يعد الشاعر المصري عماد أبو صالح واحدًا من أبرز أصوات قصيدة النثر في مصر والعالم العربي في العقود الثلاثة الأخيرة. شكّلت تجربته مسارًا مُتفرّدًا في الكتابة الشعرية، بعيدًا من التيارات السائدة والتجريب المنمّق. كتب قصيدته كما يعيشها، بحسّ داخلي عميق، ينهل من اليومي والحميمي، ويصوغ من التفاصيل العابرة جوهرًا شعريًّا متماسكًا. جاءت تجربته أقرب إلى سيرة وجدانية طويلة، تتنقّل بين الحزن والتأمل والسخرية، وتفتح بابًا على مساحة خاصة من التعبير المجرّد من الزخرفة.
في كل ديوان قدّمه، ظهر صوته واضحًا، مخلصًا لما يكتبه، متأنٍّ في اختياره للغة والإيقاع والمفردات، حافظ على خطّه الشعري من دون انقطاع، وظلّ ينقّب في الحياة اليومية عن المعنى، وفي اللغة البسيطة عن الدهشة؛ حتى أصبح من الأسماء التي يصعب تجاوزها في مشهد الشعر العربي.
التواطؤ على البساطة
ينتمي عماد أبو صالح (من مواليد المنصورة- 1967م)، إلى سلالة من الشعراء اختاروا الظلّ دربًا، وانشغلوا بفهم العتمة أكثر من البحث عن الضوء. لم يتعامل مع الكتابة كمهنة أو مشروع شخصي، وإنما عدَّها امتدادًا لرؤيته في الحياة. رسم أغلفة دواوينه بيده، بخطوط طفولية أحيانًا وعنيفة أحيانًا أخرى، كأنّ الرسم طريقة موازية للتعبير، وكأنّ الشعر يحتاج إلى صورة مرسومة ليكتمل. هذا المزج بين الكلمة والصورة يخلق امتدادًا بصريًّا للقصيدة، ويمنحها بعدًا خاصًّا يصعب حصره في تصنيف معيّن.
يمثل صدور أعماله الشعرية الكاملة في مجلّدٍ واحد لحظة فارقة في تجربة تمتد لثلاثة عقود، منذ مجموعته الأولى «أمور منتهية أصلًا (1995م)»، حيثُ يواصل أداءه الشعري بهدوء حذر، كما لو أن الصمت يشتدّ من شدّة القول.
في مجلد «أشعار»، الصادر حديثًا عن دار ديوان في القاهرة (2025م)، تتجاوز المجموعات الثماني مثل سلسلة من الاعترافات الصغيرة؛ إذ تتكرر بعض المفردات، وتعود ثيمات بعينها، وتتراكم مشاعر من نوع خاص: خوف داخلي، سخرية هادئة، ويأس شفيف.
قصائد أبو صالح منذ البداية لم تكن موجهة للجمهور المعتاد على البلاغة، اقتربت من الناس العاديين بنوع من التواطؤ على البساطة، فجاءت الجمل قصيرة، والمفردات مألوفة، والأفكار شبيهة بما يمرّ في رؤوسنا في أثناء الانتظار أو عند الانتباه لحزن غامض. تشبه قصيدته لحظة اكتشاف، وتشبه اللقاء الأول بشيء مألوف لكنه غائب، كأنّ الشاعر يعيد تقديم العادي وكأنه يحدث للمرة الأولى، يقول: «هلال/ يبكي وحيدًا/ في الليل/ (النجوم دموعه) / مرعوب/ من أن يصير قمرًا/ لأن/ الذي يكتمل/ ينتهي».
هذا المقطع نموذج مكثّف لأسلوبه، حيثُ يستخدم المجاز للوصول إلى المعنى بطريقةٍ غير مباشرة. المفردات مألوفة، لكن التركيب يجعلها أكثر غرابة. القصيدة تعتمد على الإيحاء، ويتجلّى جمالها في اقتصادها اللغوي.

الاقتراب من روح الحكمة
يمتلك أبو صالح قدرة نادرة على منح التفصيل العابر معنى مكثفًا، يفعل ذلك عبر تكثيف شِعري يقترب من روح الحكمة. تقترض قصيدته من الموروث الشفهي شيئًا من بلاغة الأمثال، ومن تجارب الفلاسفة شيئًا من هدوء التأمل. يظهر هذا في بناء الجملة، وفي تنقل النص بين العبارات كما لو أنه يتنفس من سطر إلى سطر.
يظهر في مُجمل قصائده اتساع التجربة وتراكمها، مع احتفاظها بنبرتها الأولى. في كل مجموعة، تبقى الروح ذاتها حاضرة، تلك التي ترى في الكتابة وسيلة للبقاء، وفي الشِّعر مرآة مكسورة وصادقة. على امتداد دواوينه الثمانية، يتغيّر الزمن من حوله، ويظل يكتب من المكان نفسه، ومن الخوف ذاته، ومن الحب الملتبس ذاته؛ حتى الثورة، حين تمرّ في قصيدته، لا تبدو صاخبة، إنما تظهر كحلم غريب، يُراقبه من بعيد من دون احتفال أو رثاء.
تستند قصيدة أبو صالح إلى الاقتصاد والتلميح والتكثيف. الجملة تبدو ناقصة أحيانًا، لكنها تكتمل في ذهن القارئ. هذا الأسلوب يقترب من شذرات الفلسفة، ومن تراتيل الحزن الداخلي. يتحول الخطأ إلى فضيلة، كما في «جمال كافر (2005م)»، ويتحول الخوف إلى وسيلة للرؤية، كما في «أنا خائف (1998م)»، ويغدو الظلام مكانًا للراحة. في هذا الانقلاب للمفاهيم، تكتسب القصيدة طابعًا مضادًّا للسائد، لكنها تفعل ذلك دون صخب.
في مجموعته الأحدث «كان نائمًا حين قامت الثورة» (2015م)، يواصل هذا المسار، حيثُ تتداخل ثيمات الثورة، الحرية، الحب، الفقد، والشِّعر، من خلال مرآة خافتة. تتعالى أصوات الشك، وتتراجع مسلمات اليقين، وتظهر السخرية كوسيلة للتأمل العميق. العناوين نفسها تترك أثرًا صادمًا: «مديح الظلام»، «مديح الخطأ»، «ذم الحب»، «ذم الثورة». هذا التناقض في التسمية يفضح هشاشة المعاني المطلقة، ويقترح قراءة مختلفة للأشياء.
تغذّي هذه السخرية إحساسًا خفيفًا بالعبث، ونوعًا من التديّن الداخلي تجاه اللغة. يتجنّب الجمل الطويلة، ويتجنّب الرنين العالي. يترك للكلمة حرية العمل، كما لو أن الشاعر مجرّد وسيط لما يحدث في الداخل. حين يكتب عن الثورة، لا يظهر كمثقف يُحلل، إنما كشاهد مرتبك. يعترف في العنوان أنه كان نائمًا، لكنه في القصائد يفتح عينيه على عالم تغيّر بهدوء، عالم يجمع خساراته في حقيبة شفافة، ويواصل السير.
نافذة على الذات
قصائد عماد أبو صالح لا تنشغل بصناعة مجد أدبي، ولا تطرح نفسها بوصفها مشروعًا متكاملًا، ولا تنتمي إلى مدرسة بعينها. تكتفي بأنها تفتح نافذة صغيرة على ذات قلقة، تحاول فهم ما يجري حولها دون أن تدّعي أي يقين، وتضع يدها على تفاصيل معطوبة دون أن تبحث عن حلول. هو شاعر الظل والحافَة، الذي يصنع من المفردة المهملة قصيدة تسكن في القلب.
مجلّد «أشعار» توثيق لمسيرة حياة، وخريطة لعالم داخلي هشّ، حيثُ يكتب الشاعر من الهامش، ويمنح قصيدته شكل الغيم: حرّة، خفيفة، لا يمكن القبض عليها. شعر عماد أبو صالح يشبه صمته، ويشبه خفّته، هادئًا ومدهشًا في آنٍ واحدٍ، ويكفي أنّه يبقى.
0 تعليق