«الحياة ليست رواية»، هذا عنوان رواية للأديب والإعلامي عبده وازن (منشورات المتوسط، 2025م). العنوان الذي نقرأ جملةٌ خبرية، والجملة الخبرية بأبسط تعريف نحوي: «هي التي تحمل خبرًا يحتمل الصدق أو الكذب». نقيضُها الإنشائية، لا تتصل بالصدق ولا الكذب.
يبيح لي التعريف النحوي أن أشكِّك في العنوان: «الحياة ليست رواية»، والمكتوب بصيغة تقريرية جازمة، من وحي اقتناع المتلفِّظ، وليس بناءً على منطق التلفّظ ذاتِه، الذي يسنِد معنى العبارة ولا يوحي بأيّ التباس. فالحياة فعلًا ليست هي الرواية؛ لأن هذه جنسٌ أدبيٌّ وقول، لغةٌ ثانية، نسقُه (التخييل) وأبسطُ تعريف له هو احتمالُ الحقيقة والكذب، بالأحرى الواقعُ وأعلى منه. في الوجه الخلفي للعبارة، الحياة، وإن لم تكن رواية، فهي مكوِّنٌ أساس لها، تستمد منها محدّداتِها الخارجية، البشرية والمادية والاجتماعية والسياقية الموضوعية؛ لذلك فجميع الروايات، مهما شطّت في الخيال، واقعية، الرواية فنٌّ واقعيٌّ أنزل الإنسان من السماء (الملحمة) إلى الأرض.
يقصد عبده وازن، في البداية، أن يتشبّث بقشرة المعنى، ويتغاضى عن لبّه، بالأحرى غرضُه اللعب بينهما؛ ليحكي ما يشاء، أو كما يحلو له، وفق قواعد مُنسّبة بين القطبين: (الحياة) من جهة، و(الرواية) من جهة ثانية، وينقضُها في آنٍ. يصطاد قارئه باقتراح شخصية، بطولة متحررة من جميع التكاليف، في قصة مصنوعة على مقاسه، ليرتدّ عنها بمخطّط سردي مختلف. لا مناص من عرض بعض أطرافها، علمًا أنه ليس أسوأ من اختصار محكي رواية، إن نحن سلّمنا بتجنيس الغلاف، فللمتلقي حق التشكيك.
الفاعلون ثلاثُ شخصيات: جوزف، وصديقُه الحميم، وجوسلين؛ الأوّلان لبنانيان متجذّران في بيئتهما أصلًا وثقافة ومجتمعًا، الثالثة فرنسية الأم لبنانية الأب (هجينة). قصتُهم خيطٌ حكائيٌّ لمتابعة الرواية: جوزف المحامي الشاب الذي سيكتشف أنه ابنٌ متبنّى، يعيش بمرافقة صديقه، لا اسم له، عشرة صداقةٍ مثاليةٍ بين لقاء وقراءاتٍ واستمتاعٍ بأجواء بيروت الشرقية. إلى أن تحُلّ جوسلين قادمة من باريس لتتعرف إلى سيرة والدها الذي كان قد اختُطف على الهوية بنقطة البربير وقُتل كالمعتاد بين المسيحيين والمسلمين إبّان الحرب الأهلية.
سيصبح بحثُها جزءًا من العيش المشترك للصديقين. تحب جوزف المحامي، وتَعُدُّ الثاني صديقًا، هو المتيّم بها. يعيش ثلاثتُهم على رَجع صدى تاريخِ الحرب الأهليةِ المنقضيةِ لكن علاماتِها لا تزال باقية. يضعها الكاتب مرآة موازيةً ومساوقةً، ومرجعًا يتشخّص كلما أتيحت مناسبة، تُرسِّخ عملَه في الزمان والمكان، وتُوفر معنى وبعدًا يخترقان ذاتية الشخصيات بعلاقة معها حتى وهي منفصِمة. يعيشون زمن الحب والمُتع وتنتهي قصتُهم بموت جوزف جرّاء دعس سيارة، وبعد غيبوبة طويلة، وبرحيل جوسلين إلى باريس بعد أن يئست من خروجه منها. فرجوع الصديق بمرارة إلى سالف حياته يواصلها كيفما اتفق. إيذانًا بعودة الكاتب إلى القصة- الحياة، التي يفترض أنها ليست رواية، وهي رواية، أي الواقع وتخييله.
عندما تكون القراءة مهنة
لربط الحلقة السابقة بالبنية العميقة التي لم ينفصل عنها، والمعوّل عليها للقراءة والفهم والتأويل. هذه البنية تمثلها شخصيةٌ واحدةٌ، مفردة، وتشغَلها في آن جموع، وهي الساردُ المتلفِّظُ بضمير المتكلم الذي يتخذ له موقعَ خطاب الذات، ويخوِّل له رسمَ المواقع، وإعطاءَ الكلام وتقمّصَ الآخرين إذا شاء. وهو ما يفعل على امتداد 294 صفحة بنفَس واحد، ولو أحال الخطاب لغيره يبقى كلِّيَّ الحضور. للتمكن من السيطرة اختار أن يتسمّى (القارئ) أو يسمّيه محيطه (جوسلين) نجد على امتداد النص إلحاحًا على هذا الاسم بالتعريف والتفسير والتعليل لحدّ التكرار، لازمةً للإقناع به، منه: «أنت القارئ، هكذا سمّتني جوسلين مرّةً»(5) «إنني لست سوى قارئ، وأن القراءة هي المهنة الوحيدة التي أحترفها»؛ «تلميذ أبدي لا يُجيد سوى القراءة»؛ «وظيفة القراءة التي أمارسها يوميًّا»؛ «اخترت وظيفة القراءة»، وأختم بـ: «امتهنت ما أسمّيه مهنة القراءة»(19). يُلحُّ أيضًا في غير مكان ليستبق سوءَ فهم المجتمع لتبنّيه مهنةً غيرَ معهودة، كالطب والتعليم، ولينفيَ الشذوذَ عن نفسه، بما يسمح له بالوجودِ والتموضُعِ شخصيةً مندمجةً وقابلةً لرصد واقعٍ ونقدِه.
ولقد ساعد الشخصيةَ على التزام المهنة وضعُه صاحبَ ريع مستغنٍ عن العمل، وترفّعَ عن إكمال الدراسة الجامعية، وكأن الشهادة ضمنًا للمعوزين. ليبدّد أكثرَ الاستغرابَ من غرابة المهنة انبغى أن يُعرّفَها، ويحدّدَ وظيفتَها، وبذلك سيرسُم خطاطةَ عمل الرواية كلِّها، البرنامجَ السرديَّ وإستراتيجيتَه، فيما ينساب حكيُه بتلقائيةِ وانسيابيةِ شخصٍ يجلس في حلقة تُطاوعه الكلماتُ ويخوض في كلّ شيء بنبرة الخطاب الشفوي الذي يقول الشيءَ ويعيدُه على الأسماع وليجدّد الانتباه فيخلط الموضوعات ويستطرد ثم يسترجع رأس الخيط، متحرّرًا من الخطية يذهب إلى تخوم بدايات الحرب الأهلية (1975)، ليعود في سطر واحد بعد عشر سنوات إلى مطعم في الجمّيزة، وإلى ذكرى في زمن التلمذة مع جوزف فرأسًا إلى شخصية لدوستويفسكي.
لكي تقنع الشخصية اسمُها (القارئ) بهويتها احتاج مؤلفُها، وساردُ قصتِها، وراسمُ عوالمها، إلى إقناع نفسه، أولًا، فأعطاها وظيفة علاجية: «القراءة مهادنةٌ للنفس»(24). زاد يقول: «القراءة موهبةٌ وطقسٌ وانتماء»(26)، وفي مرحلة ثانية، هي الأهم، وجب أو افترض أن يُقنع الآخرين، قرّاءَه، بمعقولية وشرعية الموهبة والانتماء؛ لذا يقدم مجموعةً من الدفوعات الشكلية: «لم أُمنح موهبة الكتابة، مُنحتُ موهبة القراءة»(19)، و«القارئ الحقيقي (…) تصبح القراءةُ له طريقةَ وجود وطريقةَ انتماءٍ إلى العالم»(24). ومسك ختام المرافعة تتمثل في الاستشهاد برولان بارت، كاردينال النقد الحديث: «القراءة فعل إبداع مثل الكتابة».
خيانات السيرة
بعد المقدمات يُلزم (القارئ) نفسه بتقديم البرهان، والحجة، لينتقل من خطاب يحتمل الصدقَ والكذب، إلى ما يجزم به. وضعُه في معلومات سجلِّه المدني، أنه: «مجتهدٌ في القراءة، ولا سيما الروايات التي كنت أبتلعها بلذةّ»(13). من هذا الإعلان ننتقل نحن المتلقين إلى التعامل مع نشاط القارئ، مهنته، القراءة بوصفها فعالية سردية، بعد قصة الثالوث (جوزف، جوسلين والقارئ) وبدون الانقطاع عنها، يجعل الكاتب، السارد، القارئ- يمكن جمعُ هذه المواقع، وتبدو أحيانًا مندمجةً ومتماهيةً ويصعب الفصل بينها بسبب خيانات السيرة الذاتية، وتسلّل خطابات دخيلة، تشوّش على سرد يُفترض أنه موضوعي، حتى وهو بصيغة ضمير المتكلم- يجعل كتابَه محفلًا لرواية جامعة.
يتوفر القارئ، رمزُه (قاف) على مكتبة ضخمة تشغَل صالةً فسيحةً في الشقة التي يسكن من بناية العائلة إضافةً إلى غرفة في شقة والدته. من يراها يجزم أنه بائعُ كتبٍ لا قارئ. بحُكم تعلّمه في الليسي الفرنسي، فقراءاته بالفرنسية والإنجليزية والعربية أخيرًا، بسب النظام التعليمي. تمثل الكتب الروائيةُ الأغلبيةَ الساحقةَ من محتوى المكتبة، من صنف الأعمال الكاملة إلى كتب الجيب، وطبعاتٍ مختلفة للعنوان الواحد، ويذهب قاف بانتظام إلى المكتبات للاقتناء الجديد، كما يتردد على الخزانات الخاصة، ويجد في المقهى متعةً لممارسة مهنة القراءة، لا غرو، إذن، فهو (قارئٌ محترف) وهذه إحدى صفاته. لهذه المهنة طقوس، منها العزلة والانفصال عن العالم، هي «قدّاس»(227). هي «طريقة حياة لا هروبًا من الحياة أو السأم»(238)؛ لذلك فقاف يعلن: «أنا قارئ غريزي، قارئ بالفطرة»(241).
لا روائية الرواية
يمكننا عدّ «الحياة ليست رواية» موسوعةً حقيقيةً للرواية الغربية الحديثة، من القرن التاسع عشر إلى العشرين وبعده بقليل، وبالتالي وسمَ عبده وازن بالقارئ الموسوعي للرواية سواء قرأها كلها أو أشهرها أو بخلاصاتها المتاحة. ثيمات الرواية وفيرةٌ جدًّا فيتعذر التمثيل لها، وبالوسع حصرُها في مجمل ثيماتِها: الحب/ الإيروسية/ الخيانة الزوجية/ المقامرة/ الانتحار/ السادية/ المازوخية/ الوجودية/ الاحتضار/ الغيبوبة/ القتل… ينقلك من ثيمة لأخرى بسياق وبدونه، في مسلسل عناوين وملخصات وأحيانًا رصد إشكاليات، بإقامة تناصّات بين معضلاتها وشخصيات قصة الثلاثي، وعلى لسان قاف أو جوسلين سينعتها، لدرجة إسهابها، بالمحاضِرة. كله للبرهنة على مِهنية القراءة وموسوعية محترفِها، سيحدث الانزياح وقد قرر قاف أن يصبح كاتبًا مرةً واحدة لا على غرار مانغويل المتعدد، إنما أن يكتب الرواية التي نقرأ فقط. أي ينقُض الميثاق مؤقتًا.
لا يكتفي (قاف) أو وازن، بهذا، فهو يتصدّى مستبقًا ملحوظات، قد أسجلها أو غيري يصوغها، ويعلن أنها: «رواية بلا نهاية»، «لا قضايا بارزة»، أي شتات موضوعات، «لا حبكة»، «ملامح سيرة ذاتية»، ليخلُص إلى: «إنها رواية حياتي، رواية حياتين، هما حياتي»(288). يزيد أنه لا يحفل بنظريات القراءة، عمليًّا بالنقد طُرًّا، المبنيِّ أساسًا على التلقي، كأن يكتب ناقدٌ بأن هذه الرواية لا نسقية، وموزعةٌ بين أنساق، وذاكرات، ومحكيّات وطنية ولوحات سياحية، وجوامع الروايات، والاستطرادات. إن مؤلفها يقترح علينا جزافًا نوعًا لا روائية الرواية، سبق أن نبهنا بعنوانه أن: «الحياة ليست رواية» وهذا ما اجتهد فيه، ليعطينا بقلمه القول الفصل في النهايات، وهو: أحاول أن أكتب رواية أو ما يشبه رواية، و: «القارئ يقرأ والروائي يكتب» (288)، وهذه جملة خبرية، ربما تريحه، والنقد معه، من كل التبعات.
0 تعليق