ارتكبت جريمة
جريمة موصوفة
كما يقال
بكلا ركنيها القانونيين
المادي والمعنوي
* * *
خنت الرسم
هجرته
دونما كلمة وداع
أو حتى نظرة
دونما ندم
رميته خلف ظهري
ككأس فارغة
ولم ألتفت لأرى أين وقع
غير أني سمعت صوت وقوعه على الأرض
وانكساره
* * *
إلا أنه لسماحته
لوفائه
لسمو خلقه
لم يهجرني!
أهب من السرير، وأهرع إلى الخزانة ذات الدرفتين المركونة في زاوية الشرفة الخلفية، حيث أحتفظ بالأقلام والريش وأنابيب الألوان، التي غالبًا ما يكون قد جف، بمرور الزمن، عدد لا بأس به منها. «أي عقاب؟» أسأل نفسي. «عادل كفاية» تجيبني. وأقوم برسم مجموعة متسلسلة من الرسوم، حينًا أكتفي بـرسم خمسة، وحينًا أجدني أرسم عشرة، وحينًا يصل عددها إلى 60 رسمًا، كما حدث في معرضي (تكفيني شجرة – 1986). وبأحجام صغيرة وكبيرة ومتوسطة، على الورق وعلى القماش، أبدؤها بقلم الرصاص، أو الفحم، وبعدها أنطلق وأستخدم أنواعًا عديدة من الألوان والأحبار. كل مجموعة تتناول موضوعًا محددًا وقعت عليه بطريقة أو بأخرى واستهواني رسمه، إما لمجرد شكله، وإما لما يمكن أن يوحيه ويرمز إليه من معانٍ وأفكار، صاعدًا بأسلوبي من الواقعية المباشرة إلى التجريدية البحتة:
أشجار
طيور
وجوه
زجاجات
قطط
زهور
وآخرها وحوش بشرية، ذات أنياب بارزة وألسنة دموية مدببة. ولكن ليس أنا من يسمح لنفسه أن يحكم على الآخرين بهذه القسوة، لذلك أطلقت عليهم اسم:
(إخوتي).
لهذه الأسباب مجتمعة، الظاهر منها والخفي، التي لا يعلم غير اللـه ماذا كانت غايتهم البعيدة من تردادها أمامي، والتي، بسوء ظن من قبلي، محاولة كل طرف منهما إبعادي عن مصلحته وباب رزقه! راح الرسامون يعدونني شاعرًا، يطيب له، تشبهًا بهم، وكما سبقه شعراء مشاهير كثيرون، وآخرون مغمورون لم يسمع بهم أحد، أن يخربش من حين إلى آخر خطوطًا لا على التعيين على هامش صفحات قصائده. وفي المقابل راح الشعراء يعدونني رسامًا، وينصحونني أن أركز جهدي على الرسم: «الجميع يستطيعون أن يكونوا شعراء، الأمر لا يحتاج سوى لمعرفة بسيطة في القراءة والكتابة، خذ مثالًا على هذا، صديقك محمد سيدة، الشاعر الذي تعظمه وتعده معلمًا لك، فهو لم يتعلم في المدرسة سوى للصف الرابع. أما الرسم فيحتاج لموهبة ومهارة لا يمتلكها إلا القلة من الناس، وأنت يا منذر، خلقك الله لتكون رسامًا». حتى إنهم بعد أن يروا بعض رسومي، يعرضون عليّ وساطتهم لإقامة معرض لي عند أصدقائهم من أصحاب الصالات الفنية في العاصمة، وذلك إذا استطعت أن أعمل على هذا الموضوع الذي أذهلهم، وأرسم لا أكثر من عشرين لوحة؛ نعم ارسِمْ عشرين لوحة، بأحجام مختلفة، لهذا الرجل والمرأة اللذين يديران لنا ظهريهما، وسنؤمن لك واحدة من أفضل صالات العرض في دمشق! كما أنه بسبب عدم اعتراضهم على اعتدائي على كارهم، يعطون أنفسهم كامل الحق أن يطلبوا مني، رسومًا خاصة لأغلفة كتبهم، دون أي مقابل، طبعًا، سوى أن يشرفوني بكتابة اسمي بحروف صغيرة ما أمكن، في إحدى زاويا الغلاف الخلفي للكتاب؛ لذا عندما سأل صالح دياب الشاعر علي الجندي، عن رأيه في شعر منذر مصري، أجابه:
«منذر مصري.. الرسام تقصد؟».
لليوم
وبعد 50 عامًا بالتمام والكمال
كلما حدث
وكنت أسير وحدي أو بصحبة صديق
وسط شارع
عائدًا من سهرة متأخرة في مطعم شعبي
ورحت أضرب ببوز حذائي
علبة سردين فارغة
وأمضي بها أبعد مسافة ممكنة
إلى أن تقع في بالوعة مطرية بلا غطاء
أو أن تدخل أسفل إحدى السيارات الهاجعة
على طرفي الشارع
أستعيد على قرقعتها
ذكرى لؤي كيالي
وهو يركل علبة السردين
على طول الطريق
من مقهى الموعد في نهاية الجلسة المسائية
إلى بيته في حي الحمدانية
ذي الغرفة الواحدة والمنتفعات
حيث يرسم وينام ويستقبل
القلة من الأصدقاء.
قال لمأمون صقال: «يعجبني خط منذر»
هو الذي لا يعجبه خط أحد
وكأن هذا شجعني على أن أبدي
على نحو لا يخلو من بعض الوقاحة
ملاحظاتي على طريقة رسمه الأيدي
فما كان منه إلا أن قال
وبكل التهذيب الذي يمكن أن يمتلكه
شخص عصابي مزق يومًا رسوم معرض كامل
لسماعه بعض الانتقادات:
«باكرًا عليك أن تحكم على رسم الأيدي يا صديقي»
أما حين سخرت من بكاء ناديا نصار
التي عرفت بزياراتها المتكررة للفنانين والأدباء
في مختلف المدن السورية
والتي ألف لها الموسيقار محمود عجان
مقطوعته الوحيدة حاملة اسمها: ناديا
وهي أمام إحدى لوحاته،
فقد اكتفى بأن وجه لي سؤالًا لليوم لا أعرف جوابه:
«وهل تعرف معنى الدموع».
لأنه أيضًا، مجموعتي: «لا أرسم شيئًا أرسم.. الزمن»، مربعات بيضاء أو صفراء أو بيضاء وصفراء معًا، أحاول أن أجعلها متوهجة، بالقدر المطلوب، أنقلها، تبعًا لإحساس غير مدرك، بأن هذا الموقع مناسب وذلك الموقع لا، على أطراف لوحات مطلوسة بالأسود الفاحم. محاولًا أن أجعل من الفراغ موضوعًا، ومن الحيز الذي يخلو من أي شيء ينظر إليه، ما يستوجب أن يقترب منه ويلامس حوافه وسماكاته برأس سبابته، كما فعل يوسف عبدلكي عندما زارني في مرسمي لأول مرة، وليخلص، بموافقة ناصر حسين الذي جاء معه، بأن يقول لي: «منذر أنت رسام جيد، ولديك خط قوي، لماذا ترسم أشياء كهذه؟». أو مجموعتي السابقة، التي بقيت منكبًّا عليها زمنًا تجاوز خمس السنوات: «زجاجات لا أحد غير اللـه يعلم ماذا تحتوي»، سيقول: إنني سرقتها من هذا الفنان أو ذاك. رسامون، لا يحصى عددهم، على مدار العصور، ومن مختلف المدارس، رسموا الزجاجات، الجميل والجيد منها كزجاجات سيزان وبيكاسو وبراك، والسوقي الرديء منها كزجاجات رسامين لا يستحقون، مجرد، ذكر أسمائهم.
صدقت بما قاله لي مأمون صقال: «عندما يكون لديك خط قوي، يكون لديك لون قوي». وجعلته ديدني في الرسم. يلاحظ بسام جبيلي، زميلي في كلية العلوم الاقتصادية، وجاري في السكن الجامعي، وشريكي في معرضنا الأول في بهو كلية الآداب في جامعة حلب، نزعتي القوية للرسم الواقعي، ويفسرها بأنها نتيجة تأثر واضح برسوم لؤي كيالي ومأمون صقال وسعد يكن، للناس في الحدائق العامة والمقاهي، ومحاولتي تقليد خطوطهم القاسية، ويحذرني: «انتبه، هم يرسمون الإنسان يرتدي ثيابًا، قمصانًا وأحذية. نحن نرسمه عاريًا، أشخاصهم عاديون عابرون، نحن أشخاصنا جوهريون خالدون». تجري معنا الصحافية (هـ)، التي اكتشفنا لاحقًا أنها هنريت عبودي زوجة المفكر جورج طرابيشي، مقابلة لصحيفة الجماهير المحلية. وردًّا على سؤلها كيف يشعر كل منا وهو يرسم. أجابها بسام: «كمن يضربني أحدهم بمطرقة على رأسي فلا أستيقظ إلا عندما تنتهي اللوحة». بينما كان جوابي: «أكون في أشد حالاتي تيقظًا واستثارة». نشرت المقابلة باختصار وتصرف شديدين. ومع ذلك سعدنا بها. وقد أرفق بها عدة صور، منها صورة لبسام يعلق رسومه على أحد المساند المخصصة للعرض. وصورتي أنا.. واقف مع ثلاث فتيات!
أعدل في مساحته، تناسب حجم المربع مع حجم اللوحة، أكثر من مهم، أضيقه وأوسعه، ولو ميليمترات قليلة. أدقق في الخطوط التي تحدد أطرافه، أستخدم في البدء مسطرة، ثم أعود وأحني للخارج قليلًا الطرف الأيمن، وللداخل على نحو يكاد لا يلحظ، الطرف الأيسر، وكذلك الأمر بالنسبة لطرفيه، الأعلى الذي يجب أن يكون مقوسًا، والأسفل المقعر باعتدال، ثم أعيد وأعيد طلس اللون الأبيض فوق اللون الأصفر، خالطًا الأصفر الليموني مع الرمادي كي لا يبدو مبهرجًا، ثم لا بأس بالقليل من الظل باللون البرتقالي الفاتح. وبقدر حرصي على أن يكون أملس وناعمًا في وسطه، أحرص على أن يكون ثخينًا وخشنًا عند جانبيه، كأمواج تتوالى على الشاطئ، لطيف أن آتي هنا بتشبيه شاعري، في سياق هذا الكلام الجاف. نعم، ربما تجدني أعمل في مربع فارغ تُراوِحُ مساحتُه بين 25% و30% من المتر المربع، ضمن محيط من السواد يغطي اللوحة كاملة، لساعات وساعات، لا أشعر بانقضائها، ويحدث أن أمسحه وأرسمه، المرة تلو الأخرى، متكبدًا ذات العذاب؛ وذلك لأنه لا بد لي أن أجعل من مجرد مربع فارغ، أقرب إلى أن يكون لا شيء، شيئًا يستحق أن ينظر أحدهم إليه، وأن يطيل النظر ولو لدقيقتين أو لثلاث، أو ربما لعشر دقائق!
ها أنذا أضيف الآن. أنه بالنسبة للناظر إلى مربع، لم يرسم في داخله شيء، مربع فارغ من أي شيء، دقيقتين أو ثلاث دقائق، لا أكثر، ليس بالزمن القليل على الإطلاق.
أرجوك لا تسألني
مربعاتي ماذا تعني؟
لا تطلب مني أن أقول لك ما هي؟
أو أن أشرح لك
ما هي غايتي من رسمها
انظر فحسب
لا تحاول أن تفهم
إنها ليست مسألة تتطلب حلًّا
* * *
إنها مجرد مربعات.
اتصل بي صديق يقوم بزيارة للولايات المتحدة الأميركية، وأخبرني أنه دخل لتوه صالة عرض فنية؛ ليكتشف، من أول نظرة، من أين أسرق رسومي، وبخاصة مربعاتي. فاللوحات أمامه كلها مربعات في مربعات لرسام بريطاني راحل ذي شهرة واسعة، من الصعب عليه تهجئة اسمه، يقام لرسومه معرض استعادي في واشنطن العاصمة.
عندها استطعت بقدرتي على المراوغة المشهود لي بها في إيجاد التبرير المناسب لأي شيء أقوم به:
(يا صديقي.. يا صديقي
لكل رسام مربعاته).
(لا أرسم شيئًا.. أرسم الزمن).
0 تعليق