراب عما ليس خرابًا»

نهلة الشهال: بوصلتنا الاستمرارية في «البحث وسط الخراب عما ليس خرابًا»

نهلة الشهال، كاتبة وباحثة ورئيسة تحرير أسبوعية «السفير العربي»، لها مواقفها المعلنة ورأيها الصلب في القضايا الكبرى. وهي ابنة لأم عراقية حقوقية ساهمت في تأسيس ثانوية البنات في طرابلس وأب لبناني طبيب، وكان كل منهما مثقفًا يساريًّا. انضمت نهلة إلى ما عرف عالميًّا...

صعود الخصوصيات الثقافية

بواسطة | نوفمبر 1, 2025 | الملف

رؤى‭ ‬العالم وسؤال‭ ‬الخصوصية‭ ‬والعالمية

محمد شوقي الزين – كاتب جزائري

أوديسَّا مصطلحٍ: التلاشي والانتشال

هيمنت مفردة «رؤية العالم» أو «النظرة إلى العالم» في القرن التاسع عشر، وغالبًا ما كانت تُكتب بالصيغة التالية «رؤية العالم والحياة»، بحكم أنَّ القرن التاسع عشر شهد شيوع «بارادايم الحياة» مع تطوُّر الفلسفات الطبيعية، وعلى وجه الخصوص تطوُّرية داروين وسبنسر. ارتحل بارادايم الحياة إلى الفلسفات الاجتماعية والتاريخية إلى غاية فريدريش نيتشه وفيلهلم دلتاي. هذا الأخير طوَّر فلسفة عن رؤية العالم قائمة بذاتها تحت عنوان: «أنماط رؤى العالم» (1911م). ثم امتدَّ الاهتمام إلى غاية كارل ياسبرز صاحب «سيكولوجيا رؤى العالم» (1919م) ومارتن هايدغر مع درس «فِكْرَة الفَلْسَفَة ومُشْكِل رُؤَى العَالَم» (1919م).

اللافت للنظر أنَّ المفردة تطوَّرت في السياق الألماني الذي تغلب عليه الفلسفة التأمُّلية وفلسفات الوعي، واشتغل المصطلح طيلة نصف قرن قبل أن يسقط في الابتذال ليدلَّ على الأيديولوجيا بما في ذلك الأيديولوجيات العرقية، تحت ما كان يُعرف وقتها بـ«الرؤية النازية للعالم»، من حيث إنَّ هتلر خصَّص في كتابه «كفاحي» (1925م) فصولًا عن التنظيم السياسي والحزبي ورؤى العالم، وكان يقصد على وجه التحديد الحزب الذي ترأسه، «حزب العمال القومي الاشتراكي الألماني» أو «الحزب النازي». وبما أنَّ رؤية العالم والحياة لدى الحزب كانت تجمع بين الداروينية والعرقية، فإنَّ المصطلح تلوَّث بأفكار عنصرية أسهمت في تدهور الكرامة الإنسانية، واختفى من الاستعمال الأكاديمي والإعلامي.

أن تكون «رؤية العالم» نظرة «شاملة» عن الكون والإنسان والحياة، فهذا يُلائم التطبيقات «الشمولية» (الفاشية) مثل الأيديولوجيا النازية. لهذا السبب كان يُنظر إلى المصطلح على أنه فضفاض واستعمالاته غير سليمة، وفي الغالب تؤول إلى النظرة الشمولية بالمعنى العنصري والدكتاتوري للكلمة. غير أن المصطلح في السنوات الأخيرة، استعاد عافيته وعنفوانه وصار يُستعمل في نظريات التواصل والإعلام والعلاقات الدولية وكذلك في العلوم الاجتماعية، والجغرافيا، والدراسات الجيوسياسية.

بول كلافال

معنى ذلك أن المصطلح صار مفهومًا أساسيًّا في فهم التمثُّلات والوقائع على مستوى الأحجام الكبرى (الرؤية الشاملة وتعيناتها المحلية). أشير على وجه التحديد إلى كتاب «رُؤَى العَالَم: تَارِيخ نَقْدِي للتَّمَثُّلات البَشَريَّة» (2018م، طبعة جديدة 2025م) لكريستيان غراتالو، وكتاب «جيُوسِيَاسَة الحدود: تقسيم الأرض، بَسْط رُؤْيَة العَالَم» (2020م) لآن-لور آميلا ساري، وكتاب «مِنَ الأرض إلى البَشَر: الجغرافيا بوصفها رُؤْيَة في العَالَم» (2012م) لبول كلافال.

نرى بوضوح الاستعمال المكثَّف للمصطلح في الدراسات الجغرافية، الذي لا يستثني جغرافيا العقل، إذا لجأنا إلى فكرة جيل دولوز عن الـ«جيو- فلسفة» في كتابه «ما الفلسفة؟» بالاشتراك مع فيليكس غاتاري. يُساعدنا هذا المصطلح في فهم الروابط والوسائط بين الخصوصية والعالمية، وفي قراءة نقدية ونبيهة للتشكُّلات الثقافية والتحوُّلات المعرفية والتقنية والسياسية المعاصرة، أكثر مما توفره المصطلحات الأخرى مثل «نهاية التاريخ» و«صراع الحضارات»؛ لأنَّ مصطلحات «نهاية التاريخ» و«صراع الحضارات»، غالبًا ما كانت تحتكم إلى الزمن الذي يُقصَد به طَرَفَا نقيضٍ: التقدُّم من جهة، والتراث من جهة أخرى.

غير أن نموذجًا جديدًا ظهر مؤخرًا يحتكم إلى المكان، ويجعل الرؤية في قلب كل إدراك معرفي وثقافي وتأويلي للعالم من زوايا متعدّدة ووفق مرايا مُضاعِفة. فماذا يُقصد إذًا بمصطلح «رؤية العالم»؟ ولماذا عاد ليشغل الساحة الإعلامية والأكاديمية اليوم؟ وكيف يُساعدنا على قراءة العلاقة الملتبسة بين الخصوصية والعالمية وفهم نظام القبض والبسط بينهما؟

رؤية العالم: نظرة موجزة في المصطلح

تتَّفق المعاجم على أن رؤية العالم هي نظرة شاملة قابلة للتقسيم محليًّا في شكل تمثُّلات وسلوكيات. نقول «عالمٌ واحدٌ»، لكن هناك «إدراكات مختلفة ومتنوّعة» له. نرى الواقع نفسه، والطبيعة نفسها، والأرض نفسها، لكن إدراكنا لهذه الموضوعات، وتمثُّلنا واستعمالنا لها، يختلف من إقليم إلى آخر، ومن ثقافة إلى أخرى، تبعًا للحساسيات، والتمثُّلات، والانتماءات الإقليمية، واللسانية، والدينية، والقيمية.

معنى ذلك أن رؤية العالم هي طريقة في حدس العالم وموقف الإنسان من هذا العالم الذي ينتمي إليه: «رؤية العالم هي مجموعة من الافتراضات المسبقة (الافتراضات التي قد تكون صحيحة أو صحيحة جزئيًّا أو خاطئة تمامًا) التي نعتنقها (بشكل واعٍ أو لا واعٍ، بشكل متسق أو غير متسق) حول ما يتركَّب منه العالم الذي ننتمي إليه» (James W. Sire, 2004, p. 19). أساسيات هذا التحديد أن في رؤية العالم لسنا أمام يقينيات، بل «افتراضات مسبقة» قابلة للتمحيص؛ وهي افتراضات «نعتنقها» شعوريًّا أو لا شعوريًّا، ولا نستوعبها نقديًّا؛ وأخيرًا، تقع تلك الافتراضات على ما يحتوي عليه العالم من أشياء وأشخاص، والموقف الذي نتخذه إزاء هذه المكوّنات.

نُدرك أن رؤية العالم لا تضع فارقًا بين الذات والموضوع، بل غالبًا ما تكون الذات متحدة بالموضوع، وهذا يُفسّر الطابع الافتراضي والاحتوائي للفكرة، تستغرق الذات العارفة في موضوعات المعرفة: «أقترح أن أفضل طريقة لفهم رؤية العالم هي عدُّها ظاهرة سيميائية، كنظام من العلامات السردية التي تشكل إطارًا قويًّا من خلاله يفكر الناس (العقل)، ويؤوّلون (الهيرمينوطيقا)، ويدركون معرفيًّا (الإبستمولوجيا)» (David K. Naugle, 2002, p. xix).

نجد هنا اختزالًا لمفهوم رؤية العالم في الظاهرة السيميائية، أي بوصفها سردية أو لغة تختلف عن السرديات واللغات الأخرى، تتطلَّب ترجمة، وتنطوي في الأغلب على إرادة في النزاع. وهذا يُفسّر اختزال ديفيد نوغل رؤى العالم في صراع الحضارات لصامويل هنتنغتون، وهو ما يُبرز تهافت هذا الاختزال.

بدلًا من ذلك، ومن دون نفي إرادات التوسُّع والهيمنة خلف كل رؤية في العالم، ثمَّة ما يمكن نعته بـ«القبض والبسط» في العلاقات البشرية، وإنَّ الصراع لا يعني دائمًا الهدم، بل هناك صراعات بنَّاءة أو هي دوافع نحو البناء والاكتشاف والاختراع. والأمثلة كثيرة يسوقها تاريخ الصراع بين الأمم. لنتذكَّر أنَّ مِن صُلب التجارب العسكرية في قنوات الاتصال والتواصل ظهر الهاتف النقَّال والإنترنت. كانت البدايات إستراتيجية- صراعية، ثم صارت اقتصادية- استهلاكية بمفعول العولمة. معنى ذلك أن رؤى العالم لا تُختزَل دائمًا إلى الصراع في معناه التدميري، أو أن الصراع يُفهَم سلبيًّا بأنه التدمير، بل ينطوي على مدلولات بنائية أخرى كالتنافس والمباراة، في السياسة، والاقتصاد، والرياضة. هي كلها صراعات محمودة وصانعة للحضارة.

المسكونية الأرضية وضعف دوائر الزوال

خطيئة نظرية «صراع الحضارات» أنها اختزلت الصراع في السيطرة والدمار، وخصَّته في النزاع الديني أو صراع القيم. مع أن رؤية العالم تتجاوز الإطار الحصري للتمركز الديني والانغلاق الهويَّاتي نحو ما يجعل التواصل بين الأمم ممكنًا وضروريًّا في الوقت نفسه. لا أحد يعيش بمفرده في عالمٍ خالٍ من الأغيار. ولو تسنَّى له ذلك لَمَا طاق حياة الأحادية الثقافية بلا صراع (أي تنافس) مع الغير، بالمعنى المحمود للكلمة. يرى الآخر في مرآته ملامحه وما يمكن أن يُصلحه ويُحسّنه ويُكمّل ما نَقُصَ فيه.

من هنا جاءت ضرورة الأخذ بـ«المسكونية الأرضية»، ليس فحسب بالمقارنة مع البيئة والشروط الطبيعية في التأقلم مع العالم المحيط، بل كذلك بالمقارنة مع أشكال الجوار والتعايش مع الأغيار من أجل عالمٍ قابل للسَّكن مع الآخرين. يؤطّر ذلك ثنائية «السكون والحركة»، أي الإقامة والسَّفر. فـ«الإقامة» هي السَّكن والسُّكون إلى الذات. وفي الغالب الحدود الجغرافية هي كذلك حدود سياسية وهويَّاتية، كما هي الحال في الفاصل بين شمال البحر المتوسط (أوربا)، وجنوبه (إفريقيا). أما «السَّفر» فهو ما يتيح تخطّي الحدود والتعرُّف إلى الغير بفعل سياحة أو تجارة وغيرهما.

كريستيان غراتالو

الحدُّ هو الفاصل والواصل في الوقت نفسه. والغاية من تجاوزه أو الاقتراب منه هي اكتشاف الجدَّة للإفلات من رتابة العادة، إمَّا بالمغامرة أو المثاقفة. معنى ذلك أن الروابط التي تجمع الأمم هي أكثر وطأةً وشأنًا من الفوارق التي تفصل بينها؛ وإنَّ المخاطر التي تحدق بها -الاحتباس الحراري، والجفاف، والأعاصير، والأوبئة- هي أشدُّ وقعًا من الخلافات الدموية بينها. من هذا المنطلق، جاءت الجغرافيا الطبيعية والبشرية بوصفها رؤية في العالم، لا تستثني كذلك الجغرافيا العقلية في عملية تقسيم الأفكار وتوزيعها في الأقاليم عبر الارتحال المفهومي، والترجمة الاصطلاحية، والتفاعل المعرفي.

لا شكَّ أن بين الحدود فوارق عبَّرت عنها «الرؤية الإقليمية للعالم» بمصطلحات تمييزية، مفيدة نظريًّا لكنها هشَّة عمليًّا مثل الفارق بين «الشَّمال الثريّ» (أوربا، وأميركا، وروسيا) و«الجنوب الفقير» (إفريقيا، وأميركا الجنوبية، وجنوب شرق آسيا). كلٌّ يتوقَّف على الطريقة التي نرى بها «صورة العالم» كما رسمتها التحوُّلات التاريخية؛ لأنَّ في الجنوب هناك أيضًا أستراليا التي تُعدُّ غربًا (أيديولوجيًّا) وثريَّة (اقتصاديًّا)، ودول الخليج التي لا يمكن عدُّها فقيرةً فقط لأنَّها تقع في نصف الكرة الجنوبي.

هذا الاتجاه في دائرة الزوال بين الشَّمال والجنوب هو «اقتصادي» في أساسه، ويأخذ بالغالب في الشمال وفي الجنوب، والغالب هو الثراء شمالًا، والفقر جنوبًا. أمَّا الاتجاه الآخر في دائرة الزوال بين الشرق والغرب فهو «ثقافي» في جوهره؛ لأنه يأخذ بالتباعد بين الهويَّات (يُحشَر في الشرق وفق الانتماء الهويَّاتي والديني: الصين الطاوية، والهند البوذية، والعالم العربي الإسلامي؛ ويُحشر في الغرب: أوربا الكاثوليكية، وأميركا البروتستانتية، وروسيا الأرثوذكسية).

هنا أيضًا، يُعوّل التقسيم على «الغالب» في كل نصفٍ كروي: تقسيم «عمودي وتنموي» (شمال/جنوب)، وآخر «أفقي وثقافي» (شرق/غرب). بيد أن «ما يتخطَّى الحدود» من اغتراب وهجرة يجعل النقاء الأصلي لأي هويةٍ أمرًا مستحيلًا. فقد قامت العولمة، اقتصاديًّا، بمحو الحدود الجمركية وأضعفت المطالب الهويَّاتية (سياسيًّا)، غير أن عودة الأطياف الهويَّاتية -صعود اليمين المتطرف، ومناهضة الهجرة الشرعية أو غير الشرعية نحو أوربا وأميركا- جعلت تعثُّر العولمة أمرًا ممكنًا، بل أتاحت الحديث بصريح العبارة عن نهايتها.

بهذا المعنى، يتحدَّث غراتالو عن «تفوُّق الدُّولي على العالمي» (Grataloup, 2025, p. 23 & 147)، ويقصد بذلك أولوية الحدود السياسية للدولة الحديثة (معاهدة وستافليا سنة 1648م) على متطلَّبات الحركة العابرة للحدود التي تتيحها العولمة. تخلص الفكرة إلى أن الشمال «دولي» في جوهره، وهذا ما يُفسّر عودة المراقبة الجمركية والأمنية في أوربا، التي كانت قد ألغت الحدود بين أعضائها مع الصعود المتنامي للحركات اليمينية والقومية المناهضة للهجرة. أما الجنوب فهو «عالمي»، وهذا يُفسّر السيولة المالية والازدهار الصناعي والتجاري في الجنوب الآسيوي، من الصين وجنوب شرق آسيا إلى الهند والخليج.

العلاقة الملتبسة بين الخصوصية والعالمية

إذا استعدنا المعجم الماركسي، يمكن القول: إن الدولة القُطْرية تشتغل ضمن نظام «القيمة الاستعمالية» لمجمل القيم القومية والدينية والهويَّاتية التي تشتمل عليها وتحتفي بها والتي تتيحها الحدود السياسية التي هي أيضًا حدود ثقافية وانتمائية، فيما تشتغل العولمة وفق نظام «القيمة التبادلية» بعبور الحدود من أجل سيولة سريعة للبضائع والخدمات والأفراد. نتعرَّف هنا إلى التوتُّر الكائن بين «البارادايم الاقتصادي-المالي» المهيمن وبقايا «البارادايم السياسي-الأخلاقي» الذي لا يزال يُسيّر الدول القُطْرية التي تحتمي بحدودها الجغرافية والسياسية من موجات الهجرة من الجنوب نحو الشمال.

يدفعنا هذا الأمر إلى عدِّ سؤال الخصوصية التي تتمظهر في الحدود الانتمائية إلى ثقافةٍ وهويةٍ ما، وتُميّز إذًا طبيعة الدولة الحديثة؛ والعالمية التي تتجلَّى في الشركات العابرة للحدود من أجل التكاثر المادي والتجارة، وهذا ما يُميّز القيم الليبرالية المرتحلة التي تتيحها العولمة. هذا المخطَّط (الدولي/ العالمي) هو الوجه الآخر للحداثة التي تنخرط فيها الدولة الحديثة وتقوم على سياسة الزمن (التقدُّم) والحفاظ على التقاليد (التراث)؛ وما بعد الحداثة التي تنتهجها العولمة وتقوم على سياسة المكان ومجاوزة التقاليد (النقل السريع، والفضاء الافتراضي، والمدن الضخمة والذكية، وابتكار أساليب جديدة في الحياة).

لهذا السبب تلجأ الدراسات الجغرافية اليوم إلى فكرة رؤية العالم، والمراد منها التركيز على المكان؛ فالجغرافيا هي بالتعريف البسيط «وصف الأرض»، مثلما أن التاريخ هو الاهتمام بالحدث. إن التركيز على المكان يعني حمل الرؤية على حدس للعالم وفق النقاط والدوائر والزوايا التي تدرك انطلاقًا منها، بحيث التعديل في الرؤية ينجرُّ عنه تغيير في صورة العالم. ليس فحسب «تأويل» العالم، بل كذلك «تغيير» العالم تبعًا لتعديلٍ في زاوية النظر.

ولا مراء أن مدار الاهتمام في الدراسات الجغرافية والجيوسياسية وما بعد الحداثية، هو بالضبط الطريقة التي يُساس بها المكان، وتتعدَّل من خلالها الرؤية، بما يؤدّي بشكلٍ أو بآخر إلى تحويل في كينونة الإنسان ذاته، وعلاقته بماضيه (التراث)، وحاضره (العالم المحيط)، وكذلك مستقبله (أفق التوقُّع وانفصالات اللامتوقَّع).

ثمَّ أن المفارقة في العولمة هي انطواؤها على تناقض في الحدود: الإسهام في تلاشي الهويَّات وفي الوقت نفسه تقوية هذه الهويَّات عبر الصعود الكاسح للهوس القومي ومفعول التقنيات الحديثة، مثل الإنترنت، التي سرَّعت من انكشاف الخصوصيات الثقافية والهوياتية. كان الاعتقاد السائد أن العولمة أسهمت في خلق تجانس بين الثقافات بربطها بالثقافة المهيمنة، فتوالت نعوت مثل: «الغَرْبَنَة»، و«الأمْرَكَة»، و«الأوْرَبَة». وفي الوقت نفسه استقطابها في بؤرة الصراع عبر التنافس القومي في المواسم الرياضية (كأس العالم، الألعاب الأولمبية) والفنية (مسابقة الأغنية الأوربية، فُويْس أو أحلى صوت).

معكوس القضية أن التجانس (توحيد الثقافات أو تنميطها وفق موديل عالمي) والتباعد (عزل الثقافات بعضها عن بعض من أجل تعارك هويَّاتي) قد يجد تركيبه الجدلي في التهجين والتماسف (وصل الثقافات فيما بينها عبر التعارف، والتفاعل، والتنافس): فـ«العولمة تربط بين المناطق المحلية وتشمل أيضًا ابتكار المنطقة المحلية» (Chamsy el-Ojeili & Patrick Hayden, 2006, p. 146). فيما كان الاعتقاد السائد هو زوال خصوصية القيم الثقافية للأقاليم المتباعدة والمتناثرة، فإنَّ الرهان اليوم هو الربط بين الخصوصيات والعالمية. هذه العالمية التي ليست شيئًا آخر سوى الخصوصيات في تفاعلها عبر جدل التأثير والتأثُّر: «ثمة طفرة فيما بعد الحداثة: ما يهمُّ هو ما تُحقّقه الذات هنا والآن» (Paul Claval, 2012, p. 236).

وما بعد الحداثة هي الاسم الآخر «للمنعطف الثقافي» الذي جعل من اللغة، والمعنى، والهوية، والخصوصية الثقافية قيمًا خاصَّة وعامَّة، وفي الوقت نفسه، محليَّة وعالمية؛ لأنَّ أيَّة خصوصية ثقافية يمكنها أن ترقى إلى العالمية والاستعمال الكوكبي، مثل: التقنيات الحديثة، والحكم والأمثال، والأغاني، ومختلف المهن الثقافية وصناعة المحتوى التي تُغذّيها وتذيعها وسائط التواصل الاجتماعي.

نُدرك جليًّا أنَّا نشتغل في فضاءٍ راهنٍ صار يأخذ من المحل، والمكان، والحيّز منطلق الابتكار، ولم يعُد الزَّمن يعنيه، بأثقاله الماضية أو أحلامه الآتية. صار الاهتمام، إن لم نقل الهمّ والهوس، هو الحاضر بمختلف انتقالاته وتناقضاته: أزمات، ومخاوف، شكوك، ولكن أيضًا صنائع، وابتكارات، وعبقريات. الحاضر هو الاسم الآخر للمكان المُحدَث، أو الحدث الذي يتخذ لنفسه حيِّزًا جديدًا. وهذا بالضبط ما نعته جورج زيمل بتراجيديا الثقافة: تناوب الأزمة والإبداع. وهو الالتباس الذي يُميّز روح العصر.


المراجع والهوامش:

–  Chamsy el-Ojeili & Patrick Hayden (2006), Critical Theories of Globalization, Palgrave MacMillan.

–  David K. Naugle (2002), Worldview: The History of a Concept, W.B. Eerdmans Publishing.

–  James W. Sire (2004), Naming the Elephant: Worldview as a Concept, IVP Academic.

–  Anne-Laure Amilhat Szary (2020), Géopolitique des frontières : découper la terre, imposer une vision du monde, éd. Le Cavalier Bleu.

–  Paul Claval (2012), De la terre aux hommes : la géographie comme vision du monde, Armand Colin.

–  Christian Grataloup (2025), Vision(s) du monde : Histoire critique des représentations de l’Humanité, Dunod Poche.


العولمة وصعود الخصوصيات الثقافية:

ألا يزال الجِوار ممكنًا؟

عبدالله المطيري – كاتب سعودي

يمكننا القول إن «التشابه» هو العلامة الأكثر التصاقًا بالعولمة. إذا كانت العولمة تعني «تحول العالم إلى قرية واحدة»، كما هي التسمية المتداولة، فإن القرية هنا تمثل التواصل المباشر، وهو ما تحقق مع التقنية الحديثة ووسائل المواصلات المتقدمة. الحواجز القديمة بين الجماعات البشرية تبدو أقل مع تقدم الوقت، إلا أن هذا التواصل المباشر لا يتم بين أطراف متقاربة في القدرة. هناك طرف أقوى وأكثر قدرة على الانتشار، وبالتالي سيطبع هذه القرية بطابعه وهو ما يعني تشابه العالم.

صعود التعبير عن الخصوصيات

العلامة البارزة لهذا التشابه هي وجود الشركات العابرة للقارات في كل مكان. هذا الأمر ينطبق على الشركات الظاهرة في المجال العام مثل سلسلة مطاعم ماكدونالدز وتلك الخفية مثل شركات المال والتسويق التي ترسم ملامح الفضاء العام من دون أن يكون لها حضور معلن فيه. محصلة كل هذه الملحوظات والتوصيفات أن العولمة تعني أننا أمام نسخة واحدة في كل مكان في العالم. من هنا نشأت النزعات السياحية والترفيهية التي تبحث عن المختلف عن كل هذا، وهذا ملمح مهم في طبيعة تشكل العالم الحديث.

أمام كل هذا ظهرت في المقابل أكبر موجة في تاريخ البشرية من تعبير الخصوصيات والأقليات العرقية والمذهبية وأنماط العيش المختلفة عن نفسها. حضور مطاعم الأكلات الشعبية من كل أنحاء العالم بأنواعها كافة اليوم في الرياض مثلًا يطغى على كل مطاعم الوجبات السريعة التي تمثل العولمة. ربما لأول مرة في التاريخ تتاح الفرصة لكل هذا التنوع للتعبير عن نفسه مباشرة على المسرح العالمي. يوميات اليوتيوب التي يصوّرها سكان القرى في أماكن كثيرة من العالم تحظى اليوم بمشاهدة واسعة لدى شرائح مختلفة من الناس. المذاهب الدينية مهما كان مكانها في معادلة القوى في بلدانها لها منصات إعلامية تعبر عنها وتشرح مواقفها وتوصل صوتها للمشهد العالمي. يمتد هذا المشهد لكل ملامح التعبير الثقافي من لغة وموسيقا وأزياء. نحن هنا إذن أمام مشهد مركب؛ من جهة حَمَلت العولمة معها مشاهد التشابه الصاخبة، ومن جهة أخرى نشهد (صعودًا) هائلًا لمشاهد تعبير الثقافات «الفرعية» أو الأقليات بأنواعها كافة. هل هذا يعني انهيار العولمة بوصفها أطروحة التشابه أو أن ما يحدث هو شكل من أشكال العولمة التي تتحول باستمرار أم إننا أمام أمر آخر؟

أود هنا أن أعود لتأمل حالة «القرية» في التعريف السابق للعولمة بوصفها قرية عالمية. تتكاثر اليوم في العالم مناطق تجارية تسمى «القرية العالمية» والمتوقع فيها أن تتجاور محلات تجارية من مختلف دول العالم في مكان واحد. يتحرك المتسوق على أقدامه من الهند إلى الصين إلى السعودية إلى الدنمارك مرورًا باليابان والبرازيل وإثيوبيا في جولة عجيبة رغم اعتيادنا عليها. ما المتشابه داخل هذا التنوع؟ هل القرية مقر التشابه في الوجود الإنساني في مقابل المدينة مقر التنوع؟ هل التنوع البشري متشابه في عمقه؟ هل أعادتنا العولمة لاكتشاف المشترك الإنساني؟

ثقافات متنوعة في سوق عولمي

دعونا ننصت إلى هذه الفكرة بعمق أكبر. ما الذي يفعله الناس في كل مكان من العالم؟ ألا يفعلون الشيء ذاته؟ محاولة العيش بحسب ما يتوافر لهم من قدرات؟ أليس كل هذا التنوع شاهدًا على موقف أو شرط وجودي واحد؟ ربما، لكن ما نعلمه كذلك أن العولمة -في صيغتها الرأسمالية الراهنة- ليست محايدة تجاه أنماط العيش المختلفة؛ بوصفها هي ذاتها نمط عيش واحد يعبّر تحديدًا عن لقاء حاد بين التقنية والاستثمار المالي. بهذا المعنى يكون هذا (الصعود) للتنوع الثقافي، مجرّد مشهد من مشاهد نمط الاستثمار العولمي: (كل شيء يُنظر له على أنه إمكانية للاستثمار/ ميتافيزيقا التقنية عند هايدغر) بما في ذلك التنوعات والخصوصيات الثقافية.

بالمعنى الأخير هذا يكون معنى التشابه الكامن في العولمة معنى وجودي يتحرك بوصفه خلفيّة عامة تستوعب أشكالًا مختلفة من التعبير. إذا كانت الفرضية أن الحياة في القرية تعبّر عن نمط وجودي واحد خلف كل أشكال التعبير في الكلام والزي والأكل وأشكال العيش الأخرى، فإن منطق التقنية الحديثة هو المحرك للعولمة بما في ذلك استثمارها للتنوع والتعدديات الثقافية. بهذا المعنى فإننا لسنا أمام صعود للخصوصيات الثقافية بالمعنى الوجودي للكلمة.

أي أننا لسنا هنا أمام مشهد من ظهور أنماط عيش عميقة متنوعة، بل نحن أمام (عرض) للثقافات المتنوعة في السوق العولمي. هنا تكون الخصوصيات الثقافية منتجات يمكن استثمارها وتسويقها بشكل عصري. هذا يفسر لنا حماسة شركات التسويق والاستثمار الثقافي للاستثمار في مختلف أشكال التنوع والتراث.

هذه الأطروحة يمكن دعمها ببعض الملحوظات وبعض الأسئلة. هل تحضر الخصوصيات الثقافية بوصفها أشكالًا فريدة للحياة اليوم، أو بوصفها مشاهد في متحف إلكتروني عالمي؟ مثلًا، يشاهد كثير من الناس يوميات لحياة أسر في قرى إيرانية قريبة من الحدود الأفغانية. تمتد هذه الفيديوهات لساعات طويلة وتُحدّث باستمرار وتسجّل ملايين المتابعات. تعرض هذه اليوميات تسجيلًا لمقتطفات من حياة الناس في تلك القرى بوصفها حياة مختلفة ومميزة، وما زالت تتمتع بعلاقة أقرب للطبيعة والكائنات الأخرى مقارنة بحياة الناس في المدن. تُصوَّر هذه المشاهد بأحدث الأجهزة الذكية وتُعرض على منصات التواصل الجديدة.

نحن هنا أمام صورة لحياة تمتاز وتأخذ جاذبيتها بوصفها خارج مسار الزمن الحديث، مع أنها تُقدّم في أحدث وسائل التواصل الحديث؛ أي أن قيمتها التي تستند إليها في التسويق هي أنها منقرضة أو على وشك الانقراض. بعبارة أخرى: إنها لم تعد جزءًا من عالمنا الحديث إلا بوصفها علامة على تلاشيها منه. هذا يمتد مثلًا للأزياء التراثية التي يرتديها الناس في مناسبات معينة بوصفها علامات على ماضٍ ما يُراد الانتماء له. بالتأكيد، إن هذه المواد الإعلامية نوافذ على أنماط أصيلة من الوجود لكن السؤال: هل حضورها هذا تعبير عن شراكتها الأصيلة في هذا العالم أم إنها مشاهد للاستثمار من جانب نمط العولمة الأساسي/ منطق التقنية/ الاتصال بكل شيء على أنه إمكانية للاستثمار؟

لا يمكن حصر مشاهد (صعود) الخصوصيات الثقافية في هذه التمظهرات السلمية وحدها؛ فهناك أيضًا مشاهد تعبّر عن عنف شديد، حيث تصعد الخصوصيات الثقافية في مشاهد الحروب والصراع بين الجماعات. فالحركات الدينية المتطرفة مثلًا تجد فرصة مع تقنيات التواصل الحديثة، بحيث تظهر في المشهد العالمي وتوصل رسائلها للجميع. كذلك ساهم بذخ التصنيع الحديث للأسلحة وتعدد وسائل النقل بتملك هذه الجماعات لنسبة من القدرة التقنية ساعدتها على التأثير الحربي في الصراعات العالمية. يعود السؤال هنا: هل نحن أمام مسرح جديد يتعدد فيه اللاعبون أم إننا أمام مسرح العولمة ذاته حيث تتحول الجماعات المتطرفة إلى فرصة للاستثمار السياسي والاقتصادي؟

إعادة الإنصات لطبيعة الوجود الإنساني

مشكلة أطروحة العولمة المهيمنة هذه، على الرغم من كل مشاهد التنوع والاختلاف و(صعود) الخصوصيات، أنها تشبه -في الظاهر على الأقل- أطروحات المؤامرة والجماعات التي تتحكّم في العالم. وهي الأطروحات التي تلقى رواجًا هائلًا هذه الأيام ويُستثمَر فيها للتسويق للبرامج والحسابات الشخصية عبر وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة. الفرق الجوهري ربما أن أطروحة العولمة، بوصفها التعبير المعاصر عن ميتافيزيقا التقنية، لا تعبّر عن إرادة محددة، بل هي تعبير عن خروج العالم عن أية إرادة.

هذا المشهد المرعب يدفع في جهة من جهاته باتجاه المزيد من الاستثمار؛ أي أن هذه «الحتمية» التي تجاوزت منطق السببية لا أمل في تغييرها؛ لذا لا بد من استثمارها اتساقًا مع منطق ركوب الموجة إذا كان الخيار الآخر أنها ستدمرك. اتساقًا مع هذا الطرح نجد أن الذكاء الاصطناعي، ربما التعبير الأحدث عن العولمة، يدفع باتجاه طرح سؤال الحرية والإرادة الإنسانية من جديد حيث تقترب الآلة أكثر من أي وقت مضى من امتلاك وعيها الخاص، وبالتالي نكون في حالة المواجهة الصارخة بين الإنسان والآلة التي اعتقد باستمرار أنها في طوع يده، ولكنها اليوم تلوّح بوجود لها آخر وهو يعلم فارق القدرة الهائل بينه وبينها.

لعل هذه الصورة المربكة تدفع باتجاه مراجعة عميقة لعلاقة الإنسان بالتقنية. تأخذ التقنية مركزيتها في هذا النقاش بوصفها الرحم الكبرى للتحولات التي نشهدها. اليوم نحن أمام فرصة أكبر لملاحظة أن التقنية ليست أداة محايدة في علاقتها بالإنسان. ربما لم تعد أداة أصلًا. نمط العيش الإنساني يتحوّل داخل عوالم التقنية الحديثة. نشاهد هذا التحوّل بوضوح في الأجيال الحديثة التي لم تشهد في وجودها عالمًا آخر غير عالم التواصل التقني الحديث. نلحظ طبيعة علاقاتهم الاجتماعية وعمق تغيرها المتسارع.

قد يكون الحديث عن إمكانية المراجعة العميقة مثيرًا للسخرية، ولكن السخرية علمتنا أنها إحدى منافذ الإنسان الكبرى على المنظورات الجديدة. كذلك نتذكر هنا العزاء الذي يردده هايدغر مع هولدرلين أن التحديات الأصعب تحمل معها إمكانات جديدة للخلاص. المراجعة العميقة التي أعنيها هي إعادة الإنصات لطبيعة الوجود الإنساني العميق المتمثلة في علاقاته مع الكائنات الأخرى. إذا كانت ميتافيزيقا التقنية تعني أن العلاقة المتاحة هي علاقة الاستعمال والاستغلال، فإن الوجود البشري كذلك يحمل لنا إمكانات أخرى لعل أبرزها إمكان الجوار مع الكائنات الأخرى.

الجوار هنا يعني أن نكون موجودين معًا دون أن يكون الطرف الآخر في العلاقة موضوعًا لاستثمار الطرف الأول. قد تكون استعادة الجوار هي المهمة الأصعب مع حركة العولمة والتجارة العالمية التي لا تفهم أي نوع من أنواع الاتصال لا يتضمن في داخله استثمارًا تجاريًّا بين الطرفين. هذا الجوار لا يستبعد العلاقة الاستعمالية بين الكائنات، ولكنه لا يجعلها العلاقة التي يولد داخلها كل شيء؛ أي ألّا تكون هي الحقيقة التي تظهر فيها الأشياء بالتعبير الهايدغري. إذا كانت العولمة وفّرت قربًا غير مسبوق فإننا نعلم أن القرب في حد ذاته لا يكفل الجوار. في الحرب يحدث القرب الأعنف بين الكائنات حيث لا يكون القرب إلا مرحلة من مراحل الالتهام. قرب الجوار قرب لا يجوع. قرب الجوار حفاظ ورعاية لا استثمار واستغلال.


القومية الدينية والخصوصية الثقافية

إميل أمين – كاتب باحث مصري

على مشارف النصف الثاني من العقد الثالث للقرن الحادي والعشرين، هل يمضي عالَمنا قُدمًا في طريق العولمة الموعودة، أم إننا نشهد ردة عن ذلك التيار لصالح استدعاء الماضي، متمثلًا في عودة القوميات، وصحوة الشوفينيات، فضلًا عن بزوغ جديد للهويات الدينية، بما ينتج فكرًا دوغمائيًّا كان يُخيَّل للجميع أن العلمانية -بصيغتها المعتدلة أو المتشددة- قد طوته إلى غير رجعة؟

لا تبدو الإجابة عن هذا التساؤل يسيرة، لكن بعض الملامح والمعالم على درب الإنسانية السائرة والحائرة في العقد الأخير، تشي بأن هناك فجرًا جديدًا مغايرًا، يكاد يطل كالحريق من نافذة الأحداث الدولية، ويعكس فيما يبدو أفولًا واضحًا لسيرة ومسيرة العولمة. ولأن الولايات المتحدة الأميركية، لا تزال مالئة الدنيا وشاغلة الناس، لهذا فكرنا جديًّا في تقديم ما يجري هناك مثالًا على الاحتمالات الواردة لعالم مغاير في المدى الزمني المنظور.

دافيد بروكس ونهاية العولمة

في مطلع إبريل المنصرم، كتب المعلق الكندي الأصل دافيد بروكس في عموده الشهير في صحيفة النيويورك تايمز، عن مآلات العولمة. واستنتج -عبر مقال طويل- أن مسار العولمة يشهد تراجعًا ملحوظًا، بعد أن بدا في مطلع تسعينيات القرن المنصرم أن العالم يتجه نحو التلاقي، وأن نزاع الحرب الباردة بين الشيوعية والرأسمالية قد انتهى.

كانت الديمقراطية آنذاك لا تزال في طور النمو في أوربا الشرقية، فيما اتجهت دول العالم نحو ترابط اقتصادي واضح وملموس. كما بدت شبكة الإنترنت مستعدة لتعزيز الاتصالات في شتى أرجاء العالم، والتقارب الأممي يلف العالم كله، ولا سيما حول مجموعة من القيم، مثل: الحرية والمساواة والكرامة الفردية والتعددية وحقوق الإنسان.

أُطلق على عملية التقارب تلك اسم العولمة، وقد كانت في بدايتها عملية اقتصادية وثقافية تتعلق بتزايد التبادل التجاري والاستثمار بين البلدان، وانتشار التقنية، لكنها لاحقًا باتت عملية سياسية واجتماعية وأخلاقية.

يمكن لنا هنا أن نتساءل: هل كانت هذه رؤية متفائلة أكثر مما يحتمل الواقع؟

الحقيقة شبه المؤكدة حتى الساعة، هي أن رؤية العولمة بدت أقرب إلى النظرية المثالية منها إلى المشروع العملي، وبخاصة من جهة مراحل تطور التاريخ. فقد كانت رؤية للتقارب والتقدم، من غير جذور معرفية متينة تستند إلى الخصوصيات الثقافية والحقائق المجتمعية لكل أمة وشعب وقبيلة. ولهذا لم يشهد العالم تقاربًا حقيقيًّا بقدر ما انفتح على تشعبات وصراعات، تستند أساسًا إلى تلك الخصوصيات. وقد انزلقت هذه التناقضات لاحقًا إلى حروب ثقافية تشتد، ثم لا تلبث أن تتحول إلى مواجهات عسكرية.

بطرس غالي والعولمة المنتكسة

في مؤلفه الشائق «ديمقراطية العولمة»، أجرى الكاتب والصحافي المعروف «إيف برتولو»، حوارًا مع سكرتير عام الأمم المتحدة الراحل الدكتور بطرس بطرس غالي، كشف عن شخصية فكرية تقدمية ذات رؤية استشرافية أثبتت الأحداث اللاحقة صوابها. فقد رأى غالي في بواكير ظاهرة العولمة مسارًا ينذر بانتقال السلطة من الدولة الوطنية إلى جهاز عالمي جديد، أقرب إلى أممية جديدة أو حكومة عالمية غير معلنة. وميّز بين أنماط متعددة من العولمة، منها: عولمة الإشكاليات المحلية، وعولمة الأمراض والأوبئة، فضلًا عن عولمة الائتمان والإرهاب.

قبل أكثر من ربع قرن، أكد الدكتور بطرس غالي أننا نقف على عتبات عالم جديد يبشر بظهور قوى كبرى موازية للدول، قوى يميل بعضٌ إلى تسميتها «اللاعبون من غير الدول»، مثل: المنظمات الدولية غير الحكومية، والشركات متعددة الجنسيات، إضافة إلى جماعات الضغط المالية أو الدينية. وهناك أيضًا مراكز الفكر التي تقدم المشورة العالمية وتؤثر بعمق في مسارات السياسات وتبدّل أنماط السلوك. ومعنى ذلك أن صورة الدولة، التي نعرفها منذ خمسة قرون، تتغير ولم تعد هي اللاعب الوحيد في الملعب العالمي. فهل نكون بذلك أمام أفول مفهوم «القرية الكونية»، لعالم الاجتماع الكندي الشهير مارشال ماكلوهان؟

مراجعة واجبة للقرية الصغيرة

ولدت فكرة «القرية الكونية» في عام 1964م، بعد ملاحظة دور وسائل الإعلام وقتها، وقدرتها على وصل البشر عبر أرجاء الكرة الأرضية بالهاتف والبرق، ما حول الكرة الأرضية في تقدير ماكلوهان إلى قرية كونية عظيمة. في تلك القرية بات من الممكن للقرويين معرفة ما يفعله جيرانهم، عبر المذياع والتلفاز، وكيف يعيشون وما يقوله الآخرون عنهم. ومن الممكن لقروي من الغرب الأوسط الأميركي أن يرى ما يفعله نظيره في قرى هونغ كونغ، على حدود الصين أقصى الشرق. ولعله من نافلة القول هنا، أن لفظة قروي هنا لا تعني الفلاح الذي يحرث ويسقي ويزرع الأرض، وإنما هو المواطن العالمي، في قلب هذه القرية الكونية، أي عالمنا المعاصر.

لقد توقع ماكلوهان العولمة لا للأسواق فحسب، بل أيضًا للعادات وأساليب الحياة والاتصالات. وقد كانت توقعاته سابقة لظهور وسائط التواصل الاجتماعي التي تتيح اليوم التواصل مع العالم بأسره على مدار الساعة.

ويمكن للقارئ اليوم أن يتساءل: هل تحقق استشرف ماكلوهان؟ أم إن الواقع قد تجاوزه، في ظل تساؤلات بنيوية جذرية حول الحدود وأشكالها وماهيتها، والصراع حول التطورات البشرية والتكاثر السكاني الذي أفضى إلى موجات هجرة يراها بعضٌ مدمرة؟ يضاف إلى ذلك انبلاج فجر جديد لعالم الذكاء الاصطناعي والروبوتات التي يمكنها أن تُزِيحَ البشريةَ من وظائفهم، فيما يخشى بعضٌ من انقلابها على البشر، ليهيمن إنسان السايبورغ على الخليقة برمتها.

من ناحية، هل يمكن عد صحوة القومية المسيحية في الولايات المتحدة خلال إدارة الرئيس ترمب، مثالًا على الرغبة في الانسلاخ من تيار العولمة والعودة إلى دائرة البيوريتانيين، أي المهاجرين الأوربيين الأوائل إلى أميركا، الذين يعتقدون أن أميركا أمة لها خصوصياتها، أمة مختارة من الله لهدف محدد، وهو قيادة العالم وريادته؟

يعرف الباحثان أندرو وايتهياد وصموئيل بيري القومية المسيحية بأنها «إطار ثقافي، يعمل على تعزيز وتشجيع واندماج المسيحية مع الحياة المدنية الأميركية». ويبدو أن الولايات المتحدة اليوم تعيش حالة من الصحوة القومية الدينية، التي كانت تيارًا بارزًا في مطلع القرن التاسع عشر.

في مؤلفه «ابتكار أميركا المسيحية» الصادر عام 2015م، يشير الباحث القانوني الأميركي «ستيفن ك. غرين»، إلى أن ما تعيشه الولايات المتحدة الأميركية اليوم هو نوع من «الصحوة الدينية-القومية الثانية، وهي حركة إحياء إنجيلية بروتستانتية بلغت ذروتها في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، وكان هدفها الرئيس هو رؤية القيم الدينية تنعكس في ثقافة الأمة ومؤسساتها. على سبيل المثال، ذهب القس عزرا ستايلزايلي المشيخي من فيلادلفيا، إلى أبعد من ذلك عندما أخبر جماعته في عام 1828م أنه لا ينبغي انتخاب سوى القادة المعروفين بأنهم مسيحيون معلنون.

هل هذه هي حال أميركا اليوم؟

بحسب الباحث في الدراسات الدينية ريتشارد هيوز، فإن العديد من المشاركين في الصحوة الكبرى الثانية التي تعيشها أميركا هذه الأيام سعوا إلى تحويل الأمة إلى جمهورية مسيحية، ومن هنا يمكن القطع بأن الدوغمائية الدينية هي الرد الأميركي على العولمة.

لقد كان الدين سلاحًا ثقافيًّا مهمًّا وفاعلًا في زمن الحرب الباردة، وكما قال السيناتور جوزيف مكارثي: «مصير العالم رهن بالصراع بين إلحاد موسكو والروح المسيحية في أنحاء أخرى من العالم». هنا يبقى السؤال: من أي جانب تخشى أميركا اليوم، هل من روسيا أم الصين؟

ربما نستمع إلى رجع صدى لتفسير هنتنغتون للتاريخ المؤامراتي وتقسيم العالم تقسيمًا مانويًّا بين معسكرين إسلامي-كونفوشيوسي، في مقابل يهودي مسيحي. غير أن هذا الصدى ربما يتمثل بقوة وعمق في رؤية الفجر الذهبي الأميركي، الذي هو خليط من الصحوة الدينية القومية، والرجوع إلى الأنساق الثقافية والخصوصية الأميركية في مراحلها البكر.

عن الفجر الذهبي لكيفن روبرتس

يحتاج مفهوم الفجر الذهبي لأميركا إلى قراءات معمقة خاصة قائمة بذاتها، ولا سيما أن صاحب المفهوم، البروفيسور كيفن روبرتس، هو الرئيس التنفيذي لمؤسسة «إرث» أو التراث الأميركية، التي تعد القلب النابض لعقل إدارة الرئيس ترمب الحالية وفكرها. ولا نغالي إن قلنا: إنها الموقع والموضع الذي اختمرت فيه أفكار نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، بل أكثر من ذلك، إنها الجماعة الوظيفية التي عَبَّدَت الطريق أمامه للوصول إلى البيت الأبيض.

كيفن روبرتس، هو الابن الروحي البار لـ«راسل كيرك» (1918- 1994م)، المنظر السياسي الأميركي والأخلاقي، والمؤرخ والناقد الاجتماعي، الذي عُرف بتأثيره في السياسة المحافظة للولايات المتحدة في القرن العشرين.

في كتابه «العقل المحافظ»، الصادر عام 1953م، يرى راسل كيرك أن «الأميركي المحافظ مهتم قبل كل شيء بتجديد الروح والشخصية بالحقائق الخالدة». هذه الحقائق في تقدير كيفن روبرتس تفيد بحتمية تاريخية لتغيير مسار أميركا ليشرق عليها الفجر الذهبي من جديد، إشراقًا داخليًّا، لا يقيم وزنًا كبيرًا للعالم الخارجي ولا لنوازع العولمة أو نوازلها دفعة واحدة.

يرى روبرتس أن أميركا اليوم تعيش في ظل انهيار التكنوقراطية الليبرالية، وتقف على عتبات مرحلة جديدة، أو بالأحرى مرحلة قديمة جدًّا يسميها مرحلة «تجديد الجهوزية الأميركية»، حيث البلاد لا تستند إلى المصطلحات الإدارية أو التوجهات النيوليبرالية، بل إلى مبادئ النظام الأخلاقي، والحكم الذاتي، والهدف الوطني والكرامة الإنسانية.

روبرتس يرى أن ما تعيشه أميركا الآن هو عصر انقلاب مظلم، وأنه لعقود طوال بيعت لأميركا كذبة العولمة، كذبة مفادها أن النموذج الاقتصادي وحده كفيل بدعم الأمة، وأن الحرية لا تدوم إلا بالفضيلة، وأن الأسس الثقافية قابلة للتضحية ما دامت أسواق الأسهم ترتفع، والناتج المحلي الإجمالي يتصاعد. ويضيف: «قيل لنا: إن الحرية تعني التعبير عن الذات لا الحكم الذاتي، وأن السوق هو من سيربي أطفالنا، وإنه ما دامت التقارير الفصلية قوية، فالوطن قوي».

هل من خلاصة؟

مما لا شك فيه أن خطاب الخصوصيات الثقافية وظواهر القومية والشوفينية المستعادة من عقود سابقة، بات اليوم ينسحب على معظم بقاع الأرض. فالمشهد يحتاج إلى تناول صحوة السلافية الأرثوذكسية الروسية من جانب، وتعاظم المد الصيني بنسقه الكونفوشيوسي من جانب آخر، دون إغفال ما يجري في اليابان من انكفاء نحو الداخل، وعودة مسارات الإمبراطورية إلى الواجهة. أما في أوربا، فحدث ولا حرج عن صعود اليمين المتشدد المرتكز إلى الإرث القومي والعقائدي معًا. ولا يختلف المشهد في الشرق الأوسط أو إفريقيا السمراء، التي خلعت عنها مؤخرًا عباءة الوصاية الأوربية، فيما تمضي أميركا اللاتينية بدورها إلى البحث عن موقع مغاير لوضعية «الخلفية الجغرافية» للولايات المتحدة الأميركية.

فهل آن أوان غروب شمس العولمة؟ الأغلب أن الجواب بالإيجاب، وغدًا لناظره قريب.


هويات تعود من الظل:

العالم يتوحد… والثقافات تتمرد!

عبدالله بريمي – أكاديمي مغربي

تحوّل في المشهد الكوني

منذ تسعينيات القرن العشرين، رسّخت العولمة نفسها بوصفها النموذج المهيمن في تنظيم العلاقات الدولية، عبر تكريس خطاب الوحدة الاقتصادية والسياسية والثقافية، والدعوة إلى تجاوز الحدود الوطنية والخصوصيات المحلية نحو فضاء كوني متجانس. غير أنّ العقدين الأخيرين شهدا تراجعًا ملموسًا في هذا المشروع الكوني، مقابل بروز متنامٍ للخصوصيات الثقافية والهويات القومية، إلى حدّ دفع العديد من الباحثين إلى الحديث عن دخول العالم مرحلة «ما بعد العولمة»؛ إذ لم تعد العولمة مجرد فرصة للتبادل الثقافي، بل باتت يُنظر إليها، من طرف كثير من الشعوب، بوصفها تهديدًا للتمايز والخصوصية. ومن هنا برزت ظاهرة عودة الخصوصيات الثقافية والقومية بوصفها رد فعل على النزعة التوحيدية التي تسعى العولمة إلى فرضها(1).

هذا التحول لا يمكن اختزاله في كونه مجرّد رد فعل دفاعي من المجتمعات النامية المهددة بالذوبان في المنظومة الغربية، بل هو ظاهرة كونية كلية شملت حتى مراكز إنتاج العولمة ذاتها؛ إذ تشهد دول غربية صعود نزعات قومية متشددة، وإعادة الوصف للهويات المحلية، وعودة خطاب السيادة الوطنية، بما يكشف عن أزمة عميقة في أسس المشروع العولمي، سواء على المستوى الثقافي أو الاقتصادي أو السياسي. في السياق العربي، يكتسي هذا الموضوع أهمية خاصة؛ لأن المنطقة العربية تتأرجح بين رغبة في الانخراط في مسار التحديث والانفتاح، والحاجة المُلِحّة إلى الحفاظ على مكوناتها الهوياتية المميزة: الدين واللغة والتراث والذاكرة الوطنية.

إن هذه الدينامية الجديدة تطرح أسئلة معرفية ومعيارية حول مستقبل النظام العالمي: هل نحن بصدد نهاية حتمية للنموذج العولمي، أم بصدد إعادة تشكّل متوازن يزاوج بين العولمة والتعددية الثقافية؟ وهل يمكن صياغة نموذج بديل يقوم على الاعتراف المتبادل بالهويات واحترام التنوع، عوض منطق الإقصاء والهيمنة؟

في ضوء هذه الإشكالات، يسعى هذا المقال إلى دراسة صعود الخصوصيات الثقافية والقومية في عصر ما بعد العولمة، عبر تحليل سياقاته التاريخية، واستجلاء أبعاده النظرية والعملية، واستحضار نماذج تطبيقية من تجارب عربية متباينة. كما يستند إلى إسهامات عدد من المفكرين الذين قارَبوا علاقة العولمة بالهوية، بغية فهم أعمق للتحولات الجارية ورهاناتها المستقبلية

في مفاهيم العولمة والخصوصيات الثقافية والقومية

العولمة ظاهرة مركبة متعددة الأبعاد. فهي اقتصاديًّا تعني تحرير الأسواق، وتدويل رؤوس الأموال، وتفكيك الحدود الجمركية. وسياسيًّا تقوم على تراجع السيادة الوطنية أمام المؤسسات الدولية والشركات العابرة للقارات. أما ثقافيًّا فتسعى إلى فرض نموذج موحّد للأنماط الحياتية عبر الإعلام والتقنية وثقافة الاستهلاك(2).

الخصوصية الثقافية هي مجموع السمات الرمزية والمادية التي تميز جماعة بشرية من غيرها، وتشمل اللغة والعادات والتقاليد والفنون وأنماط العيش. إنها ليست مجرد «ماضٍ» منغلق، بل رأسمال رمزي يتجدد باستمرار في سياقات التفاعل مع الآخر. أما الخصوصية القومية فترتبط بـالهوية السياسية والسيادية لشعب ما في إطار قومي محدد. إنها تتجسد في اللغة الرسمية ومؤسسات الدولة والرموز الوطنية والذاكرة الجماعية المؤسسة للانتماء القومي. وهي تعمل على حماية الكيان الوطني من التفكك أو التبعية. هذه الخصوصيات تُعَدُّ رأسمالًا رمزيًّا يمنح الأفراد شعورًا بالهوية والانتماء.

العولمة والهوية: بين الذوبان والمقاومة

على المستوى الثقافي، لم تُعد العولمة مجرد انفتاح على العالم أو تبادل بين الثقافات، بل أصبحت -في نظر كثير من الباحثين والمفكرين- أداة لنشر أنماط تفكير وسلوك واستهلاك أحادية، تهيمن عليها الثقافة الأميركية بالدرجة الأولى. فالعولمة كما نراها اليوم، لا تمثّل فقط منظومة اقتصادية أو تقنية، بل أصبحت أشبه بـ«مرآة أميركية» تنعكس فيها قيم وأنماط العيش الأميركية، وتُعَمَّم عالميًّا على حساب الخصوصيات المحلية؛ سواء على مستوى اللغة أو الذاكرة الجماعية أو أنماط العيش أو حتى الذوق الفني والمعرفي. وهذا التغلغل لا يتم دائمًا بالقوة، بل غالبًا عبر الإبهار والتكرار والسهولة والتغليف التجاري الجذاب، وهو ما يجعل الثقافة المهيمنة مرغوبة و«مألوفة»، بينما يُنظر إلى الثقافة المحلية على أنها «قديمة» أو «غير عصرية».

في هذا السياق، تصبح الخصوصية الثقافية والقومية ضرورة إستراتيجية، لا مجرد ترف رمزي أو شعور نوستالجي بالماضي. إنها شكل من أشكال المقاومة الثقافية الناعمة، التي تسعى للحفاظ على التعدد والتنوع في وجه التماثل والتوحيد القسري. فالثقافات التي لا تُنتج ذاتها ولا تدافع عن رموزها، تصبح مهددة بالذوبان في ثقافة واحدة، تُفرَض عبر السوق والإعلام والتعليم واللغة(3). لقد نظر منظّرو العولمة إلى الهوية بوصفها عائقًا أمام التجانس الكوني، لكنّ ردود الأفعال الثقافية والسياسية أبرزت أنّ الهويات لا تذوب بسهولة، بل تعيد إنتاج ذاتها بآليات جديدة.

وهذا ما دفع مفكرين مثل: إدوارد سعيد ويورغن هابرماس وزيغمونت باومان(4) إلى إعادة التفكير في العلاقة بين الكوني والمحلي. ويمثل العالم العربي نموذجًا بارزًا لتفاعل الهويات المحلية والقومية مع ضغوط العولمة. وتتجلى هذه الخصوصيات في مستويات متعددة.

النموذج المغربي: تنوع الخصوصيات الثقافية في مواجهة العولمة

يشكل المغرب نموذجًا غنيًّا للتفاعل بين الخصوصية الثقافية والقومية من جهة، وتحديات العولمة من جهة أخرى. ففي بلد يتسم بتعدد روافده الحضارية -من الأمازيغية والعربية، إلى الحسانية والأندلسية والإفريقية- تبدو الهوية الثقافية مركبة ومتعددة الطبقات، لكنها في الوقت ذاته متوافقة ضمن إطار وطني مشترك. هذا التعدد لم يكن دائمًا معترفًا به رسميًّا، بل تطلب نضالًا ثقافيًّا واجتماعيًّا طويلًا من أجل التثبيت في السياسات العمومية والدستور(5).

يشكل إدماج اللغة الأمازيغية في دستور 2011م لحظة فارقة في هذا المسار، حيث لم يعد الحديث عن الأمازيغية مجرد مسألة لغوية أو مطلب حقوقي، بل أصبح اعترافًا مؤسساتيًّا بخصوصية لغوية وثقافية أساسية في بناء الهوية الوطنية. جاء هذا الترسيم بعد عقود من التهميش، ويُعدّ خطوة جريئة في مقاومة ما يُنظر إليه كـ«تهميش مزدوج»: داخلي من خلال السياسات المركزية التي أهملت التنوع وخارجي من خلال هيمنة اللغات الأجنبية، وبخاصة الفرنسية، التي فرضت نفسها منذ الاستعمار كلغة إدارة وثقافة، واستمرت لاحقًا كأداة من أدوات العولمة.

إن حضور الفرنسية والإنجليزية في الفضاء العام، وفي الإعلام والتعليم والاقتصاد، لا يُعد مجرد خيار تواصلي، بل هو امتداد لصراعات رمزية حول النفوذ الثقافي. ولذلك، فإن النقاشات التي تُثار باستمرار في المغرب حول التعريب والازدواجية اللغوية والتدريس باللغات الأجنبية، تعبّر عن قلق عميق من ذوبان الهوية اللغوية الوطنية وسط موجات العولمة المتسارعة. فالصراع اللغوي في المغرب ليس مجرد مسألة تقنية، بل هو صراع رمزي حول معاني الانتماء والسيادة الثقافية.

لكن في مواجهة هذا التحدي، اختار المغرب طريقًا مزدوجًا: الانفتاح على العالم مع تأكيد الخصوصية. فسياسات الدولة لم تقتصر على ترسيم الأمازيغية، بل امتدت إلى حماية التراث الثقافي غير المادي، مثل الموسيقا الأندلسية وفن كناوة، وفن أحيدوس وأحواش وفنون الحلقة والزوايا والأزياء التقليدية، والمهرجانات التراثية. وهذه العناصر، إلى جانب كونها مكونًا من مكونات الهوية، أصبحت اليوم أدوات فاعلة فيما يُعرف بـ«القوة الناعمة» المغربية، وتُستثمر في الدبلوماسية الثقافية والسياحة والعلاقات الدولية.

ففي المغرب، يُطرَح نموذج «الاستثناء المغربي» أو «الخصوصية المغربية» أو «تامغرابيت» بشكل متكرر في الخطاب الرسمي والإعلامي، الذي يؤكد تميز النموذج الاجتماعي والديني والسياسي المغربي عن محيطه وعن النماذج الغربية. هذا التوجه يعكس تحول الخصوصية من عنصر دفاع إلى عنصر استثمار: فبدل أن تُستخدم الخصوصية فقط درعًا ضد العولمة، أصبحت تُوظف بوصفها رافعة لتعزيز الحضور المغربي على الساحة العالمية. وهذا التحول يعكس وعيًا عميقًا بأن حماية الهوية لا تعني الانغلاق، بل تتطلب بناء مشروع ثقافي وطني متين، قادر على الصمود في وجه التيارات العالمية، دون أن يفقد جذوره.

النموذج المغربي يُظهر أن الخصوصية الثقافية والقومية ليست عائقًا أمام التقدم أو الانفتاح، بل هي شرطٌ لهما. والمجتمعات التي تعرف كيف تحافظ على تنوعها الداخلي، وتُعيد تأويله في سياق عالمي، تكون أكثر قدرة على التأقلم مع متغيرات العولمة، دون أن تذوب فيها.

الخصوصيات الثقافية في العالم العربي: تنوع يوحد

في هذا السياق، تشهد العديد من دول العالم العربي حركة متنامية للحفاظ على خصوصياتها الثقافية وإحياء تراثها وتسجيله رسميًّا لدى منظمة اليونسكو، في محاولة مزدوجة لحمايته من الزوال، والاعتراف به دوليًّا بوصفها جزءًا من التراث الإنساني المشترك. ويُعد هذا التوجه جزءًا من إستراتيجيات ثقافية واعية تهدف إلى تحصين الهوية في مواجهة التنميط والتوحيد الثقافي الذي تفرضه العولمة.

من أبرز الأمثلة على ذلك:

تسجيل «نخيل التمر» كتراث إنساني مشترك بين دول عربية عدة: الإمارات والسعودية وعمان ومصر وتونس… وغيرها. هذا التسجيل لا يكتفي بالاحتفاء الرمزي بالنخلة، بل يشمل أيضًا حماية المعارف الزراعية والممارسات التقليدية والطقوس الاجتماعية المرتبطة بها. فالنخلة ليست مجرد نبات، بل هي رمز للحياة في الصحراء، وعنصر مركزي في الاقتصاد والثقافة والمخيال الشعبي، بل في المعمار واللغة أيضًا. وقد شكّلت النخلة على مر العصور جسرًا بين الطبيعة والإنسان، وتجسد اليوم جزءًا من الكينونة الثقافية للمجتمعات العربية.

وكذلك تسجيل «الكسكس» طبقًا تراثيًّا مغاربيًّا مشتركًا بين المغرب والجزائر وتونس وموريتانيا وليبيا، يُعد مثالًا نموذجيًّا على كيفية انتقال الممارسات اليومية -مثل إعداد الطعام- من كونها عادات منزلية إلى رموز ثقافية كبرى تعبّر عن الانتماء والهوية الجماعية. فهذا الطبق لا يحمل فقط نكهات محلية، بل يحمل ذاكرة الأجيال، وتقنيات الطهي المتوارثة والعلاقات الاجتماعية التي تتشكل حول مائدة الطعام. وتسجيله تراثًا مشتركًا يُظهر أن الثقافة يمكن أن تكون عاملًا موحدًا بين الشعوب، حتى في ظل الخلافات السياسية.

الخصوصيات التراثية بوصفها قوة ناعمة

تزخر المجتمعات العربية بتراث غني ومتنوع يعكس تعدد الخصوصيات الثقافية من بلد إلى آخر، ويُعد هذا التنوع مصدر قوة حضارية، يمكن أن يتحول إلى وسيلة فعّالة لمقاومة طمس الهوية في عصر العولمة. فالخصوصيات الثقافية ليست مجرد ترف أو فُلكلور، بل هي بنية عميقة من القيم، والعادات والرموز واللغة والمعارف، تتوارثها الأجيال وتُشكّل الأساس الذي يُبنى عليه الوعي بالذات والانتماء الوطني.

ففي تونس، يُجسد «فن المالوف» بُعدًا تاريخيًّا وهوية موسيقية فريدة، لا تزال تُمارس في المحافل الثقافية وتُدرّس في المعاهد الموسيقية. أما في الجزائر، فإن «فن الراي» تطور من أغانٍ بدوية إلى موسيقا شبابية عالمية، وهو ما جعله نموذجًا على قدرة الثقافة المحلية على الانتشار العالمي دون أن تفقد جذورها. وفي لبنان، يُعَدّ «الزجل الشعبي» أداة شعرية شفوية تُوظف في السجالات العامة والأعراس وتُحافظ على اللهجات المحلية والذاكرة الشعبية. وفي منطقة الخليج، ما زال «الشعر النبطي» يحظى بمكانة مرموقة، حيث تُنظم له مسابقات شعبية وإعلامية، ويُنظر إليه بوصفه وسيلة لتوثيق التاريخ الشفهي والقيم البدوية. أما طقوس تحضير وتقديم القهوة العربية، فليست مجرد عادة يومية، بل هي جزء من منظومة رمزية متكاملة تعبّر عن الكرم والضيافة والشرف القبلي. وفي المغرب، لا يزال اللباس التقليدي مثل «القفطان والجلابة» حاضرًا في الحياة اليومية والمناسبات، ويُعبّر عن تنوع المناطق وثراء النسيج الاجتماعي والثقافي.

كل هذه الأيقونات تشكل رموزًا للمقاومة والصمود وجزء من معركة الهوية والذاكرة ضد محاولات التهميش أو المصادرة، فيما تُعد «العمارة النوبية» في جنوب مصر وشمال السودان نموذجًا على الإبداع المعماري البيئي الذي يُعبر عن الخصوصية الجغرافية والثقافية في آن. وتُظهر «رقصة الدبكة» في بلاد الشام كيف يمكن لفن جماعي بسيط أن يُشكل رافعة للهوية الجمعية؛ إذ توحّد خطواتها المنتظمة الأفراد في لحظة تناغم جسدي وروحي، وبخاصة في المناسبات الوطنية والاجتماعية. هذه الأمثلة لا تُعبّر فقط عن تنوع ثقافي، بل تكشف عن عمق الهويات العربية وتنوع روافدها الحضارية، كما تعكس قدرة المجتمعات العربية على الحفاظ على تراثها وإعادة إنتاجه، سواء من خلال المبادرات الفردية أو عبر سياسات الدولة التي بدأت، في بعض الدول، تولي اهتمامًا لتدوينه وإدماجه في المناهج التعليمية ودعمه في الفضاءات الإعلامية والثقافية.

ولا تقتصر أهمية هذه المبادرات على الحفاظ على الهوية الثقافية فحسب، بل تمتد إلى استخدام التراث أداةً للقوة الناعمة، تُعزز من حضور الدول العربية في الساحة الدولية. فحين تسجَّل عناصر من التراث ضمن قائمة التراث الإنساني، فإنها تتحول إلى جوازات سفر ثقافية، تُمكن الدول من الترويج لنفسها عبر السياحة الثقافية والمهرجانات الدولية والعلاقات الدبلوماسية.

وفي هذا الإطار، يُصبح التراث غير المادي ليس مجرد «ذاكرة ماضية»، بل مشروعًا مستقبليًّا، يُعاد إنتاجه وتكييفه وتقديمه للعالم بلغة معاصرة، دون أن يفقد جذوره. إن إحياء التراث غير المادي وتسجيله لدى المؤسسات الدولية لا يُعد فقط فعلًا من أفعال الحفظ، بل هو شكل من أشكال المقاومة الثقافية الذكية ضد التهميش والذوبان في ثقافة كونية مهيمنة. ومن خلال ذلك، تعبّر الشعوب العربية عن رغبتها في أن تكون جزءًا من العالم، دون أن تتخلى عن فرادتها وخصوصيتها. وفي زمنٍ باتت فيه الثقافات المحلية مهددة بالتحول إلى سلعة استهلاكية أو ذكرى من الماضي، يُعد التراث غير المادي دعامة أساسية لبناء هوية قوية ومتجددة.

يظهر من خلال هذا أن صعود الخصوصيات الثقافية والقومية في زمن ما بعد العولمة يعكس أزمة عميقة في النموذج الكوني الذي ساد منذ التسعينيات. هذه الخصوصيات ليست نقيضًا مطلقًا للعولمة، بل هي مؤشر على إعادة تشكّلها في اتجاه نموذج أكثر تعددية وتوازنًا. في العالم العربي، تتجلى هذه الخصوصيات في الدفاع عن اللغة وإحياء التراث والعودة إلى المرجعيات الدينية… وهي مظاهر تؤكد أن الهوية تظل عنصرًا مركزيًّا في صياغة أي مشروع عالمي جديد.

وعليه، فإن الرهان المستقبلي لا يكمن في نفي العولمة أو الانغلاق على الذات، بل في صياغة عولمة بديلة تقوم على الاعتراف المتبادل، واحترام الخصوصيات، وتكريس التنوع الثقافي شرطًا أساسيًّا للتعايش الإنساني(6).


العولمة والهوية الثقافية:

تجليات الماضي وتحديات الحاضر

ترجمة وإعداد: خولة يوسف سلمان – مترجمة سورية

تعد العولمة إحدى أبرز الظواهر التي طبعت العصر الحديث بطابعها، وهي عملية مركبة تتجاوز حدود الاقتصاد لتشمل الثقافة والسياسة والهوية. ومع أنها ليست وليدة القرن العشرين، فإن وتيرتها المتسارعة في العقود الأخيرة جعلتها في صميم النقاشات الأكاديمية والاجتماعية على حدّ سواء. ينظر إليها بعضهم بوصفها قوةً محرّرةً تقرّب الشعوب وتفتح آفاق التبادل المعرفي والاقتصادي، في حين يراها آخرون تهديدًا مباشرًا للخصوصيات الثقافية والهوية الوطنية.

ضمن هذا الإطار يسعى هذا المقال إلى استكشاف تأثير العولمة في الهوية الثقافية من زوايا متعدّدة، عبر تتبع جذورها التاريخية وفهم آلياتها. وسيتناول المقال دور الفنون بوصفها وعاءً للذاكرة الجماعية وأداةً لمقاومة طمس معالم الذات، ويركّز المقال على الموضة بوصفها مثالًا حيًّا على تفاعل المحلي مع العالمي في بناء سرديات الهوية الفردية والجماعية.

لقد اختلطت وامتزجت أدياننا وقصصنا ولغاتنا وأعرافنا كلها عبر التاريخ نتيجة للتنقل والتبادل. في تسعينيات القرن الماضي، سُلب جيلٌ كاملٌ وعيه التاريخي بحكاية مؤثرة وغير مسبوقة على ما يبدو. هذه القصة التي صيغت مع نهاية الحرب الباردة، أعلنت أن الحدود الحقيقية أو المُتخيّلة لم تعد موجودة بالشكل الذي كانت عليه في السابق. فلم يعد البشر محصورين في جغرافياتهم أو هوياتهم القديمة، بل سكنوا عالمًا جديدًا بدا كأنه منفصلٌ عن التطور الطبيعي للمجتمع البشري.

كان المفهوم المُختار لتصوير هذه اللحظة التحوّلية في تاريخ البشرية هو «العولمة».

دور الفنون الثقافية في تشكيل الهوية الوطنية

للفنون الثقافية تأثير بالغ في تشكيل الهوية الوطنية والتعبير عنها. فمن خلال الموسيقا والفنون البصرية والأدب والمسرح والرقص، تُسهم الفنون الثقافية في تعريف معنى الانتماء إلى أمة، وتشكيل الذاكرة الجماعية، وعكس قيم الشعب ونضالاته وانتصاراته. فكيف تسهم الفنون الثقافية في تشكيل الهوية الوطنية وما التحديات التي تواجهها في عالمٍ مُعولم؟

تتجذر الفنون الثقافية بعمق في تراث الأمة وتاريخها. فهي تُقدم تعبيرًا ملموسًا عن تقاليدها ومعتقداتها وقيمها، مُوفرةً منظورًا يُروى ويُحفظ من خلاله السرد الوطني.

التعبير عن السرديات التاريخية: يتشكل عددٌ من الهويات الوطنية من خلال أحداث تاريخية رئيسة، وغالبًا ما تُمثل الفنون الثقافية وسيلةً لتذكر هذه اللحظات وإعادة تفسيرها. على سبيل المثال، استخدم فنانو الجداريات المكسيكيون، مثل: دييغو ريفيرا وديفيد ألفارو سيكيروس، الجداريات العامة لسرد قصة التاريخ الثوري للمكسيك، مازجين التقاليد الأصلية بالرسائل السياسية الحديثة. وأصبحت هذه الجداريات رموزًا بارزة للهوية الوطنية المكسيكية، مُحتفيةً بتراثها العريق وروحها الثورية.

الاحتفاء بالممارسات التقليدية: تحتفي الفنون الثقافية أيضًا بالممارسات التقليدية التي تُحدد تراث الأمة. من الرقصات الشعبية والحرف اليدوية الأصلية إلى الموسيقا والمهرجانات الإقليمية، كما تؤدي هذه التعبيرات الثقافية دورًا حاسمًا في الحفاظ على تنوع هوية الأمة وثرائها. على سبيل المثال، ترتبط الهوية الوطنية اليابانية ارتباطًا وثيقًا بفنونها التقليدية، كفن الخط، واحتفالات الشاي، ومسرح النو. ولا تُعَدّ هذه الممارسات كنوزًا ثقافية فحسب، بل تُعَدّ أيضًا رموزًا لاستمرارية الأمة التاريخية وقيم الانضباط والدقة واحترام الطبيعة.

رموز الفخر الوطني: غالبًا ما تتضمن الفنون الثقافية رموزًا ترتبط بالفخر والهوية الوطنية. وتُعد الأعلام والأناشيد الوطنية والآثار تمثيلاتٍ بصريّةً وسمعيّةً قويةً لهوية البلد. فعلى سبيل المثال، يُعد برج إيفل أكثر من مجرد إنجاز معماري؛ فهو رمزٌ للابتكار والثقافة الفرنسية والتأثير العالمي. وبالمثل، تُجسد الأناشيد الوطنية، مثل نشيد «نكوسي سيكليل إفريكا» متعدد اللغات في جنوب إفريقيا، الجذور الثقافية المتنوعة للبلد وتطلعاته إلى الوحدة.

تأثير العولمة في الهوية الوطنية

في عالمٍ مُعولم، تتأثر الهويات الوطنية على نحو متزايد بالقوى الثقافية الخارجية، وهو ما يُشكّل تحدياتٍ وفرصًا في آنٍ واحدٍ للحفاظ على الفنون الثقافية وتطويرها.

التهجين الثقافي: أدّت العولمة إلى امتزاج العناصر الثقافية من مختلف أنحاء العالم، وهو ما أسفر عن أشكالٍ هجينةٍ من التعبير الفني تعكس التأثيرات المحلية والعالمية على حد سواء. يُمكن لهذا التهجين الثقافي أن يُثري الهوية الوطنية من خلال طرح وجهات نظر وأفكار جديدة مع الحفاظ على العناصر التقليدية. على سبيل المثال، امتزجت تأثيرات أنواع الموسيقا الغربية، كالجاز والهيب هوب، مع الإيقاعات الإفريقية التقليدية في دولٍ مثل نيجيريا وجنوب إفريقيا، وهو ما أدى إلى ظهور أنماط موسيقية فريدة عالمية ومحلية بشكلٍ واضح.

خطر التجانس الثقافي: في حين أن العولمة قد تُؤدي إلى التبادل الثقافي والابتكار، إلا أنها تُمثّل أيضًا خطر التجانس الثقافي، حيث تطغى الثقافات العالمية السائدة، وبخاصة التأثيرات الغربية، في التقاليد والهويات المحلية. ويُمكن أن يؤدي هذا إلى تآكل الممارسات الثقافية الفريدة وفقدان الهوية الوطنية؛ لذا استثمرت دولٌ عدّةٌ في جهود الحفاظ على التراث الثقافي، مثل برنامج اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي الذي يهدف إلى حماية وتعزيز الفنون والحرف والعروض التقليدية المهددة بالاندثار.

دور مجتمعات الشتات: تلعب مجتمعات الشتات دورًا مهمًّا في تشكيل الهوية الوطنية في عالم معولم. وغالبًا ما تعمل هذه المجتمعات بوصفها سفراء ثقافيين، حيث تحافظ على تراثها وتروّج له في الخارج، مع التكيف مع بيئاتها الجديدة. على سبيل المثال، ساهم الشتات الهندي في الولايات المتحدة في الشعبية العالمية لأفلام بوليوود، والمأكولات الهندية، والمهرجانات التقليدية مثل ديوالي، ودمج هذه العناصر مع الثقافات المحلية. وبهذه الطريقة، تساعد مجتمعات الشتات في الحفاظ على الهويات الوطنية وتطويرها في سياق عالمي.

مع استمرار تطور العالم، من المرجح أن يصبح دور الفنون الثقافية في تشكيل الهوية الوطنية أكثر تعقيدًا، متأثرًا بالتقدم التقني، والتحولات السياسية، والحركات العالمية الساعية إلى العدالة الاجتماعية.

الإعلام الرقمي والهوية الوطنية: صعود الإعلام الرقمي غيّر طريقة إنتاج الفنون الثقافية ومشاركتها واستهلاكها مُتيحًا فرصًا جديدة للدول للتعبير عن هويتها وتعزيزها، حيث سهّلت منصات التواصل الاجتماعي وخدمات البث والمعارض الفنية الإلكترونية على الفنانين الوصول إلى جماهير عالمية، وهو ما سمح بالانتشار السريع للرموز الوطنية والتعبيرات الثقافية. ومع ذلك، يثير هذا أيضًا تساؤلات حول ملكية السرديات الثقافية والتحكم فيها في العصر الرقمي.

الفنون الثقافية كأداة للعدالة الاجتماعية: في المستقبل، ستواصل الفنون الثقافية أداء دورٍ حاسمٍ في حركات العدالة الاجتماعية، ولا سيما في ظلّ تصدّي الدول لقضايا عدم المساواة والعنصرية والظلم التاريخي. وسيكون الفنانون والممارسون الثقافيون في طليعة هذه الحركات، مستخدمين أعمالهم لتحدي السرديات السائدة والدعوة إلى هويات وطنية أكثر شمولًا وإنصافًا.

الحفاظ على التراث الثقافي في مواجهة التغيير: مع مواجهة الدول لضغوط التحديث والتحضر وتغير المناخ، سيزداد الحفاظ على التراث الثقافي أهمية. وسيتعين على الحكومات والمؤسسات الثقافية والمجتمعات المحلية الاستثمار في الحفاظ على الفنون والحرف التقليدية، مع إيجاد سبلٍ لتكييف هذه الممارسات مع الحياة المعاصرة. ويتطلب ذلك توازنًا دقيقًا بين تكريم الماضي واحتضان المستقبل.

تقاطع الموضة والهوية: استكشاف السرديات الثقافية

في عالمٍ يتخذ فيه التعبير عن الذات أشكالًا لا تُحصى، تبرز الموضة كواحدة من أكثر الوسائط حيويةً وقوةً التي نعبّر من خلالها عن هوياتنا. من الأقمشة التي نختارها إلى الأنماط التي نعتمدها، غالبًا ما تروي ملابسنا قصةً تُشكلها خلفياتنا الثقافية وتجاربنا الشخصية وسياقاتنا الاجتماعية. وبينما نبحر في نسيجٍ مغزولٍ برواياتٍ متنوعة، نجد أن الموضة لا تقتصر على الجماليات فحسب؛ بل تعكس معتقداتنا وقيمنا وتطلعاتنا.

يؤدي التراث دورًا بارزًا في تشكيل خيارات الموضة المعاصرة، وغالبًا ما يكون بمنزلة جسر بين التراث والحداثة. يستلهم عددٌ من المصممين من خلفياتهم الثقافية، ويدمجون الأنماط والأقمشة والتقنيات التقليدية في الملابس المعاصرة. لا يُحيي هذا الاندماج الحرف اليدوية القديمة فحسب، بل يسمح أيضًا بالتعبير الشخصي، حيث يمكن للأفراد عرض جذورهم من خلال ملابسهم.

حاليًّا، لا تُعَدّ عناصر مثل الكيمونو أو الفساتين المطبوعة الإفريقية أو المنسوجات الأصلية خيارات أسلوبية فحسب، بل بيانات للتضامن والفخر. وهذا أدى إلى ظهور موجة جديدة من ماركات الأزياء التي تُولي الأولوية للشمولية والوعي بالأهمية الثقافية، مُتحديةً بذلك نموذج الموضة السريعة. ومن خلال الارتقاء بالأزياء التقليدية في السياقات الحديثة، تُمكّن هذه العلامات التجارية مرتديها من الاحتفاء بخلفياتهم مع التعامل مع تعقيدات المواطنة العالمية.

لقد ولّدَ تأثير العولمة في سرديات الموضة المحلية نسيجًا غنيًّا تتشابك فيه الأساليب التقليدية والاتجاهات الحديثة. ومع تواصل الثقافات من خلال التقنية والتجارة، ينكشف الحرفيون المحليون على حركات الموضة العالمية، وهو ما يدفع إلى حوار ديناميكي بين التراث والتأثيرات المعاصرة، كما أدى هذا التفاعل إلى ظهور هجينات فريدة تُكرّم الجماليات التقليدية مع تبني أفكار جديدة. على سبيل المثال، يدمج كثيرٌ من المصممين الآن المنسوجات المحلية في مجموعاتهم، وهو ما يسمح لهم بسرد قصص تراثهم الثقافي مع جذب جمهور عالمي. علاوة على ذلك، مكّنت سهولة الوصول إلى اتجاهات الموضة العالمية المصممين المحليين من تأكيد هويتهم على الساحة الدولية.

وهكذا يتضح أن الملابس أكثر بكثير من مجرد قماش أو أسلوب؛ إنها وسيلةٌ قويةٌ نعبر من خلالها عن هويتنا، ومن أين أتينا، والقصص التي نحملها؛ إذ يروي كل ثوبٍ قصةً تعكس السرديات الثقافية التي تشكل فهمنا لأنفسنا ومكانتنا في العالم. في مجتمع معولم، يفتح امتزاج تأثيرات الموضة المتنوعة آفاقًا جديدة للحوار والتفاهم، ويدعونا للاحتفال بالهويات متعددة الأوجه التي نجسدها. ومن خلال احتضان هذا التنوع وتعزيزه، فإننا لا نثري خزائن ملابسنا فحسب، بل نعزز أيضًا تقديرًا أعمق للقصص التي توحدنا وتميزنا. وبهذه الطريقة، تُصبح الموضة حليفًا قويًّا في رحلة اكتشاف الذات والتعبير عنها، مُشجعةً إيانا على احترام جذورنا والانطلاق بجرأة نحو مستقبلنا.


المصدر:

–  https://aeon.co/essays/there-are-no-pure-cultures-we-have-always-been-global

–  https://liveathefalcon.com/the-role-of-cultural-arts-in-shaping-national-identity/?utm_source=chatgpt.com

–  https://profashionmagazine.com/the-intersection-of-fashion-and-identity-exploring-cultural-narratives/?utm_source=chatgpt.com


هوامش:

(1) برهان غليون: العولمة وأثرها على المجتمعات العربية ورقة مقدمة إلى اجتماع خبراء اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربى آسيا حول «تأثير العولمة على الوضع الاجتماعي في المنطقة العربية»، بيروت، 2005م.

(2) Pierre de Senarclens:La mondialisation. théoriez, ejeux et débats, Armand Colin, 2000.

(3) Jean-Pierre Warnier: La mondialisation de la culture, La Découverte, 1999.

(4) Zygmunt Bauman :Le coût humain de la mondialisation, Hachette, 1999.

(5) محمد امسهيد: مظاهر الاحتفال في الثقافة الأمازيغية: بين الثراء الثقافي ورهان التدريس بالمغرب

https://www.democraticac.de/?p=101338

(6) محمد عابد الجابري: الهوية والثقافة: العولمة وما بعد الحداثة. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية. 2001م.

المنشورات ذات الصلة

السفر: الانكشاف والتجلي

السفر: الانكشاف والتجلي

السفر: تحقيق فلسفي يوليس باراتين - كاتب فرنسي - ترجمة: عبدالرحمن إكيدر - مترجم مغربي إذا كانت لديك رغبة مفهومة في...

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *