الصامت يحكي والمتكلم يصمت إلى الأبد، هل هذا ما تقوله رواية «جنازة واحدة لموت كثير»؟ الرواية الفائزة بمنحة مفردات للكاتبة سهير السمان وصدرت هذا العام 2025م عن الدار المصرية اللبنانية. عندما نقرأ أي نص قراءة فاحصة لا شك أن ذلك سيقودنا إلى معرفة خصائصه وسماته، فالنص هو الذي يشدك ويدل أدواتك وآلياتك إلى المعنى. النص هو الذي يقترح الطريقة التي تتعامل بها معه، وإذا حاولت أن تفرض عليه قراءتك لن يقبل. وفي أكثر الحالات المشابهة سيسعى النص نفسه إلى مطالبتك بألا تستفزه أو تلوي عنقه، وببساطة إذا ما حاولت ذلك سيجعلك تبدو عاجزًا أمام نفسك، وحدث هذا معي حين قرأت هذه الرواية؛ إذ تساءلت ما نوع هذه الرواية وعلى ماذا تتكئ، أهي تاريخية؟ لأنها ذكرت تواريخ عن أحداث عصفت باليمن الحديث!! أم إنها اجتماعية واقعية أم خيالية أم إنها أيديولوجية بسبب تعرضها للصراعات والوقائع الدامية التي انهالت من بين سطور الرواية، كما لو أنك تشاهد فِلمًا سينمائيًّا عنيفًا. أم إنها نسوية بحكم أن كاتبتها امرأة وأحداثها تعبر عن ذلك؟
تعرف النسوية بأنها «مجموعة من التصورات الفكرية والفلسفية التي تسعى إلى فهم جذور وأسباب التفرقة بين الرجال والنساء وذلك بهدف تحسين أوضاعهن». تتوافق صورة الغلاف مع مضمون الرواية وقرار السفر الذي بنت الرواية عليه «صورة النسوية»، فالمرأة التي عزمت على أن تستقل برأيها، تشد حقيبتها، مخلفة وراءها دفء البيت.

سهير السمان
احتوت الرواية على عدد من التقنيات الفنية، ولكن أهمها ما يمكن أن أسميه تقنية «التكثيف الحكائي» والسيطرة على الأحداث، وأهم ما في تقنية التكثيف أنها اعتمدت على تقنية الظهور والاختفاء. بمعنى أن هناك شخصيات معلنة وشخصيات مستترة استدعتها الساردة:
تقنية الظهور اعتمدت على شخصيتين رئيستين قام عليهما السرد كله، والمدهش أن أحدهما حيّ والآخر ميت. وتقنية الاختفاء اعتمدت على عدد من الشخصيات التي التقطت من الظلال، عبر تقنية الفلاش باك.
أما المكان فهو الخانة الخلفية لسيارة نقل الموتى والزمان ثابت ومتحرك. الثابت هو زمن ليلة واحدة تنفتح على تاريخ طويل من التحولات العنيفة؛ يختلط فيها السياسي بالاجتماعي مع إبراز تواريخ الحروب اليمنية بدءًا من أحداث يناير 1986م. وهذا العمل يذكرنا برواية «الشيخ والبحر» وليلتها البحرية التي قضاها سنتياغو من أجل هيكل سمكة قرش عملاقة.
وهنا يمكنني أن أقول: إن التقنيات الفنية تختلط بحرفية حادة مع التقنيات الثقافية، ففي إشارات متقطعة أوردت الساردة التاريخ الرسمي بنكهة نسوية، لكنها وظفته بما يخدم تطور الحكي من دون أن تتوازى معه، بل تقاطعت لتحافظ على هوية النص السردية الأنثوية واللغوية. كان لا بد أن تتقاطع الأحداث الكبرى التي مرت بها اليمن، مع التفاصيل الصغيرة التي حدثت للمواطن البسيط، لتكتمل الصورة الحقيقية لما حدث في البلد؛ ليرى الجميع صورتهم في رواية واحدة، ويرى الرجل ماذا فعل بالمرأة، وترى المرأة لا أقول صمتها وثورتها، وإنما الكيفية التي لا بد أن تعالج بها الأوضاع.
فالساردة المعلنة أوردت الثقافة النسوية في إشارات متقطعة مع الساردة التاريخية.
الفكرة «الحب مقابل الحرب»
تقوم فكرة الرواية على بطلة واحدة لا اسم لها لعلها اليمن، هذه المرأة تبحث عن الحب فلا تجده، بعد سنوات من الزواج طلقها زوجها ليبقى وحيدًا وهي كذلك. وحين يموت في منزله الواقع في الحارة نفسها التي تعيش فيها المرأة، تقرر الأخيرة السفر مع جثمانه في لحظة حنين إلى أيام زواجهما الذي كان ينقصه الحب.
إن المرأة التي صمتت 25 عامًا هي عمر الزواج والطلاق، ها هي اليوم أمام الجنازة تنظر إليها، وهي في الحقيقة تنظر إلى مأساة وطن، خارطة وطن «حتى اليمن شكلها تابوتي»، تابوتها يرقد بأريحية على البحر الأحمر وخليج عدن والبحر العربي، تقول: «أجد نفسي الآن في تشييع جنازة الوطن المنكوب بجراحه القديمة جنازة سبقتها وستلحقها جنائز كثيرة…». يا للكارثة! وطن داخل جنازة ومحمول على سيارة نقل موتى.. وطن على شكل جرح نازف تسبب في موته هؤلاء الذين يتقاطرون في النقاط العسكرية، ويبحثون عن هويته وهم من قتله، إنها صورة إشهارية فمن لم يشاهد اليمن وهي تموت، فلْيُشاهِدْها الآن وهي جثة تنتظر الدفن، ها نحن نوضح لهم الأمر، نستعرض أمامهم المأساة لكنهم يشيحون بأنظارهم بعيدًا.
سوف يكشف لنا النص أن البطلة محاطة بسلطات كثيرة، فغير سلطة الأم التي اعترضت على سفرها مع جثة زوجها السابق، هناك شقيقها وسلطة زوجها قبل التابوت، تاريخه معها؛ إضافة إلى سلطة المجتمع. لكي تسافر كان لا بد أن ترتدي العباءة. الجميع اندهش من قرارها السفر مع الجثمان. بررت لأمها بالقرابة التي بينهم، فالميت ابن عمتها، لترد الأم «الناس هنا لا تعترف بهذا، لا عِشْرة ولا دم، عيب عليك تضعينا في موقف محرج، فأنتما منفصلان منذ سنين». عزز ذلك الصخب صوت أخيها الكبير: اخلعي العباءة واجلسي من غير كلام كثير». ومن هنا يبدأ الصامت «التابع» ينهض؛ احتجت بالبكاء والرفض إلى أن وصل صوتها إلى جارتهم، التي قالت: إنهم قد يحتاجون إلى وجودها في النقاط المتقاطرة على الطريق، الرابطة بين صنعاء وعدن؛ لأن الأوضاع الأمنية لا تسر، وسوف يكون التبرير دائمًا أنها زوجته.
سلسلة من الأحداث سوف ترويها البطلة، غير تواريخ الحروب والنقاط العسكرية وانعكاسات ذلك على المجتمع في الحارة، فثمة حيثيات هي التي أوصلت الأوضاع إلى ما أصبحت عليه، ولعل ذلك يتعلق بخفوت صوت المرأة التي غُيِّبَتْ من الأحداث الكبيرة في البلد؛ لذلك فإن هذه الحيثيات تتعلق بالثيمة الرئيسة التي يبحث عنها هذا العمل الروائي، ثيمة الحب وهي فكرة مشروعة خاصة في مجتمع تزداد فيه الحروب وتتكاثر، تقول: «ما كان يقلقني أكثر من الحرب صمته الغاضب، عيناه الغائمتان، وفكاه المتشنجتان بشكل دائم». المرأة لا يقلقها إلا غياب الحب والمحبة في حياتها، ومجتمعها.
وجهة نظر
أزعم أن في الرواية وجهة نظر نسوية، تتكئ على المخزون الجمالي الأنثوي، الذي فُطِرَت عليه المرأة خاصة، فـ« النسويات بعامة يعتقدن أن الجندر ليس بناءً اجتماعيًّا فقط، بل هو نظام اجتماعي أيضًا يشمل مختلف المجتمعات، وعلى نحو متفاوت، فجميع المجتمعات تعامل الجنسين بصورة تمييزية ولكن بدرجات متفاوتة، ومن ثم فإن الجندر، وفي سبيل التخلص من قدرية الوضع البيولوجي بصورة جذرية، سوف يتعامل مع الاختلاف البيولوجي من زاوية كونه نتاج التنشئة الاجتماعية والبيئة الثقافية والاجتماعية التي يتحكم فيها الرجل، فالجندر يقبل الاختلاف البيولوجي غير أنه يرفض الآثار الاجتماعية المترتبة عليه». هكذا يرى رعد عبدالجليل، في النظرية النسوية السياسية. ووفق ذلك فإن ما تحاوله الرواية من وجهة نظر نسوية هو أنها ترفض الحرب تمامًا، تقول: «كل واحد يفسر خوفه بطريقته، فخوف أمي هو ألا نجد المواد الغذائية الضرورية، كما هي حال معظم الناس… أما أنا فخوفي أن أفقد الحب، ألا أجده في أعين من حولي، أخاف أن تقضي الحرب على ما تبقى منه، الحب الذي ملأ يومًا منافذ الطرق وهي تفتح لاستقبال وطن جديد». وسوف ندرك ذلك حين نقرأ على غلاف الرواية الأخير «لقد كان الحب هو ما كنت أحتاجه وشعرت به في هذا المنزل حين ضمّنا جميعًا».
0 تعليق