أن تعرف هو أن تفكر على نحو صحيح فيما هو كائن لأسباب وجيهة ومتينة، وليس بدافع المصادفة أو الإيمان، كما قد يحدث حتى مع الشخص الجاهل. فهل ثمة، مثلًا، كائناتٌ حية خارج المنظومة الشمسية؟ لا أحد يملك الإجابة. ولكن غير ممتنع أن يكون اعتقاد هؤلاء أو أولئك (ممن يثبتُ أو ينفي) صحيحًا، لكن من غير الجائز عدّه معرفة. وهذا ما يميز المعرفة مِن الرأي الصائب: فغيرُ كافٍ أن «نصيب عين الصواب»، بل ينبغي أن يكون الاعتقادُ نفسه مشروعًا عقلًا أو تجربةً.
فالمعرفة أكثر من مجرد اعتقاد صحيح وأفضل: إنها علاقة ما تجمع، تطابقًا، تشابهًا، وتوافقًا، مع تبرير عقلي، العقل والعالم والذات والموضوع. هكذا نعرف أصدقاءنا وحينا وبيتَنا: فما هو كائن في أذهاننا، لما نفكر فيهم، يتلاءم تقريبًا مع ما هم عليه في الواقع، وليس ذلك من باب المصادفة، وإنما بفضل ما لدينا من تجربة واعية.
وهو تقريبًا ما يميز المعرفة مِن الحقيقة. فقد يخطئ المرء أصدقاءه. وقد لا يحيط علمًا بجميع تفاصيل حيه. بل قد يجهل أشياء حتى عن منزله. فمن ذا يقسمُ أن بيته لم يهاجمه النمل أو على العكس، أن ليس تحته كنزٌ؟ فليس ثمة معرفةٌ مطلقة، أو مثالية، أو غير متناهية. هل تعرف حيك؟ طبعًا! لكن ينبغي لك، حتى تعرفه تمامًا، أن تقدر على وصف أصغر طريق فيه، وأصغر بناية في كل طريق، وأصغر شقة في كل بناية، وأصغر ركن في كل شقة، وأصغر كتلة تراب في كل ركن، وأصغر ذرة في كل كتلة، وأصغر إلكترون في كل ذرة … فأنى لنا ذلك؟ الأمر يتطلب أنْ يؤتى المرء علمًا لا نقصان فيه وذكاء لا حدود له: وليس في متناول اليد هذا، ولا ذاك.
وعلى الرغم من ذلك، فإن القصد ليس أنه لا يقع تحت علمنا شيء. فلو صح ذلك، أنى لنا أن نعرف ما المعرفة وما الجهل؟ ويفترض سؤالُ مونتاني، الفعلي: «ماذا أعرف؟» أو سؤال كانط، المبدئي: «ماذا يمكنني أن أعرف؟ كيف ووفق أي شروط؟»، معًا، فكرة وجود حقيقة على الأقل ممكنة. فكيف يمكننا، إن لم تكن كذلك قط، أن نستدل؟ والفلسفة ما جدواها عندئذ؟ إن فعل التفكير، إذا قمنا بذلك على وجهه، خضوع إلى «معيار الفكرة الصحيحة المقدمة» (سبينوزا) أو الممكنة (مونتاني، باسكال، بوبر) دومًا. وإلا سنكون إزاء آراء فقط، فلا تمييز بين العلم والخرافة، ولا بين الصدقية والخطأ أو الوهم.
هل نعرف الحقيقة أم نتصورها؟
إن الحقيقةَ هي ما هو كائن (حقيقة الشيء أو الكائن)، أو هي تفكيرٌ يتلاءم بالضبط مع ما هو كائن (حقيقة الإدراك أو المعرفة). إنها تقديم أو تمثيل. ولو كان ممكنا فإنه يعبر عنها الواقعي نفسه، دون قول، أو خطاب، تعبيرًا مناسبًا وتامًّا. ما هو كائن، أو كل ما يستقيم لنا التفكير فيه.
ولهذا السبب ليس ثمة أي معرفة تكون هي الحقيقة؛ لأننا لسنا نعرف أبدًا، على نحو مطلق، ما هو كائن، ولا كل ما هو كائن. فلا يمكننا أن نعرف شيئًا مهمًّا كان إلا عن طريق حواسنا، وعقلنا، وتصوراتنا، وأدواتنا ونظرياتنا. فكيف تكون معرفة مباشرة، والحال أن كل معرفة، بالطبع، هي توسط؟ وكيف يمكن لمعرفة مطلقة أن تكون ممكنةً، والحال أن كل معرفة هي علاقة وتفاعل؟ فأبسط أفكارنا تحمل أثر جسدنا، وعقلنا، وثقافتنا وبيئتنا. فما المعرفة من دون انفعالات؛ دماغ؛ لغة؛ أدوات ملاحظة وقياس؟ من دون تراكم المعتقدات والفرضيات، والتفنيدات؟ ومن دون ذوباننا في العالم والمجتمع؟ فكل فكرة لدينا هي بشرية، موضوعية ومحدودة، وغير ممكن لها عندئذ أن تتلاءم مطلقًا مع تعقيد الواقع الذي لا ينفد.
يقول مونتاني: إنه «لا يمكن للعيون البشرية ملاحظة الأشياء إلا عبر أشكال معرفتها»، ويؤكد كانط أنه لا يمكننا التفكير في الأشياء إلا عبر أشكال إدراكنا؛ إذ تُرينا عيونٌ أخرى منظرًا مختلفًا، وعقل آخر سيفكر فيها بطريقة مختلفة. وربما تكتشف دماغ أخرى رياضيات أو فيزياء أو بيولوجيا أخرى… فأنى لنا معرفة الأشياء كما هي جوهرًا، طالما أن معرفتها تعني دائمًا إدراكها أو التفكير فيها حسب ما تبدو هي لنا؟ فلسنا نبلغ الحقيقي مباشرةً، ولا اتصال لنا أبدًا مع المطلق، ولسنا ننفتح انفتاحًا لا نهائيًّا على اللانهائي. فكيف نحيط بها علمًا كلها؟ إننا منفصلون عن الواقع بواسطة الوسائل نفسها التي تسمح لنا بإدراكها وفهمها، فأنى لنا معرفتها مطلقًا؟ فلا معرفة إلا بالنسبة إلى ذات. فكيف لها أن تكون، وإن كانت علمية، موضوعية تمامًا؟
المعرفة والحقيقة مفهومان مختلفان تمامًا، لكنهما متلازمان أيضًا. فليس ثمة معرفةٌ هي الحقيقةُ، لكن المعرفة التي لم تَنَلْ نصيبًا من الصحة على الإطلاق لن تضحى كذلك (ستكون هذيانًا، خطًّا، وهمًا…). فليس ثمة معرفة مطلقة، وهي إنما تُعَدّ معرفةً، وليست هي ببساطة اعتقادًا أو رأيًا، إلا بذلك الجانب المطلق الذي تتضمنه أو الذي تسمح به.
انظر، مثلًا، حركة الأرض حول الشمس. فليس يُحاط بها علمًا إحاطةً مطلقةً، تامة وكاملة. إلا أننا نعلم جيدًا أن الحركة موجودة، وأنها في شكل دورانٍ. فنظريات كوبرنيك ونيوتن، وإن كانت نسبية (إنما هي نظريات)، أصح وأوثق، إذن فهي أكثر إطلاقًا من نظريات هيبارك وبطليموس. ونظرية النسبية، كذلك، أكثر إطلاقًا (وليست أكثر نسبية، كما يوهمنا أحيانًا اسمها) من نظرية ميكانيكا السماء في القرن 18، التي تفسر ما لا تفسره الأخرى. وليس المقصود من أن كل معرفة هي نسبية أنها كلها سواء. فالتقدم هو أيضًا ليس يُنكر من نيوتن حتى أينشتاين أو من بطليموس إلى نيوتن.
المعرفة والعلم: من النسبي إلى المعقول
ولهذه العلة ثمة تاريخُ العلوم، ولهذا السبب اتسم هذا التاريخ بالمعيارية والتكرار (يحكم فيه الحاضرُ على الماضي) وهو إلى ذلك لا رجعة فيه؛ لأنه يقابل الأكثر مع الأقل صدقًا، ولأننا لا نقع فيه أبدًا في الأخطاء التي فُهمت وفُندت. وهو ما أكده، كل بطريقته، باشلار وبوبر. فليس ثمة علمٌ لا نهائي. ولكن إذا كان تاريخ العلوم «أكثر أنواع التاريخ التي لا رجعة فيها»، كما يقول باشلار، فذلك لأن التقدم فيه «قابل للإثبات ومثبَتٌ»؛ أي لأنه «هو حركيةُ الثقافة العلمية ذاتُها». فلا نظرية صحيحة على نحو مطلقٍ، ولا حتى قابلة لأن يُتَحقق منها على نحو مطلق. لكن يجب أن يكون ممكنًا، إزاء نظرية علمية، إخضاع التجربة، تجريبها، وتزويرها -على حد قول بوبر- أي أن نكشف، إن اقتضى الأمر، عن خطئها. وإن النظريات التي تقاوم هذه الاختبارات تعوض تلك التي تنهار، إما بإدماجها أو بتجاوزها. وهذا يبدو وكأنه انتقاء ثقافي للنظريات (بالمعنى الذي يستعمله داروين للحديث عن الانتقاء الطبيعي للأنواع)، وبفضله تتقدم العلوم، لا من يقين إلى يقين، كما يُظن أحيانًا، لكن عبر «التعمق والإزالة»، على حد قول كافاياس، أو بعبارة أخرى، حسب بوبر: «عبر المحاولات واستبعاد الأخطاء». وعندئذ فإن النظرية العلمية دومًا جزئية، مؤقتة ونسبية، دون أن يعني ذلك رفضها كلها، أو تفضيل الجهل أو الخرافة عليها، فذلك نبذ للمعرفة. فتقدم العلوم، اللافت للنظر وغير القابل للدحض، يُثبت في آنٍ واحد نسبيتها (فالعلم المطلق لا يتقدم) وعلى الأقل يثبت صحتها الجزئية (لو لم يكن في علومنا شيء من الحقيقة، لما استطاعت أن تتقدم أو تُعد علومًا). فالنسبية الإبستمولوجية نقيضٌ للعدمية.
وإنا لَنتجنبُ خلط المعرفة بالعلوم، أو رد الأولى إلى الثانية. إنك لتعرف عنوانك، وتاريخ ميلادك، وجيرانك، وأصدقاءك، وذوقك، وألف ألف شيء ليس يعلمك إياها أي علم ولا يؤمنها لك. إن الإدراك معرفة، والتجربة معرفة، حتى وإن كانت غير دقيقة (وهو ما يسميه سبينوزا معرفةً من النوع الأول)، ومن دونها يستحيل كل علم. ليست «الحقيقة العلمية» تكرارًا لفظيًّا غسيلًا: فثمة حقائق غير علمية، ونظريات علمية سيُكتشف يومًا ما زيفها.
تخيل، مثلًا، أنك يجب أن تمْثُل أمام المحكمة شاهدًا… وليس يُطلَب منك أن تبرهن علميًّا على هذه النقطة أو تلك، وإنما أن تقول، ببساطة، ما تعتقده، أو، وهذا أفضل، ما تعرفه. أ مخطِئٌ أنت؟ لا ريب. ولهذا كان تعدد الشهادات مطلوبًا. لكن هذا التعدد نفسه لا معنى له إلا إذا افترضنا وجود حقيقة ممكنة، وليست تكون عدالة على نحو آخر. فإذا تعذر بلوغ الحقيقة، أو إذا لم تكن موجودة، فما يكون الفرق حينئذ بين مذنب وبريء؟ بين شهادة وادعاء؟ بين العدالة والخطأ في الحكم؟ ولم نحارب منكري الحقيقة والظلاميين، والمحتالين؟

المعرفة، النسبية، والشك العقلاني
المهم هنا، عدم الخلط بين الريبية والسفسطائية، فأنْ تكون شكاكًا، مثل مونتاني أو هيوم، يعني أن تفكر بأنْ لا شيء مؤكد، وإنا لندعم ذلك بأسباب قوية. إنا لنُسمي يقينًا كل ما لا قدرة لنا على الشك فيه. ولكن ما الذي يُثبت عدم قدرتنا؟ كان الناس على يقين، لقرون، أن الأرض ثابتة، في حين أنها لم تتوقف يومًا عن الحركة… إنما تكون يقينًا معرفةٌ مبرهَنٌ عليها. إلا أن برهاننا لا يكون موثوقًا إلا إذا كانت عقولنا كذلك، أو، كيف نثبتُ أنها كذلك، بما أننا لا يمكننا الإثبات إلا بواسطتها؟ إنها دائرة المعرفة التي تمنعنا من بلوغ المطلق. هل من مخرج؟ ذلك لا يكون إلا بالعقل أو التجربة، ولكن ليس يسمح لنا هذا ولا ذاك بذلك: فالتجربة عمادُها الحواس، والعقل معتمدٌ على نفسه. عبر مونتاني في جملة عن الأساسي: «بما أن الحواس غيرُ قادرة على وقْف الخلاف؛ لأنها هي نفسها غيرُ ثبْتٍ، فينبغي أن يضطلع العقل بذلك، وليس يقوم عقلٌ إلا على عقل آخر: وها نحن نرجع إلى اللانهاية»، وليس لنا خيار إلا بين الدائرة والتقهقر إلى اللانهاية، أيْ أنه لا خيارَ. وما يجعل المعرفة ممكنةً (الحواس، العقل، الحكم) هو نفسه ما يحول دون بلوغ اليقين.
إنه لمذهلٌ تعبير مارسيل كونش المتعلق بمونتاني. لا ريب أن لنا يقينيات، التي يبدو لنا بعضُها يقينيات حق (يقينيات مؤسسة أو مبررةٌ تمامًا)، لكن «اليقين بوجود يقينيات حق ليس سوى يقين واقعٍ». ويجب أن نستنتج من ذلك أن اليقين الأكثر صلابة، بكل دقة، لا يبرهن على شيءٍ، فليس ثمة براهين قاطعة بإطلاق.
فهل ينبغي إذن الإعراض عن التفكير؟ كلا. فقد كتب باسكال أنه «يمكن أن تكون ثمة براهين حقيقية، لكن هذا ليس أكيدًا». وهذا، في الواقع، لا يبرهَن- بما أن كل برهنة تفترضه. فالقول: إنه «ثمة براهين حقيقية» هو قول لا يقبل البرهنة. وليس يقبل القول: إن «الرياضيات صحيحة» برهنة رياضية. وكذلك: إن «العلوم التجريبية صحيحة» ليست التجربةُ تثبتها. كيف يمكن، حتى، إثبات أن العالم موجود، وأنه شيء آخر ليس بالحلم ولا بالهلوسة؟ لكن هذا لا يمنعنا من معرفة ما يُرينا العالم، وليس يحول بيننا وبين الرياضيات، الفيزياء أو البيولوجيا، ولا يقف دون تفكيرنا في أن برهنة ما أو تجربة أفضل وأحسن من مجرد رأي. فالقول: إن كل شيء غير يقيني ليس سببًا للتوقف عن البحث عن الحقيقة؛ لأنه ليس من الثابت أبدًا أن كل شيء غير يقيني، مثلما يلحظ باسكال، وهو ما يقوي حجة الريبيين، ويحول في الآن نفسه دون إثباتهم ذلك. والمجد للبيرونية ولمونتاني؛ إذ الشك لا يضاد العقلانية، وإنما هو عقلانية نافذة، مدفوعة إلى أقصاها حتى يبدأ العقل صارمًا في الشك في يقينه الظاهر. فما الذي تُثبته المظاهر؟
دفاعٌ عن العقل في زمن السفسطة
السفسطائية أمر آخرُ: إنها لا تعني أنْ لا شيءَ يقيني، وإنما لا شيء صحيحٌ. وهذا لم يكن قد كتبه مونتاني ولا هيوم مطلقًا. فأين منهما التفلسف إن اعتقدا ذلك، وما الذي يدعوهما إلى ذلك؟ فالريبية تضاد الدغمائية. والسفسطائية، نقيض العقلانية، بله الفلسفة. فإن لم يكن شيءٌ حقيقيًّا، فما الذي يتبقى من عقلنا؟ كيف يمكننا أن نتحاور، نُحاج ونعرف؟ «ألكل حقيقته»؟ إن صح ذلك، فلن تكون ثمة حقيقة البتة، بما أنها لا تكون كذلك إلا إذا كانت كونية. إنك لتقرأ، في اللحظة الراهنة، هذا الكتابَ، وربما لا أحد غيرك يعرف ذلك. وهذا، رغم ذلك، صحيح كونيًّا: لا أحد يقدر على نفيه، في أية نقطة من هذا الكون، دون أن يظهر جهلًا أو كذبًا. وفي هذا يقول آلان: إن «الكوني هو محل الأفكار»، وهو ما يجعلنا متساوين، أمام الحقيقي على الأقل. لا أحد يملك الحقيقة، بل هي للجميع حقًّا. إنها ليست تخضع، ولهذا السبب هي حرة وتُحررُ.
فأنْ يكون السفسطائيون على خطأ، فهذا طبعًا مما لا يمكن البرهنة عليه (بما أن كل برهنة تفترض مسبقًا وجود فكرة الحقيقة)، إلا أنهم إن يكونوا على صواب، فهو مما لا يمكن حتى تصوره على نحو متوافق. فلو لم تكن ثمة حقيقة، ما صح القول بأنه لا حقيقة. ولو كان كل شيء خاطئًا، مثلما رأى نيتشه، لكان «القول بأن كل شيء زائف» زائفًا أيضًا. وهنا مكمن تناقض السفسطائية (وهو ما ليست عليه الريبية) وتقوضها ذاتيًّا بما هي فلسفة. وليس يهتم السفسطائيون بهذا. ففيم يضيرهم التناقض؟ وما حظهم من الفلسفة؟ إلا أن الفلاسفة، منذ سقراط، منشغلون بهذا. ولهم في ذلك أسباب هي العقل نفسه، وحب الحقيقة. وكان نيتشه قد كتب: «أنْ يكون حُكمٌ ما خاطئًا، فليس ذلك عندنا، حجة ضد هذا الحكم». لكنه كذلك عند الفلاسفة، في كل الأحوال إذا كانوا عقلانيين، وليس يكون لهم حجاج على نحو آخر. فإذا كان لا شيء حقيقي، أضحى التفكير في أي شيء ممكنًا، وإن هذا لَمُلائمٌ للسفسطائيين، لكنه يعني إذن استحالة التفكير أبدًا، وهو ما يعد بالنسبة إلى الفلسفة مميتًا.
وإن كل فكر خاضع لشيء آخر غير ما يبدو حقًّا أو مخضِع الحقيقة لشيء آخر غيرها (القوة مثلًا أو المصلحة أو الرغبة أو الأيديولوجيا…) هو عندي سفسطة. والمعرفة هي ما يفصلنا عن ذلك، على المستوى النظري، كما تفعل ذلك النزاهة على المستوى العملي؛ لأنه إذا لم يكن شيء حقيقيًّا ولا باطلًا، فلن تكون ثمة اختلافات بين المعرفة والجهل، ولا بين الصدق والكذب. ولن تصمد العلوم ولا الأخلاق ولا الديمقراطية. فإذا كان كل شيء باطلًا، فكل شيء مباح: فيمكن التلاعب بالتجارب أو البراهين (بما أنه ليس فيها ما يُقبل)، وتوضع الخرافة على قدم المساواة مع العلوم (بما أنه لا حقيقة لتفصل بينهما)، ويُجرم البريء (طالما أنه لا فرق جوهريًّا بين شهادة صدق وشهادة زور)، وتُنفى الحقائقُ التاريخية المؤكدة (بما أنها أيضا خاطئة كغيرها) ويترك المجرمون أحرارًا (طالما لم تصح إدانتهم) فلا ذنب لمن أضحى منهم (بما أنه ليس صحيحًا أنه كذلك حتى بالنسبة إلى المجرم)، وأخيرًا تُنبذ كل شرعية للاقتراع العام (فلا تصويتَ إذا لم تُحصَ الأصوات حقًّا). فمن ذا الذي لا يرى هاته المخاطر؟ فإذا أمكننا التفكير في أي شيء، فإنه بمقدورنا كذلك أن نفعل أي شيء: فالسفسطة مطية إلى العدمية، مثلما تقود العدمية إلى الهمجية.
وهذا ما يسم المعرفة بميسم الروحي والحضاري. ويتساءل كانط: «ما الأنوار؟» يجيب: «إنها خروج الإنسان من حال «القصور العقلي»، وإن هذا الخروج لا يحصل إلا بالمعرفة: «فلْتتجرأ على المعرفة! ولْتتشجع على استعمال عقلك بنفسك! ها هو شعار الأنوار». فكل معرفة، دون أن تكون أبدًا وعظية (فالمعرفة ليست الحكم، والحكم ليس المعرفة)، هي رغم ذلك درس في الأخلاق: لأنه لا أخلاقَ ممكنة دون معرفة، وليست تكون نقيضًا لها.
ولهذا ينبغي للمرء البحث عن الحقيقة، مثلما يقول أفلاطون: «بكل روحه»، فلعل الروح ليست، ربما، شيئًا آخر سوى هذه البحث.
ولهذه العلة لسنا منتهين من البحث. ليس بسبب أننا لا نعرف شيئًا، فهو غير مُرجح البتة، بل بسبب أننا لا نعرف كل شيء. وقد قال العظيم أرسطو، باتزانه المعهود، ما ينبغي أن يُقال: «البحث عن الحقيقة يسير وعسير في آنٍ واحدٍ؛ فليس يبلغها أحدٌ كلها، وليس هو بمضيعها تمامًا». وهو ما يسمح لنا بالتعلم دائمًا، ويُبطل زعم الدغمائيين (في امتلاكهم مطلق الحقيقة) والسفسطائيين كذلك (في إنكارهم وجود الحقيقة أو القول باستعصائها). فبيْن الجهل المطلق والمعرفة المطلقة، ثمة مكان للشك والبحث، وكذلك للمعرفة ولتطور المعارف. فعملًا موفقًا للجميع.
المصدر: le plaisir de penser، من الصفحة 151 إلى 160
المؤلف: الفيلسوف الفرنسي، André compte- sponville.
0 تعليق