المقالات الأخيرة

اليوبيل الذهبي لمجلة «الفيصل»

اليوبيل الذهبي لمجلة «الفيصل»

ربما‭ ‬يكون‭ ‬حديثي‭ ‬عن‭ ‬مجلة‭ ‬‮«‬الفيصل‮»‬‭ ‬شهادة‭ ‬مجروحة‭ ‬لكوني‭ ‬رئيس‭ ‬تحريرها،‭ ‬ولكني‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬لا‭ ‬أكتب‭ ‬فقط‭ ‬انطلاقًا‭ ‬من‭ ‬ارتباطي‭ ‬العملي‭ ‬بالمجلة،‭ ‬بل‭ ‬أكتب‭ ‬أيضًا‭ ‬انطلاقًا‭ ‬من‭ ‬كوني‭ ‬قارئًا‭ ‬عربيًّا‭ ‬مشغولًا‭ ‬بالشأن‭ ‬الثقافي،‭...

مجلات صنعت زمنها وصنعت خيالنا

مجلات صنعت زمنها وصنعت خيالنا

كما‭ ‬أن‭ ‬للفكر‭ ‬‮«‬الجديد‮»‬‭ ‬مراجعه‭ ‬الكُتُبية‭ ‬الأقرب‭ ‬إلى‭ ‬الترجمة،‭ ‬كان‭ ‬له‭ ‬مجلاته‭ ‬الموافقة،‭ ‬ترحّبُ‭ ‬‮«‬بالأزمنة‭ ‬الحديثة‮»‬‭ ‬بأشكال‭ ‬مختلفة‭. ‬فالشعراء‭ ‬‮«‬المجددون‮»‬‭ ‬عرفوا‭ ‬مجلة‭ ‬تدعى‭ ‬‮«‬أبولو‮»‬،‭ ‬وجورجي‭ ‬زيدان،‭ ‬الذي‭ ‬‮«‬خلط‮»‬‭...

محاضرة لجائزة الملك فيصل العالمية في مركز أكسفورد الموسوي: العصر الإسلامي الوسيط يجب أن يُقرأ بعيدًا من التصورات الأوربية المهيمنة

محاضرة لجائزة الملك فيصل العالمية في مركز أكسفورد

الموسوي: العصر الإسلامي الوسيط يجب أن يُقرأ بعيدًا من التصورات الأوربية المهيمنة

أثار الدكتور محسن جاسم الموسوي، الحاصل على جائزة الملك فيصل العالمية، عصفًا نقديًّا في تبديد النظرة السائدة بين المؤرخين والباحثين والمستشرقين بشأن الآداب في العصور الوسطى، في محاضرة نظمتها جائزة الملك فيصل العالمية في مركز أكسفورد للدراسات الإسلامية، في المملكة...

حفل “أقرأ” الختامي: مهرجان ضخم ومتنوع حوارات وورش وتكريم غازي القصيبي بعرض فني موسيقي ولقاء للفائز بنوبل النرويجي يون فوسه

حفل “أقرأ” الختامي: مهرجان ضخم ومتنوع

حوارات وورش وتكريم غازي القصيبي بعرض فني موسيقي ولقاء للفائز بنوبل النرويجي يون فوسه

عقد من الزمن يمر اليوم، على انطلاق النسخة الأولى لمهرجان أقرأ، الذي ينظمه مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي إثراء، بالظهران، المهرجان الذي بدأ في المنطقة الشرقية في السعودية، ثم توسع ليشمل بقية المناطق السعودية، إلى أن أضحى مهرجانًا عربيًّا كبيرًا، يتقدم إليه...

نهلة الشهال: بوصلتنا الاستمرارية في «البحث وسط الخراب عما ليس خرابًا»

نهلة الشهال: بوصلتنا الاستمرارية في «البحث وسط الخراب عما ليس خرابًا»

نهلة الشهال، كاتبة وباحثة ورئيسة تحرير أسبوعية «السفير العربي»، لها مواقفها المعلنة ورأيها الصلب في القضايا الكبرى. وهي ابنة لأم عراقية حقوقية ساهمت في تأسيس ثانوية البنات في طرابلس وأب لبناني طبيب، وكان كل منهما مثقفًا يساريًّا. انضمت نهلة إلى ما عرف عالميًّا...

منطق التأويل الشعري عند كيليطو

بواسطة | سبتمبر 1, 2025 | مقالات

إن المتأمل في المسار التأويلي لكيليطو، يلحظ أن هذا المسار تحكمه إستراتيجية خاصة، نلمحها في كل النصوص التي اشتغل عليها، وهي نصوص تراثية بالأساس، متنوعة ومختلفة؛ منها السرد الطويل، والمحكي القصير، والنوادر، والسرود المنقبية والرحلية، والقصة الفلسفية، والرسائل، والنصوص النقدية، والأبيات الشعرية والمقطعات.

هذه الوفرة في النصوص التراثية الفسيفسائية التشكيل، تم التعامل معها بتأويل يناظرها، هو الآخر فسيفسائي؛ ويستبطن هذا الشكل التأويلي الفسيفسائي ذو النزوع الاستقصائي منظورًا للأدب يعتبر هذا الأخير فضاء وليس أرخبيلًا. فضاء يسمح بالنظر إلى الأدب ضمن شبكة معقدة من العلاقات والتشابكات. ففي كل نص أصداء لنصوص غائبة مبددة ومفرقة، عملية جمعها، وضم بعضها إلى بعض هو ما يزيل الغشاوة عنها ليقع البصر على وجهها الطري الناصع.

يسوق كيليطو هذا التنوع في المتون الأدبية إلى مضارب فضاء تأويلي قصد توليد المعنى من أرحام خلناها صارت عقيمة من فرط تكرار واجترار سطحها الدلالي أو الإيهام بانتهاء المعنى وكشف المقصود. يسعى كيليطو ضد هذه الألفة إلى إحداث خلخلة، متحينًا الفرصة للعثور على السراج الوهاج أثناء الهبوط في درج يؤدي إلى عمق مياه النصوص المبهمة.

إذ يتأسس فعل القراءة لديه على مساءلة البداهة واكتشاف العادي المألوف، ووضع اليد على الرسالة المسروقة التي من فرط وضوحها تتعذر عن الرؤية. فبتقمصه شخصية المحقق في الروايات البوليسية، التي كان يدمن قراءتها، لا ينساق وراء الأدلة المضللة، بل يسلك الطريق الصعب في فك شفرات اللغز. ولذلك فإن المتعة والدهشة التي يعيشها أثناء بحثه هي التي تعدي قراءه وهم يتابعون فتوحات عبدالفتاح التأويلية عبر شبكة من العلاقات بين النصوص التي يستدعيها من أجناس مختلفة. حيث يصير الأدب قارئًا للأدب. ويُفَسَّر الأدب بالأدب. «لأن هناك دائمًا طرقًا جديدة بحاجة للاستكشاف في عالم الأدب اللامحدود»(1).

لذلك فهو يختار قيم الخفة ضدًّا عن الثقل الذي أصاب المعنى بالتحجر البطئ، وإلى المعرفة المرحة ضدًّا عن تجهم الأدب. وإلى التقاط وميض اللغة «الذي يتم فيه إيصال المعنى من خلال ملمس لفظي يبدو بلا ثقل، إلى أن يأخذ المعنى نفسه الاتساق النقي العالي للوميض اللغوي»(2).

إن القارئ الجيد «سوف ينجذب إلى الكتب الجيدة، سوف يكتشف من معاصريه ما هو الملهم أو المثمر، أو فقط ما هو الممتع في أدب الماضي، يجب أن يستمتع بالخروج بهذه المكتشفات وحده، وبطريقته الخاصة»(3).

كيليطو والشعر: لقاء لا بد منه

في العديد من المحطات كان اللقاء مع الشعر لا بد منه في الكتابة النقدية عند كيليطو. وأولى هذه المحطات هي الأشعار التي تلقاها في المدرسة، وكأن الأدب لديه ذكرى طفولة، ففي مرات عديدة يتذكر أستاذًا للعربية شرح لهم بيتًا أو بيتين، حيث يظل المعنى مرجأ إلى حين. ففي «حصان نيتشه»، في فصل «التأدب» يتذكر الراوي حدثًا في الفصل، لما استبد الغضب بالأستاذ الطالبي الذي كان يكره بشار بن برد، متهمًا إياه بالكذب؛ لأنه كان يتغزل قائلًا:

«إن في بردي جسمًا ناحلًا لو توكأت عليه لانهدم»

يتهم الأستاذ بشار بن برد بالكذب؛ لأن لديه جثة ضخمة، زيادة على أنه أعمى، فلا يستقيم البيت له: «كان الأستاذ الطالبي يعتقد دون أن يصرح بذلك، أن الحب ذو علاقة وثيقة بالنحول. فمن أين جاءته هذه الفكرة؟ دون شك من «ألف ليلة وليلة» ومن التقليد الشعري الذي يصور المحب ليس فقط مصابًا بالأرق، بل مصابًا أيضًا بفقدان شهية الطعام؛ لذا فإن عاشقًا سمينًا يبدو مزيجًا من الأضداد، ويبلغ الأمر ذروة الهزل حين يكون العاشق شاعرًا. إن مظهر بشار الجسدي قد أضر به. فهو إذ يكذب بخصوص مظهره الجسدي كذلك يكذب في عواطفه»(4).

حاول التلميذ مشاكسة الأستاذ، وذكر له بيتًا للمتنبي يدور حول فكرة بيت بشار نفسها:

«كفى بجسمي نحولًا أنني رجل             لولا مخاطبتي إياك لم ترني»

غير أن هذه المرة، استرسل الأستاذ في تأويل البيت في محاولة استنفاذية لاحتمالات الدلالات الممكنة من أجل تبريره لهذه الصورة، صورة العاشق النحيل: «ربما يرغب (الشاعر) في الهزء من صورة النحول المبتذلة، فهو لم يكن يخضع إلا على مضض للعادة التي تفرض استهلال القصيدة بالنسيب، هو الذي كان مخلوقًا للنوع الملحمي، كان مضطرًّا ليتصنع الحب في أشعاره. هذا البيت الذي أضحككم، هو أكثر غموضًا مما تظنون. قد يكون مرتبطًا بعقائد باطنية لم يكن المتنبي غريبًا عنها مثل عقيدة الإمام المستور… قد يكون اعتبر نفسه نوعًا من كائن خارق لا مرئي، ولا يتجلى إلا بواسطة الكلام»(5). هذا التأويل غير المتوقع أكسب بيت المتنبي في أنظار التلاميذ دلالة جديدة. يعلق الراوي على هذا المشهد في الفصل الدراسي -وهو طبعًا مشهد متخيل- أن الأستاذ «اجتهد في الدفاع عن المتنبي بينما لم يبذل أي جهد لفائدة بشار»(6).

كان يمكنه الإشارة إلى أن مقصد هذا الأخير كان هو المحاكاة الساخرة، وهو ما يؤكده مزاجه الهازل «فلو نظر للبيت من هذه الزاوية سيكتسب على الفور بعدًا آخر»(7)، ماذا سيصير لو فسر البيت وفقًا للخصومة بين بشار والمتكلم واصل بن عطاء؟ السارد سلك إستراتيجية الأستاذ نفسها بخصوص بيت بشار، أي أن هناك إمكانيات تأويلية لإخراج بيت بشار من استهزاء الأستاذ به. وربما كان الأستاذ عروبيًّا ضد الشعوبية؛ لذلك انتصر للمتنبي وتمادى في التأويل، وسخر من بشار ولم يبحث له عن عذر. إن الراوي في القصة يسعى أن يكون محايدًا ويقرأ النص وفق إستراتيجية التأويل الموسع والاستنزافي للمعاني المحتملة لإدهاش القارئ.

ثم بعد ذلك ينتقل السارد إلى الحديث عن أستاذ اللغة الفرنسية، وكيف يتعامل مع تأويل مسألة تتعلق بهاملت في مسرحية شكسبير للتلاميذ في الفصل، وهي قضية شبيهة بقضية بشار مع ادعاء النحول رغم ضخامة جثته: «مشكلة هاملت هي أنه كان بدينًا، لكنْ نادرون هم النقاد الذين أكدوا على هذا المظهر من شخصيته. لن يخطر ببال أحد من المخرجين المسرحيين أن يسند الدور إلى ممثل أكرش. ونص شكسبير واضح في ذلك. غير أن الترجمة الألمانية حولت كلمة (fat) إلى متهيج؛ لأن الرومانسيين لن يقبلوا ببدانة هاملت. لقد تمت خيانة شكسبير للمحافظة على صورة هاملت كئيب، وجداني لا يمكن إلا أن يكون نحيلًا»(8). لعل جواب أستاذ الفرنسية يحل مشكلة بيت بشار، وينتقد أستاذ العربية الذي لم يجد العذر لبشار، ولم يجشم نفسه عناء تأويل مناسب. فالبيت الشعري لبشار وفق رؤية أستاذ الفرنسية خان بدانة بشار لصالح النوع الشعري (النسيب)، الذي تلائمه صورة العاشق المتهالك النحيل الكئيب.

من خلال هذا المشهد المتخيل في الفصل الدراسي أثناء تدريس أبيات من الشعر، نلاحظ مجموعة من المعالم تحدد القراءة والتأويل للشعر عند كيليطو:

– الكراهية تحجب القراءة الجيدة.

– الود تجاه النص وصاحبه يدفع إلى المزيد من القراءة وفك نسيج النص.

– الفهم العميق يقتضي توسيع مجال العلاقات بين النص الشعري وقضايا حافة به، أي فتح النص الشعري على روح العصر.

– القراءة المقارنة تضيء الجوانب المعتمة وتسفر عن علاقات غير متوقعة.

في هذا النموذج، نرى أن إستراتيجية القراءة عند كيليطو، مبنية على الإرجاء، فالمعنى غالبًا ما ينتظرنا هناك بعيدًا. وأن البساطة التي توهمنا بها النصوص الشعرية هي علامة على أنّ هناك خبئًا ومعنًى مستترًا.

الشعر والغرابة

نصادف هذه البساطة الخادعة في الشعر، من خلال وقوف كيليطو عند شاعر ألهمه. وبالمناسبة فإن الشعر في المدونة النقدية عند كيليطو يضطلع بدور محوري في إنتاج بعض المفاهيم الأساسية في مشروعه التأويلي، ففي نظري، الاستشهاد المتواتر لكيليطو ببيتي أبي تمام :

وَطولُ مُقامِ المَرءِ في الحَيِّ مُخلِقٌ             لِديباجَتَيهِ فَاِغتَرِب تَتَجَدَّدِ

فَإِنّي رَأَيتُ الشَمسَ زيدَت مَحَبَّةً             إِلى الناسِ أَن لَيسَت عَلَيهِم بِسَرمَدِ

له دلالة عميقة، تشير إلى أن كيليطو يستقي من اللمعات الشعرية مفاهيم يشغلها نقديًّا، فأعتقد أن هذا البيت كان من وراء نحت مفهوم الغرابة الذي دشن به كيليطو مشروعه التأويلي «الأدب والغرابة».

يرد هذا البيت في سياق حديث كيليطو عن «الجرجاني والقصة الأصلية»، في كتاب الحكاية والتأويل. فحين يقف على تحديد المعنى التخييلي الذي يتعارض مع مقتضيات العقل، ويخل بنظام الطبيعة، ويخرق السير العادي للأشياء، فإن الشاعر في هذه الحالة يعيد بناء العالم حسب هواه، تمامًا مثل الطفل عندما يلعب. فاللعب بالنسبة إلى الطفل فرصة لصياغة عالم يوافق رغبته. يعود التخييل بالشاعر إلى مرحلة الطفولة، وإلى ما يسميه الجرجاني «العلم الأول». ولا بد للمرء في يوم من الأيام أن يتخلى عن طفولته، وأن يدين بالولاء للعقل. لا بد أن يغترب الفتى وأن يعدل من ألعابه المألوفة «فالاغتراب مرادف للتجدد، والابتعاد لا يعني النسيان. والاغتراب يواكبه شعور حاد بالحنين إلى الماضي»(9)، فهل هذا الحنين هو ما ذكره أبو تمام في بيتين يستشهد بهما أيضًا الجرجاني:

نقل فؤادك حيث شئت من الهوى             ما الحب إلا للحبيب الأول

كم منزل في الأرض يألفه الفتى             وحنينه أبدًا لأول منزل

توقف كيليطو عند هذين البيتين مليًّا، وكان يرجع إليهما في مناسبات عديدة؛ لأنهما يغريان بتقفي أثر المعنى المنفلت والمرجئ. كان يقلب فيهما النظر عبر مواقع مختلفة. وبالرغم من بساطة اللغة وخلوهما من السمات المميزة للمذهب الشعري لأبي تمام المغرق في الصنعة، فإن الإمساك بالدلالة ينزلق من بين يدي القارئ كلما أيقن أنه أمسك بها. ويصبح الوضوح في هذه الحالة حجابًا. وما إنْ تنثال الأسئلة على البيتين حتى نستشعر أننا ولجنا غابة سوداء. «ما هو-ليت شعري- هذا الحب الأول؟ أظن أننا لسنا بحاجة إلى معرفة عميقة بالتحليل الفرويدي لنقنع بأن الحب الأول هو حب الأم. سيقال لا شيء يضمن لنا أن أبا تمام قصد هذا المعنى. بل الأرجح أنه عنى بالحب الأول الفتاة التي تعلق بها الفتى عندما بلغ سن المراهقة. لكن هذا الاعتراض ليس في محله؛ لأن البيت المذكور متبوع ببيت آخر «كم منزل…». الحب الأول، المنزل الأول، العلم الأول، الرحم: عبارات تشير إلى الطبقة النفسية المغطاة، التي يكشفها الشعر عندما ينقل المتلقي من العقل إلى الإحساس. إذ ذاك يحدث «الأنس وهو ما يوجبه تقدم الإلف» على حد تعبير الجرجاني.

يستل كيليطو من هذه القراءة الأولى «سر تأثير الشعر»، «فالسر في تأثير الشعر هو أنه يزيح الحجاب الذي يحول دون رؤية المرحلة الأولى من العمر»(10) وكما قال بودلير: «العبقرية هي الطفولة المستعادة قصدًا»، بمعنى أن الفنانين والأدباء يرون العالم في عفويته وفي وضعه الخام، وفي بساطته التلقائية.

إن الغرابة لا تعني الشيء الذي لم تره العيون: «إنها على العكس متعلقة بشيء معروف ومألوف، إلا أنه منسي ومدفون في أعماق النفس. ووظيفة الشعر هي نشر هذا المطوي، وإبراز هذا المخفي. فالمناطق العذراء والمجهولة التي يكشفها الشعر هي في الحقيقة مناطق سبق للمرء أن جال فيها وطاف في أرجائها. وعلى هذا الأساس فإنما يحدث هو إماطة اللثام عن وجه معروف بصفة حميمة وصميمة. في نهاية الأمر لا مفر من الإقرار بأن الغرابة عند الجرجاني ليست إلا الألفة نفسها»(11). هذا المفهوم للغرابة، وهذا الاستنتاج نلمح فيه منزعًا أفلاطونيًّا، كان بورخيس قد استعاده وصاغه في جملة: «إن الشاعر لا يخترع، وإنما يكتشف»(12).

يعيد كيليطو توظيف هذه الأبيات في قضية شغلته وهي الترجمة، ففي كتاب «الأدب والارتياب»، في «فصل الاغتراب»، يوظف البيتين من أجل إضاءة مسألة متعلقة بالترجمة: «قد تفلح المحاكاة والترجمة في التفوق على النموذج (النسخة تفوق الأصل)، على الرغم من أن النص يهيم في ترجمات متعددة مختلفة، فإنه يظل مشدودًا إلى منبته، إلى لغته الأم. اقرأ ما شئت من الترجمات لن تغنيك عن النص الأول»(13).

يتجدد النص باغترابه، فهو يخلق ويبلى في اللغة التي كتب فيها. لكن من سيلمح التجديد؟ أهم الغرباء الذين يحل بين ظهرانيهم؟ قطعًا، لا. لأنهم لا يعرفون الوجه القديم وليس بوسعهم مقارنته بالوجه الحديث. فالترجمة أعلت من «ألف ليلة وليلة»، فيما أهلها أهملوها ولم يولوها ما تستحق من عناية: «يبتعد النص المترجم مؤقتًا عن أهله وذويه، ثم يعود إليهم، بل إنهم في الحالات القصوى، يكتشفونه لأول مرة، يدركون أنه كان فيما مضى مقيمًا في الحي وأنهم لم يفطنوا إلى وجوده»(14).

يعود كيليطو ليتأمل من جديد البيتين، فيهتدي إلى مسألة أخرى تتعلق بالحب الأول، والمنزل الأول، وذلك عبر التأمل في كلمتين في البيت تعتبران مفتاحًا لفك اللغز، «حبيب، منزل» الأولى تحيل من الناحية الجناسية للحبيب ولاسم الشاعر حبيب، فهل هناك إشارة إلى حب الاسم العلم ومن ثم حب الذات؟ والثانية تشير إلى المأوى. هاتان الكلمتان وردتا في أول بيت من معلقة امرئ القيس :قفا نبكِ من ذكرى حبيب ومنزل….

فهل هذا الحب الأول يحيل إلى عشق الشاعر للشعر الجاهلي القديم؟ وما يعزز هذا الملمح أن أبا تمام حين اختار الشعر ولى وجهه شطر الشعر الجاهلي في كتاب «الحماسة». فهو بذوقه الشعري اختار ضد مذهبه الذي قيل فيه: «إن كان هذا شعرًا، فما قالته العرب باطل». وقد بدا لي وأنا أتأمل في هذا الملمح التأويلي أن أبا العلاء المعري سبق أن اهتدى لهذا الميل لأبي تمام نحو الشعر الجاهلي حين سمى شرحه لأبي تمام بذكاء «ذكرى حبيب»؛ ففي العنوان تورية وإحالة أيضًا لبيت امرئ القيس: «من ذكرى حبيب ومنزل».

هكذا يقرأ كيليطو الشعر، بحيث يهتدي به إلى توسيع أفكاره ومفاهيمه والقضايا التي يشتغل عليها. فهو في كتابه «الكتابة والتناسخ» عالج قضية المؤلف في الثقافة العربية، ومسألة الانتحال والتزييف، وكان الشعر هو مجال اشتغاله وبه يتوصل إلى الأفكار التي يود بسطها ومعالجتها. من خلال عناوين دالة:

تناسخ المقطوعات الشعرية (امتداح التقليد، النسيان والذاكرة)، التبني، التوليد، المحتكر، القصيدة المتعددة الأزواج، الخياط المتنقل، بنات الشاعر، السرقة الذاتية، الانتحال، الشعر والصيرفة. عناوين كلها تحيل إلى مجال الشعر، ومن خلال نماذج شعرية عديدة حاول كيليطو إعادة بناء الأسئلة حول طبيعة المؤلف في الثقافة العربية. فعلى سبيل المثال السرقة الاستباقية، التي ابتدعا بورخيس، سيشتغل بها كيليطو حول نماذج تتحقق فيها هذه السرقة. فبيت جميل بثينة، الذي لا يشبهه، سيأخذه الفرزدق عَنْوة؛ لأنه يلائم منزعه الشعري ومذهبه في الفخر. فصورة جميل الموشومة في ذاكرة الشعر أنه الشاعر المتيم بالحب، حتى لو فلت من لسانه على حين غفلة بيت شعري يخالف مذهبه، فإن هذا البيت سيتم السطو عليه ولا حرج. وهذا ما حدث فعلًا لما قال :

ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا             وإن نحن أومأنا إلى الناس وقفوا

فقد انتزعه منه الفرزدق عَنْوة، وأصبح البيت له؛ لأن جميلًا هو الذي سرقه منه بشكل استباقي وليس العكس.

المعري والمتاهة

أفرد كيليطو لشاعره المفضل أبي العلاء المعري كتابًا مستقلًّا. وأول ما يتبادر إلى الذهن لماذا خصه بكتاب دون غيره من الشعراء؟

أظن أن أبا العلاء هو الناثر الشاعر الذي ضم سمات عديدة متفرقة في العديد من الكتابات والشخصيات الكلاسيكية في الضفة الأخرى، وكأن أبا العلاء كاتب غربي قبل الأوان، سنكتشف فيه الكوميديا الإلهية لدانتي التي بعثته من مرقده؛ إذ اللاحق يبتكر السابق كما قال بورخيس في قصته «كافكا وأسلافه». واكتشفنا فيه جورج بيرك وأصحاب مذهب أوليبو (ورشة الأدب الممكن) من خلال لزومياته واستغراقه في اللعب باللغة. واكتشفنا فيه قرابة كبيرة مع بورخيس. هذه المساحة من التشابهات جعلت كيليطو يعتني بالمعري، وقبله اعتنى بالجاحظ؛ فكيليطو يهتم بما أهملته الثقافة أو تناسته.

فكتاب «أبو العلاء المعري أو متاهات القول»، هو إعادة كتابة حياة شاعر اكتنفه غموض كبير وسوء فهم في حياته وشعره ونثره. فأضحى نصًّا مستغلقًا، يثير العديد من التأويلات. حاول كيليطو أن يضيء جوانب عديدة، إما أنها مثار خلاف بين القدماء حول شخصه وظاهر كلامه ومعتقده واختياراته الوجودية. كل ذلك عبر استقراء شعره ونثره، والتحولات التي عرفها ولا سيما الانتقال من شعر الكذب إلى شعر الصدق. افتتح كيليطو كتابه ببيت لعمر الخيام لا تخطئ العين أنه محاكاة ومناجاة مع بيت المعري الشهير:

خفف الوطء ما أظن أديم الـــــ             أرض إلا من هذه الأجساد

يقول الخيام في رباعياته:

فامش الهوينى إن هذا الثرى             من أعين ساحرة الاحورار

في هذا النموذج، نرى أن إستراتيجية قراءة البيت عند كيليطو تشتغل بفكرة أن اللاحق يتفوق على السابق، فيذهب كيليطو إلى أن المقلد (الخيام) تفوق على المبتكر، وتوفقت النسخة على الأصل. فعوض الأجساد الهامدة، استحضر الخيام أعينًا ساحرة الاحورار. هذا التعديل استحضر عيني المعري المنطفئتين. «يؤكد بيت الخيام على الدين والامتنان وعرفان الجميل»(15)، ثم يتساءل كيليطو: هل يعني هذا أن الخيام ابن روحي للمعري؟ رغم بعض المظاهر المشتركة «كالمرارة، والشك والتشاؤم»(16)، لكن لو قدر «المعري أن يعاصره، لما اعتبره متممًا له، ولما اعترف بأبوته»(17). يطرح لدي سؤال هو، أنه ربما لم يكن المعري يرغب في النسل والخلف والمضاعفة، لكن علاقته بالمتنبي التي تسببت له في مشاكل وإحراج تبين أنه كان يميل إلى الانتساب إليه رغم الفوارق بينهما، فهو الوحيد الذي كان معجبًا به بلا أدنى تحفظ. وقد تبني بيت المتنبي: «أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي…» وعدَّها رسالة موجهة إليه قبل سنين. حتى البيت الذي أخذه الخيام من المعري وأضاف إليه عيونًا، فإن جذوره عند الأب الروحي للمعري، حيث يقول المتنبي بطريقة واقعية ملحمية في إشارة إلى المواكب البشرية التي تموت بشكل متواتر:

يُدَفِّنُ بعضُنا بعضًا ويمشي             أَوَاخِرُنا على هامِ الأَوَالي

فالمعري يرفض البنوة ويتشبث بالأبوة.

يتواتر ذكر الكلب في معرض هجاء المعري، فكم من مرة وسم بهذا الحيوان في معرض الذم كما قال فيه القاضي أبو جعفر:

كلب عوى بمعرة النعمان             لما خلا من ربقة الإيمان

أمعرة النعمان ما أنجبت إذ             أخرجت منك معرة العميان

فالمعري شُتم بالكلب الأعمى العاوي، وهو الآخر شَتم من وسمه بالكلب، بقوله: إن الكلب هو من لا يعرف سبعين اسمًا للكلب، فتبادلا الشتيمة بالكلب. وتواتر هذا الحيوان بكثرة لديه ربما يخفي شيئًا آخر. لقد استنتج كيليطو أن هذا التواتر يخفي وراءه إمكانية انتماء المعري للمذهب الكلبي، وكأن المعري ديوجين عربي، حيث إن المتتبع لطبيعة حياة المعري يجد تشابهات كثيرة بينه وبين ديوجين الكلبي، فكلاهما اتسم باحتقار العرف والاستهانة بالأخلاق الشائعة، ديوجين سكن جرة كبيرة، والمعري رهن نفسه داخل البيت. يقول المعري:

سببت بالكلب فأنكرته             والكلب خير منك إذ ينبح

هكذا هو المعري كلب يعوي ضد الأخلاق السائدة من أجل الأخلاق الفاضلة وإشاعة الحرية.

خاتمة

لم يكن كيليطو ليسلم من الشعر، فرغم الصورة التي رسمت له بأنه متخصص في السرد العربي القديم، فإنه لم يكن بمعزل عن تناول المدونة الشعرية العربية القديمة؛ لأنه كان يصادفها مدسوسة داخل السرود، ويصادفها في كتب النقد القديمة. ومن خلال ما سبق، لاحظنا أن الإستراتيجية التأويلية التي التزم بها كيليطو في قراءة السرد، مارسها أيضًا على الشعر؛ وذلك لأن روح القراءة لديه هي الأساس. وتبقى النصوص مجلى لتلك الروح السارية في طبيعة النظرة التأويلية التي يعالج بها كيليطو القضايا التي تشغله في الثقافة العربية وما يناظرها في ثقافات مغايرة.


المراجع:

– «ست وصايا للألفية القادمة»، إيطالو كالفينو، ترجمة وتقديم محمد الأسعد، إبداعات عالمية، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآدب، الكويت، العدد 321، ديسمبر، 1999م.

– «الكتب في حياتي»، هنري ميللر، ترجمة أسامة منزلجي، دار المدى، الطبعة الأولى، 2012م.

– «حصان نيتشه»، كيليطو، ت. عبدالكبير الشرقاوي، دار توبقال، الطبعة الثانية، 2005م.

– «الحكاية والتأويل»، عبدالفتاح كيليطو، دار توبقال، الطبعة الأولى، 1988م.

– «صنعة الشعر»، بورخيس، ت: صالح علماني، دار المدى، الطبعة الأولى، 2007م.

– «الأدب والارتياب»، عبدالفتاح كيليطو، دار توبقال، الطبعة الثانية، 2013م.

– «أبو العلاء المعري أو متاهات القول»، عبدالفتاح كيليطو، دار توبقال، الطبعة الأولى، 2000م.


هوامش:

(1) «ست وصايا للألفية القادمة»، ايتالو كالفينو، ترجمة و تقديم محمد الأسعد، إبداعات عالمية، المجلس الوطني للثقافة و الفنون و الآدب، الكويت، العدد 321، ديسمبر، 1999، ص 21.

(2) نفسه، ص 21.

(3) «الكتب في حياتي»، هنري ميللر،ترجمة أسامة منزلجي، دار المدى، ط.أولى، 2012، ص29.

(4) «حصان نيتشه»، كيليطو، ت. عبدالكبير الشرقاوي، دار توبقال، الطبعة الثانية، 2005، ص131.

(5) نفسه، ص 132.

(6) نفسه، ص 132.

(7) نفسه، ص 133.

(8) نفسه،ص 133.

(9) «الحكاية والتأويل»، عبدالفتاح كيليطو دار توبقال، ط1، 1988، ص 19.

(10) «الحكاية والتأويل»، كيليطو، ص 19.

(11) «الحكاية والتأويل»، ص 19.

(12) «صنعة الشعر»، بورخيس،ت صالح علماني،دار المدى،الطبعة الأولى 2007، ص 23.

(13) «الأدب والارتياب»، عبدالفتاح كيليطو، دار توبقال، الطبعة الثانية، 2013، ص 37.

(14) «الأدب والارتياب»، ص 38.

(15) «أبو العلاء المعري أو متاهات القول»،عبد الفتاح كيليطو،دار توبقال،ط1، 2000،ص 11.

(16) نفسه، ص12.

(17) نفسه، ص 13.

المنشورات ذات الصلة

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *