لا يبدو الفضاء السردي في مجموعة «النُّباح الأخير»، للكاتب والروائي الأردني مفلح العدوان، مُكتفيًا بالإحالة إلى التاريخ، بقدر ما يطمح إلى تجاوزه؛ تارةً بمساءلته وأخرى باستنطاقه. يمدّ السارد جسور التخييل نحو مجاهله الزمنية الغابرة، فلا يعود الماضي مادة خامًا تُستعاد، بل بنية حيّة تتعرض للتفكيك والتأويل والبعث. في تلك البنية يستدعي الكاتب الغائب والمنسي، متخذًا من الامتداد التاريخي للمكان الأردني القديم، بجغرافيته وتضاريسه، وأساطيره وإرثه الحضاري، مسرحًا للتأمل في سؤال المصير: «ما الذي حدث؟» أو ربما: «ما الذي لم يحدث؟ ولماذا لم يحدث؟»
وعلى الرغم من أن الحمولة التاريخية والتراثية تؤطر عالم المجموعة القصصية، فإن الكاتب الأردني لا يكتفي باستدعاء الموروث الديني، بل يُعيد تشكيله داخل عالمه السردي الخاص، فيتحوّل الخروج من المكان القديم إلى «بحث» عن ذات هائمة، وحكاية ناقصة ربما غيّبها السُّبات الطويل وتعاقب الليل والنهار. يؤسس مفلح العدوان لهذا المسار منذ القصة الأولى «النُّباح الأخير»، التي تُشكّل العتبة الأكثر رمزية في المجموعة، وفيها يعود «يمليخا»، أحد رجال أهل الكهف، من نومه الطويل مع كلبه «قطمير»، مُتكئًا على شظايا ذاكرته، لا ليُخبر الناس بما حدث، بل بحثًا عن فرصة جديدة للحياة. لكن المدينة الجديدة تُلاحقه بأسئلتها، وتُحاصره بفضولها، فتراه في أعينها مجرد «ممسوس» غريب، أو شبح لحضور أول لم يعد يُدرك، فيما هو يبحث عن مدينته «فيلادلفيا» (أحد أسماء عمّان القديمة)، بينما يتبعه رجال شرطة ومترجم، وحشود يستقلّون الحافلات خلفه نحو «الرقيم»، مدفوعين بفضول الحكاية: «كانت المدينة كلها تتابع تكملة القصة، وأخبار أهل الكهف في صحوتهم الجديدة».
بهذا المنطق يصير الموت نجاةً، والحياة إهانة لا خلاصًا، وتبلغ القصة ذروتها الفانتازية حين يتبادل أهل الكهف الموقع مع الزائرين الجدد، الذين يغلبهم النعاس داخله، فيتجدد السُّبات من جديد، وكأن الحكاية لا تكتمل، بل تسقط في هُوّة من التكرار والغياب، حيث لا أحد يعرف من الذي استيقظ حقًّا، ومن الذي لا يزال نائمًا، على نحو يُصغي فيه القارئ لنباح «قطمير» كصدى لقول الشاعر المصري عماد أبو صالح «كلب ينبح لا لأي شيء إلا ليقتل الوقت»، فيغدو النباح في هذه القصة فعلًا يائسًا؛ ينبح ليملأ الفراغ، أو ليكسر صمتًا لم يعد يُحتمل.
فنون التنقيب
تتجاوز المجموعة حدود التخييل التاريخي؛ لتقدّم مشروعًا سرديًّا ينهل من التراث من دون أن يقع في أسره، بل يُعيد تدويره لمساءلة العلاقة بين النص والسلطة، والذاكرة والنسيان. هذا التفاعل الحيّ بين الحكاية والمكان يمنح النص بُعدًا وجوديًّا، يجعل من الحفر في الطبقات الأثرية واللغوية محاولة لفهم الذات المُعاصرة، وكأن الماضي يُستعاد لا ليُؤرخ، بل ليُقاوم.
ويجترح السرد من فنون التنقيب وسائل للنبش في الحكايات المطمورة وراء الجدران، فتُحرّر النقوش الحكايات، أو بالمنطق الذي يعبر عنه بطل إحدى القصص: «القصة أكبر من جدار وفسيفساء»، فالركون إلى القصص الموروثة لا ينغلق على حدود الحكاية، بل يفتح مسارات لمصاير انقطعت عند لحظة الرواية الرسمية، يرغب الكاتب في استئنافها.

مفلح العدوان
الراوي في قصة «بُرج الناقة» يقوده النقش الحجري والحروف الثمودية إلى بكاء صامت، يقف متأملًا ذاته الشعرية، كأنه يستنطق طاقة إنسانية وسط هدر التاريخ: «أخلط الألوان رملًا وصخرًا، نورًا وخمرًا، فتتنازعني غواية التشكيل، بينما جنية النحت دومًا تسكنني». يتماهى الراوي مع رسمة ناقة على حجر، ويتخذ من اسم الجبل اسمًا له، فيُصبح اسمه كما الجبل: «رَم»، في تماهي رمزي تخلقه المجموعة بين أبطالها وذوات المكان وهويتهم الواحدة.
وتمتد تلك الحالة من التوحّد في قصة «أيقونات مبتورة الرأس»، فنرى الرسوم «تشتكي الأسر»، و«النقوش تتمرّد»، ويتحالف البطل مع رسوم الجدران في مدينة «ميفعة» القديمة، وكأنه في مهمة لتحرير رهائن سُجنوا داخل ذاكرة محنّطة، وتبدو القصة مسكونة بسوريالية عالية، حيث تُؤنسَن الرسوم وتُبعث من سُباتها تعبيرًا عن الضجر من قرون الهجر: «الحجر يضجر من سكونه»، و«الرسم الصامت يتململ».
يمرّ البطل على فسيفساء دينية كانت تملأ الكنائس، لكنها تحوّلت إلى بقايا مشوّهة، أيقونات بلا رؤوس، ورسوم شُوهت عمدًا، كما لو أن الذاكرة نفسها قد انتُزعت بيد غاشمة، نراه يُحرّر «غزالًا» يسكن حجرًا، بعدما يرتبط به وجدانيًّا: «تابعته منذ كان رسمًا على الجدار»، ويغادر الغزال ومعه سرب من العصافير التي كانت نقوشًا هي الأخرى: «فرحت بتحررها من الكابوس». تلوح هذه الكائنات كأنها ناجية من المجزرة التي أطاحت برؤوس الأيقونات، وكأننا أمام فن «تحريك» لرسوم صامتة تمهيدًا لإطلاقها صوب أفق جديد.
ويبدو السارد الذي يتبع «الغزال» وطائر «الفينق» وسرب العصافير، وكأنه يستسلم لحدس بريّ يعلم شيئًا فادحًا مسكوتًا عنه، لا يزال يُهدد بدمار جديد تحت وطأة التطرف والجهل.
هيكل معرفي
ولا تكتفي مجموعة «النباح الأخير» بإعادة تشكيل المكان الأردني في متنها السردي، بل تصحب القارئ إلى هوامش دقيقة تُضيء الخلفية التاريخية والجغرافية للمكان. تظهر تلك الهوامش في صورة تعليقات توضيحية ذُيّلت بها بعض الصفحات، توضّح -على سبيل المثال- موقع مدينة «الرقيم»، وتُفرّق بين سياقات تاريخية لأماكن مثل «ديكابولس» و«فيلادلفيا»، وتشرح السياق الأثري لمدينة «ميفعة» وكنائسها وفسيفسائها. نقرأ في أحد الهوامش:
«لوحات الفسيفساء تعرّضت في ميفعة للتشويه والتخريب في مراحل من تاريخ المدينة؛ بسبب فتاوى دينية وحروب طائفية، بترت الكثير من رؤوس الرسومات المجسّدة في اللوحات الفنية».
تمنح هذه الهوامش العمل هيكلًا معرفيًّا، وتقترح أن الأسطورة ليست منبتّة الصلة عن المكان، بل منغرسة فيه ومتكاملة معه، فالحكاية لا تُروى بالكامل من دون استعادة طبقات الأرض التي خرجت منها؛ فحين نقرأ عن «الرقيم» بوصفه الموقع المحتمل لأهل الكهف، أو عن «ميفعة» كمدينة أثرية أُدرجت على قائمة التراث العالمي، وعن وادي «رَم»، والزرقاء، والبحر الميت، فإن القارئ يجد نفسه أمام نص ينبش الأطلال بوصفها شواهد على قصة لم تكتمل. وهكذا، تنفتح بوابة النص على سؤال الهوية والمصير والذاكرة، ويغدو النص محمَّلًا بطاقة حوارية مع التاريخ، لا تنفصل عن مأزق الحاضر، ولا عن سؤال: «من نحن، وكيف وصلنا إلى هنا؟».
لا تبدو اللغة في المجموعة منزوعة عن السياق الديني والثقافي، بل تنهل منه وتستدرج تنويعاته، ولا سيما اللفظ القرآني: «سنين عددًا»، «بنيان مرصوص»، وغيرهما من التعبيرات التي يخلق معها الكاتب تناصًّا حيًّا داخل عالمه المأخوذ بفتنة المكان القديم.
وتُروى معظم قصص المجموعة بصيغة ضمير المتكلم، حيث يكون السارِد دومًا في موقع الباحث، أو بالأحرى «المُخلّص»، سواء كان من حملة النبوءات أو أعزل، مأخوذًا بالكامل بسؤال المصير، ومُلتحمًا بطبقات المدينة التي تظهر في المجموعة وكأنها كائن حيّ يشعر وينهار ويجزع. يقول على لسان أحد أبطاله الحائرين:
«عجيبة تلك الأماكن القديمة، تُغيّر أسماءها وكأنها خائفة من شيء يتعقبها، تتخفى خلف أسماء جديدة». وفي قصة «شهادة وفاة»، يتفقد البطل خلال طريقه إلى «البحر الميت» آثار ما تبقى من قُرى «لوط»، فيلفت نظره تمثال ملحي ينظر إليه ساهمًا، فيتساءل قبل أن يُغادر: «هل أتركه وحيدًا؟».
وهكذا تفيض قصص المجموعة بشاعِرية مدهشة حِيال العالم المكاني، الذي يبدو كأنه تشظٍّ لتاريخ وبطل واحد، كما لو أنه آخر من تبقّى ليكتب ما حدث قبل أن يُطوى كل شيء؛ صوت وحيد يقول بلسان أحد أبطال المجموعة: «أضاعوني ذات زمن فبقيت منسيًّا هنا».
0 تعليق