في روايته «الحياة ليست رواية»، يضعنا الروائي عبده وازن أمام لعبة سردية مراوغة، استدعى من خلالها القارئ؛ ليؤدي وظيفة مفارقة، وغير مألوفة في سردياتنا العربية. القارئ هنا شاهد وأركيولوجي يحفر في المخفي من طبقات الزمن اللبناني، ويكشف عن «المسكوت عنه» من ذاكرة الحرب الأهلية التي ظلت «جرحًا نرجسيًّا مفتوحًا» وتاريخًا منسيًّا ترك كثيرًا من سردياته مباحةً للتأويل.
وجود هذا القارئ في الرواية يرتهن إلى سلسلة من التمثلات والمواقف التي جعلت منه صانع وظائف موازية؛ فهو العاشق والصديق والضحية وحارس الكتب؛ غير أن انحيازه لصديقيه انقلب إلى مفارقة أوهمته بالتحرر من «أشباح الكتب» لتلقي به إلى مواجهة الحياة، كاشفًا من خلالها عن تناقضاته الوجودية مع أبطال الروايات التي يعشقها: الأمير ميشكين، مدام بوفاري، أناستازيا، رودوجين، زوربا، روكنتان. فبقدر ما أشبعته تلك الشخصيات الروائية باستيهامات غذّت عزلته وانطوائيته، وجد في الواقع/ الحياة/ عالم ما بعد المكتبة، مفارقة أكثر غرائبية، واستيهامات أكثر بشاعة، استغرقته بالفقد العاطفي والغيرة والرثاثة الداخلية.
هذا التقاطع والتناقض بين «الحياة والرواية» أصاب شخصياته بعدوى تلك المفارقة؛ إذ جعل علاقاتهم مسكونة بما يشبه العبث الوجودي، وهي تواجه قسوة الفقد ورعب واقعهم القاسي وما يتعرّى من ذواتهم المضطربة وتشوهاتهم الداخلية.
القارئ كفاعل سردي: بين الحياة والرواية
في روايته الصادرة عن منشورات المتوسط (إيطاليا 2025م)، يأخذنا عبده وازن عبر النفي في العنوان إلى ثيمة التقاطع، بوصفه تمثيلًا فيلولوجيًّا يجعل من الفعل الماضي الناقص «ليس»، محورًا للمفارقة السردية؛ إذ يعطل عمل ما بعدها، باتجاه ينسحب إلى تمثيل ما تقترحه حبكة الرواية من صراع وتحول ومفارقة، ومن تمثيل لحيوات شخصياتها، التي تعيش هي الأخرى هوس نفيها الداخلي.
تتحول استعادة صور الضحايا المقتولين إلى تمثيل رمزي لقتل الحاضر، وسرديات ضحايا الهوية والمكان والطائفة، تتحول إلى وقائع تتمثلها الذاكرة المسكونة بالطرد والنفي والانسحاق الداخلي.
تتكثف أحداث الرواية عبر ثلاث شخصيات يختار لها الروائي عالمًا مفارقًا، تستغرقه تناقضات «السرد والحياة»، بين ما هو رمزي، وبين ما هو سردي يعتاش على التخيل، وعلى ما يستدعيه من الصور والرسائل. وهذا ما يُعطي لـ«القارئ» اللامسمى وظيفة الفاعل السردي الأكثر إثارة، في تحريك تلك الثنائية، عبر مراقبة تنامي تناقضاتها، وعبر الاستعادة، كاشفًا عما يتفجر من ذاكرته المجروحة، وعما يصطخب في يوميات صديقيه، حيث الكشف عن الخواء الداخلي والفقد، وحيث فضح الإحساس بخديعة الهوية.
الثلاثي: جوسلين وجوزيف والقارئ، يستعيدون ما أخفته ذاكرة الحرب من فجائع، من خلال ما أخفته «الهويات القاتلة والمقتولة» من أسرار ضحاياها. في هذا السياق يتحول الانتماء إلى لعبة تقاطع، وإلى مساءلة تستفز الهوية وأقنعتها على نحو تبدو فيه وظيفة القتل «الطائفي» وكأنها تورية لإخفاء مأزق تلك الهويات التي تتحول إلى أقنعة. هذا ما عاشت هواجسه جوسلين، التي لم تجد في هويتها سوى ظل شاحب، ونداء من «الجدة» واستعادة لصورة الأب المقتول على الحواجز، وهي الصورة التي تكررت بعد قتل حبيبها جوزيف بحادث السير الغامض؛ لتعود إلى فرنسا بوصفها «وطنًا إشباعيًّا» في اللغة والهوية والصيانة.

لم تكن شخصية جوسلين عابرة، أو مجرد جزء متمم في «المثلث السردي»، بل هي شخصية صادمة في تمثيلها لعلاقتها بالآخر. فهي «أكاديمية» تكتب عن الحب والجنس، وعن الخيانة الجنسية، وهذا ما يجعل علاقتها بالقارئ وجوزيف علاقة فارقة، على مستوى وعيها بالوجود والحرية، وعلى مستوى التصرّف بالجسد بوصفه جزءًا من حريتها. هذا الحضور جعلها أكثر استفزاز للقارئ الذي يعيش عزلة المكتبة وأوهام أبطالها وأزمة علاقته بالجسد الذي لم تحرره علاقاته العابرة.
يتحرك «القارئ» -وهو شخصية قريبة من شخصية «بول» في رواية وازن «البيت الأزرق»- مُستَفزًّا ليتوهم كسر انطوائيته وعزلته. وفي هذا الدور يؤدي وظيفة السارد العليم، وكاتب المخطوطة، على مستوى «التمثيل السردي» أو من خلال أداء وظائف موازية، يكون فيها محركًا لمسار السرد. عبره يتحول عالم شخصياته المحدود، إلى عالم متشظٍّ، يغور من خلاله إلى مقاربة سيرة جيل لبناني اضطربت لديه مفاهيم الهوية والانتماء، فذهب إلى شخصيات يمكن أن تكون وحدات مختبرية، تعاني أعراض العزلة والانهيار النفسي.
في هذا البناء السردي للرواية يجد الروائي في ثيمة البحث عن الذات، جزءًا من رغبة «كاتب القصص» الذي يعرض مخطوطته من خلال «حيلة سردية» على كاتب يحمل اسم المؤلف/ عبده وازن، في إشارة إلى حضوره كشاهد سردي وفاعل يراقب بناء نصه السردي، وتتابع أحداثه وتحولاته، بوصف النص قصته، أو قصة جيله: «أشعر بألم، وربما بأسى، فالقصة التي قرّرتُ أخيرًا كتابتها، وهي قصتي أو قصتنا نحن الثلاثة، أَرهقَتني ولم أجد سبيلًا للتخلُّص من هاجسها إلا عبر كتابتها. ولا يهم ألا أجيد كتابتها».
تبدو لعبة هذه الكتابة وكأنها تمثيل سردي أراده «المؤلف» لكسر أوهام «القارئ/ حارس المكتبة» على نحو يسحبه إلى الحياة، ويحرره من أشباحها؛ ليجعله مكتفيًا بمراقبة شخصياته الثلاث، وهي تشتبك مع الواقع، ومع ذكرياتها، حتى بدا كأنه يبحث معهم عن ذاته، وعن هويته، وعن زمنه الشخصي المضطرب، وعمّا يجمعه معهم من خفايا وشهوات وتناقضات وإحساس عميق بأن الجميع ضحايا للتاريخ والكتب والذاكرة المسحوقة في الحرب.
الرواية والسرديات الموازية
قد يبدو عالم هذه الرواية محدودًا، في سياقه الواقعي وفي تمثّله حيوات الشخصيات الثلاث، لكن انفتاحه السردي جعله أكثر هوسًا بتوليد عوالم موازية، بدت فيها الشخصيات مأخوذة بلعبة تسريب الماضي إلى الحاضر، واستعادة «الزمن الغائب» عبر الصور والرسائل والجنس والحواجز. هنا تتشظى الحكاية إلى استعادات مراوغة تتسع مع استعادة أمكنة الحرب، بوصفها فضاءات موت وهويات قاتلة ومقتولة. عبر هذا المسار نتعرف إلى هوية «القارئ» الغريبة، وما يعيشه في المكتبة، وفي عزلته التي توهمه باكتشاف العالم من خلال الكتب، كما نتعرف إلى جوسلين، وهي تختبر خفة هويتها وحريتها الصاخبة، و«الحب الجارف» الذي وقعت فيه لتتخلص من «نجمة وعيها أو عقدته».
التعرف إلى ما خفي من شخصية «جوزيف»، بأنه «ابن بالتبني»، يأخذنا إلى مفارقة النسق المضمر، حيث تتحول الفضيحة إلى جرح نرجسي، وإلى إحساس فاجع بالهشاشة إزاء فقد الهوية الأصل، مسكونًا بفكرة أنه بلا جذور. هذا الانسحاق الهوياتي يتحول إلى انسحاق سيميائي، يقوده إلى استعارة علامات «دونية» تشبك الضياع بالضآلة والعار والإحساس بالمتاهة، مقرونًا برغبة في مساءلة الأم التي تركته.
تتجاوز الرواية رهان السرد التقليدي ورهان البطل المتعالي، فتأتي تعرية «القارئ» من التسمية وكأنها إشارة عبثية «كاموية»، تشير إلى كتابة رواية «المثقف» الذي يرى العالم من خلال رؤيته الوجودية، ولا يملك سوى شهوة صناعة القصص داخل القصص على نحو يجعل من شخصيات روايته، يشبهون كثيرًا أبطال القصص/ الروايات التي يقرؤها، كاشفًا من خلالها عن أزمته الشخصية، أزمة المكان والهوية والوجود، كمقابل لهزيمته في الحب والجنس مع جوسلين. يُفجّر حضور جوسلين صراعًا داخليًّا، يضعه إزاء تناقض غرائبي بين سخرية أبطال المكتبة، وبين أن تكون الروايات ترميمًا للفراغ ومواجهة للموت أثناء وجوده مع جوسلين في المشفى بعد إصابة صديقه جوزيف. هناك بدا الأمر وكأنه تمثيل إشباعي لوهم علاقته مع جوسلين من خلال تبادل الكتب التي وضعته إزاء ما يشبه التفريغ والإحساس بالاكتمال الذي يواجه به فقده الجنسي.
الزمن: الشخصية والمفارقة السردية
توزعت مستويات الزمن في الرواية، بين الزمن النفسي، وبين الزمن السردي المُستعاد؛ إذ لا يخرج زمن الروائي الأول عن حدود علاقته بشخصيات الروايات التي يقرؤها، وهو زمن متخيل، وضبابي، لا علاقة له سوى بحياته الباذخة، ورغبته في أن يجعل من نفسه داخل الزمن الذي يتخيله، وخارج الزمن السياسي والتاريخي الذي صنعه المحاربون للضحايا.
الزمن السردي هو الذي يتحكم في الأحداث، وبمصاير الشخصيات. نجد في زيارة جوسلين إلى لبنان لحظة مفصلية، أسهمت في توتير أحداث الرواية. الاستجابة لنداء الجدة والشغف بالبحث عن الهوية، وعن سيرة الأب المقتول، تحولت إلى لحظة سردية اجتهد المؤلف في أن يصنع لها قارئًا مراقبًا، بلا اسم، يحمل في داخله شهوات عميقة للتحريض وللتمرد على زمنه النفسي/ زمن المكتبة. يجد في «عالمها المتخيل» عتبة موازية تدفعه إلى اكتشاف «الحياة» عبر التعرف إلى الآخرين، والانفتاح على ماضيهم، وملاحقة ما خفي من يومياتهم وأسرارهم.
يتوزع الزمن في الرواية بين تقنيتَي الاسترجاع والتمثيل؛ يكشف الاسترجاع عن علاقات الشخصيات الثلاث الملتبسة مع ماضيهم، فيما يفضي التمثيل إلى إظهار المفارقات التي تنفجر عبر صدمات زمنهم النفسي. يبدأ ذلك من المفارقة التي يواجهها القارئ حين يكتشف أن «الحياة ليست رواية»، فيعيش مفارقة انكساره المازوخي أمام جسد «جوسلين» وينتهي بانكشاف الثنائي -جوسلين وجوزيف- على مفارقة الهوية، التي خلفت ضحايا بقدر ما تركته الحرب.
تقديم الشخصيات بوصفها ضحايا يبدو وكأنه مساءلة «تاريخية» لخطيئة الحرب وقتلاها؛ إذ يكشف «القارئ» عن المخفي في حكاياتها، لتغدو هذه الشخصيات تجسيدًا مكثفًا لملحمة «السيرة اللبنانية» بكل ما تحمله من رعب وانشطارات؛ فهي تقف بين سيرة جيل الحرب الأهلية وضحاياها من الآباء المقتولين، وبين سيرة جيل المتاهة والمنافي من الأبناء الذين يتشاطرون ضياع الهوية وتصدع المكان والتباس التسمية.
0 تعليق